صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

رواية « محاولة عيش » للروائي المغربي الراحل محمد زفزاف

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

رواية « محاولة عيش » للروائي المغربي الراحل محمد زفزاف

مُساهمة من طرف بديعة في الثلاثاء 29 سبتمبر 2009 - 19:09


هل المغرب في حاجة اليوم، إلى مثل هذا النقاش؟!، ذلك ما أجمعت عليه العديد من الشهادات التي استقتها جريدتنا، حول الدعوة الغريبة والمثيرة التي نشرتها الزميلة «التجديد» في عددها 2221 ( 25-27 شتنبر 2009 )، بصدر صفحتها الأولى، التي تهاجم تدريس رواية « محاولة عيش » للروائي المغربي الراحل محمد زفزاف منذ 3 سنوات لتلاميذ السنة التاسعة من التعليم الإعدادي المغربي. وذلك تأسيسا على معايير أخلاقية لا تستقيم بالضرورة مع المعايير الجمالية للأدب وللتحليل الأدبي، ولا مع الشرط البيداغوجي للعملية التربوية، التي لا تستجيب سوى للشرط العلمي الأكاديمي، الذي لا مجال فيه للإرتكان للحساب السياسي أو لمعيار أخلاقي واحد. ذلك أن العملية التربوية، تؤكد الشهادات التي نقدمها هنا في هذا الملف، هي عملية معقدة، مركبة ومتداخلة، غايتها منح كل الإمكانيات للناشئة المغربية، من أجل امتلاك رؤية منفتحة عن العالم، وعن القيم وعن التعدد، مما يقوي من الملكة النقدية والتحليلية لهذه الأجيال المغربية.
هنا ملف حول هذه القضية التي تفجرت مع بداية الموسم الدراسي والثقافي الجديد، نستطلع فيه رأي صاحب الدعوة إلى إلغاء تدريس الرواية، خالد الصمدي ( رئيس المركز المغربي للدراسات والأبحاث التربوية )، مثلما نقف عند رأي عدد من الفاعلين الأدبيين والتربويين والنقاد المغاربة، الذين أجمعوا على عدم صلابة موقف الدعوة لإلغاء الرواية. مثلما نقدم دراسة وافية ورصينة حول رواية « محاولة عيش » للروائي المغربي الراحل محمد زفزاف، تنويرا للرأي العام الوطني حول أهمية تدريس أدبنا المغربي بمختلف أسلاك التعليم الوطنية.




محمد زفزاف

_________________
الخفافيش تخاف نور الشمس !!
****************
لا يجب أن تقول كل ما تعرف ولكن يجب أن تعرف كل ما تقول

بديعة
مشرف (ة)
مشرف (ة)

انثى عدد الرسائل: 5687
العمر: 28
Localisation: الدارالبيضاء
Emploi: موظفة
تاريخ التسجيل: 03/04/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

بعد المطالبة بإلغاء تدريسها بصف الإعدادي..« محاولة عيش » زفزاف، القلق من عودة سيف المنع!!

مُساهمة من طرف بديعة في الثلاثاء 29 سبتمبر 2009 - 19:11


عبد العلي مستور (رئيس منتدى المواطنة، عضو المجلس الأعلى للتعليم )
لمصلحة من، نزج بالمغرب في نقاش مماثل؟!

هذا نقاش لم يثر لأول مرة، فقد سبقته نقاشات مماثلة في سياقات أخرى. لكن، من المفروض أن يكون النقاش أنضج اليوم، لأنه غير مسموح التهجم على عمل أدبي من منطلقات أخلاقية محضة.. خاصة حين يتعلق الأمر بروائي معروفة أعماله مثل الراحل محمد زفزاف، المشهود له بالكفاءة الأدبية. بل لقد ربت رواياته أجيالا عربية وليس مغربية فقط، وهي ذات بعد إنساني رفيع وتنطلق من واقعية لا تجامل، من أجل تغيير الواقع وإصلاحه وليس من أجل تكريسه.. هذا أمر لا بد من تسجيله بداية والإعتراف به.
ثانيا، لا بد من التمييز هنا بين مستويين.. الأول هو مجال تقييم الأعمال الفنية والأدبية، والثاني مجال تحديد مقومات وشروط ما يدرس للتلاميذ في المدارس المغربية. فالمطلوب أن يبقى النقاش مستمرا بين مختلف الفاعلين التربويين والفاعليين الأكاديميين والمبدعين والفاعلين المدنيين حول القيم التي من المفروض أن تدرس للأجيال المغربية اليوم. مع إشراك حتى التلاميذ والطلبة في ذلك. أما الكيفية التي طرح بها الموضوع فإنه غير مناسب، بل حتى ما الفائدة منه..
إنني أعتبر التهجم على الرواية غير لائق، ولا يليق بالأخ بلال التليدي ولا بجريدة «التجديد»، وبشكل عام أرى أن الظرف الدقيق الذي يعيشه المغرب، والذي يتسم بمحاولات إعادة بناء المشترك الوطني لا تفيد فيه لا توجهات «مالي» ولا خيار تديين كل شئ، أو محاولة اختزال كل القضايا ضمن رؤية أخلاقية واحدة. ولن يفيد تجريم الأدب المغرب والمغاربة في شئ، بل يجب أن ننتصر للعلم والمعرفة، وهما مجالان يستوجبان تدخل رؤى متعددة، وليس فقط رؤية أخلاقية واحدة، لها زاوية نظر لا إجماع حولها.

عبد الفتاح الحجمري (ناقد أدبي)
الأدب ليس عقيدة،
ومجاله ليس الإيمان

بصرف النظر عن خلفية محاولة منع رواية «محاولة عيش» لمحمد زفزاف، فإن «فكرة الأدب» في حد ذاتها لا ترجح هذا التعريف للأدب أو ذاك، لارتباطها، في المجمل، بخطابات فلسفية ونقدية عامة ومختلفة. كما أن الأدب يحمل في مضمراته هاجس محفز للتعبير عن المهمش، وعن الخارق، وعن اليومي المبتذل، ولكن بمسافة جمالية معينة.
إن التلميذ أو الطالب- في الحالة التي نناقشها الآن- يلتقي بالنص عن طريق المدرس، أي عن طريق وسيط. ومن الضروري الاهتمام بهذا الوسيط الذي ينبغي أن يجعل التلميذ مطلعا على كل أشكال الأدب، وعلى كل أصناف التعبير، إذ ليس لأحد الحق في أن يلقن التلميذ أدبا موجها.
وإذا كان الأدب مازال يتمتع بقوة التأثير في المجتمع، فينبغي الدفاع بقوة عن التخلي عن أي نظرة أحادية تطمح إلى تسييجه بعقيدة معينة، أو إلى توجيه أذواقنا وسلوكنا نحوه.
إن تدريس الأدب في المدرسة أو الجامعة ينبغي أن يتم بالإصغاء إلى النصوص، وإلى الأفكار، مهما كانت صادمة، ومهما كانت مفتقدة للتناغم مع الواقع، لأن من شأن هذا الإصغاء أن يغذي التعدد والاختلاف، ويتيح التعرف أكثر على ما يحيط بنا من التباس، ومن هم، ومن غم.. لأن الثقافة لا تتشكل إلا عبر لغة الأدب وإحساس الأديب.
ثم إن الأدب ليس عقيدة، ومجاله ليس الإيمان. الأدب تربية وتكوين للوجدان، ومعرفة مشرعة على الممكن والمحتمل برؤية انتقادية ضد كل أنواع التصديق، ولا ينبغي أن يدرس الأدب كفكرة نمطية. ولذلك لابد من الدفاع عن التخييل، وأن نعلم التلميذ، لا أن يحب النص الأدبي، بل أن يسائله بقلق..

نجيب العوفي (ناقد أدبي)..
كأننا نسير مع التاريخ
في الاتجاه المعاكس


محاولة منع رواية «محاولة عيش» للكاتب المغربي الكبير محمد زفزاف من التداول الدراسي ليست هي الغارة الإرهابية الأولى ولا الأخيرة التي يشنها الظلاميون على الأدب المغربي. فهناك حالات سابقة، لعل أشهرها وأقربها إلى الذاكرة هي منع رواية «الخبز الحافي» للراحل محمد شكري.. صديق زفزاف الحميم.. هذا المنع، وتحت أية حجة أخلاقية، يشكل وصمة سيئة في مغربنا الحديث الساعي نحو التسامح والتنوير والحرية والديمقراطية وطي الصحائف المظلمة. كما يشكل موقفا متخلفا ورجعيا من الإبداع الأدبي السردي القائم على التخيل والابتكار، وارتياد آفاق المجاز والاستعارة، وأيضا المخترق لعوالم الواقع الاجتماعي، والسابر لأغواره الهاتك لأسراره.
إن الإبداع الأدبي وصف وكشف حران، لا يرتهنان للجمارك البوليسية والسلطوية. وما مورس على رواية «محاولة عيش» يعود بنا إلى محاكم التفتيش السىئة الذكر، ويستعيد هنا في المغرب ما حدث هناك في مصر من مواقف مشابهة، متعنتة ومتوحشة أحيانا، تجاه الأدب والأدباء، إلى درجة المطالبة بإهدار دمائهم وجز رقابهم.
كل هذا يحدث ونحن نعيش العشرية الأولى من الألفية الثالثة وكأننا نسير مع التاريخ في الاتجاه المعاكس.

شعيب حليفي (ناقد أدبي)
ثقة القارئ
في زفزاف لن تتزحزح

أعتقد أن العديد من محاولات المصادرة التي تطال الرواية قد تعاظم في المرحلة الأخيرة بخصوص روايات ذات قيمة فنية عالية، سواء في المغرب أو المشرق. وما يتم بخصوص رواية «محاولة عيش» لمحمد زفزاف، لا يكاد يكون سوى زوبعة في فنجان لن تحرك ولن تزعزع ثقة القارئ العربي في الإبداع الشامخ لمحمد زفزاف، حيث إن كل إبداعاته القصصية والروائية والشعرية هي نص واحد استطاع أن يقبض على تناقضات المجتمع المغربي، ويحقق ذلك الرصد الأدبي والجمالي لاختلالات الإنسان، سواء في حياته اليومية أو أحلامه. كما أعتقد أن الدعوات الصادرة من حين لآخر ضد الإبداع لا تمت بصلة إلى الحقل الأدبي، وإنما هي نتيجة خلفيات بعيدة كل البعد عن هذا المجال. وبالتالي فكل الدعاوى والفتاوى هي باطلة في هذا الشأن.

سعيد بوكرامي (روائي)
رواية «محاولة عيش» لا تحاكي ما يقع في جزر الباهماس!

ليس جديدا أن يتعرض روائي مثل زفزاف لمحاولات المنع في ظل ما نعرفه من تشدد ديني، وليس غريبا أن يتعرض لمضايقات أو استفزازات، سواء من طرف السلطة السياسية أو الدينية، مادام قد كتب روايات تحاكي بطريقة فنية ما هو موجود في الواقع المغربي، وليس في جزر الباهماس!
فالكاتب محمد زفزاف كان يكتب عن الواقع بكل بساطة، مثله مثل محمد شكري الذي كثرت دعاوى قتل روايته ورميها في البحر.
إن محمد زفزاف روائي كبير كتب روايات تتحدث عن الواقع المغربي منذ الستينيات إلى أن رحل عنا؛ والكاتب إن لم يكن مواكبا لواقعه وتحولاته الاجتماعية فهو ليس كاتبا. أما زفزاف، فقد كان كاتبا يدافع عن الإنسان البسيط، ويقدمه في قالب روائي جمالي موظفا تقنيات وجماليات، كما فعل نجيب محفوظ في مصر، وهنري ميللر في الولايات المتحدة الأمريكية.. فهذا اتجاه روائي ينبغي أن يحترم وتطلع عليه جميع شرائح المجتمع المغربي، سواء في المدارس أو في الجامعات.. أو حتى لمتعة القراءة.


خالد الصمدي
(رئيس المركز المغربي
للدراسات والأبحاث التربوية)
لهذه الأسباب طالبنا بإلغاء
اعتماد رواية «محاولة عيش»

كعضو اشتغلت في اللجنة الوطنية للبرامج والمناهج التربوية، كنا قد اشتغلنا كفريق من خلال معيارين كبيرين، هما الميثاق الوطني للتربية والتكوين، ثم مواصفات المتعلم الواردة في الكتاب الأبيض.. وكلاهما ينص بشكل صريح على التربية على القيم وتنمية الكفايات.
وفي شق التربية على القيم فإهما ينصان على القيم الدينية و الوطنية. وتأسيسا على هذين المبدأين اشتغلنا على إعداد البرامج والمناهج. وفي هذه الحالة كل ما يمكن أن يناقض هذه المعايير لا ينبغي أن يقرر للتدريس.
ثانيا، هناك فرق بين الخطاب الموجه للمتعلمين، والكتابة الموجهة لعموم القراء. فالموجهة للمتعلمين مفروض أن تخضع للمعايير العلمية والتربوية المنصوص عليها في هذه الوثائق الرسمية. أما الكتابات الموجهة للعموم، فالحكم فيها يعود للقارئ.
تأسيسا، مرة أخرى على ذلك ( مع احترامنا الكامل والكبير للروائي المغربي المرحوم محمد زفزاف الذي هو كاتب كبير، ترجمت رواياته إلى عدد من اللغات)، فإن قيمته الأدبية لا تعني بالضرورة أن تكون روايته « محاولة عيش » صالحة بالضرورة للتدريس وخاصة بالنسبة لتلاميذ في سن المراهقة، لا يزالون في حاجة إلى أدوات علمية وتربوية عليا توفر لهم الحس النقدي في قراءة مثل هذه الروايات. وهو ما لا يتوفر عند تلاميذ التعليم الإعدادي.
مع الإشارة أنه في فرنسا، مثلا، رغم أنها معروفة بدعمها الكامل لحرية التعبير، إلا أنها تضع معايير صارمة في انتقاء ما يقدم للمتعلمين في المؤسسات التربوية.


أحمد عصيد ( شاعر، عضو المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية )..
الأدب يقاس بمعايير الجمال وليس الأخلاق المعيارية!!


مشكلة الإسلاميين مع الأدب والفن، مشكلة مبعثها طبيعة مشروعهم السياسي، الذي يتلخص في السعي إلى فرض نمط من التدين على المجتمع والدولة بكاملهما. ويسقطهم هذا في ارتكاب خطأ الخلط بين الأدب والفن وبين الأخلاق المعيارية. حيث يقاس الأدب والفنون بميزان الأخلاق كما يتصورنه، في الوقت الذي يدخل فيه الأدب في مجال القيم الجمالية التي ترتبط بالذوق وتقاس بمعايير الجمال وليس بقواعد الأخلاق سواء كانت محافظة أو ليبرالية.
ولو كانت الأخلاق هي معيار الأدب والفن، لمات هذان االأخيران منذ زمن، وجفت ينابيعهما منذ عهد بعيد. وآية ذلك أنهما لا يزدهران، إلا في مناخ الحرية وليس القهر أو الرقابة السياسية أو الأخلاقية. ومن الناحية البيداغوجية، أعتقد أنه من الواجب أن يعرف التلاميذ كل أنواع الأدب واتجاهاته ونزعاته من خلال برمجة المواد الأدبية التي تتم حسب اعتبارات بيداغوجية أدبية وليس حسب معيار أخلاقي أو سياسي. ولا يمكن انتقاء النصوص حسب منظور تيار أخلاقي أو ديني معين، لأنه ينبغي الفصل بين المجالات فصلا منهجيا حسب الإختصاص، وإلا أصبحت كل المواد التربوية داخلة تحت وصاية التربية الإسلامية وتحت رقابة المسجد. إن ما ينبغي حدفه من المقررات الدراسية، لأنه لا يتطابق مع روح المرحلة، التي نجتازها هو مجموعة من مضامين الكتب الدراسية الخاصة بمادة التربية الإسلامية كمثل تلك التي تتعارض مع مضمون مدونة الأسرة بعد تعديلها، وتلك التي تعمل على تحقير الأديان الأخرى، وأهل الكتاب. وكذا تلك التي تدعو إلى تطبيقات العقوبات الجسدية القاسية، كمثل الرجم بالحجارة وقطع الأيدي، إلى غير ذلك من المضامين الغريبة عن الأهداف البيداغوجية العصرية.
إن معركة الإسلاميين ضد الأدب والفن، هي مؤشر واضح، لفشلهم في السياسة. فهم يعملون بين الفينة والأخرى، على إثارة الزوابع الفنجانية حول قضايا الأخلاق والقيم معتقدين بذلك أنهم يثيرون اهتمام المجتمع ويقدمون أنفسهم كأناس طهريين، في الوقت الذي لا يقومون بأي دور فعلي في مجال الدفع بمسلسل الإنتقال نحو الديمقراطية والتحديث الإقتصادي والإجتماعي.
وأود هنا، أن أحذر من مغبة تنازل السلطات التربوية عن المعايير البيداغوجية العلمية لصالح تيارات التطرف الديني، لأن ذلك من شأنه أن يفاقم تأزيم منظومتنا التربوية، لأن شغب هؤلاء لن يتوقف عن أية حدود. مما يؤذن في حالة الإستجابة لهم إلى تحويل نظامنا التعليمي العصري إلى ما يشبه المدرسة العتيقة. وأدعو في النهاية إلى ضرورة تشكيل جبهة مشكلة من القوى المدافعة عن الحريات والحامية للمشروع الديمقراطي، لكي تقف في وجه هذا المد السلفي الذي يعمل على إشاعة إيديولوجيا مستوردة لا تتطابق مع السياق الوطني ومع الطموح المغربي العام، نحو التحديث والدمقرطة.


عبد النبي دشين ( قاص، عضو الإئتلاف المغربي للثقافة والفنون )
في انتظار استنكار العزوف عن القراءة


ظل مطلب إدراج نصوص مغربية ضمن المقررات المدرسية مسعى لطالما دافع عنه عدد من الغيورين عن الابداع المغربي ، الذي استشعر في لحظات غبنا ازاء الابداع المشرقي الذي استطاع ان يسد الخصاص الحاصل في المجال , لدرجة ترسخت معها لدى الناشئة المتعلمة قناعة مؤادها ان الابداع لايمكن ان ياتي الا من الجهة الاخرى ,مما عمل على تغريب المبدع المغربي عن متلقيه ووسم الابداع المغربي بسمة الدونية امام الابداعات الاخرى ,بل احيانا نصدم عندما يواجهنا المتعلمون متسائلين :هل يوجد مبدعون مغاربة ؟
في ظل هذا الوضع عمل بعض الاساتذة والمؤطرين التربويين على اقتراح مؤلفات وانتقاء نصوص مغربية لادراجها ضمن المقررات الجديدة في سياق التحولات التي عرفتها المنظومة التربوية ببلادنا ,وهكذا بدانا نؤسس لمرحاة التصالح بين التلميذ المغربي ومبدعيه لحظتها انتبه الكل الى قيمة الرموز الابداعية التي اغنت درسنا الادبي ::محمد برادة ,عبد الله العروي احمد المجاطي عبد الفتاح كيليطو الميلودي شغموم عز الدين التازي الصديقي برشيد وقبلهم عبد الكريم غلاب مبارك ربيع خناثة بنونة في المرحلة الثانوية التاهيلية ,وبالنسبة للمرحلة الثانوية الاعدادية اقترحت المؤلفات التالية : «رجوع الى الطفولة» لليلى ابو زيد، «الساحة الشرفية» لعبدالقادر الشاوي، «طوق الحمامة» لعبد الله شقرون، «اساطير معاصرة» لمحمد الكغاط، «محاولة عيش» لمحمد زفزاف ,
تجدر الاشارة الى ان ادراج مادة المؤلفات جاء بناء على المذكرة 105 في موضوع دراسة المؤلفات الخاصة باللغة العربية في السنة الثالثة من التعليم الثانوي الاعدادي ليتم تدريسها خلال حصص النصوص المسترسلة بهدف تعزيز النشاط القرائي ودعم تفاعل التلاميذ مع نصوص طويلة لتمهيرهم وتعويدهم على فعل القراءة في افق اعدادهم للمرحلة الثانوية التاهيلية والجامعية ,لذلك حرص من اوكلت لهم مهمة اقتراح النصوص على اختياراتهم بما يمكن من تسليط الضوء على تجارب مختلفة، من منطلق ان اقراء عمل ادبي ما يستهدف تنمية كفايات متعددة لعل ابرزها الكفاية الثقافية والمنهجية وفي حضور الكفاية الاولى وجب التمييز بين مستويين بين الشخص كمعطى جاهز في الواقع وبين الشخصية وحمولتها التخييلية الرمزية التي تحيل على ظواهر سوسيوثقافية ينبغي مناقشتها بتصورات تربوية وسيكلوجية تمد المراهق وهو في مرحلة الالتباس بنقط ضوء تنير الطرق امامه . لذلك فالوقوف على بعض حوارات النصوص واجتزائها من سياقها العام من شانه ان يشوش على التلقي الموضوعي وان يحيزها ضمن خانة ضيقة يصعب معها ادراك وظيفتها في تقويم سلوك ما ودرء كل ما من شانه ان على خلق حوار انتقادي للظواهر ,لان اقرار درس المؤلفات جاء ضمن تصور شمولي للعملية التربوية ,فقد راهن استنادا لمقاربة المنهاج المندمج على اختيار التربة على القيم. اذ تم التركيز في منهاج اللغة العربية على مجموعة من القيم والمواقف نشير الى بعضها :
- اتخاذ مواقف ايجابية تجاه قضايا ثقافية وحضارية واجتماعية وكونية.
- قبول الاخرين من خلال الانفتاح على قيمه واحترام خصوصيته.
- تقوية روح النقد الذاتي والموضوعي لديه.
انه رهان على جعل المتعلم متشبعا بروح نقدية محاورة للنصوص والشخوص. وبذلك تصير شخصيات النصوص المتخيلة تعلة بيذاغوجية لفتح هذا النقاش ولبلورة هذه الروح النقدية ,ولااعتقد ان كل المربين الذين يسهرون على اعداد هذه المقررات لايمتلكون تلك الحاسة النقدية والغيرة الاخلاقية على الناشئة ,ان مناقشة حوارات مجتزاة من متن روائي وتاطيره برؤية لاتتحرى الدقة والنقاش الهادىء في مواضعه ستجعلنا نعيد النظر في كل النصوص التي صارت انسانية وتتلمذ عليها كل من ير ى فيها مفسدة للاخلاق من غيران تفسد اخلاقه. فكيف سنتعامل مع سجل القصيدة العربية الجاهلية :نصوص امرىءالقيس في افتتانه بالمراة وما يحف بالعلاقة بها، بل كيف يمكن تسمية التحول الذي انجزه ابو نواس في العصر العباسي حين استبدل المقدمة الطللية باخرى خمرية، كيف يمكن الانذكر خمارة البلد في بيته الشعري ؟وغيرها من اوصاف الصهباء
وهل كل هؤلاء ونصوصهم هم المسؤلون عن تفشي ظاهرة تعاطي المخدرات والانحراف في المجتمع عامة وبين المراهقين خاصة؟.
ان سماع شكاوي السادة الاساتذة عن عزوف التلاميذ عن القراءة بل حتى المؤلفات المقترحة للامتحانات غالبا ما ينصرف عنها التلاميذ الي النصوص المازية المحللة. ان مثل هذه العادات وغيرها تعد اولوية في تاملنا لوضعية القراءة بمدارسنا ,فالارقام المخجلة التي تستقى من استبيانات ودراسات في سوسيولوجيا القراءة تجعلنا ندرك حجم الكارثة التي تتهدد وجدانا الجمعي ,لذلك نحيي المبادرة التي اعلنت عنها مديرية الكتاب بوزارة الثقافة من اجل وصع خطة وطنية لدعم القراءة والتي نعتبر أنفسنا جميعا مدعوين لمساندتها ودعمها ولعل الاعلام أهم واجهة لتحقيق هذا الدعم ,
نتمى أن نفكر في استنكار حالة العزوف عن القراءة التي وصلنا اليها واعتبارها حالة لاانسانية ولم لا أخلاقية
لحسن العسبي / سعيد منتسب
الاتحاد الاشتراكي


_________________
الخفافيش تخاف نور الشمس !!
****************
لا يجب أن تقول كل ما تعرف ولكن يجب أن تعرف كل ما تقول

بديعة
مشرف (ة)
مشرف (ة)

انثى عدد الرسائل: 5687
العمر: 28
Localisation: الدارالبيضاء
Emploi: موظفة
تاريخ التسجيل: 03/04/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

عز الدين بونيت (أستاذ باحث في الثقافات المحلية والأنثروبولوجيا الثقافية).. : القضية قضية وصاية على رؤيتنا التربوية!!

مُساهمة من طرف بديعة في الثلاثاء 29 سبتمبر 2009 - 19:13


يفتح كل دخول مدرسي ملفات تتعلق بمختلف جوانب الحياة المدرسية من البنيات التحتية إلى التأطير التربوي والإداري، إلى الملابسات السياسية المتصلة بهذا الدخول. ومن الطبيعي أن يحتل محور البرامج والمقررات حيزا في النقاش بين المهنيين، وداخل المجتمع. ذلك أنه يعكس انشغالات ومواقف المنخرطين فيه وتصوراتهم لما ينتظرونه من المشروع التربوي الوطني بصفة عامة.
وفي الآونة الأخيرة، بدأت بعض الأصوات ترتفع بالتنديد والاحتجاج، بنبرة لا تخلو من وصاية على الأخلاق والقيم، ببعض النصوص الأدبية المقررة في مختلف مستويات منظومتنا التعليمية، معتبرة أن إدراج هذه النصوص في المقررات يعد إخلالا بالقيم والأخلاق وتشجيعا للمتعلمين على تبني المضامين التي تشير إليها تلك النصوص. ويركز الغاضبون، خاصة، على رواية "محاولة عيش" للراحل محمد زفزاف، المقررة في مستوى السنة التاسعة من التعليم الأساسي.
وإذا كنا نقدر غيرة المنددين على الأخلاق، وخوفهم على أطفالنا في تلك السن الحرجة، من التأثير السلبي المحتمل لهذا النص على رؤيتهم للعالم وسلوكهم إزاء محيطهم وأسرهم، فإننا مع ذلك ننبه إلى أن الأمر أعقد مما يطرحونه. لنتفق أولا على أن الأمر يتعلق بنص أدبي تخييلي له حياته الداخلية المليئة بالتناقضات والمواقف المختلفة والمتباينة وليس بيانا أخلاقيا أحادي الاتجاه يعبر عن موقف قطعي مع هذا المضمون أو ذاك أو ضده. ولنتفق ثانيا على أن هذا النص يتداول في وسط مدرسي تؤطره عملية تربوية متكاملة، من المفروض أن تتيح إزالة كل لبس أو غموض حول الحكم الأخلاقي المنتظر صياغته في النهاية كخلاصة لتدريس هذا النص، وإن كنت لا أعتقد أن ذلك من بين المهام الأساسية المنتظرة من قراءة هذا النص وغيره من النصوص الأدبية في أي مستوى من مستويات التعليم. وليكن اجتهاد المدرسين، في هذه الحالة، وانفتاحهم والدينامية التي يخلقونها حول النص جزءا من المطلوب التربوي.
إن الدعاوى التي يستند إليها المنتقدون لبرمجة هذا النص في المقررات المدرسية، لا تنتمي لا إلى مجال التربية والتعليم ولا إلى مجال النقد الأدبي، ولا حتى إلى مجال النقاش حول القيم والأخلاق، خاصة حين تشير عدة مرات إلى غضب الآباء وأولياء الأمور، سواء أكان غضبا فعليا أو مفترضا. إن الأمر يصير عندئذ، نوعا من الصراع بين منظومات فكرية غالبا ما يترجم إلى صراع أجيال، يتخوف فيه الآباء من مخاطر الانفلات المتحمل لأبنائهم من بين أيديهم.
هل يظن المنتقدون أن أطفالنا يتشربون القيم التي يسلكون من خلالها في المدرسة وحدها، أو في درس المؤلفات الأدبية وحده؟ بالقطع لا. وبالتالي فإن السؤال الذي يتعين طرحه هو: أي نموذج من بناء الشخصية نسعى إليه في تعليمنا: هل هي الشخصية المنكفئة على ذاتها، القائمة على تماسك وهمي قوامه الطاعة الزائفة والانضباط المستند إلى الخوف من المجهول، والمبني على وصاية أخلاقية قامعة بطبيعتها؟ أم هي الشخصية المتفتحة النقدية القادرة على الاختيار المتحررة من كل وصاية قمعية، مهما كان نبل مقاصدها؟. القضية هنا ليست قضية نص أدبي صالح أو فاسد، ولا هي قضية دفاع عن الأخلاق أو تفريط فيها. إنها بالأحرى قضية المكانة التي نخصصها للوصاية في رؤيتنا التربوية. رحم الله محمد زفزاف.

لحسن العسبي / سعيد منتسب

ات.الاش


_________________
الخفافيش تخاف نور الشمس !!
****************
لا يجب أن تقول كل ما تعرف ولكن يجب أن تعرف كل ما تقول

بديعة
مشرف (ة)
مشرف (ة)

انثى عدد الرسائل: 5687
العمر: 28
Localisation: الدارالبيضاء
Emploi: موظفة
تاريخ التسجيل: 03/04/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

دراسة نقدية .. : «محاولة عيش» عالم ينبعث من فضاء المدن السفلى، والهامش الاجتماعي..

مُساهمة من طرف بديعة في الثلاثاء 29 سبتمبر 2009 - 19:15


محمد زفزاف من الكتاب المغاربة الذين اختطوا لأنفسهم طريقة في الكتابة تميزوا بها عن سابقيهم وأضافوا من خلالها إلى مسار الرواية والقصة القصيرة المغربية. يمتاز العالم الإبداعي لمحمد زفزاف بعدد من الخصائص، منها ما فرضته المرحلة التاريخية التي مر بها المغرب بعد الاستقلال. ومنها ما فرضته الظروف الاجتماعية، ودرجة الوعي التي تحققت لدى الكتاب المغاربة بعد عودتهم من مراكز التحصيل العلمي في الشرق العربي كمصر وسوريا، ومراكز الغرب كفرنسا، وانفتاح الجامعة المغربية على أطر تشبعت بثقافة وممارسة مختلفتين.
وافق ظهور محمد زفزاف في الساحة الثقافية المغربية بداية الاستقلال. وتلك فترة فيها الكثير من الحماس الوطني لبناء المغرب الجديد. لكن الحماس الوطني لم يترجم حقيقة على الواقع بل خلق عددا من الأسئلة الجديدة التي لم تكن واردة أيام الفورة الوطنية والدفاع الوطني عن استقلال المغرب وتحريره من المستعمر الفرنسي (الحماية الفرنسية). ومن آثار إخفاق المشروع والأحلام الكبرى ظهر لدى الكتاب المغاربة مل إلى الالتزام الذي ظهرت بوادره في الأدب الفرنسي مع جون بول سارتر ورفيقته سيمون دي بوفوار. ولم يكن التيار الوجودي يعني فقط التزام الأدب بالواقع المعيش، كما في النظريات الأدبية والفكرية المادية التاريخية. بل كان مشوبا بحالة من القلق والسؤال حول الوجود والحقيقة. وهنا وجد عدد من الكتاب الشباب آنذاك عالما جديدا أوحى إليهم بإبداع جديد، وأتاح لهم فرصة التعبير عن رؤاهم الفكرية والإبداعية الجديدة. ومحمد زفزاف من هذا الجيل الذي التزم بالأدب كحياة وكقلق، كسؤال قلقٍ يبحث عن الحقيقة بين الناس؛ في الشارع، وبينهم وهم يحاولون العيش يصارعون من أجل من أجل الخبز والبقاء على قيد الوجود، بينهم في محنتهم الاجتماعية. ومحمد زفزاف وجيله من الأدباء والكتاب المغاربة، وكذلك العرب، ألزموا أنفسهم حقيقة تعرية الواقع الاجتماعي. والكتابة عن عالم المدن السفلى. أعني عن الناس البسطاء، أوليك الذين شغلهم الهم اليومي عن القضايا الكبرى. شغلهم البحث عن الطعام والمأوى عن قضايا الحياة الكريمة. عالم محمد زفزاف كما يبرز من خلال روايته «محاولة عيش» عالم ينبعث من فضاء المدن السفلى، والهامش الاجتماعي، و«أشخاصه» في الرواية واقعيون. قد لا نقول عنهم «شخصيات» ورقية لكثرة اقترابهم من الواقع، ووجود أمثالهم في الحياة.
2- الأوصاف السالبة: أهم ما يصف العالم الإبداعي محمد زفزاف في رواية "محاولة عيش"، كمدخل لتحليل النص ومكوناته: الأوصاف السالبة التي تؤطر المكان والشخصية الروائية وبالتالي الأفعال. 1.2- المكان: يعتبر المكان عند محمد زفزاف معادلا أدبيا للشخصية الروائية، لأنه حي وفاعل، من خلال مساهمته في تشكيل الفضاء الروائي، ومساهمته في تنامي السرد القصصي. والمكان في الرواية مكون من المكونات الأساس، له جماليته، ووظيفته السردية. لأنه يؤثر في الرؤية إلى العالم الروائي. ولهذا درس السرديون (منظرو السرد) المكان في أبعاده المختلفة: الاجتماعية، والأدبية، والهندسية، والوظيفية. ووجدوا أن المكان يرتبط بشكل وثيق برؤية الكاتب "زاوية ووجهة النظر". لأن الأبعاد الهندسية للمكان تحدد الأدوار والأفعال في القصة (Histoire). أي في تحديد طبيعة المتن القصصي. ومحمد زفزاف يولي المكان أهمية بالغة، سواء أ كان هذا المكان مفتوحا (الشارع، الغابة، شاطئ البحر...) أو كان مغلقا (الغرفة، الحانة، المقهى...). لكن الملفت للاهتمام في رواية "محاولة عيش" الأوصاف التي يسبغها الكاتب على فضاءاته، حتى تصبح أكثر ارتباطا بالغاية في الرواية. أي أكثر ارتباطا بأهداف المتن القصصي. وما دام محمد زفزاف قد اختار الكتابة عن العوالم السفلى للمدن المغربية فإن أحسن ما يمثل ذلك الأماكن المغلقة كالمقاهي والحانات، وأحياء الصفيح (البراكة)، والشوارع في الليل حيث يحتلها السكارى المعربدون واللصوص.
1.1.2- المكان المفتوح:
المكان المفتوح في الرواية لا يقوم بالتركيز على شخصية روائية بعينها بل يحاول الكاتب أن ينظر إلى الشخصية وهي في خضم الحياة، وفي علاقتها بالمحيط وبالناس. أي أن الشخصية الروائية مثل (حميد) في رواية «محاولة عيش» تكون جزءا من كل. ليس كما هو الحال في الأماكن المغلقة حيث يتم التركيز على الشخصية الروائية ومحاصرة أفعالها وسلوكها والنظر إلى خصوصياتها. إن النظر إلى الشخصية الروائية في الأماكن المفتوحة يؤثر على السرد، على الرؤية السردية للعمل الروائي فتصبح رؤية من الخلف، رؤية عامة. لأن السرد يراوح حينها بين نقل المكان وحركته، وبين العودة إلى الشخصية الروائية في نظرة من الخارج (Focalisation externe). حيث يكون تبئير الحكي والوصف خارجيا. والسارد لا يمكنه المشاركة أو التدخل لوصف مشاعر وأفكار وأحاسيس الشخصيات الروائية. لكن يمكنه فقط وصف التعابير الجسدية على الوجه والانفعالات (آثار الانفعال) على الجسد، كالبكاء، والدموع، والارتعاش، واحمرار الوجنتين.... والأماكن المفتوحة في رواية "محاولة عيش" تتمثل في الشارع والميناء والغابة. حيث تمارس الشخصية المحورية (حميد) عملها. لكن كما ذكرنا، يكون التركيز على الشخصية في هذه الأماكن المفتوحة عاما ولا يحدد خصوصيات أو أوصافا مميزة لها. لأن النظرة تكون خارجية. 2.1.2- الأماكن المغلقة: في الأماكن المغلقة مثل الغرفة (غرفة غنو)، البراكة (حي الصفيح) بين الأسرة والبراكة (= كوخ صفيح) الجديدة الخاصة باستقلال حميد بعد الزواج، والحانات والمقاهي، يكون التركيز منصبا على الشخصية الروائية. ويكون تحديد الأوصاف والأفعال بدقة أكثر. (لا فرق بين "التركيز" المصطلح الذي استعملته سيزا قاسم، و"التبئير" المصطلح الذي يستعمله سعيد يقطين، كترجمة للمصطلح الفرنسي: "Focalisation").
وهنا بالذات يمكن الحديث عن تواطؤ بين رؤية الكاتب إلى العالم، وبين الأماكن التي اختارها فضاءات للكتابة. فما دامت الغاية من الكتابة تعرية الحياة الهامشية وفضح أبعادها المغيبة في الكتابات الروائية والقصصية السابقة، فإن أفضل الأماكن تظل تلك التي يرتادها الناس تخفيا، كالحانات والمواخير والدروب الضيقة وأحياء القصدير التي يعمل على مواراتها خلف الأسوار العالية من الإسمنت. وكلها أماكن ذات صفات سالبة.

الشخصيات الروائية:

من أهم المكونات الأساسية في إنتاج وبناء العمل السردي؛ الشخصية الروائية والقصصية. لأنها العنصر الفاعل والمحرك للأحداث والمحفز على تنامي النص السردي (Texte narratif). وقد تم التحايل على مفهوم الشخصية الروائية لدى العديد من منظري الأدب، في محاولة منهم لتغيير البنية العامة والسائدة في بناء الشخصية الروائية. فسميت "العامل" و"الفاعل"، كما عمد البنيويون الجدد أو الروائيون الجدد إلى تفكيك مكوناتها وأبعادها وخصوصياتها إلى درجة محوها ومسخ ملامحها. ومما يضفي على الشخصية الروائية والقصصية الحيوية أبعادها المختلفة، وصفاتها المميزة، ووظيفتها الاجتماعية والفكرية...داخل واقع النص، وأفعالها. ومن الأبعاد التي تعطي الشخصية الروائية عمقا واتساعا؛ البعد الجواني المرتبط بمشاعر الشخصية الداخلية، وهواجسها وأفكارها الخاصة والحميمة. والبعد البراني، المرتبط بهيئة الشخصية ووضعيتها الخارجية. والبعد الاجتماعي الذي يحدد الوضعية التي توجد عليها الشخصية في عالم الحكاية (المتن القصصي). وإذا ما نظرنا في رواية محمد زفزاف "محاولة عيش" فإننا سنجده يولي الشخصية الروائية أهمية كبيرة، كما هي الحال بالنسبة للمكان. ولا يهمل محمد زفزاف التركيز على الأوصاف، وهي أوصاف سالبة (ناقصة) سواء من خلال الاسم أو الكنية واللقب. أو من خلال التركيز على العيوب الخارجية الخِلْقية. ويعطي محمد زفزاف الأولوية للبعد الاجتماعي. وهو في هذا لا يختلف عن جيله ورفاق دربه (إدريس الخوري، والمرحوم محمد شكري). فالأدب بالنسبة لهم التزام وتعرية للعيوب الاجتماعية، وارتباط بالواقع والحياة. ودائما مع التركيز على البعد النقدي في الكتابة. نقد المجتمع وسلوك الناس.
1.2.2- أنماط الشخصيات الروائية: في رواية "محاولة عيش" يصنف محمد زفزاف شخصيات الرواية إلى:
1- البطل السالب: وهو الشخصية المحورية التي تتنامى عبر السرد قصة حياتها، ويعطيها الكاتب اسما محددا (حميد)، ووظيفة اجتماعية (بائع صحف متجول)، وسلوكا خاصا (قبل وبعد التعرف على الذات واكتشافها من خلال العلاقة ب (غنو)، أو علاقة الخطوبة بشخصية (فيطونة)...). قبل هاتين العلاقتين (التجربتين في الحياة) كان حميد شخصية رزينة خاضعة مستسلمة لقدرها. وبعدهما أصبح له كيانه وامتلك لسانه من جديد. يقول الأم في النص:"...إن هناك شيئا ما يدور في رأسه، لقد تغير كثيرا. فكرت أن الرجل عندما تتغير عادته، فإنما المرأة هي التي تفعل به ذلك..." ويضيف النص:" لكنها مع ذلك تريد أن تعرف كل شيء. خشيت أن تكون هناك امرأة أخرى غير فيطونة، النساء حراميات، أحابيلهن كثيرة، لكن حميد لم يعد يصمت ويحني رأسه مثل عجل، أصبح الآن يواجه أباه وأمه. يرفع عينيه في أعينهما. يستطيع أن يكذب بثقة." ص (155). (والبطل السالب: شخصية رئيسية (محورية) مناقضة لشخصية البطل. ولا تحمل أية خصائص مميزة للبطل التقليدي، كالشجاعة والأفعال الخارقة. بينما البطل؛ شخصية خرافية أو عادية تمتلك صفات مميزة وهو شخصية محورية ورئيسية في الحكاية. ومن صفات البطل التقليدي القدرة الخارقة والإقدام والشجاعة..). وإذا كانت الأوصاف سالبة بالنسبة لباقي الشخصيات الروائية فإن محمد زفزاف استثنى منها شخصيتين: شخصية حميد المحورية، بعد التعرف على الذات من خلال تجربة الحياة، وشخصية غنو في مواقفها الإنسانية رغم أنها في الواقع الافتراضي للحكاية مجرد بغي تقتات على جسدها. إلا أن الكاتب جعل قصتها سرا، لمح إليه دون تصريح. وهو في ذلك يلتزم بجوهر الخطاطة التي رسمها لروايته. حتى لا يتحول من التركيز على حكاية (حميد) إلى حكايات صغرى جانبية كما يفعل كتاب تجريبيون آخرون. يقول السارد ملمحا لحكاية (غنو) الصغرى:"...إنها قذرة فعلا، كوخنا في العوامرة أحسن من أية براكة من تلك البراريك. لو لم تقع تلك الحادثة لكنت بقيت مع أبي وأمي وإخوتي. العوامرة أفضل لي بكثير.
كانت تتحدث كما لو كانت تهذي، حميد يستمع إليها، يندهش، لا شك أن وراء كل فتاة من هذا النوع حادثة. قال حميد: - أية حادثة ؟ - لا يهم، فعلها ولد الريس فهربت بنفسي، إنك متعب. حاول أن تنام. لا أريد أن أتكلم أكثر." ص.ص (151.150). يكشف محمد زفزاف عن خبايا الشخصية بالتلميح للحادثة، وبالتصريح بالرغبة في العودة إلى الدفء الأسري والاجتماعي. ورفض الشخصية الروائية للوضعية المزرية التي تعيشها والتي كان السبب فيها ذلك الحادث اللا إرادي. (...)

بناء الرواية:

أصبح الآن تعبيرا الخطاب (Discours) والقصة (Histoire) أكثر وضوحا بعد جهود جيرار جنيت، ومحللي الخطاب السردي. وإذا كان الخطاب يقصد به الصيغة التي تنظم بها أحداث الحكاية، فإن القصة هي المتن الحكائي. وهنا سنقف عند (القصة) كمتن حكائي. ونبرز الطريقة التي قام فيها الكاتب بتنظيم الأحداث والوقائع حتى يتمكن من بناء خطابه الروائي. محمد زفزاف من الكتاب الواقعيين الملتزمين بوظيفة الأدب الاجتماعية. وطريقته في الكتابة لم تخضع للتجريب. بل اكتفت بالاحتفاء بالقصة في تراتبيتها. وتنامي أحداثها تناميا مطردا. وروايته "محاولة عيش" نموذج للقصة المنظمة المطردة البناء. 1.3- الفصول: بنى محمد زفزاف متنه الحكائي على مدى اثني عشر فصلا، كالتالي: * في المرسى، وعلى ظهر الباخرة. * الحصول على عمل كبائع صحف متجول. * كسب المال وتغير أحوال الأب والأم. * في حانة "وهران بار". * مطعم "المادريغال" وصاحبته اليهودية. * في مقهى "الأركاد"
* زيارة المقدم وأزمة "البراكة". * إدعاء وافتراء الزوجة (الأم) على الجارات. * خطبة فيطونة لحميد. * حميد وغنو. * إنسانية غنو ليلة زفاف حميد. * مفاجأة ليلة الدخلة.
2.3- بناء القصة:
يبني محمد زفزاف القصة (المتن الحكائي) بطريقة متواترة الأحداث. وهو في ذلك يخلص للقصة أكثر من خوضه في التجريب القصصي الذي بدأ وقتها في المغرب يشهد حضورا خاصا على يد عدد من الكتاب أذكر منهم أحمد بوزفور، ومحمد عز الدين التازي، وأحمد المديني...ومحمد زفزاف يشكل في هذا الاتجاه جيلا مع صديقيه المرحوم محمد شكري، وإدريس الخوري حفظه الله ورعاه. والقصة عندهم التزام أخلاقي وأدبي تجاه الواقع والفئات البسيطة التي لا لسان لها، كما يقول إدريس الخوري. فالكاتب لسان من لا لسان لهم. ينوب عنهم ، وينقل همومهم. وبالتالي يشاركهم حياتهم ومشاغلهم، ويصور أوضاعهم البائسة. من هنا يمكن للقارئ والدارس الوقوف على سيرة حياة (حميد) ضمن القصة «المتن الحكائي». سيرة حميد وهو يحاول أن يكون له حضور ووجود في هذا العالم الواسع القاسي. لكنه يفشل في تحقيق ذلك الوجود. والأسباب مختلفة أهمها طبيعة شخصية حميد التي حددها الكاتب محمد زفزاف بدقة متناهية. تعبيرا عن وجود فئات أثقل عليها القهر حتى محا وجودها وطمس معالم شخصيتها. ولهذا وصفناه بالبطل الفاشل، أو مضاد البطل "Antihéros" كما في التحليل السردي للرواية والقصة القصيرة.
فحميد كما بينا لا يحمل أية خاصية أو صفة مميزة من خاصيات ومميزات البطل التقليدي كالشجاعة والإقدام وروح المغامرة. بل عكس ذلك، حميد شخصية، كما يصورها محمد زفزاف في الرواية، مسالمة سالبة لا رأي ولا موقف لها. لا رأي ولا موقف له من زواج، من فيطونة، من غنو، من العمل، من الحياة. يخفض عينيه كلما أهانه أحد (أمه، والده، زملاؤه، شرطي الحراسة في الميناء...). يحب (غنو) لإنسانيتها ولكنه لا يقوى على الارتباط بها لوضعيتها، ولخطبته من (فيطونة) دون رغبته أو رأيه. يأخذ منه الحارس نقوده وشرطي آخر الملابس التي منحتها له المرأة اليهودية فلا يجد في نفسه قوة على الردع سوى الاستسلام والهروب.يقول النص:"
- إيه أنت! تعال، ماذا تحمل تحت إبطك ؟
- صحف.
- الأشياء الأخرى تحت إبطك ؟
- ثياب.
- أرني تلك الثياب.
مد حميد الحزمة للشرطي. أخذ هذا الأخير ينشرها في الفضاء أمامه ويتأملها قطعة قطعة ثلاثة أقمصة وسروال، خطرت للشرطي فكرة:
- من أي سطح عمارة سرقتها ؟
- والله لم أسرقها، أعطتها لي اليهودية، إنها تسكن في هذه العمارة.
- اسكت يا كلب. إني أعرف أمثالك، الشكوى في المركز كثرت من كثرة سرقة السطوح. قل لي من أي سطح سرقتها؟
- أقسم لك. لم أسرقها، أعطتها لي اليهودية.
- اسكت لا تفتح فمك القذر.
جمع الشرطي الثياب تحت إبطه. ترك الدراجة متكئة على عمود كهربائي. وقال لحميد:
- انتظر هنا، سأتلفن للمركز حتى تأتي سيارة الشرطة لتأخذك أيها اللص.
دخل الشرطي إلى أقرب محل ليتلفن. وقف حميد لحظة يفكر فيما يفعل. لم يكن في مستطاعه إقناع الشرطي، إنهم قذرون، فهم أن الشرطي لابد أن يبتز منه تلك الأثواب. أخذ يجيل النظر حوله، ثم أسعفته البديهة وأطلق رجليه للريح. كان يركض لينجو بنفسه." ص. ص (121.120). إنها بعض الصفات السالبة التي تحدد ملامح الشخصية. وبالتالي تؤثر على نماء القصة، وتحدد قصديتها. المغامرة الوحيدة التي قام بها، كان لها تأثير إيجابي عليه، هي نجدته لغنو، وارتباطه بها. ذلك الارتباط الذي جعله يكتشف ذاته من جديد. ومن هنا تكون (غنو) شخصية فاعلة وهامة في تطوير تنامي النص السردي. وبناء الحكاية المركزية، وتحديد التغييرات الأساس في شخصية حميد. أما تغير أحواله مع والديه فكان نتيجة تأثير غنو فيه، واكتشافه لذاته. وتتدفق القصة (المتن الحكائي) مطردة متواترة متسلسلة: الحصول على العمل، تغير أحوال الوالدين ومعاملتهم لحميد، بناء البراكة وخطبة فيطونة، الاستعداد للزفاف، مفاجأة ليلة الدخلة.
3.3- بناء الخطاب: تعد القصة مادة الرواية. وهي مكون له بناؤه الداخلي والخارجي الخاص، الذي يخضع لرؤية الكاتب (وجهة النظر- Point de vue). ويقصد بها: الزاوية التي من خلالها يتكون الحكي. وتنقسم وجهة النظر إلى ثلاثة أنواع: وجهة النظر الداخلية، ووجهة النظر الخارجية، ثم وجهة النظر الكلية. ويقابل كل واحدة منها تبئير محدد على التوالي: تبئير داخلي، وتبئير خارجي، ثم التبئير الصفر (Focalisation zéro). والخطاب الروائي عند محمد زفزاف يراوح بين وجهة النظر الخارجية، عندما يرصد الكاتب الشخصية الروائية (حميد) من الخارج. ولا يسمح لنفسه بالتدخل في تشريح أو تفسير الخبايا النفسية للشخصية سوى تلك التي تظهر على سلوك (حميد) أو ترتسم على ملامح وجهه. ويراوح بين وجهة النظر الكلية التي تصبح فيها الرؤية والتبئير في الدرجة الصفر. والكاتب يتساوى مع الشخصية الروائية في المعرفة. وإذا عدنا إلى البناء الخارجي للحكاية، المسمى خطابا (بعض المنظرين يساوون بين مفهومي الحكي "Récit" والخطاب "Discours" ) نجد الكاتب قد غير في بناء القصة "Histoire". فبدأ بالمحيط العام والمكان المنفتح (المرسى)، وسرد كل ما يحدث من عنف واعتداء وخوف وتربص وتريث وحذر، وصراع الشرطة مع المشردين واللصوص والباعة المتجولين الذين يبحثون عن فرصة دخول البواخر الراسية بالميناء. من أجل الحصول على بعض الدولارات الأمريكية أو بعض الأغراض كالملابس وغيرها. إنه مدخل عام يعرض الأجواء العامة التي ستنتج ضمنها خيوط الحكاية. الفصول المتبقية لا تختلف عن البناء الداخلي للقصة. أي أن الخطاب هنا يوازي القصة. وهذه صفة من صفات القصص والروايات الواقعية التي تحتكم إلى التسلسل المنطقي للأحداث. وبالتالي التسلسل المنطقي لخط الكتابة. ومحمد زفزاف وجيله ممن رسموا ملامح الاتجاه الواقعي الانتقادي في الرواية المغربية يؤمنون بخطية الحكاية. وبأولوية القصة على الخطاب. ولكن يمكن الحديث هنا، وخصوصا عند محمد زفزاف، عن اجتهادات إضافية مرتبطة بتوسيع أطراف القصة ببعض الإشارات والتلميحات وليس ببعض القصص والحكايات الصغرى الضمنية. مثل التلميح إلى الحادثة التي دفعت (غنو) إلى مغادرة دوارها بالعوامرة واللجوء إلى احتراف الجسد بالمدينة (القنيطرة). ومن اجتهادات هذا التيار الواقعي المغربي تطويع اللغة القصصية والروائية. فلا يمكن للخطاب الروائي أن يعبر عن الأهداف العامة التي رسمها الرواد في هذا الميدان دون تطويع اللغة القصصية لتصبح أكثر تعبيرا عن الواقع والهامش والفئات المستضعفة في الأرض. أولئك الذين لا لسان لهم. أولئك الذين ألجم الخبز لسانهم وحد من طموحاتهم. ويتمثل تطويع اللغة في خلق لغة وسط تمتاح من الفصحى والعامية. لأن الشخصيات في عالم "محاولة عيش" بسيطة التكوين. تبيع الصحف لكن لا تقرؤها. ولا يتم خلال الرواية الحديث عن التعليم أو تعلم الشخصيات الروائية. إنها شخصيات تحاول أن تعيش. أما سؤال الحياة بكرامة فذلك بعيد المنال.

البعد الاجتماعي والتربوي:

الأدب عند محمد زفزاف ذو وظيفة اجتماعية. والوظائف الاجتماعية كثيرة ومنها الوظيفة الجمالية والتربوية والمعرفية. فما هي المعرفة التي يقدمها لنا محمد زفزاف في "محاولة عيش" ؟ وما هي القيمة التربوية التي نجدها في الرواية ؟ يقدم محمد زفزاف من خلال رواية "محاولة عيش" معرفة اجتماعية مهمة. وأهميتها تتمثل أولا في كشف الغطاء عن فئة اجتماعية هامشية مهملة، لم يكن مسموحا لها بدخول عالم الكتابة. وكانت تعتبر غير قابلة لدخول المتخيل الأدبي. لأنها وعالمها الذي تعيشه لا يقدمان فائدة معرفية أو قيمة جمالية للقارئ. وحتى عندما يتم الحديث عنها (الفئة الدنيا) في الأدب العالمي (الواقعي والعاطفي) فإنما لاستدرار العواطف، والتأسي على البؤس وأحوال الموت البطيء للإنسان (بؤساء فيكتور هوجو،بدون عائلة لهيكور مالو، و في السجن قصص قصيرة لماكسيم غوركي...). بينما في أدب الواقعية الاجتماعية حيث انتقاد الأوضاع البائسة للفئات الاجتماعية الدنيا فإن الغاية من حضور الفقر وكل أشكال العنف الاجتماعي والانحرافات، تتمثل في فك نظام الحياة وطريقة عيش ومنطق تفكير. وهنا القيمة المعرفية. فما كان يثير العاطفة بالأمس أصبح اليوم يستدعي التفكير والتدبير من أجل فهم الظاهرة والبحث لها عن حلول ممكنة. ومحمد زفزاف خير من حدد الظاهرة إبداعيا وكشف عن نظام العلاقات داخل بنيتها الاجتماعية المغلقة. فالكتابة في رواية «محاولة عيش» عن (حميد) ومجتمع السكارى والمنحرفين، وعالم "أحياء الصفيح" لا يريد إثارة عاطفة لدى القارئ بل يريد أن يعري واقعا قائما بذاته. وقد اعتمد محمد زفزاف على الأوصاف الناقصة والسالبة للشخصيات (الأعرج، المسلول، الكسول، السليط اللسان...)، وعلى نمط العلاقات بين سكان دور الصفيح (حديث الجارات، إدعاؤهن، النميمة والغيبة...)، وعلى الوظائف الاجتماعية البائسة (خادمة، بغي، عاطلة، بائع صحف...)، وعلى الأماكن السفلى (البراكة، الحانة، الغرفة الضيقة...)، وعلى السلوك الشاذ المنحرف (المرتشي، الجبار المعتدي...). إنه عالم يقوم على نظام خاص، وليس حالة تستدعي العاطفة الإنسانية. أما القيمة التربوية فجليلة ويمكن الوقوف عليها من خلال دراسة، كما حاولنا، شخصيتي (حميد) و(غنو). لأن الأول ضحية تربية والديه: الأب الكسول الذي لم يقم بدوره في توجيه الابن وإعطاء المثال على الجد والعمل من أجل الخروج من وضعية الفاقة والعوز. والأم، التي تهين الأب وتعيره بكسله أمام أبنائه. و(غنو) التي تظهر في الرواية (القصة:المتن الحكائي) كنتيجة لحادث طارئ، اجتماعي، أخلاقي. أما معدنها المختلف تعلن عنه من خلال عدم رضاها عن العمل الذي فرض عليها، وتحترفه. ومن خلال حسن معاملتها لحميد (منقذها، ومخلصها) وتقديمها الإسورة له ليلة زفافه.

(٭) إشارة:
* محمد زفزاف: الأعمال الكاملة.2.الروايات. منشورات وزارة الشؤون الثقافية. ط1. 1999م.
لحسن العسبي / سعيد منتسب

ا.الاش


_________________
الخفافيش تخاف نور الشمس !!
****************
لا يجب أن تقول كل ما تعرف ولكن يجب أن تعرف كل ما تقول

بديعة
مشرف (ة)
مشرف (ة)

انثى عدد الرسائل: 5687
العمر: 28
Localisation: الدارالبيضاء
Emploi: موظفة
تاريخ التسجيل: 03/04/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رواية « محاولة عيش » للروائي المغربي الراحل محمد زفزاف

مُساهمة من طرف nezha في الثلاثاء 29 سبتمبر 2009 - 19:19

كلما تذكرت المرحوم زفزاف الا وقفزت الى ذهني جملة من هذه الرواية

محمد لا يعرف ما يفعل بنفسه


وهي عندي جملة ذات دلالة عميقة

nezha

ذكر عدد الرسائل: 6236
العمر: 51
Localisation: s/a/g
تاريخ التسجيل: 16/04/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

بطل الرواية ذو سلوك قويم طوال أحد عشر فصلاً..

مُساهمة من طرف بديعة في الأربعاء 30 سبتمبر 2009 - 16:22

لا
بد من التنويه بمبادرة جريدة "التجديد" بفتح النقاش حول جانب من جوانب ما
يدرَّس في المؤسسات التعليمية. وجميعنا يعلم أن إعمال التشريح في هذا
الاتجاه أمر محمود. ولا بد كذلك من الانطلاق من أن ما كُتِب بخصوص موضوعنا
ينطلق من الغيرة على النشء، ومن سبل ذلك إسداء النصح بحثاً عن الأفضل.
وكذا لا بد من التنويه بمبادرة جريدة "الاتحاد الاشتراكي" بفتح صفحاتها
للإسهام في النقاش.
في يوم 25 شتنبر 2009 ورد في جريدة «التجديد» عنوانان: الأول «استنكار
اعتماد «رواية» لاأخلاقية لتلاميذ السنة التاسعة»، والثاني «تدور مجمل
أحداثها في الحانات والبارات.. حياد اتجاه تعاطي الخمر والتدخين والزنا
وعقوق الوالدين.. رغم الشكاوى، الرواية تدرّس للسنة الثالثة». أما متن
المقال فينقسم إلى أربعة أقسام:
صمتُ الوزارة الوصية «رغم احتجاج عدد من آباء وأولياء التلاميذ الذين رفعوا شكاوى في الموضوع».
انتقاد »رئيس المركز المغربي للدراسات والأبحاث التربوية" انتقاداً شديداً
لما وصفه بالانتهاكات الخطيرة للقيم الواردة في الرواية التي تدرّس
للمتعلمين في فترة المراهقة. ثم استغرابه لتجاوز «مرصد القيم» عن هذه
الانتهاكات. من خلال ما تقدم يتضح أن هناك طرفين أحدهما يتهِم (الآباء
والأولياء، ورئيس المركز، والجريدة) الطرفَ الثاني (الوزارة ومرصد القيم)؛
أما التهمة فهي إفساد أخلاق النشء، ووسيلةُ الإفساد تدريس رواية «محاولة
عيش» من تأليف أديب مغربي اسمه محمد زفزاف رحمه الله. هذا عن القسمين
الأول والثاني.
القسم الثالث تفصيلٌ من قبل كاتب المقال لما وردَ مجملاً في التهمة وتنويع
عليه. وقد سلك المفصّل سبيلاً تعبيرياً يتعامل مع الرواية كما لو أنها
بيان صاغه دعاةٌ إلى إفساد أخلاق النشء عن سبق إصرار وترصّد. ويتجلى هذا
في العبارات الآتية: «تحتوي الرواية على مقاطع اعتمدت الحياد الإيجابي
إزاء ظواهر شرب الخمر والاعتداء على الوالدين»؛ و«ضرب الأمهات»؛ و «طفحت
الرواية بعبارات سوقية تعطي صورة سيئة للعلاقة بين الزوجين» و «كرست
الرواية صورة سيئة للمرأة المغربية»؛ و «تضمنت الرواية نصوصاً تغري الشباب
بتعلم التدخين»؛ و «وردت في الرواية مقاطع كثيرة تشكك في الحكمة من حرمة
أكل لحم الخنزير»؛ و «تدور عدد من أحداث هذه الرواية في الحانات
والبارات»؛ و «تتضمن مقاطع محايدة إزاء واقع الخيانة الزوجية وشرب الخمر
(...) وتعتبر ذلك سلوكاً عادياً»؛ و «تشجع النشء في مشهد آخر على اقتراف
الخمر وممارسة الزنا قبل الزواج». القسم الأخير «تلخيص» للرواية بعبارتي
«تدور أحداث الرواية»؛ أو «تدور معظم أحداث الرواية» و «تصور الرواية».
إن الطريقة التي عولج بها الموضوع أقرب إلى مرافعات «النيابة العامة» وهي
تبسط صك الاتهام وترفعه في وجه المتهم، والنتيجة إصدار حكم بالإدانة بفعل
ما اقترفه من الجرائم. هذه التهم كفيلة بالزج بالرواية في السجن عقوداً !!
لديّ مؤاخذتان على محرر المقال: الأولى طريقة المعالجة (المحاكمة) وقد
نبهنا إلى ذلك؛ والثانية اعتماد "أقوال" وردت على لسان شخصيات في الرواية
وسيلة للاتهام بعد بترها من السياقات التي وردت فيها. وهذا بيانه:
عن الحياد الإيجابي إزاء شرب الخمر: ورد ما استشهد به كاتب المقال في سياق
حوار بين "سي ادريس" المسئول عن مكتب توزيع الصحف و«حميد» على النحو
الآتي: «-كم عمرك./ - ست عشرة سنة./- آه إنها السن المناسبة، هذه مهنة
المستقبل، عليك أن تكون جاداً إذا أردت أن تموّل عائلتك، هل تدخن؟/- لا./-
مزيان./ -هل تسكر./ -لا./ - مزيان أيضاً، لكن هذا غريب عن الحثالة من
أمثالك يكونون قد تعلموا هذه الأشياء قبل بلوغ سن العاشرة. لا علينا. إذا
لم تكن قد تعلمت هذه الأشياء فالطريق أمامك مفتوحة. ستعرف كل أصناف البشر،
اللصوص، الموظفين، الجنود الأمريكان، المومسات، إنه عالم كبير ينتظرك،
ستحتك به بعد حين».
يتضمن هذا المقطع نظرة دونية - ممن هم أعلى- لأمثال حميد من الفقراء
الساعين إلى "محاولة العيش"، وذلك بنعتهم بالحثالة، والحكم بأنهم فاسدون
أصلاً لا يرجى منهم خير... إنه مقطع يعبر عن موقف موجود حتى اليوم مليئ
بالأحكام السلبية المسبقة على شريحة من المجتمع كل ذنبها أنها وُلدت
وترعرعت في مكان لم تختره. هذا علاوة على "أصناف البشر" الذين ورد ذكرهم
في المقطع يصادفهم "جميد" في الأماكن التي يرتادها لبيع الصحف. وربما كان
الغرض تعميق مأساة "حميد" لأن ما سيحصله من دريهمات مغموس بالعذاب
والإهانات المتكررة رغم أنفه، وهذا ما تنضح به الرواية. حميد لا يدخّن ولا
يسكر؛ أمّا ما ورد على لسان "الرئيس" فيبرز تصوره لمن هم على شاكلة حميد،
علاوة على ما تقدم.
عن ضرب الأمهات: ورد في سياق تزويد "حميد" أبويه بحصيلة يوم من العمل
الشاق المهين كما يلي: "أخرج حميد تلك القطع النقدية الصفراء والبيضاء،
بسطها بكل أمانة أوّل الأمر، لم ينفق منها شيئاً خفية كما سيفعل فيما بعد.
الأب يحصي القطع النقدية والأم تتظاهر بعدم الاهتمام (...) انتهى الأب من
العد، ظهر في عينيه بريق، ابتسم حتى ظهرت أسنانه القذرة والسوداء من كثرة
التدخين، كأسياخ الحديد، رأت الزوجة ذلك فنقلت بصرها بين حميد وبين أبيه،
قالت: -الله ! شيء خير من لا شيء./ - في هذا خير وبركة، قال الزوج. وقالت
الأم: -قلها لنفسك. لو أنك تفعل مثل أسيادك؛ تستيقظ مبكراً وتذهب إلى
الميناء، تأخذ مكانك بين الحمّالين وتعود في المساء بثروة./ - أنت لا
تعرفين الميناء، لا يصلك الدور إلا بالرشوة أو إلا إذا كنت قوية كجمل./ -
انظر إلى كتفيك إنهما مثل كتفي بغل./ - يا بنت الناس ما عندي صحة. ثم إننا
لا نريد أن نتشاجر الليلة، اهتمي بتهيئة شايك". بُعيْد هذا الحوار يقول
السارد: "لم يتدخل حميد، لأنه لا يمكن له أن يتدخل، وعندما يتدخل في
مشادات كلامية مثل هذه، ينهالان عليه ضرباً، هو ليس مثل أصدقائه من أبناء
الحي الذين يضربون أمهاتهم حتى يسيل الدم من أنوفهن. كان يعتقد أن ذلك عيب
ولا يرضي الله. لم يكن يحب المغامرة. أولئك عندما كانوا يرتكبون مثل تلك
الفضائح يستطيعون أن يتغيبوا مدة شهر عن عائلاتهم (...) حميد لم يكن من
ذلك النوع. لم تقع له أبداً مشادة كال فيها لأمه ضرباً. وإن كان، في
العمق، يريد أن يفعل ذلك. لكن هناك أشياء تمنعه من فعل ذلك".
ما أوردناه بخط بارز هو ما استشهد به كاتب المقال، أما ما تحته خط فهو ما
حذفه ليستقيم له "الاتهام". ضرب الأم في عرف حميد "عيب ولا يرضي الله"
وحتى حين يرغب في ذلك "هناك أشياء تمنعه من فعل ذلك". أما من فعلوا
فـ"يظلون يعيشون من مزابل المدينة وينامون في الحدائق العمومية وتحت أبواب
العمارات، حتى تلتقطهم في نهاية المطاف سيارات الشرطة أو تطاردهم أثناء
حملة تنظيف المدينة من أمثالهم. إذ ذاك يعودون، وتكون الأم قد نسيت ما وقع
لها...". هل هذا هو الحياد الإيجابي؟ على افتراض أن على الرواية أن تتبنى
موقفاً معلناً ?على رؤوس الأشهاد- من الأحداث والوقائع التي ترد فيها.
عن العبارات السوقية التي "تعطي صورة سيئة للعلاقة بين الزوجين، مثل
مناداة الزوجة لزوجها بالبغل والحمار" : لا علاقة بين هدا والعلاقة بين
الزوجين، وإنما هو كلام كان الوالدان يخاطبان به ابنهما حميد قبل أن
"يعمل". وقد ورد قبل ذلك ما يلي: "جرّت الأم الصينية، توقفت عن مناوشة
الزوج، أخذت تصب الشاي في الكؤوس. قطع الأب الخبزة إلى عدة كسر أمامه، جرّ
طبق الزيتون. وهذه المرة دون أن ينظر نظرة شرسة إلى حميد. قدم له الخبز
والشاي كما يقدمه لضيفٍ صديق. في السابق، كان حميد يلعن تلك اللحظة التي
سيتناول فيها الطعام". لقد تغير سلوك الوالدين إزاء حميد لأنه أصبح "يعمل"
ويقدم لهما عرق جبينه اعترافاً بأفضالهما وبراً بهما. الكلام الذي يلي،
وهو ما استشهد به كاتب المقال دليلا على الصورة السيئة للعلاقة بين
الزوجين، كان الوالدان "يشنفان" به أسماع حميد "في السابق"، كما جاء في
قول السارد، أي قبل أن يصبح له "دخل". ولذا ورد بعد ما وصف به الوالدان
حميد ما يلي: "أحياناً، عندما كان حميد يسمع مثل هذا الكلام يفضل ألا يأكل
بتاتاً. (...) الركل والصفع من إنسان أجنبي فيه بطولة، خصوصاً إذا كان رجل
سلطة، وهو خير من ذلك الشتم الذي يسمعه من أمه وأبيه. الآن يأكل حميد دون
أن يشعر بمرارة ما سيأكل، لقد أدى الثمن. تلك النقود المعدنية البيضاء
والصفراء استطاعت أن تحميه".
نستنتج مما تقدم أن المقطع لا علاقة له بالصورة السيئة للعلاقة بين
الزوجين. ونعتقد أن سوء الفهم ناتج عن التسرع في الحكم، وعدم العناية
بالمؤشرات الزمنية في السرد.
عن تكريس صورة سيئة للمرأة المغربية: لا يمكن فهم هذا الذي استشهد به إلا
في سياق الشخصيات التي يصدر منها؛ وهي مغلوبة على أمرها تردد أمثالاً
شائعة مازالت تكرّر في حياتنا اليومية، للأسف.
عن إغراء الشباب بالتدخين: ورد المستشهد به في سياق حوار بين حميد
وزميله-صديقه الضاوي على الشكل الآتي: "أخرج الضاوي سيجارة، أشعلها وهو
يلوك قطعة العلك. جذب أنفاساً عميقة منها ثم مدها لحميد: - هل تدخن؟/ -
متى رأيتني أدخن؟ هل تمزح؟/ -دخن. هل ستظل مثل عذراء طاهرة./ - لا يمكن أن
أدخن. إني أسمع كلام الوالدة./ -يلعن أبوك... لقد كانت أمي دائماً تقول لي
إذا دخنت فإني سأدعو الله أن يدخلك إلى الجحيم. أنا أريد أن أدخل إلى
الجحيم مع بريجيت باردو ومارلين مونرو. هل تعرفهما؟/ - لا./ -يجب أن ترى
كم هما جميلتان في السينما إنهما من الكفار الذين يدخلون جهنم./ - إنك
كافر. وهذا عار عليك." تعليقنا على هذا الحوار هو أنه ليس دعوة تغري
الشباب بتعلم التدخين هكذا على الإطلاق، وإنما هي دعوة من أحد شخصيات
الرواية لشخصية أخرى تعرض عليها المشاركة في التدخين، ولكنها رفضت ذلك
رفضاً قاطعاً؛ هذا علاوة على الحكم الذي أصدرته في حق كلام الضاوي عن
رغبته في دخول جهنم. وهو ما أسقطه كاتب المقال من الحوار. لماذا؟ الله
أعلم بالنيات. وعلى الجملة نرى في المقطع توازناً بين مقبل على التدخين
وراغب عنه لاقتناعات محددة. هل كان على الروائي أن يذيّل الحوار الدائر
بتحذير القارئ من التدخين لأنه يقتل؟ في هذه الحالة ستصبح الرواية علبة
سجائر !!
عن ورود مقاطع كثيرة في الرواية تشكك في الحكمة من حرمة أكل لحم الخنزير:
يقول كاتب المقال "وفي الحوار الذي جرى بين الأمريكي وحميد بطل الرواية "-
هل تريد هذا (يقصد سندويتش من لحم خنزير)/ ?لا آكله./ - لا يهمك، كلْه حتى
تصبح سميناً مثلي، وبلغته (لقد حشوا رؤوسهم بأفكار فارغة، يجب أن تأكل حتى
لا تظل نحيفاً مثل معزى)". أما سياق الكلام فهو الآتي: "كان أمام الأمريكي
(سندويتش) من لحم الخنزير. قضم منه شيئاً. وترك بعضه فوق الفاصل الخشبي.
أخذ حميد ينظر إلى بقايا (السندويتش). قال لحميد: -ألم تأكل؟ هل تريد
هذا؟/ - قال حميد: -هل هو لحم الحلوف؟/ -نعم./ لا آكله./ -لا يهمك. كلْه
حتى تصبح سميناً مثلي. وبلغته: -(لقد حشوا رؤوسكم بأفكار فارغة. يجب أن
تأكل حتى لا تظل نحيفاً مثل معزى). أمسك الأمريكي (السندويتش) وحاول أن
يدسّه في جيب حميد بالقوة وهو يضحك. ?يجب أن تأكل./ -طيب سآكله عندما
أخرج./ - لا، كلْه الآن أمامي./ تناوله حميد، وعضّ منه قطعة صغيرة. أخذ
يلوكها أمام الأمريكي. ضرب هذا الأخير على كتفيه: - فيري كود! يجب أن
تأكل، سوف تصبح قوياً ورجلاً في بضعة أيام". ثم يروي السارد ما حدث بعد
ذلك: "عندما غادر حميد (البار)، بصق ما في داخل فمه بتقزز، وطوّح
(بالسندويتش) في الساحة الصغيرة أمامه. انفصلت شرائح اللحم عن الخبز
وتشتت، ورأى طفلين مشردين، يركضان، يتخاطفان (السندويتش) من الأرض. أخذا
يلتهمانه بنهم وصرخ فيهما حميد: - إنه حرام. إنه لحم الحلوف. لا تأكلاه".
وتأسيساً على ما تقدم يتضح أن الواقعة شارك فيها ثلاثة أطراف الأمريكي
(النصراني، كما وصفه حميد) الذي يأكل لحم الخنزير، وحميد المسلم [وقد شدد
على ذلك في حوار آخر سابق دار بينه والأمريكي وهو يدعوه إلى تناول الخمر :
"أشار حميد برأسه أن لا. لكن الأمريكي خاطبه بالعربية: -لا تريد؟/ -لا./
-لماذا؟/ -أنا مسلم/ -قل أنا صغير"] الذي لا يأكل لحم الخنزير مقاوماً
إغراء الأمريكي؛ والمتشردون الذين أكلوه لأن بطونهم فارغة تئن من شدة
الجوع (أليس الجوع كافراً؟ في عرف المغاربة) لا حباً في لحم الخنزير؛ وقد
حاول حميد ثنيهم عن ذلك لأنه حرام. وهنا أيضا رؤيتان تصارعتا فخرج حميد
منتصراً بحكم القيم الدينية التي يؤمن بها. فعن أي تشكيك في الحكمة من
حرمة لحم الخنزير يتحدث كاتب المقال. إنما هو فصل الكلام عن سياقه.
عن تضمن الرواية مقاطع محايدة إزاء الخيانة الزوجية وشرب الخمر: ورد في
المقال ما يلي شاهداً على التهمة:"-لا شك أنك تشاجرت معها. تعال فرّج عن
نفسك. / أخرج [أحدهم سماه السارد "شبح رجل تعرف عليه الزوج"]من تحت سترته
زجاجتي نبيذ رخيص./ -تعال إن معي امرأة./ -قال الحسن: لا أرغب في ذلك.
أريد أن أنام./ -ذاك شغلك.ثم اختفى في الظلام". هذا الحوار سياقه مغادرة
الزوج البيت غضبان من اقتراح زوجته بناء "براكة" في الحوش استعداداً
لتزويج حميد؛ وفي أثناء ذلك لمح شبح رجل... هنا أيضاً موقفان: رافض للزنى
وشرب الخمر وموقف مقبل عليهما معاً. وفي جميع الأحوال لسنا ندري ما الذي
أوحى لكاتب المقال بحدوث الخيانة الزوجية. اللهم إن كان على علم بما حدث
أو سيحدث، أي شاهداً عاين الواقعة !! وفي هذه الحالة نقترح عليه كتابة
"استدراك على ما فات الروائي". وقس على هذا ما تبقى من الاستشهادات التي
ساقها "للبرهنة" على "الجرائم" التي ارتكبها الروائي.
القسم الأخير من المقال قلنا "ملخص" للرواية، أو قل ما اعتبره كاتب المقال ملخصاً.
أما بعد، فالرواية تتألف من اثني عشر فصلاً، ومجموع صفحاتها خمس وثمانون
من القطع المتوسط (منشورات وزارة الشؤون الثقافية 1999؛ محمد زفزاف،
الأعمال الكاملة؛ الجزء الثاني: الروايات (ص.ص. 81-165). ومن المجحف، في
رأينا، إصدار حكم الإعدام عليها اعتماداً على جمل مبتورة من سياقاتها من
ناحية؛ ومعاملتها من ناحية ثانية معاملة بيان أصدره دعاةٌ إلى الرذيلة.
والحقيقة أن الرواية مليئة بالأحداث والوقائع القابلة للاستثمار في الفصل
الدراسي نذكر منها: السكن غير اللائق وتأثيره في العلاقات بين الأولاد
وآبائهم، وبين المقيمين في "الكاريان" عامة، وعواقب ذلك من الزوايا
الاجتماعية والنفسية والأخلاقية...؛ الأصول الاجتماعية لشخصيات الرواية
وعلاقة ذلك بمصائرهم؛ سبب وجود القاعدة الجوية الأمريكية حيث هي وتأثير
ذلك في القاطنين بجوارها، وتاريخ قيامها وتفكيكها؛ علاقة الرشوة بتوسع
السكن غير اللائق وانتشاره؛ الشطط في استعمال السلطة وعواقبه الوخيمة؛
القيم الاجتماعية وتحولاتها وأسباب ذلك؛ الهجرة القسرية من البوادي إلى
الحواضر وأسبابها ونتائجها؛ النفاق الاجتماعي وتجلياته في سلوك الأفراد
والمؤسسات؛ لغة الرواية (أو لغاتها) بحكم تعدد خلفيات الشخصيات وتنوعها؛
ما هي اللغة السوقية؟ وهل هي مجانية في الرواية أم تراها لازمة لشخصياتها؟
هل هي من اختيار الأفراد أم هي متصلة بقساوة عيشهم وإحساسهم اليومي بالظلم
والاحتقار والعيش على هامش الهامش؟ ألشخصيات الرواية أحلام؟ ما هي؟ هل هي
قابلة للتحقق في ظل الظروف التي يحيونها؛ الصفات والنعوت التي نعت بها
حميد من قبل عدد من شخصيات الرواية بدءاً من الفصل الأول حتى الأخير،
لماذا؟ علامَ ينمّ ذلك؟ الصفات التي وصف بها السارد مسكن أسرة حميد
وملابسها وفراشها وأكلها...ما دلالة ذلك؟
أعتقد أن الأساتذة الذين يدرّسون هذه الرواية بإمكانهم مساعدة التلاميذ
على تتبع القضايا الجوهرية المطروقة في الرواية ومساءلة الشخصيات
وأوضاعها، والاهتمام بأساليب الحكي وأصنافه وباقي مظاهر السرد. ونحن على
يقين من أن الكثرة منهم تفعل. وفي ذلك حوار حقيقي بين التلاميذ ومجتمعهم
البشري الذي لا يخلو من الظواهر المسرودة في هذا العمل الروائي. وعلى من
يظن أن تلاميذنا يتميزون بهشاشة لا نظير لها أن يفتح أمامهم فرصة التعبير
عن آرائهم، وعند ذاك سوف يكتشف أنهم مسكونون بأسئلة غالباً ما يُختزل
الجواب عنها بقول بليد "ملّي تكبر غا تعرف".
وأخيراً، لست أدري ما الذي أغضب كاتب المقال من الرواية، والحال أن بطلها
ذو سلوك قويم طوال أحد عشر فصلاً؛ وهذا بيانه: لم يتمكن الأمريكي من
إقناعه بشرب الخمر؛ لم يتمكن الأمريكي من إقناعه بأكل لحم الخنزير؛ يمتنع
عن التدخين نزولاً عند نصائح أمه؛ لا يعرف مارلين مونرو ولا بريجيت باردو،
ولا يعرف السينما؛ رؤوف بأمه لا يغضبها ولا يرفض لها أمراً، ولو تعلّق
بالزواج؛ يسلم لوالديه مدخوله اليومي على قلّته؛ يقضي ليله في الطواف على
أماكن لم يختر ارتيادها لولا البحث عن لقمة العيش؛ لا يظلم أحداً ولا يحب
الظالمين؛ متشبث بإسلامه الذي حرم عليه شرب الخمر وأكل لحم الخنزير؛ يرغب
عن ممارسة الجنس خارج مؤسسة الزواج، ولذا وافق على اقتراح أمه بالزواج من
"فيطونة". حميد يقاوم الانحراف بشراسة ولم يستسلم إلا في الفصل الأخير من
الرواية، أي أنه ظل على اقتناعاته طوال أحد عشر فصلاً يناضل ويقاوم من أجل
غاية واحدة هي "محاولة العيش" بكرامة؛ ولكن الظروف أقوى وأعتى من سنِّه
وخبرته. مازال فتى بدأ معركة الحياة مرغماً من السادسة عشرة من عمره
وانهار في الثامنة عشرة بعد أن تكالبت عليه المحن من كل جانب. ولذا رفقاً
بحميد لأنه علاوة على ذلك شخصية من ورق، بالمعنى الأدبي للكلمة. والله
أعلم.
حرره العبد الفقير إلى ربه محمد خطابي يوم 28 شتنبر 2009 بأكادير المحروسة

حاشية:
ختاماً، وعوداً على بدء، كلّي شوق إلى قراءة الجزء
الثاني المستدرك به على الرواية؛ وليكن العنوان - هو اقتراح ليس
إلا-«محاولة عيش، مزيدة ومنقّحة» طبعة 2009. ولله الأمر من قبل ومن بعد.
محمد خطابي
الاتحاد الاشتراكي


_________________
الخفافيش تخاف نور الشمس !!
****************
لا يجب أن تقول كل ما تعرف ولكن يجب أن تعرف كل ما تقول

بديعة
مشرف (ة)
مشرف (ة)

انثى عدد الرسائل: 5687
العمر: 28
Localisation: الدارالبيضاء
Emploi: موظفة
تاريخ التسجيل: 03/04/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى