صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

يحبونني ميتا

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

يحبونني ميتا

مُساهمة من طرف منصور في الثلاثاء 18 نوفمبر 2008 - 17:20

إلى محمود درويش



"بعد تسعة وثلاثين يوما من موتي، وقبل صعودها إلى السماء، بعثتُ روحي لترفرف على اللتين أحبهما، إلا أنها لم تجد طفلتـي وزوجتي في البيت. لقد كانتا في ذلك المكان الذي كنت أحلم أن أدخله حيا فلم أدخله ـ للأسف ـ إلا ميتا...


في المدرج الرئيسي بكلية الآداب، اجتمع هواة الرثاء التكسبي ليقولوا كلمة 'حق' في حقي، بعد أن لمّعوا المدرج الشهير وملأوه بالزهور والكاميرات والطالبات الجميلات كما يليق بولائم الكلام... وقد وضعوا صورتي فوق المنصة التي كنت أحلم بركوبها لأعانق الدكتوراه ليتضخم 'رأسمالي الرمزي' وتزول من نفسي تلك الغُمة التي تتلبسني عندما أرى المُدكترين الذين ينظرون إلي باحتقار تخفيه الابتسامات الكبيرة.



حين حضر محترفو الرثاء، من قوالين ومستمعين، تبادلوا ملايين الابتسامات وملايين القبل، هنأوا أنفسهم بهذه المناسبة السعيدة ـ يقصدون موتي ـ التي أتاحت لهم الالتقاء في هذا المكان البهي 'لخدمة الهم الثقافي'. اعتلى القوالون الرئيسيون المنصة واصطفوا في خط واحد مثل قناني الماء المعدني الصافي الطبيعي التي توجد أمامهم. طلب شيخ القوالين ـ الجالس في الوسط ـ من مجمع محترفي الرثاء أن يقفوا دقيقة صمت ثم يقرأوا الفاتحة، يترحمون علي بالطريقتين :الشرقية والغربية معا! سُرّت روحي بهذا الصمت المهيب فصعدت الى سقف المدرج وبدأت ترقب المشهد، جلس الجميع، بمن فيهم زوجتي المنزوية في مقعد أمامي جانبي ... تَرقُب بدهشة هذا الحب الجارف الذي يكنه لي هؤلاء، تستغرب: أين كانوا عندما كنت مريضا، عندما كنت أعاني الصمت والنسيان، عند ما كنت أبعث أشعاري ومقالاتي الى جرائدهم ومجلاتهم، ينشرونـهـا ولا يتصدقون علي حتى بثمن خبزة مستديرة أو مستطيلة... عندما... هاهم الآن يغرقونني في الكرم الكلامي ويقولون...


استفتح القوال الأكبر، شكر الحضور الكثيف، ترحم علي في خشوع ثم مَـرّرَ الكلمة إلى الجالس بجانبه، واحتفظ لنفسه بالقول الأخير، خاتم الأقوال!! أخذ الدكتورالجامعي، الناقد الروائي، أمين السر، الصحفي الجامع والشّوَ يْعِر'خ. ر' الكلمة، شكر شيخه ناعتا إياه 'معلمي الأول' ثم روى أني كنت زميلا له في الكلية ـ أيام الدراسة ـ وأني واجهت ظروفا خاصة وأني عملت في إحدى الوظائف الصغيرة وأني ظللت مصرا على القراءة والكتابة... وإلى هنا كان 'خ. .ر' صادقا، أما عندما قال 'كان حبيبي وصديقي' انتفضت روحي ألما، لأنه كان يتلافاني في دروب المهرجانات ويترفع عن مجالستي في المقاهي، بل خصص سلسلة مقالات مسح بي فيها الأرض، إذ وصف قصائدي بأنها أحجية وطلاسم وألغاز، قذفني بكل الكلمات وكأنه يضع معجما، وأكد أن تحليلاتي تقوم على منطق شكلي وتشمل مغالطات صفيقة لأني أنطلق من تصور ساذج وهو ما يؤدي بي إلى تحصيل استنتاجات مشوهة... وقد خلص في الختام إلى أن كتاباتي ـ جملة وتفصيلا ـ عبث وتحريف، تلاعب وتخريف 'وهذا منطقي لأن تعليمه (يستهدفني) محدود، والدليل أنه لم يحصل على الدكتوراه' ماذا أقول؟ حسبي الله ونعم الوكيل.



أخلى 'خ. ر' مخلاة المدائح التي جاء بها، تصفيق، وتناوب علي القوالون، تأسف 'ب. م' لأن لجنة جائزة نوبل لم تنتبه لي، وأفتى بأن ترشحني إدارة الجامعة لنيل الجائزة، تصفيق، اقترح 'ق. ز' أن يقام لي تمثال أمام وزارة الثقافة، ولم لا فوقها؟ تصفيق وتصفيق، زعم 'و. ش' أني وريث المتنبي وقد بُعثتُ بعد ألف عام 'لأجَدّد شعر هذه الأمة'، ونطق 'الأمة' مفخمة، تصفيق، ثم شهد لي 'ز. ف' و'ف. ز'... وأشفوا غليلهم في جثتي، تصفيق...



وكنت أتمنى، بل أحلم، أن يكون أحدهم شجاعا، واحد على الأقل، ليقول عني 'عاش مسكينا ومات مسكينا' إذاك ستسامح روحي الجميع وستغمرها السعادة قبل أن تذهب الى الجنة... أما أن يتمسح بي محترفو الرثاء، أما أن ينفسوا عن ضمائرهم بمدحي ميتا،أما أن يتجاهلوا أن مصيري سيكون مصير أغلبهم إلا الذين هَادُوا... أما أن يغطوا فوهة الهاوية بأكاليل الورود ليعبروا... فإن ذلك يُغرق روحي في مستنقع لا ترقى الكلمات لتصِفه.



وجاء دورالشيخ ليختم، ولم يقل أني مسكين، قال أني كنت صادقا، شجاعا، مضحيا، أمينا، فـنـانا، شاعـرا، حساسا، واسع الاطلاع... فأين بوشكين وطاغور ونيرودا من هذا ومني!؟ ... وتأسف الشيخ 'لقد قضى نحبه شابا' وشعرت روحي أنه لا يقصدها وان سرها أن تكون موضوعا لتنميقات بلاغية، ثم قرر 'يجب تحويل بيت الفقيد الى متحف' وقد ذعرت لذلك، إذ سيتم تشريد طفلتي الغالية وزوجتي العزيزة... تــصــفــيــق... وختم المتدخل 'ولا بد من طبع أعمال المرحوم الكاملة وتخصيص ريعها لضمان مستقبل الطفلة.' رائع!! لو تحققت هذه التوصية الخيالية لأعطت لأبهة مدحي معنى، لأن مصير الطفلة ومجدي الأدبي يقلقان روحي كثيرا... وأخيرا تدخل أحد هواة الرثاء وهو قوال مبتدئ ووعد الحضور 'سأتخذ أعمال المرحوم موضوعا لأطروحة الدكتوراه التي أنوي إنجازها'



تصفيقات، تصفيقات، تصفيقات...



بدأ الجالسون في المقاعد الخلفية يتسللون، سكنت روحي قليلا بعد أن تخلصت من مخالب محترفي الرثاء التكسبي وذهبت ترفرف على ابنتي، نزل القوالون الضخام من المنصة، بعضهم يودع زوجتي وأغلبهم يعزيها لأول مرة، تصافحهم خَجْـلى، تنظر الى الأرض لتتلافى عيونهم الشرهة، خاصة وأنها تعرف عددا منهم، عبر الصحف أو اللقاءات، بل تعرف'خ. ر'شخصيا، لأني بعثتها إليه أيام المرض ـ بوصفه عضوا مركزيا في مكتب اتحاد القوالين ـ لتطلب منه المساعدة على تدبير مصاريف الاستشفاء فقال لها بالحرف 'إن اتحاد القوالين ليس جمعية خيرية'.



وغاب الشيخ وحاشيته، بقيت زوجتي وحيدة، لا تدري ماذا تفعل، لم تحصل على شيء، تفــهم أن العزاء هو إعـانة الحي على الحياة لا تسويق موتي... لكني لست لاعب كرة اعتزل، لذا كان العزاء كلمات تلاشت في الهواء.


وألقت رفيقةُ عمري البئيس بنفسها على الكرسي من جديد، أين من قال أني كنت حبيبه وصديقه؟ تمزقت روحي،انكمشت، ماذا سيكون مصير الطفلة التي تجــــري ـ في قلب المدرج ـ على الزليج الأملس والصلد؟.. تصرخ فيرتد الصدى عَدَما، لقد تبخرت الكلمات الدسمة! مسكينة زوجتي، كيف انطلت عليها الحيلة؟ من الأفضل لو صرخت في وجوههم، لو فعلت لما أحست بالشماتة... ومسكينة روحي، بل ذليلة لأنها عاجزة عن الرد، ليتها لم تأت، ظلام القبر أرحم... لكن كيف لها أن تصعد الى السماء دون أن ترفرف على اللتين احبهما... رفيقتي وفلذة قلبي؟ وجاء السعاة.. أخرجوا أكاليل الورود الذابلة والقناني الفارغة، كنسوا الأرض، أغلقوا النوافذ، شرعوا في إطفاء الأنوار، خرجت زوجتي، ســاد الظلام، أنزلوا الستار'.



توقيع المرحوم حديثا



محمد بنعزيز
Monday, November 17, 2008
هسبريس

منصور
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 1944
العمر : 37
Localisation : loin du bled
تاريخ التسجيل : 07/05/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى