صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

جبران وحوار «المكان»: علاقة حائرة مسكونة بالحكايا والأساطير

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

جبران وحوار «المكان»: علاقة حائرة مسكونة بالحكايا والأساطير

مُساهمة من طرف منصور في السبت 23 مايو 2009 - 23:42

جبران خليل جبران، هذا المهاجر الذي حَملَتْ عيناه وذاكرته جلال وبهاء
الوادي المقدّس، وامتلأتْ طفولتُه بتشكيلات متفرّدة، لعبتْ الالوان
والاحجام فيها دوراً مهما في صياغة بُنيته البصرية، مؤسسةً بذلك لمخزون
تشكيلي كبير امتزج بصعوبات مدارج درب حياته ومآسيها لينتج شاعرية رومانسية
عالية، عملتْ على الانفلات من الأطر – رغم تأثراتها الخارجية – والهُيام
عميقاً بمطارح نَدرَ أن مرَّت بغير بال هذا الباحث المزمن عن نورانية
الإله.
هذا الشاعر الرسام الذي كلَّما دَنَوْنا منه اكتشفنا بُعد
المسافة المُوص.لة اليه، ل.تَطولَ بنا الرحلة ونتوقف شغفاً أمام رؤى جديدة
في افكاره التي تشي بالمعاصرة الدائمة، والتساؤل المستمر.


عندما
ترجمَ جبران وفُه.مَ في العديد من اللغات الحاملة مناهج فكرية متغايرة،
استطاع توحيد الاجتماع حوله والإجماع عليه كمتأم.ّلٍ كَوْني، رسم للعالم
أجمع «مناخاً» بصرياً اخترق به كل خصوصيات الأخيلة والتصورات، لكأنه وحده
وعن يقين من رأى الأعجوبة فصوَّرها ورواها للبشر كافة كحالة بلا مسافات
أرضية أو مقاييس جغرافية. فهو لم يُر.د أبداً أن يكون رسام منظر بالمعنى
النسخي برغم انبثاقه من بين نضرة شجر «الأَرز» الدهري، وصفاء ثلج «بشرّ.ي»
المتوهج واطلالة «مرجحين» على ألَقْ جسد البقاع المتجلّي بخليط من ألوان
تراب الارض والخضرة المتنافسة على التعدّد.
الكلامي والبصري
فهو لم
يهدف أن تكون أمكنته استعراضية مجانية أو متّكأً لحيرة الفراغ الأبيض
«الخلفية» في اللوحة، أو مساعداً للخلاص من تململ الكلام في النص.
فعندما
يكتب يقنعنا بأنه يرسم، وعندما يرسم نتأكّد بأنه يكتب. هذه التوأمة
الخالصة بين «النص الكلامي» و«النص البصري» هي التي ألَّفَتْ منهجه ونهجه
وموقفه من الانسان ومن الكون.
وعلاقة جبران «بالمكان» هي بالاساس علاقة
خفيّة دفينة وحائرة سَكَنَتْ فيها ولفترة طويلة الحكايا والاساطير والقصص،
والكثير الكثير من توقعات إطلالة الألَق الربّاني، الذي خلق لديه نشوة
التيه التي رافقته – غزيراً – في أعماله، برغم البياض المكسور، واللون
الازرق المخضرّ تردّداً في لوحاته المائية، حيث لم يترك أشخاصَه بصفاء
عريهم بين أرضٍ وسماء، وإنما وضعَهم في «المكان الرؤيوي» الذي وإن بدا لنا
خالياً فهو يموج «بالحالة»، فلا فراغ لدى جبران يُربكهُ ويحتار فيه
ليتحايل عليه بثرثرة لونية او تطفّل شكلاني.
رهبة الغموض
وهم لم
يركن ويضع هذه الاجساد – عَرَضاً – تحت وأمام وبجانب، وعلى، وفوق كتلٍ
صخرية، صمّاء قاسية تغلبُ عليها رهبة الغموض وقد تحرّرت تفاصيلها
الجغرافية، والمعالم التاريخية. ونَفَضَتْ عنها تصريحات الوقت والزمن.
فجبران بهذا يذهب الى خارج الميقات الزمني ليدخل مع أشخاصه وأمكنته لبّ
المطارح وتجلياتها وقد حَمَّلها دلالاته، ليسير بنصّ.ه. المكتوب الى جوهر
المعنى. «فالمكان» لديه هو غير ما يسمى بخلفية اللّوحة أو طبوغرافيتها، بل
هو «المناخ» المستلّ والمسحوب من روح الفكرة الكبرى الذي يكوّ.ن رحيق
الجوّ العام للرؤيا الكليّة، فلم يسلك عبر مساره مسلك «الرمز» بالمفهوم
السائد الذي يقول: الرمز هو أن نضع عنصراً بديلاً عن آخر يعبّر عنه، أو
يومئ ويدلّ عليه بحيث تكون العلاقة بين الاثنين علاقة الخاص بالعام او
علاقة المحسوس العياني – البصري بالمجرَّد. فالحمامة ترمز الى السلام
والصليب الى المسيحية، والصليب المعقوف الى النازيّة، كذلك بعض الحركات
والاشارات التي تستعمل كرموز، فرفع الذراعين الى أعلى هو رمز متعارف عليه
للاستسلام، بينما رفع قبضة اليد الى اعلى يرمز كما هو معروف الى التهديد؛
لذلك فقد وَصَفَ الشاعر الفرنسي «بودلير» العالم بأنه «غابة من الرموز».
من
هذا المنحى فإن جبران ليس «وصَّافاً» رمزياً بالمعنى السابق بقدر ما هو
متجلٍّ صوفيّ يقول وينشئ حالات تهدف دائماً الى ايجاد المناخ المرتجى
بواسطة مفردات لغته، وبذلك فهو يُشكّل صياغاته المشهدية الخاصة لإلقاء
الضوء على صياغات الكون العامة. يقول جبران وهو يشرح لماري هاسكل وللمرة
الاولى لوحة «عودة الروح الى الله»: «لعلّك تعتقدين اعتقادي أن كل ما في
الكون من محسوس ليس رموزاً للحياة غير المحسوسة. والقصد من الفن ليس تقليد
الرموز بل تفسيرها برموز جديدة، والوجه الذي ترينه في أعلى الصورة هو وجه
الله. أنا أعلم كما أنت تعلمين أن الله لم يره أحد بعين حسّية، أما
بالخيال فقد رآه كثيرون، ولو كنّا أخيلة لما احتجنا الى رموز».
متجل صوفي
ويقول أيضاً: «الفن يجب أن يكون خطاباً من خيال الفنان الى خيال الناظر، لذا أتحاشى في تصويري أن أشغل حواس الناظر دون خياله».
ولهذا
فإن مفهوم جبران لـ «المكان» تشكيلياً يتكوّن من المدى والاحجام المأخوذة
من الجوهر الرئيسي لوجدان الفكرة الأم المتفتّحة أبداً، وصولاً الى
المعاني الخفيّة لاعادة توليفها واستدراجها من مقامات السكون، الى بصر
الناظر وبصيرته ليخصَّها برؤاه ويعطيها دلالات جديدة لا تنفصل بامتداداتها
عن النور الاساس.
وجبران الرائي الرؤيوي لم يُرد رسم شجرة بل اراد
تصوير روحها، ويقول: الفن هو أن نؤدي روح الشجرة لا أن نصوّر جذعاً
وفروعاً واغصاناً واوراقاً تشبه الشجرة. وقد قال مرة لماري هاسكل: «انني
قد ارسم غروب الشمس ولكنني لا أظهر الغروب وحده بل ذلك الشيء الخاص الذي
أضيفه اليه». و«الفن أن نأتي بضمير البحر لا أن نرسم امواجاً مزبدة او
مياهاً زرقاء هادئة».
ان جبران خليل جبران بهذا فنان دلالي بامتياز
ومشهديّ قادر، ماهر، يملك خيالاً خصباً بالمناظر المؤسلبة كوشم في ذاكرته
لا يُمحى ولا يزول، فقد هجر هوى السهولة وذهب الى الدرب الصعب والنهج
المرّ، حاملاً معه رصيداً عالياً من الحزن، جامعاً عتمة الموت بضوء
الولادة، فبرزت رسوماته الحاضنة أجساداً كأنها ومنذ لحظات قد أُنزلت عن
صلبانها مشك.ّلةً بحركتها وروح «مكانها» مفردات تلغي أحادية المعنى وتخلق
بحالاتها توتّراً تأملياً يصل الى حدود هتك. وحلحلة صمت العين لتخرج
متحرّرةً من موروثها البصري المتراكم، وتحريضها على الدخول في عالم الرؤى
المتجدّدة، حتى تمسك – متيناً بمفاتيح اعادة تأهيل مداركنا الجمالية
وإغنائها.
وهذا العمل من شأنه أن يضَع سدوداً منيعةً أمام تخلُّف عاداتنا المرئية المطبوعة والمحفوظة في أرشيف أبصارنا لمسلماتٍ نهائية محسومة.
هذه
التركة المشهدية وهذا الإرث البصري للسائد والمألوف قد أدّى ويؤدي
باستمرار ككل موروث ظلامي متخلف الى حالات مريبة وملتبسة من التردي
الثقافي والفني والمعرفي.
يقول المواطن الشرقي جبران لصديقه يوسف
الحويك أثناء فترة دراسته في باريس انه حاول استيعاب تجربة الفن الحديث
التي اعتبرها في بداية الامر ألعوبة وتجارة، وكان هذا ما بين عام
1908-1910 حيث كانت المذاهب التصويرية الثورية والتجديدية من تكعيبية
وانطباعية وتعبيرية في أوج انطلاقتها – يقول جبران وقد تحوّل واعترف
بأهميتها: «بدأتُ أعتقد أن نوع اللوحة أو التمثال او أي أثر فني آخر الذي
تفهمه العين بسهولة وتألف خطوطه وألوانه ومعانيه غالباً ما يكون مبتذلاً
بارداً يجلب النعاس الى الجفون، حتى أن الناظر اليه يكاد يتثاءب بخلاف
النوع الذي يعصو فهمه على العين بسهولة فإنه يهيّج المخيّلة، وفي التهيّج
والفهم بعد التعب نشوة عظمى، ألا ترى معي يا يوسف كيف أن هذا النوع محاولة
للتعمق في التفكير، هو الابداع وفي الابداع لذة تفوق كل اللذات».
وبرصدنا
للوحات جبران المعَنْوَنة واللوحات التي بلا أسماء نرى أن مبدأ التسمية
يحصر اللوحة بمفهوم واحد ومحدد وهي القابلة لتجلّيات متعددة على صعيد
دلالاتها، والتسمية مع أنها الدليل الأوّلي الاّ أنها توقف رحلة العين
وتُضعف موقف التأمل والحوار وبهجة قطف الاكتشاف.
إن جبران خليل جبران
قد وعى وأدركَ وجدان «المكان». هذا المكان الموجود بين اليقظة والحلم، حيث
وحدَهُ الشاعر المخلّ.ص المغيّ.ر من البرمجة الوراثية للبصر والبصائر،
ووحدَه القاضي الفصل في التجدّد الذي لا يقف عند حدود.
لقد ابتعد جبران في التصوير وفي الكتابة عن المواضيع الآنية وحلَّق في عالم أثيري رائع.
وقال:
ويل لعينٍ أل.فَتْ الشمسَ الى حدّ أن لا ترى فيها غير «وجاقٍ» يدفئها،
ومشعل يدلها على الطريق من بيتها الى مخزنها... إنها لعمياء. ويل لأذن
أل.فَتْ تغريد البلبل الى حدّ أن لا تسمع فيها غير نوطات متتابعة... إنها
صمّاء.
دلالات مرثية
وتنطبق على جبران مواصفات «السينوغراف» من حيث
تحويله الافكار الى دلالات مرئية. فالسينوغرافيا بكل اشاراتها وانساقها
ورموزها هي الحاضرة بشموليتها لطرح فعل «رأى» بعد فعل «نَظَر»، أي الوصول
الى أن يتدخّل البصر كمساهم أوّل في سبر وكشف وتغيير وتطوير اشكال ودلالات
العالم المحيط بها، والغوص في تعدّديته وفتح ثغرات كبيرة في جليد الطبيعة.
إن
محاولة تغيير «عاداتنا البصرية» تؤدي الى مراجعات انقلابية جريئة لمجمل
عناوين وتفاصيل مقارباتنا التشكيلية و«الوصفية» التي ما زالت تغريها وتؤثر
فيها المشهدية النسخية التفسيرية وادواتها «البرّانية» المغرقة في
«العاديات»، ومفهوم «المكان» والسينوغرافيا لدى جبران لا يهدف الى محاكاة
طبيعية، بل ليس من هواجسه تكرار الجمال والحَدَثْ الطبيعيين، أو شرح
وتفسير معنى المكان بالمفهوم الجغرافي.
كان جبران منذ بدء وعيه الطفولي على الاشكال والالوان يرى ما لا يراه الغير ويقول ويفعل ما لا يقوله ويفعله أحد:
دخل
«أبو جبران» مرة الى البيت فوجد ابنه وفي يده فحمة يرسم بها على الحائط
أشكالاً لم يفهم الوالد لها معنى، كأنها بيت وليست بيتاً وكأن أمام البيت
فتاة كئيبة وليست فتاة كئيبة.
لكأن جبران ومنذ تفتحه على العالم أراد
اعادة تركيب هذا العالم بأشخاصه وبأمكنته، ولم يُقد.مْ رغم صغر سنّه على
نسخ ما يراه من بيوت وشجر وطبيعة.
وهكذا نشأ مع نفسه ومع ما اختزنه من محيطه ليقول موقفاً: «يجب أن نتحرّر من الشرائع والتقاليد والقيم الموروثة والشائعة».
إرشاد ودلالات
هذا
السينوغراف التشكيلي القاطف رحيق الزهر والواقف شَجَناً بين البرق والرعد،
وبين الرُسُل والربّ، الجاهد في وضع الاشارات والدلالات المولّدة من فيض
أحلامه وخياله ب.بَوْح اللون والشكل، وهو السائر على وتر الضفتين معاكساً
مجرى النهر للوصول الى المنابع. فجبران في تشكيله لا يحوّل الفكرة المجردة
الى شكل بل على العكس من ذلك فهو يجهد لارجاع الاشكال المحسوسة الى لبابها
لكأنه يستنبط طقوساً وحالاتٍ لنرحلَ معه عميقاً في الجذور والاصول.
«تكلّم أبو الهول مرة واحدة في حياته قال: حبّة الرمل صحراء، والصحراء حبة رمل، قال هذا وسكت ثانية ولم يفتح فاه».
هكذا عندما يدخل الجزء في الكل وتتماهى الافكار ببعضها فتتحول النفسُ الى نور وتشهد الاجزاء للكل ويصبح الكل أجزاءه.
يقول اليابانيون: يكفي أن نضع على خشبة المسرح او في اللوحة زهرة واحدة لنعبّ.ر بذلك عن مرجٍ من الزهور.
وجبران
على غرار المتصوفين والرومانسيين آمنَ بالخيال والقلب متحررين من القيود
التي تكبّ.ل الواقع «فحبّة الحنطة الصماء تتحول الى انشودة محبة عندما
يبتلعها البلبل، هكذا اذا كان الانسان خبزاً للآلهة يتذوق الالوهة».
والوحي عند جبران يُنشد ولا يُفسر ابداً.. ويقول: «لن نفهمَ بعضنا بعضاً حتى نحوّل اللغة الى سبع كلمات».
هذا
الاختزال في الوصول وهذه الشفافية في العناق الفكري اللتين رسمهما وكتبهما
جبران أدّتا الى اقتناعه بأن الانسان ينتقل من «التراب الى الضباب»
«فالمحبة كلمة من نور كتبتها يد من نور على صحيفة من نور».
«وعمل الفن ضباب مسكوب في صورة».
وجبران
خازن قمح الذكريات المرئية لبنى ووجدان الامكنة في بشرّي وبعلبك وباريس
وبوسطن وبيروت والوادي المقدس والارز والينابيع والمروج.. وكل المطارح
والامكنة. هذا المترع الى حدود الفيض بذاكرة بصرية غنيّة الى حدود الترف،
قد حوّلها كلها الى دلالات نورانية بميل أيقوني، على صفاءٍ بكرٍ بعيدٍ عن
السرد والحكاية.
اجساد متآلفة
ولهذا جاءت اجساده متآلفة، متعانقة،
متقابلة، متعاكسة متزاوجة متداخلة لتؤسس مناخها «المكاني» على خفرٍ وحياء
وحزنٍ وتعب وطيبة ووداد فتحسبها مشغولة بهواجس علوية وغير مكترثة بنا.
فعندما
طلبت الموديل روزيتا من جبران اي جلسة يريد أجابها: «كأنك سابحة في
الفضاء». فأجساد جبران العارية كانت دائماً في حالات تيه وهيام مختلطة
بالغيوم وحياة الغيوم كما يقول: «فراق ولقاء». «والحياة عارية والجسم
العاري هو أقرب وأجمل رمز للحياة».
لقد غَزَلَ جبران أجساده من تهاويل
تجمع الغيوم المترحّ.لة نحو الجوهر والتي حين تلامسها الريح المقدسة
تتحوّل سحاباً مملوءاً بعذب الماء لتتساقط رذاذاً على ارض القمح المعدّ
خبزاً للآلهة.
«النص الكلامي» لدى جبران: رسالة، وفي الكثير منه نبوءة،
كذلك هو نصّه البصري، وهو من أرضٍ أمسكتْ زمناً بطموح كوني، على قولة
شاعرنا الكبير سعيد عقل: «أنا حسبي انني من بلدٍ هو بين الله والارض كلام»

غازي قهوجي



جبران خليل جبران

منصور
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 1944
العمر : 37
Localisation : loin du bled
تاريخ التسجيل : 07/05/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى