صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

ولدوا فتعذبوا فماتوا/إدريس الكنبوري

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

ولدوا فتعذبوا فماتوا/إدريس الكنبوري

مُساهمة من طرف izarine في السبت 23 مايو 2009 - 17:44

لم يجد محمد مهدي الجواهري، آخر عمالقة الشعر العربي منذ امرئ القيس، ما
يفتتح به مذكراته الطويلة والقلقة خيرا من قولة حكيم صيني «ولدوا فتعذبوا
فماتوا»، فلعله كان يريد أن يقصد نفسه، فقد عاش الجواهري مائة عام متقلبا
بين المحطات السياسية والتاريخية، وشهد على أفول الإمبراطورية العثمانية،
وعاش جميع ثورات العراق الدموية، مرورا بالانقلاب الذي جرجر فيه عبد
الكريم قاسم على الإسفلت، والآخر الذي قتل فيه صدام حسين جميع أولئك الذين
يعرفون ماضيه، حتى يساعد نفسه على النسيان. ولعل مذكرات الجواهري، التي
اختار عنوانا لها «ذكريات»، تشكل مرجعا لا بد منه لفهم مرحلة بكاملها من
تاريخ المجتمع العربي الحديث، انطلاقا من رؤية شاعر عاشها عن قرب واحترق
بها، وكان يضع أمام عينيه هذا الهدف وهو يكتب في المقدمة «أريد أن أعطي،
في ذكرياتي هذه، صورة لهذه الحياة التي تؤلف نموذجا لكل تناقضات ومفارقات
المجتمع العربي، وكيف كانت صورة هذا المجتمع قبل مائة عام، وكيف هو الآن».

تمثل حياة الجواهري ملحمة حقيقية، قد لا تشبهها ملحمة أخرى عدا تلك
التي عاشها أبو الطيب المتنبي، الذي كان قريب الشبه له في طموحاته
وتقلباته المزاجية. فكما فعل المتنبي، خاض أبو الفرات حروبا في جميع
الاتجاهات وأطلق الرصاص على الجميع في كل وقت ودفعة واحدة من دون أن يتعب.
كان ملكيا مع الملكية وجمهوريا مع الجمهورية ويساريا مع اليسار ويمينيا مع
اليمين، لكن ما إن يعتقد المرء أنه اختار معسكره بشكل نهائي حتى يغير
الاتجاه ويشرع في خوض معركته الشعرية التي كثيرا ما كانت تخلف أكواما من
الغبار خلفها. كان الجميع يخاف منه ويسعى للتقرب إليه رغم كراهيتهم
الشديدة له، مثل المتنبي تماما، اتقاء لشره، وكان هو يوزع المديح والهجاء
يمينا ويسارا غير راض على شيء وغاضبا من كل شيء.
أطلق عليه لقب أبي الفرات، لأن الجواهري ترجم في شعره الغزير جميع
مفاصل الحياة في العراق، وعكس فقر العراق وظلم العراق وتقلبات العراق،
وسمي شاعر العربية، لأنه حافظ على صفاء اللغة ونجح في تطويعها لكي تكون
معاصرة للناس، بعيدا عن تطاول بعض شعراء الحداثة الذين مسخوها، وقيل إنه
شاعر العرب الأكبر لأن الشعر في زمنه كان قد فقد ماءه وكان هو أحد أصوات
قليلة سعت إلى أن تحفظ له ماء وجهه، وعندما مات في يوليوز من عام 1997 كتب
عنه الروائي العربي الكبير عبد الرحمان منيف يقول إن «الأجيال القادمة سوف
تكتشف أن الجواهري أحد بناة اللغة العربية، وهم بالنتيجة قلائل، وأحد
الذين جعلوا الشعر في القلوب، وعلى كل لهاة، وسوف نعتز، كجيل، أننا عشنا
في زمن الجواهري».
الأهم، في تجربة الجواهري الطويلة مع الشعر، أنه ظل وفيا للقصيدة
العمودية القديمة، وأن هذه القصيدة، بالذات، هي التي كانت تصل إلى القراء
وليس هلوسات بعض أولئك الذين حاولوا بناء شخصيتهم الأدبية على سب الشعر
العربي، وأن الجواهري، في النهاية، فرض نفسه على الجميع كرائد للحداثة
الشعرية الحقيقية، الحداثة التي تقول معاناة المواطن العربي وتترجم قلقه
الوجودي بعيدا عن عبادة الشكل. وكان الجواهري، الذي عاش المنافي كلها،
يعرف أنه غريب الدار، مثل المتنبي أيضا، الذي قال:

أنا في أمة تداركها الله

غريب كصالح في ثمود

ولكنه ظل متمسكا بالتحدي إلى آخر العمر، مدركا أنه يغني في واد سحيق، وقال معربا عن هذا التحدي:

في ذمة الشعر ما ألقى وأعظَمُه

أني أغني لأصنام وأحجار

الشعب شعبي وإن لم يرض مُنتبَذٌ

والدار، رغم دخيلٍ عابني، داري

تذكرت عظمة الجواهري وعبقرية الجواهري وشعر الجواهري، وأنا أقرأ خبرا
يقول إن مدينة فورونيج بروسيا الاتحادية تستعد، في الخامس والعشرين من شهر
ماي الحالي، لإقامة مراسيم إزاحة الستار عن تمثال نصفي له، تخليدا
لعطاءاته. دائما يأتي من الخارج من يذكرنا بالرموز.

المساء

izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 57
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى