صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

حقوق الكلاب !! /خيري منصور

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

حقوق الكلاب !! /خيري منصور

مُساهمة من طرف izarine في الأحد 19 يوليو 2009 - 21:40

بيل رحيله الى جوار محيي الدين بن عربي، الذي باح له بالمدن التي تعفّنت فيها لحوم الخيل والنساء، وتدفّق النزيف من ذاكرة المحكوم بالاعدام قبل الشنق، كان عبد الوهاب البياتي يجلس في مقهى يحمل اسم الفينيق، وعلى بعد متر واحد منه خطّ على الجدار مقطع من احدى قصائده هو : يا لها من بنت كلبة، هذه الدنيا التي تشبعنا موتا وغربة. وانتهى الفينيق بعدها بلا اية قيامة، اما الشاعر فقد ظل يواصل نداء ولده البعيد قائلا له: فقراء يا ولدي نموت، وقطارنا ابدا يفوت. اصداء تلك الليالي لا تتلاشى في ذاكرة مفعمة بالشجن، لكن المناسبة ليست هذه النوستالجيا البياتية، انها ما كنت اقوله للشاعر كلما جلسنا معا في ذلك المقهى... هو ما ذنب ابنة الكلبة؟ وما الذي سيفهمه العالم من هذا الوصف الهجائي اذا ترجمت القصيدة، رغم معرفتنا معا بأن كلمة 'بيتش' بالانجليزية هي الكلبة بكل دلالاتها البغائية وما تستخدم به لأغراض الهجاء او النميمة؟
ان للكتابة عن البياتي المنسي بسبق الاصرار والترصد مقاما آخر، فهو ايضا يقدم امثولة عن ثقافة تشترط لمن يمارسها ان يبقى على قيد الحياة حتى لو لم يبق على قيد الابداع، لقد تذكّرت ابنة الكلبة تلك وانا اسمع واشاهد كبقية الناس ما ظفرت به الكلاب مؤخرا في اوروبا من حقوق، فقد شرّعت قوانين تقتضي بسجن وتغريم من يحرم كلبه من حرية التنزه في الشوارع او الحدائق، بعد ان اتّضح بأن الكلاب السجينة تزعج الجيران بنباح لا ينقطع، والكلب نال الكثير من الحقوق التي يحسده عليها البشر والعرب بشكل خاص قبل هذا القانون، لكنه لم يكفّ عن النباح، لهذا تروى واقعة ذات مغزى عن كلب كان يزعج الجيران بنباحه المبحوح المتصل، وعندما تمّ فحصه اتضح انه معافى تماما ولا يشكو من اي مرض او جوع او ظمأ، اوحتى حاجة جنسية مما دفع الطبيب الى كتابة تقرير هو الأول من نوعه، منذ ابوقراط الى يومنا، هو ان هذا الكلب يواصل النباح دفاعا عن سمعته ككلب لا اكثر ولا اقل، فهو اذا صمت يكون قد تخلى عن حقه في التعبير بطريقته... وقد ينافس الكلب الفقمة او الدلفين على الرعاية ونيل الحقوق لكنه لن يتخلى عن جوهره وهويّته التي لا تتضح الا بالنّباح، وأية مقاربة او مباعدة بين الكلب والانسان في ايامنا قد تنتهي الى نتيجة حاسمة هي افضلية هذا الكلب على الانسان، وهذا ما دفع فنانا عربيا الى رسم لوحة يتبادل فيها الكلب والانسان الادوار، فقد صوّر الكلب منتصب القامة ويرتدي سترة انيقة وفي فمه سيجار، وفي احدى جيوب سترته صحيفة اضافة الى نظارة طبية صغيرة للقراءة تتدلى على صدره، اما الانسان فقد أقعى امام الكلب على الرصيف، عاريا وقد نبت له ذيل صغير وينظر بعينين مذعورتين الى ما حوله... كم من الحقوق نال الانسان خصوصا في هذه المنطقة المنكوبة التي يعيش فيها الموتى محرومين من الدفن قياسا الى القطة والكلب والفقمة ! ان الاجابة لا تتطلب دراسة مقارنة في القانون الدولي او الفيزياء الحيوية لأنها مرمية على الرصيف، وقد يتعثر بها حتى الاعمى..

' ' '

ذات يوم تمنى والت ويتمان لو انه بقرة، ولم يتردد ألبير كامو في ان يتمنى لو انه قطة او شجرة، تماما كما اشتهى تميم بن مقبل لو ان الفتى حجر كي تنبو الحوادث عنه وهو ملموم، ولم يكن سرّ هذا التمني حسد الحيوان على ما يحظى به من رعاية ورفق وحقوق، بل لأن الشرط البشري هو القاسي والذي يتحول من امتياز آدمي الى عقوبة حيوانية .
يقول البير كامو انه لو كان مجرد قطة بين القطط لكان جزءا من عالم يحتج عليه بوعيه البشري وبمعنى آخر، فهو سيكون مطابقا مع ذاته يشبه احد اصدقاء كامو في صباه وهو صانع براميل يعيش بلا أية حاجة الى الثقافة، تماما كزوربا عند كازانتزاكي، كلاهما يعيش الحياة كما هي وبقوانينها الطبيعية الخام، لكأن الثقافة هي توأم الارتهان، وهذا ما انتهى اليه هربرت ماركيوز في كتابه 'الحب والحضارة' عندما قال ان تاريخ الحضارة هو تاريخ المكبوتات .
قد تبدو هذه التداعيات دفاعا عن جهل بريء يعيد الانسان الى ملكوته الأول، بفطرته ومجمل نوازعه وغرائزه، والحقيقة هي عكس ذلك تماما، لأن الثقافة بالمعنى الذي نتداوله اليوم حرفة العاطلين عن الحياة الذين قرروا ان يتحولوا الى متفرجين عليها . ففي اسطورة قد تكون اصل الاساطير كلّها، كانت احدى اناث الالهة محرومة من الانجاب، ونذرت ابنها البكر اذ قيض لها ان تلد وليمة للآلهة، وعندما تحقق لها ما تمنت حاولت التهرب من تحقيق النذر الذي وعدت به، لكنها أذعنت أخيرا، وكان كبير الآلهة يعرف انها سوف تصرخ اذا امتدت الى طفلها يد.. و على سبيل الاختبار قضم الاله الذكر كتف الطفل، فصاحت الأنثى وأوشكت على الموت، عندئذ رمم الكتف التي قضم بأغلى وأثمن الحجارة الكريمة، لكنها بقيت كتفا صناعية... وهكذا هي الحياة بعد أن لعبت الثقافة فيها دور التعويض عن جزء عضوي مفقود... انها الآن وبعد عدة ألفيات تعيش بكتف صناعية !

' ' '

اعود الى الكلاب، والى دفاعها المستمر عن سمعتها ككلاب بواسطة النباح حتى لو كان مجانيا، وليس تعبيرا عن جوع او رغبة او خوف، فهي اصيبت ايضا بعدوى الحضارة، وبالتالي بالتورط بالطبقية، فمنها التائه الذي يجرب الاطفال في رأسه مهارتهم في الرمايات ومنها المدلل الذي يحسده ثلاثة ارباع اطفال العالم على طعامه وشرابه وطوقه الجلدي الانيق والسرير الذي ينام عليه، ومنها ايضا ما هو بوليسي، وقد نشرت مؤخرا احصاءات كلبية تقول ان تكاليف الكلب الواحد حسب تسعيرة الامم المتحدة تعادل عشرة اضعاف دخل جندي في بعض دول الشرق الاوسط!
وفي امريكا لم يعد خبراء الكلاب البوليسية يقتنعون بالانياب الطيّعة للكلاب، فقد بدأوا بتجريب انياب فولاذية تلتحم بالانياب الطبيعية كي تؤدي الكلاب وظيفتها البوليسية على نحو افضل! وحين شبهت ايميلي ديكنسون الشاعر الحقيقي بالكلب لم تقصد التقليل من مكانته، بل ارادت ان تقول بأن لديه حاسة شم ميتافيزيقية مدربة، تشم الموت قبل وقوعه، وتحدس بالمصير قبل بلوغه، لكن الشاعرة ديكنسون ودّعت العالم غير آسفة عليه، عندما جرّبت قبل الموت بالاحتضار، وفوجئت بأن رجل الدين الذي كان يجلس الى جوارها مدّ يده ليأكل قطعة حلوى كانت الشاعرة قد أعدّتها لقطّتها!
لقد وجدت الكلاب على الدوام من يحسدونها من البشر، وكانت فلسفة الامتثال وفقه القطعنة في ثقافتنا قد شبّهت من يعلنون العصيان على المقرر السياسي والاجتماعي والثقافي بالكلاب، وما على قافلة القطيع الا ان تمضي غير عابئة بالنّباح !!

' ' '

روى احد شهود العيان انه رأى جنودا في ثكنة عسكرية ايام الانتداب، يرمون كسرة خبز او قطعة لحم ويتسلون بمشهد السباق بين اطفال جياع وكلاب شريدة، وبالطبع كانت الحرب تحسم لصالح الكلاب، وما ينشر من احصاءات على مدار اللحظة عن عدد الجياع في العالم وهو يتجاوز الملياري انسان يجزم بأن هؤلاء يحسدون الكلاب على حقوقها وعلى المواد الاضافية للقوانين التي تدافع عن حقها في الحياة الكريمة، رغم ان الكلاب نادرا ما تمشي في تظاهرات او تضرب عن الطعام، او تعقد المؤتمرات بحثا عن حقوقها المهضومة .
لقد مضى الزمن الذي كان فيه الآدمي سيد الكائنات، فهو الان ادناها بمقياس آخر غير الذي يلفقه سادة الفقر حسب تعبير شهير للخبير الاقتصادي 'هانكوك ' فهو يسحق ويدفن في قبور جماعية، وينكّل به كي يعترف بما لم يقترف، وفق هذه النواميس الجديدة التي افرزتها امبراطوريات ما بعد الحداثة وما بعد التاريخ وما بعد الانسان !

' ' '

بعد اليوم سيتم تبادل الادوار بين الكلاب والناس، وقد تشتم الكلاب بعضها اذا اشتبكت ليقول احدها للآخر يا ابن آدم، ما دام العالم بأسره قد تحول الى سيرك من طراز لم يعرف من قبل وهو سيرك مجاني مفتوح على مدار الساعة، ترتدي فيه الكلاب الجينز او السترات والمعاطف الأنيقة، وتدخن الغليون والسيجار، وتقتاد البشر من الاطواق الجلدية التي تحاصر اعناقهم على الأرصفة ...
فما كان خيالا ذات يوم اصبح واقعا بالغ الكثافة والتركيز، ولم يتبق لدينا من تعليق على عقوق البشر وحقوق الكلاب، غير تلك الحكاية التي رواها مؤرخ منكود، عن خليفة في خريف دولته، طلب من مستشاره ان يبحث له عن طريق يحصل بها على المال، فاقترح عليه المستشار ان يسرج كلبا بالقرب من مقعده الوثير ويحضر ثلاثة ممن يمثلون الناس جميعا وينطقون باسمهم ...
سئل الاول عما رأى فقال انه رأى حصانا مسرجا، فقال له الخليفة.. كيف تكذب امامي، ان ما تراه هو كلب عليه سرج، وطلب منه غرامة مالية ..
وسئل الثاني عما رأى، وكان قد سمع الأول، فقال ان ما يراه امامه هو كلب عليه سرج، فغضب الخليفة وأزبد قائلا له انك تسخر مني اذ لا بد انني جننت كي اسرج كلبا.... ودفع الغرامة ...
وحين جاء دور الثالث، وكان حصيفا، وقد سمع ما دار بين الخليفة والاثنين الذين سبقاه، فدخل مسرعا وهو يحمل الغرامة وقال لسيده: ان ما أرى ليس كلبا او حمارا او سرجا، انه بلاء من الله... وهذه الغرامة ...
ان ما ننتظره في العقد الاول من الالفية الثالثة هو مظاهرة بشرية على امتداد خطوط الطول والأرض والنباح في هذا الكوكب والمطلب الوحيد المتكرر ... هو حقوق الكلاب !!!!

izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 57
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى