صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

جماليات الموت في شعر محمود درويش :الانتصار على النهاية.. شعرا!

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

جماليات الموت في شعر محمود درويش :الانتصار على النهاية.. شعرا!

مُساهمة من طرف بديعة في الأحد 21 ديسمبر 2008 - 7:13

يقول الباحث المغربي عبد السلام المساوي في كتاب جديد له صادر عن دار
الساقي في بيروت (جماليات الموت في شعر محمود درويش) ان محمود درويش انتصر
على الموت انتصاراً جماليا بما ابدعه من قصائد ونصوص تجمع المدارس الادبية
على فرادتها واصالتها، وان الموت في المبارزة الطويلة التي خاضها الشاعر
معه، ان كان قد سلبه هشاشة الجسد فانه لم يقو على ان يسلبه مكانته الرمزية
التي شيدتها اعماله الشعرية والنثرية التي سيستمر امتدادها في الزمن ما
استمر اهتمام الناس بالشعر.

يضيف الباحث ان الموت رافق محمود درويش
منذ فتوته اي منذ وعى ان وطنه محتل، من هنا يمكن اعتبار هذا الاحتلال
المبكر نوعا من الموت المسلط على مرحلة من ابهى المراحل التي لا تقوى
التجارب الحيوية المتدفقة طوال العمر على ان تنسي الفرد تفاصيلها والقها،
وهو
الموت الذي سيرافق الشاعر طوال شبابه الاول، والمذابح التي شهدها الشاعر
على امتداد حياته كانت المحك الذي سيعمق احساس الشاعر بالموت اليومي الذي
ينسج في وطنه، فكان عليه ان يشتغل عليه جماليا لتحويله الى رمز يتجاوز سطح
المأساة وليحفر في الذاكرة لحظة من الكثافة التي تعطي الوطن شكل امنية
مستقبلية.
فليس غريبا اذا ان يبسط قاموس الموت سطوته على تجارب درويش
الاولى (وصولا الى تجاربه الاخيرة) من «اوراق الزيتون» الى «حصار لمدائح
البحر» وهي سطوة تجد مرتعها في عناوين القصائد مثلما تجده داخل البنية
النصية بتفاوت ملحوظ، وبعد ان يرصد الباحث هذا القاموس على مستوى عناوين
القصائد، يلاحظ ان معظم المعاني تتجه الى رصد الموت بمعنى «القتل» اي كفعل
عنيف يمارس، وليس كمفهوم ميتافيزيقي مسلط على البشر من اسماء.
حول علاقة محمود درويش بالموت يطرح الباحث عدة فرضيات من اجل ان يتحقق منها:
ــ الاقدام على الموت استشهادا وفداء هو الخطوة العملية التي بامكانها ان تعيد الحق المسلوب.
ــ الانصراف عن التأمل الفلسفي في الموت بكونه مصيرا ميتافيزيقيا.
ــ
اعتبار الكلمة الشعرية الوجه الثاني للسلاح الفعلي، فهي التي يمكن ان تقوم
بوظيفة التنوير والتحريض على بذل النفس من اجل استرجاع الارض والكرامة.
ــ
كون الارتداد الذي ظهر على الشاعر في توجهه الشعري اللاحق وايثار الذاتي
على الجماعي في ما يتعلق بمفهوم الموت، كان خاضعاً لاسباب فنية لها صلة
بتغير مفهوم الشعر لديه ووظيفته تبعا لتغير ايقاع العصر، وتبعاً ربما
لاسباب فيزيولوجية تخص صحة الشاعر بعد الازمة القلبية التي ألمت به
وأخضعته لعملية جراحية دقيقة وجد نفسه خلالها امام الموت وجها لوجه، فطلع
على قُرّائه بقصيدة طويلة (جدارية) رفعها في وجه الموت، ليكشف من خلالها
عن منازلة فنية وثقافية تشكل ما يشبه القطيعة مع المفهوم الاول للموت،
الذي راهنت عليه اعماله الشعرية الاولى.
وعلى اي حال فإن محمود درويش
استطاع في مجموع تجربته الشعرية التي تكلم فيها بروح الجماعة ان يعمق تلك
المفارقة، وان يعطي شعبه املاً، كما نجح في تغيير المفهوم السطحي للموت
ليمنحه ابعادا يتقاطع فيها الرمز والواقع، وامتزجت فيها المعرفة بالممارسة
الابداعية. وكل ذلك من أجل ابتداع نشيد تضمن اصواته ونغماته معاناة شعب
اجبر على ان يقضي حياته مكافحا في سبيل استرداد ارضه وكرامته.
يتوقف
الباحث مطولاً عند «الجدارية» (بمعني معلقة) فينقل بداية رؤية محمود درويش
في قصيدته هذه: «في هذه القصيدة كنت اكثر انتباها، اولاً للمسألة الوجودية
وليس للمسألة الشعرية. كنت اعتقد انني اكتب وصيتي وان هذا آخر عمل شعري
اكتبه في القصيدة مناطق ميتافيزيقية، وقد حاولت ان اضع فيها كل معرفتي
وادواتي الشعرية معاً، باعتبارها معلقتي»!
«جدارية» هي قصيدة مواجهة
محمود درويش للموت، كتب الشاعر هذه القصيدة في اجواء غلب فيها الاحساس
بالموت مباشرة بعد خضوعه لعملية جراحية دقيقة في القلب. وهذا ما جعل الموت
يلقي بظلاله الكثيفة على القصيدة، ولكن بمنظور مختلف عن منظورات الشعراء
الذين واجهوا الموت باحاسيس مستسلمة لرهبته وهوله.
ان الشاعر مؤمن بان ما خطته اصابع الاسلاف وظل منقوشا على الجدران لهو دليل على خلود اصحابه، وعلى انهزام الموت امامه:
هزمتك يا موت الاغاني في بلاد
الرافدين، مسلة المصري، مقبرة الفراعنة
النقوش على حجارة معبد هزمتك
وانتصرت، وافلت من كمائنك الخلود
يتشكل
معجم الموت في «الجدارية» إفراداً وتركيباً بنسب عالية، مما يجعل هذه
القصيدة الطويلة مكرسة لتجربة الموت بكاملها. فألفاظ الموت وتراكيبه تخترق
الفقرات الشعرية من البداية الى النهاية، ويتنوع هذا المعجم تبعا للدلالات
التي تراهن عليها الرؤية الشعرية الى الموت، وهي دلالات تميل على حقول
متنوعة تكتسب ابعادها من التقاطعات المعرفية والثقافية التي تحبل بها
القصيدة. ان الخلفية الثقافية التي يصدر عنها الشاعر وهو يرفع جداريته في
وجه الموت تنسجم تماما مع المقصدية المراهنة على ملابسه الحقيقية الوجودية
التي انتهى اليها الشاعر في طوافه الطويل، هذا الطواف الذي يقترب من اجواء
رحلة البحث عن الخلود التي كابدها جلجامش بحثا عن النبتة النادرة.
وتبتكر مخيلة الشاعر صورا غريبة للموت:
يا موت! يا ظلّي الذي
سيقودني يا ثالث الاثنين، يا
لون التردد في الزمرد والزبرجد
يا دم الطاووس، يا قنّاص قلب
الذئب، يا مرض الخيال، اجلس
على الكرسي! ضعْ أدوات صيدك
تحت نافذتي. وعلّق فوق باب البيت
سلسلة المفاتيح الثقيلة! لا تحدّقْ
يا قويُّ إلى شراييني لترصد نقطة
الضعف الأخيرة..
وهكذا
فإن الحديث عن الموت يجيء في «الجدارية» مشتبكا برموز الحياة. «فالجدارية»
تصنع موتاً مختلفاً، وتؤسس لجمالية جديدة في مواجهته. فإذاكان الموت
يستطيع افناء الجسد، فإن الكتابة تغدو جسدا غير قابل للفناء، وهي قادرة
على ان توسع فضاءها لتنفتح على آفاق متباينة.
الموت في ابيات اخرى في
الجدارية، لا يحيا حياته، ولايعيش ولا يموت، ولم يتلذذ بجمال الطفولة، ولم
يمارس الحب مع امرأة، ولم ينعم بالأبوة، وهو ملك مخذول في مملكته..
والشاعر كأنه بصدد انشاء كوميديا سوداء تمكنه من اشباع رغبته السادية في التنكيل بالموت:
لست محتاجا لتقتلني إلى مرضي = العجز.
كن اسمى من الحشرات = الانحطاط
كن كالحب عاصفة على شجر = فقدان السموّ
لا تجلس على العتبات كاشحاذ او جابي الضرائب = الابتذال
- لا تكن شرطي سير في الشوارع = الرتابة
كن قويا ناصع الفولاذ = الضعف
اخلع عنك اقنعة الثعالب = الاحتيال
كن فروسيا، بهيا، كامل الضربات = النقص.
جمع
الشاعر في الموت كل صفات الجبن والنقص والمهانة، وهو يفعل ذلك في محاولة
لدرء الشعور بالعبثية الذي يتولد عن انتظار موت أعمى غير معقلن، وفي
محاولة لاشباع حاجة نفسية في الانتقام من موت لا يضبط مواعيده جيدا.
ثم
ان الوقوف على المعجم الشعري «بجدارية» هو في الأساس وقوف على مرجعيات
متعددة ومتنوعة تعكس ركام الثقافات التي استنجد بها الشاعر من اساطير
وأديان وآداب لكي يكون في مستوى المواجهتين المعرفية والفنية لتهديدات
الموت.
لقد اربك الشعور بالموت الحقيقي قلم الشاعر ودفع به الى تسجيل تقرير للمكان الواقعي الذي لا تنفع معه مجازات ولا استعارات:
متران من هذا الشراب سيكنيان الآن
لي متر و75 سنتمترا..
والباقي لزهر فوضوي اللون
يشربني على مهلٍ، ولي
ما كان لي: امسي وما سيكون لي
غدي البعيد، وعودة الروح الشريد
كأن شيئا لم يكن
وكأن شيئا لم يكن
هو
القبر إذا. لقد أدرك الشاعر الحقيقة التي طالما بحث عنها، فعز عليه ان
يضمرها في لغته الشعرية، لذلك جاءت ناصعة وعارية من أتواب المجاز
وألاعيبه، وذلك ما يجعلنا نتشبث بالشعر وبابهاماته التي تجعل الحياة – حتى
في مرارتها – جديرة بأن تُعاش!

جهاد فاضل

_________________
الخفافيش تخاف نور الشمس !!
****************
لا يجب أن تقول كل ما تعرف ولكن يجب أن تعرف كل ما تقول

بديعة
مشرف (ة)
مشرف (ة)

انثى عدد الرسائل : 6090
العمر : 31
Localisation : الدارالبيضاء
Emploi : موظفة
تاريخ التسجيل : 03/04/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى