صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

جمال الدين الأفغاني وحوار الأديان :محمد الحدّاد الحياة - 22/11/08//

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

جمال الدين الأفغاني وحوار الأديان :محمد الحدّاد الحياة - 22/11/08//

مُساهمة من طرف said في الأحد 23 نوفمبر 2008 - 21:42

ما زالت رسالة «الرد على الدهريّين» لجمال الدين الأفغاني تحظى باهتمام
القراء على رغم تقادم عهدها وارتباطها بسياق مخصوص. ولعلها من النصوص التي
تستدعي إعادة قراءة تخلصها من خصوصية السياق وتمنحها معنى أكثر رحابة.
كان
الأفغاني كتب هذه الرسالة باللغة الفارسية خلال إقامته في الهند بين 1879
و1882، لكنها عرفت أساساً من خلال التعريب الذي قام به محمد عبده بمساعدة
أحد أتباع الأفغاني، ونشرت طبعتها الأولى في مصر عام 1885. تنزلت الرسالة
في سياق ردود الفعل على بلوغ الداروينية والنظرية التطورية العالم العربي
والإسلامي، وقد تعددت الردود واختلفت كما تشهد على ذلك آثار كثيرة نسيت
اليوم، مثل مجلة «المقتطف» التي فتحت أعمدتها للجدل في هذا الموضوع، ومثل
الردود العديدة، المسيحية والإسلامية، التي صاغها أشخاص مثل إبراهيم
الحوراني ومحمد رضا الأصفهاني ومحمد فريد وجدي. واختفت هذه الآثار لأن
محتوياتها قديمة وبراهينها سطحية، فلم يكن الجدل دائراً بين علماء
الطبيعية بل كانت دوافعه في الغالب الحمية الدينية.
احتفظت رسالة
الأفغاني بالشهرة على رغم أنها لا تختلف كثيراً عن الكتابات الأخرى من
ناحية المحتوى وطرق الاستدلال، لكنها فتحت من جهة أخرى آفاقاً جديرة
بالتأمل. لقد اقترح الأفغاني في رسالته قراءة للتاريخ الديني للبشرية تتسم
بالانفتاح وتنحو إلى ما أصبحنا ندعوه اليوم حوار الأديان. فتحدث عن الدين
باعتباره عاملاً أساسياً في بناء الحضارة الإنسانية، واعتبر هذه الحضارة
واحدة مشتركة بين البشر، ولم يقابل بين دين وآخر، مع اعتزاز منه بالدين
الإسلامي من دون طعن في الأديان الأخرى. ورأى أن واجب الأديان التعاضد
لدعم أسس الحضارة، ورآها جميعاً مشتركة في عقائد أساسية.
واستعمال كلمة
«عقائد» لا تخلو من جرأة في هذا السياق، لأن قارئ ذلك العصر، وربما العديد
من قراء عصرنا أيضاً، لا يفهم من العقائد إلا المعنى الضيق الذي حدده
اللاهوتيون قديماً، لكن الأفغاني حوّل المعنى جذرياً بأن جعل العقائد
ثلاثاً: شرف الإنسان وشرف الأمة وطلب الكمال. فشرف الإنسان إيمانه بأنه
أسمى المخلوقات على الأرض فيتعالى بذلك عن الشهوات الخسيسة ويتنزه عن
الطباع الدنيئة. وشرف الأمة تفاني كل فرد في خدمة أمته بما يجعلها تتبوأ
المكانة السامية بين الأمم، فيسعى الى خدمتها ورفعتها كما يخدم نفسه
وأهله، وبذلك تتنافس الأمم بما فيه خير البشرية جمعاء. وطلب الكمال عدم
اكتفاء الإنسان بحياته البيولوجية وإيمانه بأن له مصيراً بعد الموت فيكون
بذلك متهيئاً لتحصيل الكمال النفسي وجعله غاية وجوده. فإذا كانت هذه
«عقائد» الأديان، كما كتب الأفغاني، فقد أصبح الحوار بينها ممكناً، وهذا
ما نسميه اليوم بحوار الأديان أو تحالف الحضارات.
هل حاول الأفغاني أن
يقيم هذا التقارب على حساب الحداثة والعلم؟ قد يسقط البعض في هذه القراءة
الضيقة، والواقع أن الأفغاني لم ينظر إلى الداروينية من الجهة العلمية،
فما أفزعه هو ما اعتبره توظيفاً سياسياً استعمارياً لهذه النظرية للتفريق
بين مسلمي الهند. فلما أقام في فرنسا بعد سنوات من ذلك وتسنى له بعض
الاطلاع على الجانب الفكري للموضوع أشاد بداروين في خواطره التي جمعها
المخزومي وأثنى عليه «لثباته وصبره على تبعات رأيه وخدمته للتاريخ الطبيعي
من أكثر وجوهه»، واعتبر نظريته قابلة للتوافق مع الإسلام إذا اعتبرنا
الخلق في أصل الأنواع والتطور في أفرادها. وسار على هذا الدرب محمد عبده
في «رسالة التوحيد»، وارتضاه بعده رشيد رضا ومصطفى الغلاييني.
إن قيمة
رسالة الأفغاني ليست في استدلالاتها، كما قدمنا، ولكن في تطويرها لمفهوم
كلمتي «دين» و «عقيدة» بما لم يكن مألوفاً في ذلك العصر ولم يصبح مقبولاً
تمام القبول في عصرنا أيضاً، فلم يكن من الصدفة أن أنهى الأفغاني رسالته
ببرنامج للإصلاح الديني يشمل الأديان جميعاً ويقتبس من التجربة الأوروبية
باعتبارها وجدت بعد طول معاناة طريقا للتوفيق بين الدين والحضارة. قيمة
الرسالة حينئذ هي هذه الدعوة الرائدة الى حوار بين الأديان يكون مقصده
الأسمى دعم أسس الحضارة الواحدة التي ينتمي إليها كل البشر.

* كاتب تونسي


said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى