صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

جدَل الأَميسي والأَبيسي في رواية (شهْرزاد) لرشيد مشقاقة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

جدَل الأَميسي والأَبيسي في رواية (شهْرزاد) لرشيد مشقاقة

مُساهمة من طرف بديعة في السبت 4 يوليو 2009 - 13:47

هذه البطاقة التعريفية الجامعة، كافية للدلالة على عمق الهاجس النسوي الذي يتوطن ويسود هذه الرواية.
الاعتبار الثاني، المؤكد لأمسية الرواية، ونجتليه مباشرة من الفقرة الآنفة، أن الرواية تشكل من الألف إلى الياء، مرافعة دفاعية عن حقوق المرأة ودعوة حارة لتحريرها من أصفاد الهيمنة الذكورية ومساواتها مع الرجل. إنها النزعة الأميسية - النسوية في مواجهة النزعة الأبيسية - الذكورية المُهيمنة. وهي لذلك، رواية سجالية وجدالية، عالية النّبر متوقدة الوجدان والفكر، تواجه واقعا صلْدا منْغلقا على عوائده وثوابته، كناطح صخرة أراد أن يوهنها فأوهى قرنه الوعل.
وهي أيضا وعطفا، رواية قانونية وقضائية بامتياز، تتراوح قضاءاتها وأمكنتها بين كلية الحقوق وأروقة المحاكم وقُبة البرلمان. والشغل الشاغل دوماً، الدفاعُ عن الحقوق المستلبة للمرأة. ولا بدع في هذه الروح القانونية والقضائية المُهيمنة على الرواية والسارية في تضاعيفها، فكاتبها ومبدعها الأستاذ رشيد مشقاقة، رجلُ قانون وقضاء، خبر القوانين وملفات القضاء جيداً وسبر أغوار المجتمع المغربي من خلال منازعاته ومشاكله المختلفة وراء الجدران والمعروضة على أنظار القضاء.
والإبداع الأدبي، غالبا ما يكسب جديداً ومفيدا، حين يطرق بابه رجل قانون وقضاء، كما هو حاصل بالضبط مع الأستاذ رشيد مشقاقة، وكما حصل من قبل، مع الأديب المصري الكبير توفيق الحكيم.
وقد سبق لي أن تابعت منذ سنوات، ما يكتبه الأستاذ رشيد مشقاقة من مقالات وخواطر جميلة ومتنوعة في الصفحة الأخيرة من جريدة (العلم)، وجذبت إليه سلامة وعُذوبة لغته، وفصاحة ودقة ملاحظاته وانطباعاته. ولا أخفي أني كنتُ أحدس أنّ وراء هذا القلم مفاجآت إبداعية، آتية لاريب فيها.
وجاءت روايته (شهر زار) مصدّقة حدْسي. فهي مكتوبة بلغة روائية سلسلة وجزلة، وبحس روائي يقظ، يُحصصي الشاذة والفاذّة. وبنفس روائي طويل يستغرق 230 صفحة من القطع المتوسط، موزع إلى 27 لوحة سردية مرقمة. كل ذلك دون أن تغادر الروح القانونية والقضائية أجواء الرواية. كيف لا، وبطلة الرواية محامية وأستاذة في كلية الحقوق ومدافعة عن المرأة؟! كيف لا، ومؤلف الرواية رجل قانون وقضاء؟! وكل إناء يَرْشح بما فيه.
فلنقْترب قليلا من الرواية وبطلة الرواية. لنقترب أولاً، من العنوان (شهْرزار). العنوان نحت مركب من (شهرزاد) و(شهريار). ويختزل في حدّ ذاته جدلَ الأميسي والأبيسي.
إنها شهر زاد فيها شيء من شهريار.
هذا الشيء هو الذي يرمز إليه حرف الراء (شهر زار) بدل حرف الدال الطبيعي (شهر زاد). و(شهر زار) هي الدكتورة أمل الوردي، التي نذَرت زهْرة عُمرها للدفاع عن بنات جنْسها، وذرَّفت على الأربعين دون أن ترسو على رفيق عمرها.
هي التي نسيت أو تناست «شهر زادّيتها» وأنوثتها، في غمرة مواجهتها لهيمنة شهر يار. وفي الرواية إيماءات صريحة إلى هذه المفارقة.
نقرأ في الصفحة 12: [الدكتورة أمل الوردي الابْنُ البار كما ظل والدُها يردد على مسامع أصحابه قبل أن ينتقل إلى عفو الله، فإخْوانها من الذكور دبَّ إليهم الفتور والكسل في أولى مراحل التعليم الجامعي (....)، أما ابنته البكر أمل فقد تنبأ لها منذُ مراحل التعليم الابتدائي والثانوي بمستقبل حافل، أكدته العلامات الجيدة التي كانت تحصل عليها طوال مشوارها الدراسي](2).
ونقرأ في الصفحة 130 في حوار مع زميل لها: [لا... إنما اقترحتُ عليك موضوعا مخالفا لمواضيع المرأة التي دأبت على تناولها.. حتى إن الزملاء لكثرة حديثك عن حق المرأة في كل شيء ينفرد به الرجل، يسمونك أمّنا آدم](3).
وعلى امتداد الرواية، لاتنفك والدتها فاطمة، تترجاها وتحثها على الزواج والعدول عن عنادها وصرامتها وخلوتها، لكن دون طائل. وترحل الوالدة في نهاية الرواية، دون أن تتحقق أمنيتها، تاركة في نفس أمل حسرةً حارقة.
وعلى امتداد الرواية أيضا، تظل الدكتورة أمل الوردي مهووسة بقضيتها الأميسية الأولى، تذود عنها بعزيمة ... وفي مختلف المحافل التي ترودها وتمارسُ فيها مهامَّها، سواء في البرلمان أو الجامعة أو المحكمة أو الحزب أو عبر الجمعيات التي تشارك فيها.
وقد نشط حماسها الأميسي وانطلق من عقال، في سياق ظهور مدونة الأسرة الجديدة التي حررت المرأة المغربية من بعض أصفادها، ولربما كان حماسها نابعا من هذه المدونة وسائرا على هديها.
بل ربما كانت رواية (شهرزاد) من منظور عام، صدى إبداعيا لهذه المدونة وجسّاً لنبضها على أرض الواقع وداخل المحاكم.
تقول أمل، مدافعةً عن المدونة في البرلمان، ومنتقدة لبعض تطبيقاتها: [إن مدونة الأسرة الجديدة تعد مفخرة تشريعية ببلدنا الذي يساير ركب الحداثة والعصرنة. وقد ترجمت بالفعل مجموعة من الأفكار التي كنا نطالب بها كي تحيا المرأة بيننا كريمة شريفة.. لكن فريقي يلاحظ أن التطبيق العملي عرف عدة اختلالات في التفسير...] (4).
وقد وجدت أمل في المدونة الجديدة للأسرة، وتأسيس قضاء الأسرة، فرصة سانحة لتصريف مخزونها الأميسي، ومواجهة ونقد مظاهر الهيمنة الأبيسية في أي شكل تبدت وبأي قناع تقنعت.
وهذه أمثلة قليلة على ذلك:
نقرأ في ص 6 [ ـ تتذكر مرحلة الطفولة.. حين كان الأستاذ يلقي سؤالا.. فترفع يدها للإجابة.. لكنه يجوب أنحاء الفصل للبحث عن جواب ذكوري.. وعندما يفشل، يقول علنا: «لاأرى أحدا يستطيع الجواب.. أجيبي أنت..] (5).
ونقرأ في الصفحة 43: [وتساءلت أمل مع نفسها: «لم تحرص البرلمانيات منا على الجلوس الى بعضهن البعض.. المنطق يقتضي اجتثاث الذكورة من جذرها في هذا المقام الرفيع] (6).
ونقرأ في الصفحة 131: ثم انتبهت الى نفسها ثانية وهي تنظر الى جهاز الرادار أمامها.. فخففت من السرعة وامتعضت وهي ترى علامة «قف» تهاجمها.. وتساءلت ماذا لو لم تحترمها وبررت سلوكها المخالف للقانون، بعلة أن الأمر موجه للرجل دون المرأة.. (7).
الى آخر الأمثلة والقرائن. بل لماذا نستدعي الأمثلة والقرائن. بل لماذا نستدعي الأمثلة والقرائن، والرواية بأكملها مثال على ذلك؟
لكن في غمرة هذا الجدل الساخن بين الأميسي والأبيسيي في الرواية. وبين فينة وأخرى في لحظات السكون والخلوة الليلية، كانت شهرزاد الأنثى تستيقظ في جسد وروح أمل، فتغادرها عقدتها الشيزوفرينية الشهر زارية، وتحس بمرارة الوحدة والغربة، تحس بحرارة الشوق الى شهر يار.
لنسمع الى هذه النفثات واللواعج؛
ـ تهتف أمل في ذات حلم: [احملني ياعادل بين يديك.. والق بي بين أحضان الورود.. لاتفارق يدي، أنا أخشى من فراقك وأنت أمامي وبجانبي، فكيف إذا ابتعدت عني] (8).
ونقرأ في الصفحة 222: [ومدت أمل يدها الى زر الضوء.. وألقت قبل ذلك نظرة على فراش نومها، فبدا لها أكثر اتساعا.. ولمست برودة الحائط بيدها، وعن لها مثل يتداوله الناس في الموضوع، حاولت طرده من ذهنها فأبى.. «ظل رجل ولاظل حائط» (9)
وفي عرس ابنة رئيس فريق حزبها، الذي دعيت إليه [وجدت أمل نفسها محاصرة بحشد من الضيوف تعرفهم جيدا بحكم مهامهم الجسام.. وقد انحاز كل واحد منهم الى زوجه يحادثها في شيء.. وتتعالى بين الفينة والأخرى الضحكات والقهقهات.. تبادلت التحية مع الجميع.. وانتابتها حالة غريبة لم تشعر بها من قبل. ، إنها وحيدة!] (10). العزلة الجسدية والروحية القاتلة، تلك هي الضريبة الفادحة التي أدتها الدكتورة أمل الوردي، جراء نكرانها لذاتها، ولأنوثتها، وانجرافها مع تيار ثورتها الأميسية.
وتلك هي المفارقة.
شهر زاد التي تتحدى وتنازل شهر يار. تحن وتثوق الى شهريار.

++++
ليس في رواية (شهر زاد) ، حبكة روائية حدثية كرونولوجية متنامية، بل هي عبارة عن لوحات سردية عمودية ومتجاورة، متصلة ومنفصلة في آن، يبلغ تعدادها 27 لوحة، تشكل البطلة أمل الوردي بوصلتها ولحمتها، وضمن هذه اللوحات تعن شخوص محددة، لها علائق بأمل، موجبة وسالبة. هذه الشخوص تتمثل في:
ـ والدتها فاطمة والخادمة زينب؛
ـ وصديقتها البرلمانية المتحررة نجاة، وزوجها رجل الأعمال السادر النصاب عثمان التبلاني أو السفلاوي حسبما ورد في آخر الرواية، والذي يقع: في قبضة العدالة، آخر مطافه؛
ـ وأيمن تاجر الذهب الأرمل، الذي تركت له زوجته الراحلة طفلتين، والراغب في الزواج من أمل، لترأب صدعه الأسري؛
ـ والمحامي الشاب عادل، الذي تهواه في صمت وتحلم به في صمت، والذي ألحقته بمكتبها آملة أن تلحقه بحياتها، فيفاجئها يوم عزائها في والدتها، مرفوقا بزوجته الشابة، حديثة العهد بالزواج.
وبذلك يكتمل الحداد على أمل.
ويتحول لديها الأمل، الى منتهى الألم.
وضمن هذه اللوحات السردية أيضا، تعن شخوص عرضية، مختلفة ذوات مواقف ومشاكل مختلفة، هي آية وقرينة على التحول الهجين الذي طرأ على المجتمع المغربي. كما تقوم الرواية من خلال عين البطلة، بنقد وتعرية مظاهر وسلوكات سلبية، سواء داخل الجامعة، أو المحكمة، أو البرلمان، أو في الجلسات والنوادي الخاصة.
وتحس الدكتورة أمل الوردي، في نهاية الرواية وفي نهاية مطافها الأميسي ـ النضالي هي الأخرى وعي تشيع والدتها في المقبرة، بأنها لم تجن من رحلتها الصعبة سوى قبض الريح.
تقول مخاطبة نفسها: [لم تجن ياأمل شيئا مما قدمت به.. عود على بدء صيحة في واد.. لن تستطيعي مهما قلت وفعلت أن توقفي هذا الطابور العريض الطويل.. كأنه الزئبق الذي ينفلت من بين الأصابع.. فمن أين تبدئين الإصلاح يا أمل؟!] (11).
لكن المفارقة الجميلة هنا، وهي مسك ختام الرواية، أن أمل، وهي في قمة حزنها ويأسها وإحباطها ، ظلت متشبثة بأمسيتها.
تقول في الصفحة الأخيرة؛ (لماذا هذا الحيف؟! لماذا يحتكر الرجال وحدهم قراءة القرآن بالمقابر؟ أليست المرأة بدورها متعلمة وحافظة للقرآن الكريم؟!]( 12).
هذه هي رواية (شهرزاد) للأستاذ رشيد مشقاقة.
رواية جميلة ثرية التيمات، تطرح جدل الأميسي والأبيسي، بلغة روائية رشيقة وعذبة، تشوبها أحيانا لغة قانونية وقضائية عالية النبر تقريرية الأداء، وتلك من عوالق المهنة.
إن الرواية، بعبارة، تضيف إيقاعا جديدا الى العزف الروائي المغربي.
أهلا بالرواية، وأهلا ببطلة الرواية أمل الوردي، وأهلا بمؤلف الرواية، الأستاذ رشيد مشقاقة.

هوامش

1ـ شهرزار، رشيد مشقاقة، ط 1، 2002، مكتبة دار السلام، الرباط. ص. 17.
2 ـ شهرزار، ص. 12.
3 ـ شهرزار، ص. 130.
4 ـ شهرزار، ص. 45.
5 ـ شهرزار،ص. 6.
6 ـ شهرزار، ص 43.
7 ـ شهرزار، ص 131.
8 ـ شهرزار، ص 53.
9 ـ شهرزار، ص 112.
10ـ شهرزار، ص 175.
11 ـ شهرزار، ص 228.
12 ـ شهرزار، ص 230.
نجيب العوفي

30/6/2009-العلم/الملحق

_________________
الخفافيش تخاف نور الشمس !!
****************
لا يجب أن تقول كل ما تعرف ولكن يجب أن تعرف كل ما تقول

بديعة
مشرف (ة)
مشرف (ة)

انثى عدد الرسائل : 6090
العمر : 31
Localisation : الدارالبيضاء
Emploi : موظفة
تاريخ التسجيل : 03/04/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى