صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

ملف : حوارات مع عبد الهادي بوطالب أستاذ الملك الحسن الثاني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

ملف : حوارات مع عبد الهادي بوطالب أستاذ الملك الحسن الثاني

مُساهمة من طرف بديعة في الجمعة 9 أكتوبر 2009 - 15:29

من يقرأ كتاب «وزير غرناطة» الذي يروي سيرة حياة ذي الوزارتين الشاعر
الاندلسي لسان الدين بن الخطيب، وهو نص ادبي كتبه ذو الوزارات عبد الهادي
بوطالب، يخيل له ان هذا السياسي المغربي المخضرم يروي فيه تجربته في الحكم
على لسان ابن الخطيب. لكن المحقق هو ان بوطالب كتب هذه السيرة سنة 1952
ولم يكن وقتها قد خاض غمار العمل السياسي في القصر والحكومة، وان كان قد
مر بالمعهد المولوي استاذا لولي العهد الامير مولاي الحسن.وقد ربط قراء هذه السيرة بين حياة ومسار الرجلين الاديبين، بل منهم من رأى
فيها «قارئة فنجان» لمستقبل بوطالب السياسي الذي تخللته حالات من المد
والجزر شبيهة في بعض الاوجه بحالات عاشها وزير غرناطة. ويرى بوطالب الذي
كان وما زال معجبا ومتعاطفا مع مأساة ابن الخطيب الذي شغل الناس في حياته
ومماته، انه اذا كان هناك تشابه او نوع من الالتقاء بين شخصيتيهما، فذلك
من صدف التاريخ.واذا كانت نهاية ابن الخطيب مأساوية، لان الرجل قتله الرعاع خنقا واحرقت
جثته بعد ان قطع شعرة معاوية مع بلاط بني الاحمر في غرناطة، وغضبت عليه
الدولة المرينية في فاس، فان بوطالب خرج سليما معافى بعد خمسة عقود من
العمل في حمأة السياسة وأتونها. وفي ذلك يقول «الحمد لله على ذلك، لان
الحكم في بلادي الان ليس مثل حكم بني مرين وبني الاحمر.. فعلاقتي بالملك
محمد الخامس لم تشبها اية شائبة تدعم كلمة «المأساة»، ونفس الامر مع الملك
محمد السادس الذي تجمعني به علاقة طيبة قوامها الحب والتقدير، في حين كانت
حياتي مع الملك الحسن الثاني رحمه الله، حياة لقاءات وتذكر وتفهم وتعاون
صادق واسداء النصيحة وقبولها، الى ان جاءت فترة معينة بدا فيها ان شخصيتي
تصطدم قليلا مع عظم شخصيته الفذة، وانا لم اقصد ذلك ابدا لانني كنت اعمل
بالحكمة القائلة «قل كلمتك وامش». ويضيف قائلا: «كنت اقول الكلمة، لا تلك
التي تسهل لي استمرار البقاء حيث انا، ولكن تلك التي يمكن ان تسبب لي
الابتعاد عما كنت فيه». قد تكون هذه الحكمة مفتاح شخصية بوطالب الذي يشكل
نموذجا متميزا لعلاقة المثقف والسلطة. فهو رجل لا يتنازل عن مبادئه
وافكاره قيد انملة، و ظل متشبثا بها حينما قرر المشاركة في تأسيس الاتحاد
الوطني للقوات الشعبية والانسحاب منه، وحين اعتذر عن عدم المشاركة في مجلس
الدستور وفي حكومة محمد الخامس التي خلفت حكومة عبد الله ابراهيم، وحين
تصادم ايام كان وزيرا للعدل ثم وزيرا للتعليم مع الجنرال محمد اوفقير
حفاظا على حرمة العدالة وكرامة اسرة التعليم. وايضا عندما اكتشف وهو وزير
لخارجية بلاده انه كان اخر من يعلم بشأن فحوى الاتفاق المغربي ـ الجزائري
بعد لقاء تلمسان عام .1970 ونفس الشيء عندما قرر عدم ترشيح نفسه لولاية
جديدة على رأس برلمان 1970 لانه علم ان قرار حله اصبح وشيكا، وبالتالي لم
يسمح له كبرياؤه السياسي ان يقال عنه انه كان «رئيس برلمان محلول».كل هذا نقط في وادي تجربة بوطالب الغزيرة رواها لـ«الشرق الاوسط» على مدى
اسبوعين في منزله بالدار البيضاء. كان خلالها سيل الذكريات يتدفق من علياء
ذاكرته، وقلما استعان بوثائق خاصة.

_________________
الخفافيش تخاف نور الشمس !!
****************
لا يجب أن تقول كل ما تعرف ولكن يجب أن تعرف كل ما تقول

بديعة
مشرف (ة)
مشرف (ة)

انثى عدد الرسائل : 6075
العمر : 30
Localisation : الدارالبيضاء
Emploi : موظفة
تاريخ التسجيل : 03/04/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

1-لا أعلم هل قرأ الملك الحسن الثاني كتاب «الامير» لمكيافلي وليس كل من قرأه يصبح مكيافلي النزعة

مُساهمة من طرف بديعة في الجمعة 9 أكتوبر 2009 - 15:30

في تلك الاثناء بدا لي ان الحسن الثاني، هذا الملك الذي كان وما زال في
خواطر المغاربة وقلوبهم، حاضرا معنا. فبوطالب رافقه وعايشه في اشد مراحل
المغرب حساسية وحرجا، مثلما بدا لي التاريخ حاضرا ايضا. فكل شيء في بيت
بوطالب يفوح بعبقه، اوسمته التي تلقاها من رؤساء الدول، صوره مع كبار
العالم وساسة المغرب، لكن الصورة التي لفتت نظري هي صورة للملك الحسن
الثاني كتب عليها اهداء يقول فيه «الى استاذنا ووزيرنا السيد عبد الهادي
بوطالب كرمز محبتنا وتقديرنا لشخصه داعين له بدوام التوفيق والسعادة
(نوفمبر 1965)». والى جانبها بدت شهادة تخرج بوطالب من جامعة القرويين في
فاس وقد وقع عليها السلطان محمد بن يوسف الذي كتب ايضا كلمة بخط يده قال
فيها «سلمنا هذه الشهادة بيدنا الشريفة لصاحبها مجازاة له على اجتهاده
واعتناء بالعلم الشريف. توقيع: محمد بن يوسف امير المؤمنين اعزه الله
وايده»... يسترسل الحديث، تحضر اسماء وتغيب اخرى، وذاكرة بوطالب دائما متقدة
وخصبة وموشومة. وفي ما يلي بعض من الأجوبة على اسئلة المغرب الحديث.






















درست العاهل المغربي الراحل اللغة العربية وتفسير القرآن والتاريخ الإسلامي * عايشتم اللحظات الحرجة التي أدت إلى استقلال المغرب. والمعروف أنكم
انخرطتم في العمل الوطني في سن مبكرة. فماذا بقي في ذاكرتكم حول حركة
النضال الأولى؟ـ التحقت بخلايا العمل الوطني وأنا في سن مبكرة ـ كما قلتم ـ وهي خلايا
كانت تلقننا ـ نحن التلاميذ الذين كان يطلق علينا اسم «براعم كتلة العمل
الوطني ـ دروسا في الوطنية. وكان يشرف علينا داعيتان وطنيان جليلان هما
إبراهيم الوزاني رحمه الله، الذي اختُطِف واغتيل إثر استقلال المغرب من
قبل عصابات كانت تقوم بتصفية الوطنيين المنتمين لحزب الشورى والاستقلال
(حزب المعارضة)، والهاشمي الفيلالي أمدَّ الله في عمره، وهو أحد أركان حزب
الاستقلال.تربيت إذن في أحضان الكفاح الوطني، إضافة إلى أنني ترعرعت في بيت متدين
تلقيت فيه من والديَّ وجوب التمسك بالدين والحرص على أداء شعائره، كما
تربيت فيه على عدم الاطمئنان إلى الأجانب وعدم الرضا بأن يحكموا المسلمين.
وكنت قد حفظت القرآن كله في الكُتَّاب القرآني وأنا ابن تسع سنوات. ومن
خلال هاتين المدرستين شبَّت فيَّ غريزة الكفاح وأصبحت أتطلع إلى المساهمة
في تحرير بلادي من سيطرة الأجنبي. وكما تعلمون فإن المغرب ظل على امتداد
تاريخه الطويل مستقلا تحكمه ملكيات وأمبراطوريات وطنية عظمى. ولما قرر
الاستعمار الدولي دك قلعته واحتواءها أخذ يعمل على إنهاء سيادته الوطنية
التاريخية وقسَّمه إلى ثلاثة أجزاء: كان هناك استعمار فرنسي في منطقته
الجنوبية السلطانية، واستعمار إسباني في منطقته الشمالية الخليفية، وآخر
دولي في طنجة، وبذلك تفرق دم المغرب في «القبائل» الاستعمارية.ولقد أسعدني الحظ أن أرى تحقيق نتائج الكفاح الوطني حيث شاركت في أول
حكومة وطنية مغربية أٌعلنت عند عودة السلطان محمد بن يوسف من منفاه وأنا
في الحادية والثلاثين من عمري. وما أزال حتى الآن وأنا في سن السادسة
والسبعين أساهم بالقلم والكلمة في أن أجعل من هذا الاستقلال استقلالا
حقيقيا يكرس بتطبيقاته في الحياة اليومية المبادئ التي كافحنا من أجلها:
مبادئ الديمقراطية حتى لا يُستبدَل بالاستعمار الاستبداد، وحتى يكون
المغرب في عهده الجديد مغربا حداثيا منخرطا في قيم العصر يوفر لمواطنيه
الكرامة والحرية والعدل والمساواة. وهي المبادئ التي كنا نؤمن أنها لا
تتحقق للمغرب إلا بالاستقلال.






















* ارتبطتم منذ الأربعينات بعلاقة مع القصر الملكي المغربي. وأود في البداية أن تحكي لي قصة تعرفك على الملك محمد الخامس؟ـ الفترة التي تشيرون إليها ـ وهي تبتدئ من نهاية سنة 1943ـ كان الملك
فيها يعرف بالسلطان سيدي محمد بن يوسف. وكان القصر ينعت بالسلطاني أو قصر
السلطان أو دار المخزن. ولم يتحول اسم السلطان إلى الملك واسم النظام إلى
الملكية إلا بعد الاستقلال وخاصة بعد صدور أول دستور سنة 1962 ينظم
مسؤولية الملِك والملَكية. وقد بدأت علاقتي بالسلطان محمد بن يوسف رحمه
الله في ظروف أعتبر أنها كانت لي فرصة العمر، لأنه كان يمكن ـ لولا الحادث
الذي سأتحدث لكم عنه ـ ألاّ أكون قريبا من القصر الملكي طيلة ما يناهز نصف
قرن في خدمة العرش والبلاد تحت قيادة العاهلين الراحلين محمد الخامس
والحسن الثاني، وقريبا من الأمير سيدي محمد (الملك محمد السادس). بدأت
قصتي مع السلطان محمد بن يوسف حينما أنهيت دراستي العليا في جامعة
القرويين بفاس. وكان عمري آنذاك 19 سنة ونصفا. وأضيف لأول مرة إلى مواد
امتحان التخرج من التعليم العالي لنيل الإجازة أن يلقي الطالب المتخرج
الحامل لشهادة الإجازة درسا جامعيا إذا نجح فيه يحصل على لقب «العلاّمة»
الذي كان يعني آنذاك الدكتور. وكان الأستاذ محمد الفاسي رحمه الله مديرا
للجامعة، ومعروفا بتعصبه لاستعمال اللغة العربية، ولا يقبل أن يتسرب إليها
الدخيل من مفردات اللغات الأجنبية، وبالتالي عرض على المجلس الأعلى
للجامعة أن لا يُطلَق على حامل الشهادة العليا لقب «الدكتور» بل مرادفه في
العربية وهو لقب «العلاّمة»، في حين يُطلَق على من يحمل شهادة الإجازة لقب
«العالم». وبذلك يصبح حامل الإجازة والدكتوراه معا «العالم العلامة» أي
«الأستاذ الدكتور». ولأنني كنت المتفوق الأول في امتحان التخرج في
الامتحانين الشفوي والكتابي للإجازة من شعبة الدراسات الإسلامية في الفقه
والحديث وأصول الدين وما يتصل بها من علوم الشريعة، فإن الدرس الجامعي
الذي ألقيته حضره السلطان محمد بن يوسف تكريما لأول فوج يتخرج من جامعة
القرويين بعد نظام الإصلاح الذي أُدخِل على الجامعة بمقتضى ظهير (مرسوم
ملكي) صادر عام .1930 وكان السلطان يتغيَّى من حضوره معرفة نتائج هذا
الإصلاح وجَنْي ثمار ما زرعه باتخاذه مبادرة الإصلاح الذي انتزعه من
الحماية الفرنسية. وتابع السلطان الدرس الجامعي الذي ألقيته وحضر أيضا
وقائع الأسئلة والأجوبة في الحوار الذي أجرته معي اللجنة العلمية وحصلتُ
بعده على نقطة (20 على 20) برتبة حسن جدا. وكانت اللجنة العلمية تأتلف من
خمسة أساتذة وعلماء كانوا من بين قِمم العلم والمعرفة بالمغرب آنذاك. وجرت
العادة قبل هذه السنة أن يوقع شهادات الجامعة رئيس الجامعة ووزير العدل في
حكومة المخزن التي يرأسها السلطان. لكن السلطان محمد بن يوسف رحمه الله
قال لهيأة الامتحان: «لا أريد أن يوقع شهادة هذا المتخرج المتفوق على
قرنائه أحدٌ غيري». فوقع الشهادة وكتب عليها كلمة بخط يده جاء فيها:
«الحمد لله.. سلمنا هذه الشهادة بيدنا الشريفة لصاحبها السيد عبد الهادي
بوطالب مجازاة له على اجتهاده وتفوقه واعتناءً منا بالعلم الشريف». وكان
الإمضاء «محمد بن يوسف أمير المؤمنين أعزه الله وأيده». وهذه الظاهرة لم
يتقدم لها نظير ولم تتكرر لأي متخرج آخر فيما بعد. وإنني أحتفظ بهذه
الشهادة العليا باعتزاز كبير كشهادة تاريخية لا نظير لها.






















* بعد ذلك، أين مضت بك الأيام؟ـ بعد تخرجي من القرويين، بدأت أعطي دروسا طوعية في جامعة القرويين. وهي
دروس كانت مفتوحة في وجه العموم في إطار ما كان يسمى آنذاك بنظام
«الحلقات» يحضرها مآت من سكان مدينة فاس من مختلف المستويات حيث توجد
جامعة القرويين، يجيؤون إليها ويَتداعَوْن للحضور إليها ليستمعوا إلى أصغر
أستاذ جامعي عرفته الجامعة. وكانوا منبهرين أن يكون في سني المبكرة. وكانت
العادة أنه لا يقتعد كراسي العلم في القرويين إلا الكهول أو الشيوخ. وكنت
أدرِّس كتاب «نور اليقين» للخضري في مادة السيرة النبوية.كنت أركِّز في
درسي على ملاحم الإسلام الكبرى، وعلى غزوات الرسول الكريم وسيرته الطاهرة،
وأُجلّي صور الصحابة الكبار كنماذج يُقتدَى بها. كما كنت أركِّز على
استعداد المؤمنين في العهود الأولى للجهاد والفداء لنصرة المثل الإسلامية.
واعتبرها الفرنسيون تعبئة للشعب للقيام بثورة ضدهم، فطلبوا مني أن أتوقف
عن إلقاء تلك الدروس لكنني رفضت. وقال لي المراقب العسكري الفرنسي في فاس
(الكومندان كوجيي) الذي استدعاني لمكتبه (وكان مساعدا للجنرال الحاكم
الفرنسي العسكري الأعلى) مهدِّدا: «إذا لم توقف هذه الدروس فسيكون مصيرك
مثل مصير علال الفاسي الذي كان يُلقي نفس الدروس في نفس المكان التي
تدرِّس فيه، ويُدرِّس نفس الكتاب الذي تُدرِّس. وأنت تعرف أين يوجد الآن».
وكان علال الفاسي رحمه الله آنذاك منفيا في الغابون منذ سنة .1937 فكان
جوابي «لا شَبَه بيني وبين السيد علال الفاسي. فهو زعيم حزب سياسي وأنا
عالم مرشد أقوم بشرح الدين الإسلامي وتاريخ الإسلام للمغاربة وأبث فيهم
مبادئ التعلق بدينهم وتاريخهم ليس إلا».






















* ماذا كان مصير هذه الدروس؟ـ بعد أيام من توقيفي هذه الدروس بسبب عطلة عيد الفطر في أوائل يناير
(كانون الثاني) 1943 بعث إليَّ السلطان محمد بن يوسف رسولا هو السيد محمد
الغزاوي الذي كان يشرف على تصريف شؤون القصر الملكي بمدينة فاس وأخبرني
أنني مدعو إلى القصر الملكي بالرباط ليستقبلني السلطان لأمر خاص. ورافقت
الغزاوي إلى الرباط على متن سيارته التي كان يقودها وقال لي ونحن نقطع
المسافة إنه لا يعلم أي شيء عن سبب دعوة السلطان لي. وعند وصولنا للقصر
الملكي قال: «إن عليَّ أن أتوقف بمكتب وزير المعارف الحاج أحمد بركاش
(وكان مكتبه بين «بنائق» الوزراء بمدخل القصر الملكي) فهو الذي سيرافقني
إلى لقاء السلطان». وفعلا أخذني الوزير إلى قاعة العرش، حيث خلعنا في
مدخلها الحذاء كما تقضي بذلك المراسم. ووجدت السلطان جالسا على عرشه
وسُبْحته بين يديه وقد استقبلنا إثر صلاة المغرب. وعندما كنا نتخطى مدخل
القاعة قال لي الوزير: «لاحظ كيف سأنحني أمام السلطان وكيف سأقبل يده
لتفعل مثلما أفعل». وكان الأمر كذلك. فأشار إلينا السلطان بالجلوس على
(السجاد) الزربية المبسوطة. ولم يكن آنذاك مسموحا بالجلوس أمام السلطان
على الكراسي. وتلطف بي السلطان سائلا عن صحتي وأسرتي وكأنما لاحظ علي
الدهشة فلكل داخلٍ دهشةٌ كما يقول المثل أو الحكمة. ودهشة الداخل لأول مرة
للقصر السلطاني ومثوله بين يدي السلطان تفوق كل دهشة.وفتح السلطان الحديث فقال لي: أريدك أن تنضم إلى أساتذة ولدي (سْمِيَّتْ
سيدي) أي اسم سيدي. وهكذا كان القصر يتحدث عن ولي العهد مولاي الحسن لأنه
يحمل اسم جده الحسن الأول (وسيدي تفيد معنى جدي في اللهجة المغربية). كما
كان يُتحدَّث عن الملك محمد السادس عندما كان وليا للعهد بنفس الاسم، لأنه
يحمل اسم الجد (محمد الخامس). وزاد يقول: «إنه ما زال يتذكر الدرس الذي
ألقيته بين يديه يوم تخرجي من الجامعة، وأن ذلك هو ما جعله يقرر تسميتي
أستاذا بالمعهد الملكي». وتمنى لي النجاح في مهمتي. وكانت هذه الالتفاتة
الكريمة من لدن جلالته مفاجأة لي. لكن كان من شأنها أن تُحوِّل مجرى حياتي
وتقلب ميزان حساباتي، حيث كنت قد بَرْمَجْتُ الالتحاق بالخارج للانتماء
إلى إحدى الجامعات الفرنسية للتخصص. فغالبت نفسي وتجرأت على الاعتذار
لجلالته عن قبول هذا المنصب مخبرا جلالته بالسبب لكنه ألح علي. وأضاف: «إن
في المعهد الملكي أساتذة متخصصين في شتى شُعَب المعرفة يمكنك أن تستفيد
منهم. وستقيم بداخلية المعهد بجانب ولدي، وسيكون لك الوقت لمتابعة دراستك
العليا بالرباط من المعهد». وعندما لاحظ وزير المعارف ترددي وبدا عليَّ
أني مشفق على نفسي من هذا التكليف الكبير صرخ الوزير في وجهي: «سيدنا نصره
الله يكلفك وأنت تتردد. قُمْ (هكذا بصيغة الأمر) فلا يقبل الكرامةَ إلا
الكريم». ووجدتُني أذعن لهذا القرار وأغادر صحبة وزير المعارف القصر
لأتعرف لأول مرة على الأمير ولي العهد مولاي الحسن في المعهد المولوي.
هكذا كان اسمه. فالمولى كان لقب السلطان بينما كان يطلق على نظام السلطان
بالفرنسية اسم الأمبريالي أي الأمبراطوري وهو النعت الذي أُطلِق على
المعهد بالفرنسية. وكان يقال عن أمبراطورية المغرب إنها الإيالة الشريفة.
كنت شاهدت بعض صور ولي العهد قبل أن ألقاه، وتمَّ لقائي به في المعهد بعد
صلاة المغرب في مسجد المعهد في ليلة 4 أكتوبر 1943 عندما قدمني إليه
الوزير بركاش وجها لوجه. وقد أُعِدَّت لي غرفة بجوار الأمير أقمت فيها ما
يزيد على سنتين. وكنت ألتقي معه على الغداء والعشاء وأرافقه ومعه أخوه
الأمير عبد الله في رحلاته، ويأخذني رفقته في السيارة الملكية لصلاة
الجمعة في موكب والده الرسمي. وأراجع معه دروسه العربية التي كان يلقيها
أساتذة آخرون بالإضافة إلى التي كنت ألقنها إياه في قواعد اللغة العربية
وتفسير القرآن ومادة تاريخ الإسلام وأحيانا تاريخ المغرب. آنذاك تخيلت أن
السلطان محمدا بن يوسف بقي مُعجَبا بشكل الأداء الذي قدمت به أمامه وأمام
لجنة العلماء درس التخرج من الجامعة. وهو الدرس الذي كان مصدر توقيعه
بنفسه على شهادة تخرجي، وأنه بسبب ذلك نادى عليَّ للتدريس في المعهد
المولوي. وبقيت أعتقد ذلك حتى وفاتِه رحمه الله. فهو لم يحدثني أبدا بالسر
الذي كان وراء مناداته علي. وعلمت فيما بعد من جليسه وصهره الأمير مولاي
الحسن بن إدريس السبب الحقيقي حينما سألني هذا الأمير ذات مرة: «هل تعرف
لماذا التحقتَ بالمعهد المولوي آخرَ سنة 1943؟» فقلت «لا». فقال الأمير:
«لقد جاء المستشار المخزني الفرنسي عند السلطان وأخبره أن سلطة الحماية
قررت اعتقالك لأنك رفضت التوقف عن إلقاء الدروس الثورية في جامعة
القرويين، وأنهم يخشون أن تثير هذه الدروس فتنة في مدينة فاس. فسألهم
السلطان: «من هذا الذي تتحدثون عنه؟» فقالوا: «اسمه عبد الهادي بوطالب»
فتذكرني وقال لهم: «لا تقبضوا عليه. سأكفيكم إياه وسآخذه إلى جانبي ولن
يُشوِّش عليكم منذ الآن». هذه إذن بداية العلاقة بيني وبين القصر الملكي
من خلال الحادثة التي حدثتك عنها ولم تكن لي يد فيها، ولكن الأقدار هي
التي صنعتها.






















* هل لكم أن تتحدثوا لنا عن المعهد الملكي ببعض التفاصيل؟ـ كنت أحد أساتذة المعهد المولوي ولم أكن الأستاذ الوحيد فيه. فقد سبقني
إليه أساتذة آخرون، منهم الحاج محمد باحنيني الذي أصبح بعد الاستقلال
وزيرا للعدل وأمينا عاما للحكومة، والفقيه خليل الورزازي الذي كان يدرّس
الفقه، ومحمد الفاسي، (أول وزير للتربية الوطنية في عهد الاستقلال) وكان
آنذاك مديرا لجامعة القرويين وكان يدرِّس تاريخ المغرب، وعبد الرزاق
البرنوسي الذي كان أستاذا للنحو والصرف، هذا إلى أساتذة التعليم الثانوي
من الفرنسيين.كان المعهد المولوي جزءا من القصر، وتابعا إداريا وماليا لإدارة المعارف
أو إدارة التعليم العمومي التي كان يشرف عليها مدير عام فرنسي. والمعهد
عبارة عن مدرسة فيها قسم ابتدائي كان يدرس فيه الأمير مولاي عبد الله
الابن الأصغر للسلطان، وقسم ثانوي يدرس فيه الأمير ولي العهد مولاي الحسن.
وكانا يقيمان في المعهد ويخضعان لنظام داخلي، رفقة 20 تلميذا مُنْتَقَيْن
من مدارس المغرب من بين أكثر التلاميذ نجابة وأقواهم دراية وكفاءة،
وينتمون إلى عامة الشعب، وفيهم من كان آباؤهم يتبوأون مناصب عليا في مدينة
من المدن.كان عدد التلاميذ 20 تلميذا بالإضافة إلى الأميرين: عشرة بكل قسم، يشرف
عليهم ما يناهز 20 أستاذا. وانضممت إلى أساتذة القسم الثانوي لأساهم
بتلقين المواد الدراسية التي أشرت إليها للأمير ولي العهد مولاي الحسن.
ومنذ الوهلة الأولى كان الأمير بشوشا معي. ولاحظت أنه كان مرتاحا إلى أن
أكون من بين أساتذته. وفعلا كان يعاملني كما لو كنت صديقا له أو مرشحا
لأصبح صديقا له، بحكم أن فارق السن بيننا لم يكن كبيرا بينما كان الأساتذة
الآخرون إما في آخر طور الشباب أو في الكهولة أو الشيخوخة.وفي أول اتصال لي مع مدير المعهد الفرنسي السيد ديفال (أستاذ الفلسفة لكن
لم يكن يعطي أي درس بالمعهد) وحضره الحاج أحمد بركاش رحمه الله عند وصولنا
معا إلى المعهد إثر لقاء السلطان أخبرني المدير أن عليَّ أن ألقن قسم
مولاي الحسن بعض المواد باللغة العربية، وأنني سأخضع بدوري لنظام داخلي
مثل التلاميذ لأشرف على سير الحياة الخاصة للأميرين مولاي الحسن ومولاي
عبد الله، وهو ما يسمى باللغة الفرنسية Percepteur وعلى واجبات ولي العهد
ومراقبته عند القيام بواجباته الدراسية وهو ما يطلق عليه اسم المعيد
repititeur أما المواد التي عُهد بها إليَّ فسألقيها برتبة أستاذ
Professeur وعندما كان السلطان يخرج كل أسبوع لصلاة الجمعة في المسجد
المجاور للقصر بحي تواركة كنت أرافق الأميرين على متن السيارة الملكية
التي كانت تتبع مباشرة العربة الملكية. لقد شَغلت بالمعهد المولوي إذن عدة
وظائف كنت فيها أقرب الأساتذة إلى ولي العهد وأخيه: وظيفة الأستاذ، ووظيفة
المربي الملازم، ووظيفة المساعد الساهر على قيام ولي العهد بواجباته
المدرسية. وبلغ مجموع الدروس التي كنت ألقيها 11 ساعة في الأسبوع، وشملت
مواد تفسير القرآن وتاريخ الإسلام والنصوص العربية. وهي نصوص كنت أعالج
فيها مع التلاميذ قواعد اللغة العربية من نحو وصرف وتركيب وإنشاء. وكنت
أتناول الطعام غالب الأوقات مع التلميذ مولاي الحسن. واستمر الأمر كذلك
أزيد من سنتين. من حسن حظي آنذاك أن السلطان كان يحضر بعض دروسي في تمام
الثامنة صباحا. وكان يخرج راجلا من قصره الذي لا يبعد عن المعهد المولوي
إلا حوالي 200 متر، يرافقه بعض أعوانه الخاصين. وعندما يدق الجرس الساعة
الثامنة يكون حاضرا معنا في قاعة الدرس حيث يخصص له مقعد عادي ويتقدم
الصفَّ الأول أمام التلاميذ.وكان السلطان محمد بن يوسف قد هيأته الأقدار لتولي مقاليد العرش في سن
مبكرة جدا. فعندما بويع كانت سنه 17 أو 18 سنة. وتلقى دروسه الأولية في
القصر السلطاني. وهي دروس عربية دينية كانت تتخللها دروس مبادئ اللغة
الفرنسية. وكان الفقيه المعمري هو الذي يلقنها له، وهو من أصل جزائري،
وكان يشرف في عهد السلطان محمد بن يوسف على القصور السلطانية كما كان
يتولى الترجمة عن السلطان وإليه أثناء الاستقبالات الرسمية التي كان
السلطان يخص بها المقيمين العامين أو المستشار المخزني الفرنسي أو حينما
يستقبل الزوار الأجانب. والمعمري كان وفيا للسلطان وأسرته. وظل السلطان
متعلقا بالدراسة وحب المعرفة وفي شوق إلى تعميق الدراسة التي كان بدأها
ولم يمهله تربع العرش مبكرا لمتابعتها.إن عدم تمكنه من إتمام دراسته كان أحد الأسباب التي جعلته ينشئ لابنيه
معهدا خاصا بقسميه الابتدائي (وكان يغشاه الأمير مولاي عبد الله) والثانوي
(وكان يدرس فيه الأمير ولي العهد مولاي الحسن). وأظن أنه كان يرغب في أن
يوفر ما افتقده لأبنائه، إذ كان يريد أن يكون ابناه الأميران مكتملي
الدراسة بالغَيْن أعلى مستويات تحصيل المعرفة.






















* كيف كنت تعامل الأمير ولي العهد مولاي الحسن؟ وهل كنت تتصرف معه كتلميذ عادي أم كأمير؟ـ عندما التحقت بالمعهد المولوي في سني المبكرة كنت أحمل أفكارا حداثية
وحتى ثورية. فقررت أن أعامل ولي العهد نفس معاملتي لبقية التلاميذ. وكانت
العادة أنه إذا دخل ولي العهد إلى القسم يقف التلاميذ ويقف الأستاذ
احتراما فقطعت هذه العادة فيما يخصني، وأمرت التلاميذ أن لا يقفوا له عند
دخوله فهو في القسم تلميذ وخارج القسم أمير يُعامَل بما يليق بمقامه من
تكريم تُراعى فيه البروتوكولات التقليدية. كنت أعامله معاملة التلميذ دون
أن أُخِل باحترامه، لم يطلب مني قط أن أُطْلعه مثلا على مواضيع الامتحانات
قبل مواعد إجرائها. ولم أكن أحابيه في النقط، إذ كان يأخذ النقط التي
يستحقها. ولم يكن يأخذ دائما النقطة الأولى في دروسي. وهذا لا يمنع من
القول إنه كانت له مؤهلات عجيبة وقدرة خارقة للعادة على امتلاك المعرفة
والتحصيل. لذلك عندما كان يأخذ في امتحاناته عندي الرتبة الأولى ـ وما
أكثر ما أخذها ـ كان يستحقها عن جدارة. لقد كان متوقد الذكاء حريصا على
التعلم، مثابرا على العمل الدراسي. وكانت له ميول أدبية أكثر من ميوله
الرياضية. ولذلك كان متفوقا في الأدب الفرنسي والأدب العربي والجغرافية
والتاريخ وغيرها من المواد الأدبية أكثر مما كان متفوقا في دروس الرياضيات
والهندسة.كان إذا تأخر ـ وقلَّما كان يقع ذلك ـ عن الحضور إلى المدرسة بـ10 دقائق
أو 15 دقيقة فلأنه كان له عمل مع أبيه. وأغلبية الأساتذة كانوا ينتظرونه
حتى يصل. أما أنا فلم أكن أنتظر معتبرا أنه تلميذ. وكل ذلك يتم في جو من
الاحترام وإعطاء التلميذ مكانته كأمير وكولي عهد المغرب. ولكني لم أكن
أخلط بين المهمتين أو بين الدورين. فدوري كان هو أن يحس الأمير أنه أمام
أستاذ يقوم بعمله بروح وضمير المهنة. وأستطيع أن أقول إنني اكتسبت في هذا
الجو صداقته من جهة وهيبة واحتراما لشخصي عنده من جهة أخرى. وظل هذا
الاحترام يسود علاقاتنا إلى أن تركت العمل معه بالقصر الملكي مستشارا
لجلالته ثلاث سنوات قبل وفاته رحمه الله. لقد كان ذكيا إلى درجة أن بعض
الأساتذة الذين كانوا يَتملَّقونه أو يتساهلون في التعامل معه لم يكن يضمر
لهم الاحترام. وبذلك كان يفرق بين أساتذته الجادّين الذين كانوا يعاملونه
معاملة التلميذ ويقومون بواجبهم المهني متجرِّدين عن كل اعتبار آخر وبين
المتساهلين.






















* قلتم إنه كان يتم اختيار 10 تلاميذ من خيرة نجباء أبناء المغرب في كلٍّ من قسمي المعهد المولوي. لماذا 10 تلاميذ؟ـ كان السلطان محمد بن يوسف يؤمن بضرورة تنافس التلاميذ بعضهم مع بعض
ليدرسوا بجدية. لذلك حرص على أن يرافق ابنَه قرناء في سنه ومستواه من
المتفوقين في مدارسهم ليتم هذا التنافس. فيهم من جاء من البوادي والجبال،
وفيهم من كان آباؤهم قُوَّادا أو باشوات (القائد حاكم القرية والباشا حاكم
المدينة)، وفيهم من كانوا ينتمون إلى الأسرةِ العلوية أسرةِ السلطان. كان
من بين التلاميذ عبد الله غرنيط (مراكش)، وأصبح فيما بعد وزيرا في عهد
الملك الحسن الثاني، والأمير مولاي يوسف (ابن أخ السلطان محمد بن يوسف
الأمير مولاي إدريس خليفته على مدينة مراكش). وكان هناك آخرون من عامة
الشعب. كما التحق بالمعهد المولوي في آخر مرحلة دراسة الأمير الثانوية
رفيقا لولي العهد التلميذ أحمد عصمان الذي جاء من وجدة (شرق المغرب) وكان
من بين تلاميذي في السنة الأخيرة التي تنتهي فيها الدراسة الثانوية
بالمعهد. وهو اليوم زعيم حزب التجمع الوطني للأحرار. وتولى منصبي الوزير
الأول ورئيس البرلمان. وكان النظام المتبع آنذاك هو نظام البكالوريا على
سنتين. وعصمان التحق في السنة الثانية من البكالوريا، وبقي ملازما لولي
العهد عندما التحق بالجامعة وأصبح من أصدقائه المخلصين. وبيني وبينه اليوم
صلات مودة وتقدير مشتركة.المهم أنه كان هناك تنويع ولكن كانت هناك أيضا وحدة المقاييس، أي أن يكون
التلميذ نجيبا متفوقا حتى يتنافس ولي العهد مع من يضاهونه على أن يكونوا
في نفس السن. إذن، المعهد الملكي كان من جهة نخبويا لأنه معهد أمراء، ومن
جهة ثانية شعبيا لأن المرافقين للأمراء كانوا من أبناء الشعب. وكان القصد
من هذا المزج هو تربية الأمراء تربية شعبية.






















* هل لك أن تحدثني عن الأسماء الأخرى التي درست مع ولي العهد؟ـ كان من بين التلاميذ أيضا مولاي سلامة بن زيدان وكان والده مؤرخا وصاحب
مؤلفات مشهورة خاصة في تاريخ الدولة العلوية وكان يُعتبر مؤرخ القصر
الملكي دون أن يحمل هذا اللقب رسميا، وعبد السلام برشيد وكان والده قائدا
في برشيد (محافظة سطات)، ومحمد حاجي (أصله من منطقة حاحا، ووالده أيضا كان
قائدا في محافظة سطات)، وعبد الحفيظ القادري الذي كان من صميم الشعب وعمل
في عدة وظائف سامية في عهد الملك الحسن الثاني.






















* هل سبق أن وقع لك احتكاك مع التلميذ الأمير أثناء إلقائك الدرس؟ـ الدرس لا يكون فيه احتكاك. لقد كنا نقضي طول اليوم في المعهد. وحتى
عندما كان يتفرغ لمراجعة دروسه كنت قريبا منه للمراقبة والمساعدة. ولم يكن
هناك قط احتكاك بل كانت علاقتنا دائما طيبة جدا.* قال الملك الحسن الثاني في كتابه «ذاكرة ملك» إنه إلى حدود العاشرة أو
الثانية عشرة من عمره تلقى ضربات بالعصا. وكان يسعده أن يتلقاها من أبيه
لا من غيره. هل سبق لك أن ضربته بالعصا أو كدت تفعل ذلك؟ـ عندما كان الأمير مولاي الحسن في العاشرة من عمره لم أكن أنا قد التحقت
بالمعهد المولوي. وعندما كان في العاشرة من عمره لم يكن المعهد نفسه
موجودا. وربما حدث ما قاله داخل القصر الملكي. وتأديب الأطفال من لدن فقيه
الكُتَّاب كان تقليدا متبعا. ومما أُثِر عن الرسول عليه السلام أنه أوصى
بتربية الأولاد البالغين سبع سنوات على الصلاة وضرْب البالغين عشر سنوات
إذا تركوها. والمراد بالضرب الذي لا يكون مبرحا ومؤذيا ويعطي به المربي
فقط المثال للصبي حتى يشعر أن لوالده أو الفقيه مربيه سلطة عليه. وربما
تعرض الأمير للضرب بالعصا عند الفقيه في المسيد (الكُتَّاب) الذي كان في
القصر، شأنه في ذلك شأن تلاميذ عصره.






















* هل كان الأمير حريصا على إنجاز واجباته الدراسية في الوقت المطلوب؟ـ هذا مؤكد. لأنه كان يفهم لماذا هو محاط بتلاميذ آخرين. وكان بالتالي
يريد أن يتغلب في منافستهم عن استحقاق وجدارة. وأذكر أنه كان أقوى
التلاميذ تألقا من حيث الحفظ. فقوة الذاكرة أو «الحافظة» عنده كانت تغلب
عليه، إذ يكفيه أن يسمع جملة أو شعرا أو حتى نصا أدبيا ليعي ما يسمعه
بسرعة ويحتفظ به بذاكرته. وعند الاقتضاء يستعرض عن ظهر قلب مخزون ذاكرته،
هذه الذاكرة بهذا المعنى هي التي تُسمى في اللغة العربية الحافظة، وهو
تعبير تنفرد به اللغة العربية. فاللغات الأخرى لا يوجد بها إلا تعبير
الذاكرة memoire بالفرنسية أو Memory بالإنجليزية.






















* من كان أقرب زملائه في المعهد الملكي حميمية إليه؟ـ جميع الذين كان يزاملهم ويتعايشون معه كانوا يقدرونه ويتفاهمون معه.
الجو في المعهد لم يكن جو مشاكسة أو خصام. ولا أعلم أنه وقعت له مشادة أو
خصومة مع أحد زملائه. فقد كانوا يعيشون في المعهد كأسرة واحدة.






















* هل كان الأمير صبورا؟ـ نعم كان صبورا وذا قدرة خارقة على التحمل، وإلى جانب ذلك كانت له قدرة
المثابرة. وكان يرغب في أن ينظر إليه زملاؤه على أنه يستحق الإمارة، ويعمل
كل شيء من أجل ذلك. كان عليه أن ينال رضى والده لأنه كان يعلم أن والده لن
يرضى عنه إلا إذا كان مثالا وقدوة. فوالده بقدر ما فتح المجال للتلاميذ
العشرة الآخرين لخوض التنافس مع الأمير كان يريده أن يكون أحسنهم، لأنه
مهيأ لغير ما هم مهيؤون له، أي خلافة والده وتَسلُّم مقاليد حكم المغرب.
لذلك كان يحرص على إعطائه التربية الحسنة التي يتأهل بها للقيام بدوره
كمساعد وخلف لأبيه. وكان الأمير يبذل الجهد الكبير ليكون أهلا لهذه الثقة
مستجيبا لتطلع والده ونظرته إليه.






















* يقال إن الأمير مولاي الحسن كان في بداية شبابه غَضوبا؟ـ لم يكن غضوبا أمام أبيه أو أمام أساتذته بقدر ما كان في جميع أحواله قوي
الشكيمة، شديد المراس، لا يمكن تطويعه بسهولة. كان متخلقا بالأخلاق التي
يجب أن يكون عليها الأمير. وكان يعامل زملاءه معاملة طيبة، يعطف عليهم
ويُهدي لهم ويُدلِّلهم. وخلال الدرس كان مثال المنسجِم المنتظِم الذي لا
تصدر منه أية بادرة سوء في حق هذا التلميذ أو ذاك. أما من تحدثوا عنه بأنه
كان شديد الغضب فإنهم لم يفرقوا بين قوة شكيمته وبين اعتزازه بنفسه وحرصه
على أن يعطي عن نفسه مثال الرجل الكامل.






















* ما هي الكتب التي كان يقرأها أثناء دراسته في المعهد؟ـ لقد كان يميل إلى مطالعة الكتب الأدبية، وتَلَذُّ له قراءة التاريخ
والأدب باللغتين العربية والفرنسية، ويستظهر ما وسعه جهده من الشعر
باللغتين، ويردد ما يسمع من معلقات الشعر الجاهلي والشعر الأندلسي الذي
حببه إليه محمد باحنيني أستاذه في الأدب العربي. وكان باحنيني شغوفا بشعر
ابن زيدون وما قاله في حق حبيبته ولاَّدة بنت المستكفي. وكان الأمير مولاي
الحسن يردد ما يسمعه من أستاذه بإعجاب ويحفظ أشعار ابن زيدون ويطرب لها.
أما الأستاذ باحنيني فكان له تضلع في الأدب العربي بالرغم من أنه تخصص في
الحقوق ودرس باللغة الفرنسية، لكنه أصبح متبحرا في اللغة العربية لدرجة
أنه كان يكتب العربية بأساليب أدباء العرب في القرون القديمة، إذ تأثر
بكتاب «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي وبالأغاني للأصبهاني
وغيرهما. ولعلك إذا قرأت خطب العرش الأولى التي كان يكتبها للسلطان محمد
بن يوسف وفيما بعدُ للملك الحسن الثاني لوجدتها من حيث السجع والتطريز
الأدبي من نوع الأدب العربي القديم. وكان يستعمل المثلَّثات، أي يكرر
الجملة الواحدة بثلاث صيغ. وطريقة الأداء اللغوي هذه كانت تدل على تَبحُّر
صاحبها في فنون الأدب والنثر مما تصعب محاكاته وفي غالب الأحيان تعسر
ترجمته إلى لغة أخرى.






















* يُنسب إلى المهدي بن بركة قوله إن الأمير مولاي الحسن كان مهتما أكثر بقراءة كتاب «الأمير» لمكيافلي. ما تعليقك؟ـ أولا، أنا لا أعلم ما إذا كان الأمير مولاي الحسن قد قرأ هذا الكتاب أو
لم يقرأه. وإذا كان قرأه فربما كما قرأ العديد من الكتب الأخرى. ولا أدري
ما اذا كان ابن بركة يقصد بذلك إن صح ما قلتَه عنه. وإذا كان هذا الذي
نُسب إليه صحيحا وكان المراد منه نعت الأمير بالمكيافلي فهذا استنتاج غير
دقيق. فليس كل من قرأ كتاب الأمير يصبح مكيافلي النزعة.* كان بن بركة زميلا لك في المعهد المولوي. فما هو الفرق الذي لمسته بين
بن بركة مدرس الرياضيات، وبن بركة الخصم السياسي ثم الحليف داخل الاتحاد
الوطني للقوات الشعبية؟ـ زمالتي مع بن بركة في المعهد لم تطل أكثر من ثلاثة أشهر. وكانت بيننا
علاقة رجلين ينتميان إلى حزبين مشاكسين، ويُعرَف عن كل واحد منا أنه متعصب
لحزبه. وماضينا مطبوع بالتجاذبات السياسية، ولكننا تعايشنا أثناء تزاملنا
بالمعهد.



























_________________
الخفافيش تخاف نور الشمس !!
****************
لا يجب أن تقول كل ما تعرف ولكن يجب أن تعرف كل ما تقول

بديعة
مشرف (ة)
مشرف (ة)

انثى عدد الرسائل : 6075
العمر : 30
Localisation : الدارالبيضاء
Emploi : موظفة
تاريخ التسجيل : 03/04/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

2-قدم الكومندان أوفقير نفسه للوطنيين المغاربة في باريس على أنه الضابط المرافق للمقيم العام الفرنسي في المغرب

مُساهمة من طرف بديعة في الجمعة 9 أكتوبر 2009 - 15:31

* كيف كانت علاقة سلطان الاستعمار ابن عرفة بالسلطان المنفي محمد الخامس؟ـ كان ابن عرفة قبل اغتصابه العرش شخصا مجهولا في مدينة فاس. وحتى سلطة
الحماية لم تكن تعتبره من أعيان البلد. كان يلازم بيته ولم يكن له حضور
بين سكان المدينة. ولم يكن من أغنياء الأسرة العلوية ولكنه أيضا لم يكن من
فقرائها أو مُعْدِميها. وكان له سلوك رجل عادي أو شخص مغمور إلى أن فوجئ
هو نفسه بمناداة الفرنسيين عليه ليخلف السلطان المنفي بدعم من حركة القواد
المتمردين على الشرعية التي كان يرأسها التهامي الكلاوي باشا مراكش وآخرون
ممن وقعوا في الفخ الذي نصبته لهم مؤامرة الإقامة العامة الفرنسية على
السلطان الشرعي.






















* ما هي قصة مؤتمر إكس ليبان في فرنسا؟ـ كان يراد منه أن يكون مؤتمر حوار مغربي ـ مغربي، أي بين التقليديين
والوطنيين ليصلوا إلى وفاق بينهم في موضوع العرش على أرضية مشتركة يمكن أن
يستقر عليها الطرفان بالتراضي. وبكلمة جامعة: كان المنظِّرون من دهاقنة
الاستعمار الفرنسي لمشروع التقاء الفرقاء «المتشاكسين» (أو الإخوة
الأعداء) من المغاربة في تجمع كبير «لغسل وسَخهم» يريدون أن يحوِّلوا
القضية المغربية من ثورة الشعب المغربي ـ وعلى رأسه السلطان ـ على فرنسا
إلى مجرد أزمة عرش نشِب فيها خلاف بين مغاربة تلعب فرنسا فيه دور الحكَم
بينما هي الخصم.ولما وصلنا إلى «إكس ليبان» يوم 22 اغسطس (آب) 1955 قيل لنا إن الباشا
التهامي الكلاوي والقواد الآخرين موجودون بالمدينة. فامتنعنا عن لقائهم
وقلنا:«نرفض هؤلاء، فهم ليسوا معنيين بالأمر. هم عملاء للإقامة العامة».
وأفهمنا وفد الحكومة الفرنسية إلى إكس ليبان أن إقامتها العامة في المغرب
تخادعها وتكذب عليها. واضطر الفرنسيون بعد تلكؤ ثم بإمعان النظر إلى
القبول بوجهة نظرنا، فأرجعوا في نهاية الأمر القواد الموالين للإقامة
العامة إلى المغرب من حيث أتوا. ولذلك فإن مؤتمر «إكس ليبان» الذي يتحدث
عنه التاريخ لم يكن مؤتمرا لأنه لم يجتمع قط. وقد سبق لي أن كتبت هذا في
الثمانينات في «موسوعة ذاكرة المغرب» باللغة الفرنسية بعنوان «المؤتمر
الذي لم ينعقد»، لأننا لم نجتمع مع أولئك العملاء ولم نرهم.اضطر الوزراء الفرنسيون الذين جاءوا لإكس ليبان لاستدعائهم وحدهم فاجتمعوا
بهم منفردين، وصرفوهم فرجعوا إلى المغرب من حيث أتوا، واستدعونا نحن
واجتمعوا بنا وحدنا، فأطلعناهم على وجهة نظرنا ووضعنا الأمور في نصابها.
إن مؤتمر «إكس ليبان» انتهى ـ كما قلت ـ قبل أن يبدأ، وبالتالي لم يدخل قط
التاريخ.






















* بعد تشكيل جبهة العمل الوطني بين الأحزاب المغربية، ما هي طبيعة الاتصالات التي ظلت قائمة بينكم وبين السلطان المنفي في مدغشقر؟ـ لقد انقطعت الاتصالات بيننا وبين السلطان محمد بن يوسف لأن الحصار كان
مضروبا عليه بمنفاه. ولكن مع توالي الأيام وانتهاء معركة ما أسميه
بــ«خُدعة إكس ليبان» تبين للفرنسيين أنه لا حل للأزمة المغربية إلا
بالدخول في محاورة مباشرة مع الوطنيين في الجبهة، واستبعدت فرنسا الحوار
مع نفسها أي بواسطة القواد والباشوات والعملاء التقليديين. وأنشأت فرنسا
داخل الحكومة الفرنسية وزارة خاصة باسم وزارة الشؤون المغربية والتونسية،
كان يشرف عليها الوزير «بيير جولي» (من اليمين).






















* وكيف تعاملت وزارة الشؤون المغربية والتونسية معكم؟ـ رُتِّب لوفد الجبهة الوطنية بباريس موعد مع الوزير «جولي» بعدما تفرق
دون نتيجة تَجمُّع «إكس ليبان». وتوجهنا إلى مكتبه كممثلين لحزب الشورى
والاستقلال ( أنا وعبد القادر بن جلون، وأحمد بن سودة) إلى جانب ممثلي حزب
الاستقلال (عمر بن عبد الجليل، وعبد الرحيم بوعبيد، والمهدي بن بركة).
وكان على رأس الإقامة العامة الفرنسية في المغرب آنذاك الجنرال «بْوَيّي
دولاتور» المقيم العام الفرنسي ما قبل الأخير، أي قبل حصول المغرب على
استقلاله.وتميزت الجلسة الأولى بالمكاشفة. وعرض علينا تشكيل حكومة مؤقتة لتنظيم
مرحلة التفاوض على الاستقلال، فأخبرناه أننا لا نقبل الحديث عن أي حل ما
لم نتصل بالسلطان محمد بن يوسف في منفاه مباشرة، وما لم نتفق معه على ما
يجب أن نقوم به. واستبعدنا أن نعمل أي شيء في غيابه.وأذكر أنه بينما كان وفد الجبهة بقاعة الانتظار كان الوزير يستقبل المقيم
العام الفرنسي بالمغرب الجنرال «بْوَيّي دُولاتُور» فدخل علينا الكومندان
محمد أوفقير ليأخذ معطف المقيم العام، وبيده عصا الجنرال فسلم علينا وقدم
نفسه لنا على أنه الضابط المرافق للجنرال المقيم العام. ثم قال لنا:
«أهنئكم بنجاحكم فالقضية التي دافعتم عنها أصبحت ناضجة». وتظاهر بأنه
يغالب بكاء الفرح الذي لا أستطيع وصفه. وكانت هذه أول مرة ألتقي فيها
الضابط أوفقير. وبعد مرور دقيقة خرج المقيم العام من مكتب الوزير فحياه
أوفقير التحية العسكرية وألبسه معطفه وسلم إليه عصاه وانصرف وراءه. وكانت
هذه أول مرة أرى فيها وجه أوفقير وأمد يدي لمصافحته.وكان الفرنسيون يرغبون في تشكيل حكومة رشحوا لرئاستها أحد المعتدلين
التقليديين هو الفاطمي بن سليمان الذي كان وزيرا للمعارف في حكومة المخزن
ورئيسا للمحكمة العليا بالرباط قبل أن يذهب السلطان إلى المنفى. ثم انفصل
عن الحكومة المخزنية وظل على ولائه للسلطان محمد بن يوسف، وذلك عندما أخذ
من اشتغلوا مع الحماية الفرنسية ينفَضّون من حولها. ولاحظ الفرنسيون أننا
مصممون على موقفنا. وكانوا يخشون أن يفقدونا مثلما فقدوا حركة المقاومة
الفدائية. فلم يكن عندهم أي خيار إلا أن يسايرونا فيما نطلب. وهيأوا لنا
سرا وفي غيبة الإعلام الاتصال بالسلطان في المنفى. وسافرتُ ضمن الوفد
الوطني إلى مدينة أنتسرابي في جزيرة مدغشقر. وضم الوفد عمر بن عبد الجليل،
وعبد الرحيم بوعبيد من حزب الاستقلال، وعبد القادر بن جلون، وعبد الهادي
بوطالب من حزب الشورى والاستقلال. وطارت بنا الطائرة الخاصة في التاسع من
سبتمبر (أيلول) 1955 دون أن نجتاز الحواجز الأمنية والجمركية من مطار خاص
في باريس في الساعة الحادية عشرة صباحا. ولم يُعلَن عن سفرنا للقاء
السلطان إلا بعد رجوعنا. ونحن أيضا لم نخبر أحدا بسفرنا. وقطعنا الرحلة من
باريس إلى «تناناريف» عاصمة مدغشقر في ظرف 36 ساعة، توقفنا خلالها في عشرة
مطارات. فالطائرة التي سافرنا على متنها من نوع «كَرافيل» كانت تطير مسافة
400 كيلومتر وتتوقف للتزود بالوقود. ونزلت الطائرة بنا في مطار
«تناناريف». ثم أقلَّتنا السيارة إلى مدينة «أنتسيرابي» في رحلة استغرقت
أربع ساعات. وكان السلطان يقيم في الفندق الكبير «لي تيرم» بجوار حمة
معدنية كان يغشاها من يرغبون في الاستشفاء ويأتي إليها السياح للاستجمام
أو شرب مياهها للعلاج. وكانوا قبل وصول السلطان يقيمون في ذلك الفندق
الكبير الذي أخلاه الفرنسيون ليقيم فيه السلطان وأسرته.






















* ماذا دار بينكم وبين السلطان من أحاديث؟ـ وصلنا إلى الفندق في ساعة متأخرة من الليل. وكان السلطان ينتظرنا،
فاستقبلَنا بترحاب كبير وعلى عينيه نظارتان سوداوان. ويظهر أنه وضعهما على
عينيه حتى يستر الدمع الذي كان يجري بين عينيه. وربما انسابت عبرات على
خده كَفْكَفَها حتى لا نراها. وكان سعيدا بأن يعلم أن الأمور تسير نحو
النهاية، وأن العاصفة في طريقها إلى الهدوء.وبقينا في ضيافة الملك ثلاثة أيام، وكنا نراه كل يوم. كان يقضي معظم وقته
وأُذناه على الراديو لالتقاط أنباء تطورات قضية المغرب ويستمع إلى إذاعات
باريس والبي. بي. سي والقاهرة ليلتقط أخبار المقاومين وما يجري في المغرب.
وكانت تقعد على جانبه ابنته الصغرى للاَّأمينة وهي آخر من أنجب رحمه الله.
وكان يعزها ويحبها وربما كانت سلواه الوحيدة في ذلك المنفى السحيق. لم
يسألنا الملك عن شيء بقدر ما سألنا عما إذا كانت المقاومة في المغرب
ستستمر، وعما إذا كان الشعب المغربي لم يمَلّ الكفاح الوطني. وسأل أكثر من
ذلك حينما قال مُتلطِّفا: «هل حِمْلي كبيرٌ عليكم؟» فكان جوابنا نحن
الأربعة: «لا أبدا. إننا نقوم بعمل وطني، وإن جلالته يجسد السيادة
المغربية ومطامح المغرب الوطنية. وإن كل ما يقوم به الشعب من أجل جلالته
أدى هو سلفا ثمنه من نفسه وتضحيته وعرشه».كان هذا الكلام يُفرِحه ويُسلّيه ويعزيه، لكنه كان يتلقاه منا بتواضع
المؤمنين المحتسبين. ثم سرعان ما وصلنا للحديث عن الموضوع الشائك عندما
أخبرناه أنه مطروح علينا أن نؤلف حكومة في انتظار أن يعود هو إلى المغرب،
وأن الفرنسيين يريدون عودة جلالته على مراحل. أي أن يعود في المرحلة
الأولى إلى فرنسا بصفة مؤقتة، ثم ينتقل بعدها إلى الرباط. وأوضحنا له أننا
نعارض كل هذا وأننا قلنا للفرنسيين: «لا حكومة ولا تفاوض إلا بعد أن يرجع
السلطان إلى عرشه». فصدرت منه رحمه الله مبادرة تعرب عن سمو النفس وحصافة
الحكيم الذي يعرف كيف يوجد للأشياء حلولها. وبدا لنا ساميا في نظرته
مترفعا عن إيثار مصلحته الخاصة على مصلحة شعبه وأمته عندما رد علينا
قائلا: «أنا لا أتفق معكم. بادروا إلى تشكيل الحكومة لأجل أن تعجلوا
باستقلال المغرب. ولا «توقفوا البيضة في الطاس» (كما يقول المثل المغربي).
فكان ردنا أن هذا المبدأ اتفقنا عليه ولن نقبل تشكيل الحكومة قبل عودته.
وأوضحنا له أن الفرنسيين سيقبلون لا محالة في النهاية ما داموا شرعوا في
تقديم التنازلات. فقال الملك: «افعلوا ما ترون، لكن رأيي هو ألا تربطوا
مصير المغرب بمصيري وتجعلوا من عودتي إلى العرش شرطا».أكبرنا هذه المبادرة الطيبة السمحة الكريمة الصادرة عن الملك وزدنا تعلقا
به وتقديرا له. وكان الأمر كما أردنا لا كما أراد. فلم يمض على عودتنا إلا
ما ينيف بقليل على شهر حتى عاد إلى باريس يوم 29 أكتوبر 1955 وأقيم
بالرباط مجلس ثلاثي سمي «مجلس حفظة العرش»، بمعنى أن ابن عرفة ذهب وأصبح
العرش فارغا. ثم أعطت فرنسا لابن عرفة تعويضات نقدية حملها إليه في ظرف
كبير العباس التازي محافظ عاصمة الرباط، وأمَّنت لغاصب العرش الإقامة
بفرنسا والإنفاق عليه إلى أن وافاه الأجل ملفوظا من بلاده. ولسد الفراغ
أنشئ مجلس حفظة العرش وكانوا ثلاثة. لكن هذه العملية أيضا تبخرت وسقطت كما
ينهار قصر من ورق بنفخة ريح. إذن لم تؤسس أية حكومة، ولم يستمر مجلس حفظة
العرش إلا أياما ثم طوي الحديث عنه.وأثناء الأيام المعدودات التي أقام بها السلطان بفرنسا أخذت الوفود تتدفق
من المغرب إلى فرنسا التي لم تمانع في وصولها إلى القصر الذي كان ينزل فيه
السلطان. وتبوأ السلطان عرشه في فرنسا مؤقتا فقط ولبضعة أيام. وكان ضمن
هذه الوفود الباشا التهامي الكلاوي الذي تزعم العصابة المناوئة للسلطان،
حيث ركع أمامه، وقبَّل رجله، وطلب العفو، وأعلن التوبة وقُضي الأمر. وبعد
أيام معدودات عاد السلطان إلى المغرب وشكل الحكومة الأولى يوم 7 ديسمبر
(كانون الأول).1955






















* كيف وجدتم الأمير مولاي الحسن في منفاه؟ـ وجدنا الأمير مولاي الحسن كما عهدناه: طاقة من الحماس والحيوية، لم
يعترِه وهَن ولا ضعُف له عزم. كان يؤمن بأن المشكلة المغربية في طريق
الحل، وكان يقوم بدور مهم بجانب أبيه. كان مساعده ومستشاره الخاص، يحرر
الرسائل التي كان يتبادلها والده مع الحكومات الفرنسية المتعاقبة. وظلت
تلك المراسلات بين الحكومة الفرنسية والسلطان تُتَبادل وهو في منفاه إلى
حين عودته.وكان الأمير ولي العهد مولاي الحسن يسهر على تحرير المراسلات السياسية
والمذكرات القانونية بأسلوب معتدل لا تشنج فيه ولا غضب ولا ينمُّ عن
كراهية أو حقد، بحيث كان يعطي لفرنسا الأمل في أن عودة الملك إلى عرشه
وتغيير نظام الحماية لن يكونا قطيعة معها، إذ يمكنها أن تحافظ على مصالحها
رغم تغيير الحماية. فالأمير مولاي الحسن عرف كيف يستعمل دبلوماسيته وخبرته
القانونية وهو مازال في سن مبكرة. لذا كانت رسائله تؤثر على الفرنسيين.
وكان محامي السلطان في فرنسا «جورج إيزار» هو الوسيط بين السلطان المنفي
والفرنسيين. كان يحضر إلى «أنتسرابي» وينقل رسائل فرنسا إلى السلطان ومنه
إلى فرنسا.في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) 1955 عاد السلطان إلى المغرب عودته
الظافرة ومعه أسرته كما لو كان المغرب قد أعلن استقلاله. وعندما وصل إلى
الرباط كانت الأمواج البشرية متدفقة على طول الطريق الذي يربط المطار
بالقصر هاتفة بحياته واستقلال المغرب. وقد كنت عدت من فرنسا إلى المغرب
يومين قبل عودته لتهييئ استقباله. وأخذت موقفي في الصف الأول لاستقباله
عند سلم الطائرة ساعة وصوله. وكان الحزبان الوطنيان اتـفقا على اقتسام
طريق الاستقبال فأشرف حزب الشورى والاستقلال على تنظيم استقبال السلطان من
المطار إلى مدخل مدينة الرباط. وأشرف حزب الاستقلال على تنظيم استقباله من
مدخل المدينة إلى القصر الملكي. وبعد يومين من وصوله حلت ذكرى عيد العرش
في 18 نوفمبر 1955، وقال الملك في خطاب العرش الذي كلفني بالمساهمة في
تحرير مشروعه مع الأستاذ عبد الرحمن الفاسي والمرحوم أحمد بناني الذي أصبح
مديرا للتشريفات (المراسم): «أبشرك شعبي العزيز: لقد انتهى عهد الحجر
والحماية وأقبل عهد الحرية والاستقلال». وذلك يعني أن السلطان فسخ عقد
الحماية وأعلن الاستقلال من جانب واحد. وكان سكوت سلطات الحماية بمثابة
قبول ضمني. ثم تأكد اعتراف فرنسا بالاستقلال بالإمضاء على اتفاقية مشتركة
في «سيل سان كلو» بفرنسا في 2 مارس (آذار) .1956






















* بعد مغادرة السلطان لمدغشقر باتجاه فرنسا، هل استؤنفت المفاوضات التي بدأت في مؤتمر «إكس ليبان» الذي سبق وقلتم عنه إنه لم ينعقد؟ـ استؤنفت المفاوضات بعد شهر فقط، ولكن لم تنعقد في «إكس ليبان». فإكس
ليبان تمت الدعوة إليه في أكتوبر 1955، والملك عاد إلى المغرب في منتصف
نوفمبر، وتأسست الحكومة برئاسة مبارك البكاي يوم 7 ديسمبر .1955 وهي التي
دخلت في المفاوضات مع حكومة فرنسا. وكانت تحمل اسم «حكومة الاتحاد الوطني»
لأنها تألفت من تسعة وزراء من حزب الاستقلال، وستة وزراء من حزب الشورى
والاستقلال، وأُسنِدت إليَّ فيها حقيبة وزارة العمل والشؤون الاجتماعية،
وستة وزراء ممن لا حزب لهم ويسمون بـ«المستقلين». وكانت تسمى أيضا ب
«حكومة المفاوضات». وسمي فيها أربعة وزراء دولة (في المغرب وزير الدولة
يحتل رتبة عليا في الحكومة يتقدم بها على الوزراء. ولا تعني هذه الكلمة
نائب وزير كما يقال في إنجلترا والشرق. فعلى هذا الأخير يطلقون في المغرب
اسم كاتب الدولة). وزراء الدولة الأربعة كانوا مكلفين بحقيبة المفاوضات
وهم عبد الرحيم بوعبيد (حزب الاستقلال)، ومحمد الشرقاوي (حزب الشورى
والاستقلال)، وأحمد رضا جديرة (المستقلين)، وإدريس المحمدي بصفته الشخصية.






















* هل كان مبارك البكَّاي وطنيا مائة في المائة؟ـ أعتقد ذلك. لقد سبق له أن تعاون مع الحماية في منصب باشا بمدينة صفرو
وكان المنصب تابعا لحكومة السلطان. لكن تعاون البكّاي من موقع مسؤوليته
كان في حدود الكرامة وعزة النفس وداخل الشرعية التي كان يمثلها سلطان
المغرب الذي يسمي الموظفين بظهير سلطاني. وعندما بلغت الأزمة بين السلطان
والإقامة العامة أشدها أعلن رفضه الانضمام إلى الجبهة المعادية للسلطان
والمتآمرة على سيادة المغرب فعزلته الإقامة العامة الفرنسية من منصبه
كباشا لمدينة صفرو، كما عزلت باشوات وقوادا آخرين نهجوا نفس النهج. كان من
بينهم باشا مدينة فاس الفاطمي بن سليمان، والقائد العيادي قائد منطقة
الرحامنة في مراكش، وأحمد الجنان باشا مكناس وآخرون. وكلهم كانت لهم روابط
متينة بالسلطان قبل نفيه. وبذلك انضم رافد جديد إلى الحركة الوطنية وأخذ
تكتل المتآمرين يتساقط.ثم تنبهت حكومة فرنسا في حسابها لتقدير توازن القوى بالمغرب إلى أن ميزان
القوة أصبح يميل لصالح الوطنيين، وليس لصالح أولئك الذين سخرتهم لتحقيق
أغراضها الدنيئة.






















* كيف تشكلت هذه الحكومة إذ أن بعض الأحزاب الوطنية المغربية تقول عنها إنها وليدة «إكس ليبان»؟ـ هذا الكلام عار عن الصحة. فعندما وصلت مرحلة تشكيل الحكومة كانت خدعة
«أكس ليبان» قد دخلت في خبر كان. وعندما عاد السلطان أعلن عن نهاية
الحماية وبداية عهد الاستقلال وفتح في آخر نوفمبر استشارات مع الفعاليات
السياسية المغربية لتشكيل الحكومة. وانطلق رحمه الله من مبدأ وجود جبهة
وطنية بين الأحزاب التي قادت حركة عودته من المنفى وحاورت فرنسا في شأن
استعادة السيادة، فكان أن أشرك في الحكومة ممثلين عن حزب الاستقلال وعددهم
تسعة وزراء، وحزب الشورى والاستقلال وعددهم ستة. وكان يرى أن الخريطة
السياسية المغربية تحتم أن تعكس الحكومة جميع فصائل الأمة، فأعطى ستة
مقاعد وزارية للمستقلين. وكان من بينهم شخصيات من أصول مختلفة. وارتأى أن
يقود الحكومة محايد غير منتم لأي حزب، واختار مبارك البكَّاي لَهْبيل
رئيسا للحكومة لما كان قام به على رأس وفد الجبهة الوطنية في باريس من
نضال للتعريف بقضية المغرب. كما كان من بين اللامنتمين الحسن اليوسي الذي
أسند إليه السلطان وزارة الداخلية، وأحمد رضا كديرة الذي كان أحد وزراء
الدولة للمفاوضات.وتشكيل الحكومة بهذه الطريقة كان ضمن اختصاصات السيادة التي أخذ السلطان
يمارسها بكل حرية منذ عودته. ولا علاقة بين ذلك وبين «إكس ليبان» التي لم
تدخل قط التاريخ كما قلت ذلك مرارا.وأذكر أنه لما أراد الفرنسيون عقد «إكس ليبان» استُدعِيت أنا ومحمد
الشرقاوي من حزب الشورى والاستقلال إلى الإقامة العامة بالرباط، كما
استُدْعي أعضاء من حزب الاستقلال من قبل المقيم العام الفرنسي «جيلبير
جرانفال» الذي أخبرنا أن الحكومة الفرنسية تريد أن تعقد اجتماعا للإنصات
إلينا، وأنها ستُنصت إلى آخرين، أي القواد الذين دبَّروا الثورة على الملك
والشعب، فأخبرناه برفضنا الاجتماع مع هؤلاء.






















* وماذا عن المفاوضات التي قادتها حكومة البكَّاي؟ وما هي مرجعيتها؟ـ مرجعيتها هي تحرير السيادة من قبضة الاستعمار واعتبار عقد الحماية
مستوفيا أغراضه، ورفض المغرب أية مرحلة انتقالية من عهد الحماية إلى عهد
الاستقلال التام. أي رفض إقامة أي حكم ذاتي مؤقت يمهِّد للوصول إلى
الاستقلال. والواقع أن هذا الأمر انتهى قبل تشكيل الحكومة. فقد أدركت
فرنسا أن شعب المغرب يقرن بين عودة السلطان إلى عرشه وبين الاستقلال.
ولذلك قال السلطان بعد عودته في خطابه المشهور: «انتهى عهد الحجر
والحماية»، ومارس سلطاته ـ ومعه حكومته ـ على هذا الأساس إلى أن أعلنت
فرنسا اعترافها بالاستقلال في اتفاقية 2 مارس (آذار) 1956. وقبل ذلك عندما
دخلنا الحكومة الوطنية الأولى كان مخاطبونا ـ نحن الوزراء ـ من المديرين
الفرنسيين يفهمون أن الحل السياسي الذي تشكلت الحكومة على أساسه هو إقامة
الاستقلال داخل الترابط مع فرنسا مما جعلنا نعطي الأولوية في كفاحنا معهم
لرفع هذا الالتباس وإجبارهم على العمل تحت إمرتنا وسلطتنا بصفتنا وزراء في
حكومة المغرب المستقل وهم مجرد موظفين سامين. وانتهت هذه المرحلة في أقل
من شهر وزال الالتباس.* الملاحظ أن مفاوضات الاستقلال لم تتناول استقلال المغرب بشكل كلي،
فالصحراء ظلت محتلة وكذلك سبتة ومليلية. كما أن القضية الموريتانية لم
تحُسَم أيضا. فما هي أسباب عدم إثارة هذه الأشياء فيها ؟ـ نحن اعتبرنا أن الرابطة الوحيدة التي لنا مع الاستعمار هي معاهدة
الحماية التي عقدتها فرنسا مع السلطان عبد الحفيظ في ظروف يعرفها الجميع.
ذلك أن هذا السلطان أُرغِم على التوقيع عليها في 30 مارس 1912، وبعد ذلك
تنازل عن العرش غاضبا ومحتجا وقال: «كنت سلطان الاستقلال ولا أريد أن أكون
سلطان الحماية» ثم نُفي إلى باريس.وأبرمت فرنسا بدورها نيابة عن المغرب أو باسمه عقد الحماية مع إسبانيا
لبسط سلطتها على المنطقة الشمالية المغربية أو ما كان يسمى آنذاك بالمنطقة
الخليفية التي كان يحكمها خليفة سلطان المغرب بتفويض من السلطان وبمقتضى
ظهير صادر عنه يعيِّنه فيه على المنطقة الشمالية وعلى الصحراء المغربية،
وهو عقد كنا نسميه عقد كراء تحت الباطن، أي «الكراء الخفي». لذلك تركنا
لفرنسا أن تتصل بإسبانيا لإفراغ المسكن من مكتريه، لأن الحماية الإسبانية
التي تعتمد عليها الاتفاقية الفرنسية ـ الإسبانية انتهت بنهاية عقد
الحماية مع فرنسا.ودخلنا في مفاوضات تطبيقية مع إسبانيا لتوحيد المنطقتين. وقد كانت المنطقة
الشمالية تدار من خليفة للسلطان بتعيين منه بظهير سلطاني يفوض له السلطة
كما يدل عليه لقب الخليفة السلطاني. ولم يكن هذا الأخير سلطانا بالرغم من
أنه وقعت بعض التجاوزات في تخويله سلطات أكبر من حجمها القانوني حيث أصبح
يُسمِّي له ولي العهد ويُؤسِّس حكومة يُعيِّن فيها وزراء ويخرج إلى صلاة
الجمعة في طقوس مراسم السلطان.وبعدما تأسست الحكومة بعاصمة الرباط ذهب الأمير ولي العهد مولاي الحسن على
رأس وفد مغربي إلى مدريد لقيادة مفاوضات توحيد المنطقتين. وكنت ضمن الوفد
الذي ترأسه الأمير بصفتي وزيرا للعمل والشؤون الاجتماعية. وكان هدف
الزيارة هو سحب عملة البسيطة الإسبانية من المنطقة الخليفية لصالح الفرنك
المغربي. وتحضرني هنا قصة غريبة احتفظَتْ بها ذاكرتي عن اجتماع مدريد هذا،
ذلك أن ولي عهد المغرب لم يأت مدريد على رأس الوفد المغربي إلا بعد وصول
حكومتي المغرب وإسبانيا إلى اتفاق على توحيد المنطقتين وسحب العملة
الإسبانية من المنطقة الخليفية. وكان حضوره بمدريد لتكريس إدخال الاتفاق
في حيز التنفيذ. ولم تطل وقائع هذه الجلسة لأن المشاكل المطروحة وجدت حلها
قبل عقد الاجتماع المذكور بمدريد، فقلق الإسبانيون وقالوا لنا: «لا
يُستحْسَن أن ينعقد الاجتماع بيننا وبينكم في هذه الفترة القصيرة لتسوية
شأن خطير. وعلينا أن نمدد هذا الاجتماع لإنقاذ ماء الوجه أمام شعبنا.
والرأي العام الإسباني سيقول إن مفاوضتنا لم تكن جدية أو في نفس الجدية
التي تفاوضت بها فرنسا معكم». ورد الأمير ولي العهد مولاي الحسن على وزير
الخارجية الإسباني «أرْتاخو»: «إننا جئنا لنكرِّس ما وقع الاتفاق عليه
ونعطيه صبغة علنية ورسمية ليس إلا» فقال له الوزير: «أنا أعلم ذلك ولكن
أرجوكم اقعدوا قليلا. إن الشعب الإسباني لا يمكن أن يفهم أننا صفينا
موضوعا خطيرا في دقائق ... أرجوكم سمو الأمير أن تقعدوا، وأن تتناولوا
الشاي في الراحة». وأخذنا نتناول الشاي ونَزْدرِد الحلويات وندردش مع
بعضنا بعضا إلى أن مرت ساعة كاملة. وآنذاك خرجنا من مقر وزارة الخارجية
الإسبانية وأعلن رئيسا الوفدين للصحافة الإسبانية بما وقع عليه الاتفاق.لم تكن لإسبانيا شرعية الوجود في المنطقة الخليفية إلا من مرجعية
الاتفاقية التي أبرمتها معها سلطة الحماية الفرنسية التي تنازلت لها عن
بعض المناطق المغربية. وبعد أن اعترفت إسبانيا باستقلال المغرب ووحدة
أراضيه دخل مسلسل التحرير في مراحله بدءا من تحرير طرفاية وسيدي إيفني إلى
الصحراء المغربية.






















* بالنسبة للصحراء وموريتانيا لماذا لم يتم الحسم فيهما منذ البداية؟ـ لم يكن الحسم سهلا، فمطالبنا كانت واضحة والمغرب كان يطالب بأن تكون له
الحدود التاريخية التي كانت له قبل الحماية سواء تعلق الأمر بسيدي إيفني
أو طرفاية أو الصحراء المغربية أو بالحدود الشرقية المتاخمة للجزائر التي
اقتطعتها فرنسا من المغرب وأضافتها إلى الجزائر، أو سبتة ومليلية والجزر
المجاورة وهي محتلة من طرف الإسبان. ولكن المغرب قَبِل أن يتم تحرير هذه
المناطق على مراحل. وحُرّرت طانطان وطرفاية وسيدي إيفني، وأخيرا الصحراء
المغربية. وبالنسبة لسبتة ومليلية لم يفتأ المغرب يطالب برفع الاحتلال
الإسباني عنهما. ودعا الملك الحسن الثاني إلى إنشاء خلية مشتركة للتفكير
بين المغرب وإسبانيا حول مستقبل المدينتين. لقد كانت هناك مبادرات مختلفة
وتوبع مسلسل التحرير بأساليب مختلفة. وكان المهم أن ينتهي المسلسل إلى
تحرير جميع أراضينا المغتصبة وما يزال المغرب يواصل السير. بعد تشكيل
الحكومة الأولى بشهور قليلة واعتراف فرنسا باستقلال المغرب تأسست وزارة
الخارجية المغربية لأول مرة، وأنشئت أيضا وزارة الدفاع الوطني، واستعاد
المغرب مكانته في المجتمع الدولي، وأصبح عضوا في الأمم المتحدة، ودخلنا
أعضاء في المنظمات الدولية. وأنا شخصيا ذهبت إلى جنيف بوصفي وزير العمل
والشؤون الاجتماعية وخطبت في الجلسة العمومية لمنظمة العمل الدولية لتقديم
ملف المغرب للحصول على عضويتها وقُبِل المغرب عضوا بإجماع الأعضاء. ربما
قد يختلف البعض مع مقاربة استرجاع وحدة المغرب الترابية على مراحل، ويرى
في طرح استرجاع التراب الوطني دفعة واحدة الخيار الأفضل، لكن المغرب اتبع
السياسة الواقعية. والمهم أن المسلسل انتهى إلى التحرير الكامل إذا
استثنينا نزاعنا مع الإسبان حول سبتة ومليلية والجزر الذي لا بد أن ينتهي
بالتحرير هو أيضا.* عند الحديث عن حركة المقاومة وجيش التحرير المغربيين تتراءى لنا صورة
ضبابية حولهما سواء من حيث طبيعتهما أو مسارهما أو نهايتهما. وبصفتك ناضلت
بالطرق السياسية كيف تُقيِّم تجربة جيش التحرير؟ ومن كان يقوده أهو الفقيه
البصري أم الدكتور عبد الكريم الخطيب أم آخرون؟ـ كلٌّ من الفقيه البصري والدكتور عبد الكريم الخطيب انتمى إلى قيادة جيش
التحرير وقام بدور وطني مشرِّف في واجهة النضال. لكن جميع أعضاء المقاومة
وجيش التحرير تناسلوا من رحِم الكفاح الوطني السياسي فكان منهم استقلاليون
وشوريون وأعضاء في الحركة الشعبية (التي تأسست حزبا سياسيا في ما بعد) ولا
منتمون. والمقاومة تأسست عندما أشير إليها من لدن الأحزاب السياسية التي
كانت موجودة آنذاك بأن العمل السياسي قد استنفد أغراضه، وأُطلِقت لها ـ
كما قلت في السابق ـ حرية التصرف بالوسائل المتاحة التي تراها بما في ذلك
الاستشهاد واستعمال السلاح الذي بدأ فرديا وأصبح في جيش التحرير جماعيا
منظما. ولكن الانتماء الحزبي لأعضاء المقاومة وجيش التحرير جُمِّد عند
تشكيل حركة المقاومة وجيش التحرير، وتُنوسي استحضار الهُوية الحزبية أو
نُحيت كمرجعية داخل جيش التحرير. لقد كان في قيادة جيش التحرير أعضاء
ينتمون لحزب الاستقلال، وآخرون ينتمون لحزب الشورى والاستقلال والحركة
الشعبية، وآخرون غير منتمين. البعض يقول إن الفقيه البصري مثلا نشأ في
أحضان الحركة القومية والتحق بحزب الاستقلال في ما بعد. (ولست أدري ما إذا
كان هذا صحيحا أم لا). وعندما أُطلِق المجال لعامة الشعب للالتحاق
بالمقاومة وجيش التحرير التقت فصائل الشعب المغربي على صعيديهما. وربما
كانت هناك أكثرية من جهة وأقلية من جهة أخرى. المهم أن هُوية التنظيمين
الجديدين أصبحت هي الانتماء إلى المقاومة أو جيش التحرير بدون وصف آخر.
وأذكر أنه حينما طلب محمد الخامس ـ بعد الاستقلال واسترجاع السيادة وتأسيس
المؤسسات واعتراف فرنسا وإسبانيا باستقلال المغرب ـ أن يوضع حد لمهام جيش
التحرير معتبرا أنه لا يمكن أن يكون في المغرب جيشان خاصة بعد تأسيس الجيش
الملكي النظامي، اتصل بنا رحمه الله بصفتنا وزراء حزب الشورى في حكومته
وطلب منا أن ندعو المنتمين إلينا في المقاومة وجيش التحرير إلى الدخول في
الحياة المدنية والتخلي عن العمل المسلح. وبالفعل ذهب المرحوم عبد الواحد
العراقي إلى القصر الملكي ـ رفقة مجموعة من أعضاء جيش التحرير من حزبنا
الذين وفدوا على الرباط من جبهة التحرير ـ وقدمهم إلى الملك محمد الخامس،
وأعلنوا أمامه عن تخليهم عن العمل بجيش التحرير تلبية لدعوته لأن المغرب
أصبح مستقلا. وبعد 10 أيام من استقبال الملك للعراقي أطلق عليه مجهولون
الرصاص أمام باب بيته بمدينة فاس ومات لأنه لم يكن في جيش التحرير آنذاك
إجماع على وضع السلاح






















* من كان في نظرك وراء اغتيال عبد الواحد العراقي؟ـ بعض العناصر التي لم تكن تقبل أن يضع جيش التحرير السلاح لأنهم كانوا
يقولون إن الاستقلال لم يتم بعد، وأن جيش التحرير لم يستوف أغراضه. وربما
اعتبروا أن العراقي خان جيش التحرير. إلا أن حزب الشورى والاستقلال كانت
له وجهة نظر أخرى إزاء ذلك عندما سارع ـ ربما قبل الأوان ـ لتلبية رغبة
الملك محمد الخامس باقتناع وطني بأن الوقت قد حان ليدخل المغرب في عهد
البناء ويكون له جيش واحد.

_________________
الخفافيش تخاف نور الشمس !!
****************
لا يجب أن تقول كل ما تعرف ولكن يجب أن تعرف كل ما تقول

بديعة
مشرف (ة)
مشرف (ة)

انثى عدد الرسائل : 6075
العمر : 30
Localisation : الدارالبيضاء
Emploi : موظفة
تاريخ التسجيل : 03/04/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

3- عينت وزيرا للعمل في أول حكومة مغربية ولم يكن في الوزارة التي يعمل فيها 386 فردا سوى 3 فراشين مغاربة

مُساهمة من طرف بديعة في الجمعة 9 أكتوبر 2009 - 15:33

يواصل عبد الهادي بوطالب السياسي المغربي المخضرم في هذه الحلقة من حوارات
«نصف قرن تحت مجهر السياسة» التي خص بها «الشرق الأوسط»، الحديث عن لحظة
ميلاد اول حكومة مغربية بعد عودة الملك محمد الخامس من المنفى وخلفيات
حصول حزب الشورى والاستقلال على ستة مقاعد وزارية مقابل تسعة مقاعد لحزب
الاستقلال. وفي هذه الحلقة ايضا يرسم بوطالب بورتريهات لبعض الاسماء التي
شاركت في الحكومة الاولى مثل عبد الله ابراهيم وأحمد بلافريج والحسن
اليوسي وعبد القادر بن جلون وأحمد بن سودة.






















كما يروي بوطالب الوضعية التي وجد فيها وزارة العمل والشؤون الاجتماعية.* كيف عشتم لحظة ميلاد أول حكومة مغربية بعد عودة محمد الخامس من المنفى،
كشاب مصنَّف ضمن تيار الأقلية (حزب الشورى) التي قبلت بستة مقاعد في
الحكومة؟ وهل تصرف حزبكم كمنافس لحزب الاستقلال دون الأخذ بعين الاعتبار
لجسامة اللحظة التاريخية؟ نود منكم سماع رأي المؤرخ والشاهد الصادق ؟ـ أجدني مضطرا إلى العودة إلى ما قلته من قبل من أن التعددية الحزبية في
المغرب شقت طريقها في منتصف الثلاثينات عندما انقسمت كتلة العمل الوطني
إلى قسمين: الأول تمثل في الحزب الوطني بزعامة علال الفاسي، والثاني تمثل
في الحركة القومية بزعامة محمد بن الحسن الوزاني. أفهم أن ذلك شكل لدى
الحزب الوطني إشكالية صعُب عليه أن يتقبلها بارتياح، قد يكون مرد ذلك إلى
أنه كان يرى أن المرحلة تقتضي ألا تتوزع الجهود بين حزبين، وأن يبقى الحزب
الوطني هو الحزب الوحيد. ولذلك سعى إلى أن يعود الوزاني للالتحاق به من
جديد. وقام بالوساطة بين الجانبين عدد من الوطنيين بدون جدوى.بالنسبة للوزاني كان عنده اتجاه سياسي واضح. كان يناهض الحزب الوحيد ويؤمن
بالتعددية والديمقراطية، بدليل أن جميع الصحف التي كان يصدرها كانت تركز
على شقي التحرير والشورى. كان اسم حزب الشورى والاستقلال منذ أسسناه سنة
1947 يحمل بالفرنسية اسم (Leparti democrate de lصindependance) أي الحزب
الديمقراطي للاستقلال. وكان الاسم وحده عبارة عن برنامج متكامل، فقد كان
يعني عند الشباب انخراط المغرب في قيم الحداثة، وتجديد إهاب الدولة، وحتى
بالنسبة للفرنسيين المتخوفين من التغيير كان عنوان حزبنا وبرنامجه
يعطيانهم بعض الاطمئنان إلى أن حزبنا يراهن على الدخول بالمغرب المستقل
إلى العصر، وعلى ممارسته السلطة حسب المفاهيم المعاصرة التي تعتمد
الديمقراطية والتعددية والتحررية وإحقاق حقوق الإنسان والمساواة وتكريم
الرجل والمرأة. وبذلك تم اختراق فكرة الحزب الوحيد وأصبح الاتجاه واضحا في
أن المغرب اختار التعددية. وأذكر أنه عند تشكيل الحكومة كان لحزب
الاستقلال تطلع إلى أن يأخذ أغلبية مقاعد الحكومة إذ كان يعتبر نفسه يمثل
أغلبية الشعب المغربي، رغم أنه لم تجر عملية اقتراع شعبي تؤكد ذلك. كانت
هناك غالبية وأقلية متعارَف عليها مع العلم أنه في بداية الاستقلال وبعد
أن أصبح حزب الشورى يقود المعارضة المنظمة أصبح الإقبال كبيرا عليه وأخذت
صفوفه تتعزز بانخراطات جديدة وخاصة من العالم القروي والشباب الثوري.وعندما جاء موعد تشكيل الحكومة الأولى اشترط حزب الاستقلال أن تكون له
غالبية المقاعد. واعتمد محمد الخامس حلا وسطا فأعطى له 9 مقاعد، وأعطى حزب
الشورى والاستقلال 6 مقاعد، وللمستقلين أي من لا حزب لهم 6 مقاعد أيضا.
وكانت تلك الحكومة تسمى حكومة «الاتحاد الوطني» أو «الوحدة الوطنية»،
أفرزتها معركة الكفاح من أجل الاستقلال، بطبيعة الحال كان قبولنا ستة
مقاعد في الحكومة تنازلا مرده إلى أننا لم نكن نرغب في إثارة حسابات
المقاعد. فالمهام التي كانت تنتظرنا داخل الحكومة تعلو في أهميتها على هذه
الحسابات أمام خطورة الظرفية التاريخية: خطورة بناء المغرب الجديد. لقد
درسنا في المكتب السياسي لحزبنا موضوع المقاعد الستة التي عرضها علينا
الملك وقبلنا عرضه، لكننا تعويضا عن ضُعف العدد طلبنا إليه أن يُؤْثرنا
ببعض الحقائب الوزارية التي رأينا أننا نستطيع أن نفيد منها البلاد.
وارتأينا أنه تفاديا للدخول في معركة حول عدد المقاعد الوزارية ينبغي أن
نهتم بنوعية المقاعد لا بكميتها. ونزل جلالته عند رغبتنا فأسند إلينا
وزارات مهمة: وزارة دولة للمفاوضات (محمد الشرقاوي)، وزارة المالية (عبد
القادر بن جلون)، ووزارة العمل والشؤون الاجتماعية (عبد الهادي بوطالب)،
وكتابة الدولة (وزارة الدولة) في الشبيبة والرياضة (أحمد بن سودة)، ووزارة
التعمير والسكنى (الدكتور محمد بن بوشعيب)، ووزارة المعادن والإنتاج
الصناعي (التهامي الوزاني).






















* أين نصنف رضا جديرة الذي كان ينتمي لحزب الأحرار المستقلين وكنتَ أشرتَ إلى أنه كان ضمن المستقلين؟






















ـ هو كذلك لأنه كان ضمن الستة وزراء غير المنتمين الذين أُطلق عليهم اسم المستقلين.






















* هل تقصد أن حزبه كان عبارة عن ناد سياسي؟ـ ينعت بعض الناس هذا الحزب بأنه ناد وهذا تقييمهم الخاص. ودعني أقول إن
حزب الأحرار المستقلين كان رئيسه هو محمد رشيد ملين الذي لم يُدعَ
للمشاركة في الحكومة. مما يعني أن كديرة لم يكن يمثل هذا الحزب الذي كان
حركة وطنية لها أنصارها خاصة في الرباط. وكان الحزب حركة تقدمية تحررية
وخصما لدودا لحزب الاستقلال، وأقرب ما يكون إلى حزب الشورى والاستقلال،
لكنه لم يكن معنا في نفس الخط. كما أنه كان ينظِّر للتعامل اللامشروط مع
القصر الملكي.






















* كم دامت مفاوضات تشكيل الحكومة الأولى؟






















ـ لم تتعد أسبوعا أو عشرة أيام، لأن الملك محمد الخامس رجع إلى المغرب في 16 نوفمبر 1955 وتشكلت الحكومة في 7 ديسمبر .1955






















* ضمت الحكومة الأولى يهوديا مغربيا هو دافيد بن زاكين الذي كان وزيرا للبريد. فما هي خلفيات ذلك التعيين؟ـ نحن لم نُستشَر حول تركيبة الهيأة الوزارية. فالملك محمد الخامس هو الذي
كان يقوم بتشكيلها بمشاورة مع البكاي رئيس الحكومة المعين. وكان ابن زاكين
ضمن الوزراء المستقلين الذين لا ينتمون إلى حزب. وكان معروفا عنه أنه
مواطن يهودي وطني. وكان تعيينه في الحكومة إشارة إلى توجه المغرب نحو
الديمقراطية ووحدة المواطنة بصرف النظر عن الدين. ذلك أن المغرب رغم كونه
بلدا إسلاميا فإنه يعتبر اليهود مواطنين لهم جميع الحقوق التي يتمتع بها
المسلمون، ومن حقهم أن يكون من بينهم وزراء. وقد تمثل هذا أيضا في تأسيس
البرلمان حيث كان به أعضاء يهود. كان عدد المواطنين المغاربة اليهود عند
الاستقلال يتجاوز 300 ألف يهودي. ربما كان المغرب آنذاك من بين البلدان
العربية الوحيد الذي كان يحتضن أكبر عدد من اليهود كمواطنين. وكان ذلك
كسبا للحكومة في عين الغرب يؤشر إلى أن المغرب المستقل لن يسير في اتجاه
العنصرية أو النازية أو معاداة السامية. كان المغرب يريد أن يبرهن على أنه
يتجه الاتجاه الصحيح، أي اتجاه العصر. ولا ننسى أن الملك محمد الخامس كان
له موقف تاريخي عظيم حيال اليهود المغاربة أيام الحرب العالمية عندما طلب
منه الألمان أن يطرد اليهود من المغرب ويصادر أموالهم، وأن لا يحميهم من
القوانين النازية التي كان يراد تطبيقها عليهم. فدافع عنهم بكل إصرار
وشجاعة وحـمَاهم وقال «إنهم رعيتي ومواطنون مغاربة ولا يمكن أن يُمسوا
بسوء ماداموا في المغرب». وهذا موقف يعترف له به جميع يهود المغرب. وحتى
يهود إسرائيل مازالوا يذكرون له ذلك بكامل الامتنان. وتعلمون أنه يوجد في
إسرائيل شارع باسم محمد الخامس. وهناك جالية يهودية مغربية في إسرائيل
يبلغ عددها اليوم أكثر من 700 ألف يهودي. في حين يوجد في المغرب اليوم ما
يقارب 5 آلاف يهودي فقط. وتابع الملك الراحل الحسن الثاني هذا الاتجاه
فأعطى حقيبة وزارية في حكومته ليهودي آخر هو سيرج بيرديغو (السياحة). وكان
له مستشار استمر في منصبه في عهد الملك محمد السادس هو أندري أزولاي. وقد
جاء وفد وزاري يهودي إلى المغرب أخيرا واستقبله الملك محمد السادس وأطلعه
على برنامج احتفال إسرائيل الديني بذكرى وفاة الحسن الثاني. ومن بينها
إطلاق اسمه على بعض الشوارع في إسرائيل.ونحن في حزب الشورى والاستقلال رحبنا عند تشكيل الحكومة باختيار يهودي
لمنصب وزير. ذلك أننا ديمقراطيون وننظر إلى وحدة المغرب في إطار وحدة
المواطنة لجميع الذين يحملون الهوية المغربية.






















* أود لو ترسم لي «بورتريهات» عن بعض الشخصيات التي شاركت في الحكومة الأولى. فماذا تقول عن أحمد بلافريج وزير الخارجية؟ـ لم يكن من بين الوزراء الذين تشكلت منهم الحكومة إثر رجوع محمد الخامس
إلى العرش من منفاه، ولكنه التحق بالحكومة بعد 5 أشهر من تكوينها، أي
عندما أصبح مقبولا من لدن فرنسا أن تكون للمغرب وزارة خارجية بعد توقيعها
مع المغرب اتفاقية الاستقلال. وكان بلافريج أول وزير خارجية. وكان حريصا
على ممارسة دبلوماسية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. أي أنه كان
يعتمد أسلوب الدبلوماسية اللبقة المغلَّفة أحيانا للوصول إلى الهدف بدون
شفافية واضحة وصريحة. كان شديد التعلق بالطقوس البروتوكولية وقليل
التصريحات. ولم يكن مثل بعض وزراء الخارجية الذين عرفناهم في بعض الأقطار
العربية يتسارعون إلى محطات الإعلام ويدلون بتصريحات في كل وقت وآن وفي كل
موضوع.لقد كان بلافريج أمينا عاما لحزب الاستقلال وعندما جاء إلى الحكومة لم يخف
تطلعه إلى تغيير الحكومة إلى حكومة منسجمة ينفرد فيها حزب الاستقلال
بالحكم. وأخذ منذ الأسابيع الأولى يلاحق الملك محمد الخامس لتغيير
الحكومة. وكان يبدو في الحكومة غير منسجم مع أعضائها. وعندما وصل قمة
الوزارة وتقلد منصب الممثل الشخصي للملك الحسن الثاني أصبح رجل القصر ولم
يعد رجل الحزب.






















* وماذا عن عبد الله إبراهيم؟ـ شغل في الحكومة منصب كاتب الدولة (وزير دولة) في الأنباء (الإعلام). وهو
أحد زعماء الحركة الوطنية منذ تأسيسها. برز اسمه في الثلاثينات كممثل كتلة
العمل الوطني ثم الحزب الوطني فشي مراكش. وعُرف بمواقفه الوطنية إزاء
سلطات الحماية الفرنسية. ابتُلي وعُذب وهو صغير السن. كما تميز بثقافته
العربية الأصيلة وأضاف إليها ثقافة مزدوجة. وكتابته يُشِعُّ منها الأدب
العربي الرصين العالي. وقد تأثر بثقافة حزب البعث في المشرق العربي. عمل
في الحكومة الأولى على رأس كتابة الدولة للأنباء والمفروض فيها أنها تابعة
لرئيس الحكومة. ولكن منذ بداية عمل الحكومة تمتع كاتبا الدولة
باستقلاليتهما السياسية عن رئيس الوزراء البكاي وإن ظلا من حيث المراسم
تابعَيْن له. وهكذا كان لعبد الله إبراهيم مطلق التصرف في الوزارة، وإن
كانت وزارته تابعة حسب الرسم البياني للحكومة لسلطة رئيس الحكومة. ونفس
الأمر كان بالنسبة لأحمد بن سودة الذي كان كاتب الدولة في الشبيبة
والرياضة تابعا لرئيس الحكومة وله مطلق الصلاحية في وزارته. ويتميز عبد
الله إبراهيم بأنه وطني قبل أن يكون منتميا لحزبه. لا يُعرَف عنه تعصب ضد
خصومه أو معاداة لهم فهو لطيف المعشر ذو أخلاق عالية. ويعتبر من الوطنيين
الزُّهَّاد كما كان محمد اليزيدي يعتبر في حزب الاستقلال من الزهاد. وكان
علي العراقي عضو المكتب السياسي لحزب الشورى والاستقلال يعتبر مدرسة للزهد
والتقوى والإيمان.






















* والحسن اليوسي؟ـ في عهد الحماية كان من بين أعوان الداخلية ضمن القواد الكبار وعُزل من
منصبه عندما رفض أن يخوض في مؤامرة القواد. وكان في الحكومة وزيرا
للداخلية. هو ذو تعليم محدود لكن كان حكيما حكمة شيوخ القبائل الذين
تَعْرِكُهم التجارب. وكان يتوفر فعلا على تجربة كبيرة. وكان يعرف طبيعة
العالم القروي الذي كان ينتمي إليه، أي البادية، يعرف تضاريسها وحاجاتها
ومطالبها ومطامحها وقبائلها ورجالها. وحين عُين في منصبه وزيرا في الحكومة
لم يكن يهتم بأكثر من الأمن ومراقبة أعمال القواد والعمال. لكن كان يوجد
في الوزارة أطر قادرة على تسيير مرافق الوزارة التي هي دائما كبرى
الوزارات، أو كما أصبحت تسمى في عهد الوزير السابق إدريس البصري «أم
الوزارات».






















* وعبد القادر بن جلون؟ـ شغل مقعد وزير المالية في الحكومة. درس في باريس العلوم السياسية
والقانون. وكان ثاني محام في المغرب بعد المحامي الأول أحمد زروق. كان
ثائرا وصاحب مشروع فكري مجتمعي وداعية للديمقراطية والحداثة الغربية في
وقت مبكر. كان يشغل في حزب الشورى والاستقلال منصب نائب الأمين العام، أي
الثاني بعد محمد الحسن الوزاني. وقد طبع حزب الشورى والاستقلال ببصماته
الثورية التقدمية.






















* أحمد بن سودة وهو من حزبكم أيضا ؟ـ نشأ في النضال الوطني منذ صغر سنه وكبر على ذلك. كان في حزبنا المناضل
الأول الذي قضى سنوات من عمره متنقلا من سجن لآخر. إنه بالنسبة لي صديق
العمر ورفيق النضال. ارتبطت صلاتنا طول عمرنا لم تعترضها قط قطيعة ولا
جفوة. طبع وزارة الشبيبة والرياضة ببصمات نضاله وعمل فيها من موقع المكافح
المناضل. وكان يتعامل مع الوزارة تعامله مع الخلايا الوطنية يرشد ويوجه
ويربي.






















* حينما عينتَ وزيرا للعمل والشؤون الاجتماعية كيف وجدتَ الوضعية في الوزارة؟ـ كما سبق أن قلت إن جميع الوزارات كان يوجد على رأسها مدير عام فرنسي:
مدير الداخلية، مدير الشغل والشؤون الاجتماعية، مدير الصحة، مدير المالية،
ومدير الأشغال العمومية إلى آخر السلسلة. وهم في الحقيقة كانوا وزراء باسم
مديرين. ومنذ أن تم تنصيب أعضاء الحكومة الأولى حاول كل مدير منهم أن
يشترك مع الوزير في اتخاذ القرار بفرض إمضائهم المزدوج مع إمضاء الوزراء.
لكننا رفضنا ذلك. وأخذنا نمارس سيادة المغرب باستقلال عنهم. وهذا ما أذعنت
فرنسا إليه في آخر الأمر. وسأعطيكم مثالا غريبا عن هذه الأزمة عشته على
رأس وزارة العمل والشؤون الاجتماعية التي كانت مختصة في تنظيم الشغل (أو
العمل) بين أرباب العمل والشغالين، وتطبيق التشريعات التي تنظم علاقة
الجانبين ولا سيما علاقات أرباب العمل مع النقابات. ولما كان الاقتصاد
الوطني المغربي محتكَرا من لدن الأجانب، والمغاربة إنما كانوا يشتغلون
كعمال في المعامل والمصانع الأجنبية خدمة لهذا الاقتصاد، كانت الإقامة
العامة ترفض إلحاق المغاربة بهذه الوزارة التي كانت مختصة بالتدخل لحسم كل
نزاع يقع بين العمال المغاربة وأصحاب المعامل من الأوروبيين. وبعد الإعلان
عن تشكيل الحكومة الأولى وقبل توجهي إلى الوزارة لِتسَلُّمي مهامها اتصل
بي هاتفيا مديرها العام «روني تومازيني» (وكان هو الوزير الفعلي في
الوزارة) ليقول لي: «علمت أنكم ستتسلمون مكتبكم سيدي الوزير غدا، وأريد أن
أعرف متى ستشرفون لأكون في استقبالكم بباب الإدارة». ولما وصلت إلى مكتبي
في الوزارة سألني سؤالا بدا لي غريبا: «كيف تريد أن يخاطبك الموظفون، هل
بلقب صاحب المعالي أو صاحب السعادة Excellence أو بالسيد الوزير؟» وبدا لي
السؤال غريبا. فسألته: «لِـمَ تسألني هذا السؤال؟» فألح علي أن أختار
واحدا من الألقاب الثلاثة. فقلت له: «بالنسبة لصاحب المعالي أو صاحب
السعادة لا أعرف أين تبتدئ حدود هذا اللقب وأين تنتهي. وقد كنتم تتوجهون
به في عهد الحماية إلى كل موظف من القائد في القرية عبر الباشا في المدينة
إلى الوزير المخزني في العاصمة. ولكن بالنسبة للوزير أعلم أنه يعني عضوا
مسؤولا في الحكومة. ولذلك أفضله على لقب صاحب المعالي أو صاحب السعادة».
فقال «تومازيني»: «حسنا سنفعل ذلك». ثم سألني: «هل ستتوجهون إلى العاملين
في الوزارة بخطاب بمناسبة تنصيبكم على رأسها؟» فقلت: «نعم أريد أن أفعل
ذلك». فبادرني بسؤال آخر صُعِقت به: «هل ترون من الضروري أن يحضر المغاربة
في حفل التنصيب؟» فقلت له «أظن أنك تريد أن تقول الأجانب». فقال: «لا أقصد
المغاربة». فقلت له «لماذا؟» فأجاب قائلا وقد بدا عليه الخجل والتلعثم:
«يا سيدي الوزير هذه الوزارة حساسة. كنا لحد اليوم نراقب جميع العاملين
فيها ونتحفظ منهم. ولا يوجد عندنا الآن في الوزارة التي يبلغ عدد موظفيها
386 فردا سوى ثلاثة «فراشين» («شواش») مغاربة. لذلك أسأل هل ترون من
الضرورة أن يحضروا؟» فقلت : «من الضرورة أن يحضروا ليتمثل المغرب على
الأقل بهم». ثم سألني: «بأي لغة ستخاطبون الموظفين؟» وتركني أفهم أن لا
أحد من الموظفين يعرف العربية فقلت: «لا يهم. سأتكلم باللغة الفرنسية». ثم
سألني: «هل تريد أن يتقدم العاملون في الوزارة للسلام عليك أم تمر أنت
للسلام عليهم؟» فقلت: «أفضل أن أمر للسلام عليهم بدل أن يمروا للسلام علي
فأنا هو الوافد عليهم». ولما انتهيت من إلقاء خطابي باللغة الفرنسية، أخذت
أسلم على موظفي الوزارة واحدا واحدا وكانوا يتألفون من جنسيات فرنسية
واسبانية وبرتغالية وإيطالية وغيرها وليس بينهم مغربي واحد، إلى أن وصلت
إلى آخر القاعة فظهر أمامي في آخر الصف شخصان أحدهما أسود والآخر أسمر،
وعلى رأس الأول عمامة بيضاء تتدلى عَذَبتُها على كتفيه. وكان طويلا فارع
القامة. فلما وصلت إليه ـ وكان آخر من سلمت عليه ـ انحنى ليقبل يدي
فنزعتها وقلت له: «لا بل يدك في يدي». فكان تعليقه: «يا سيدي. إنني أعمل
هنا منذ 33 عاما، ولم تصل هذه اليد الوسخة قط إلى يد أخرى. نحن الشواش
الثلاثة نحيي الجميع بالتحية العسكرية» فقلت له: «هذا أمر انتهى. لقد كنتَ
عبدا للاستعمار والآن أنتَ حرٌّ في عهد الاستقلال، فمُدَّ يدك لتصافحني
فالوزير أخوك». وعند تشكيل الحكومة الأولى كان عندنا في المغرب كله خمسة
أطباء مغاربة، و3 محامين، وثلاثة مهندسين فلاحيين ومهندسا طرق وقناطر. ولم
يكن عدد التلاميذ المسجلين في التعليم الابتدائي والثانوي يتجاوز 200 ألف
تلميذ. كان التعليم لا يصل إلى مرحلة الباكالوريا (الثانوية العامة).
وجميع مرافق الدولة كانت تحت إدارة الفرنسيين وليس للمغاربة فيها نصيب.






















* كيف تعاملتم مع هذا الوضع العجيب؟ـ في البداية خاض الوزراء المغاربة مع المديرين العامين جدالا حول من يوقع
على القرارات؟ وتعصبنا لاستقلال القرار المغربي. ولم نقبل أن يوضع خاتم أو
توقيع مدير أجنبي بجانب توقيعنا. واتخذنا القرارات بمفردنا. وكان المديرون
العامون يشتكون إلى الإقامة العامة الفرنسية التي كانت آنذاك مازالت
موجودة وعلى رأسها المقيم العام «ديبْوا» ـ وهو آخر مقيم عام للحماية ـ
فأبلغهم المقيم العام الأمر الذي ورد عليه من باريس: «ما يقوله لكم
الوزراء المغاربة افعلوه» فنفض المديرون الفرنسيون أيديهم من المغرب
وعرفوا أن أمرهم انتهى ولم يعودوا يطمعون أن يشاركونا في التوقيع على
القرارات. بيد أننا كنا مع ذلك في الحقيقة عددا محدودا من المغاربة في كل
وزارة وسط غالبية من الفرنسيين والأجانب. وكنا في أشد الحاجة إلى مساعدتهم
لنا للإحاطة بالملفات. وكما سبق أن قلتُ لك لقد كان عدد المغاربة في وزارة
العمل والشؤون الاجتماعية عند وصولي إليها لا يتجاوز الأربعة: أنا وثلاثة
فراشين (شواش).






















* فكيف أمكنكم أن تمسكوا بمقاليد وزارتكم في هذه الأوضاع؟ـ درت إلى تشكيل ديواني الذي وضعت على رأسه مدير الديوان المعطي بوعبيد
الذي أصبح في ما بعد محاميا ثم انتهى إلى تقلد منصب الوزير الأول في حكومة
الملك الحسن الثاني وزعيما لحزب سياسي. وكان قد أنهى دراسته للتُّـوّ
فكلفته بالإشراف على مكتب الضبط حيث يتسلم بريد الوزارة ليسهر على تسجيله
وتوزيعه. فثارت ثائرة الموظفين الأوروبيين على قراري هذا وهددوا بشن إضراب
عن العمل. وقالوا «إنه غير مقبول أن يطلع مغربي على رسائلنا قبل أن تصل
إلينا». هكذا خضنا كفاحا للصراع على الوجود وفَرْضِ قبول التعامل معنا على
أعواننا الأجانب العاملين تحت إمرتنا. هو كفاح غريب لتثبيت السيادة وتحرير
البلاد من قبضة المستعمر الذي لم يكن مستعدا لأن يتنازل بسهولة أو أن
يستخلص النتائج الحتمية بسرعة. ثم تابعت تشكيل ديواني فأسندت رئاسته إلى
حسن الكتاني الذي أصبح بعد سنوات الكاتب العام (وكيل) لوزارة العدل ثم عضو
المجلس الدستوري وطعَّمت الديوان بعناصر مغربية شابة. ولم أغادر الوزارة
إلا بعد أن تركت فيها ما يناهز 30 موظفا مغربيا.






















* كيف كانت علاقة الملك محمد الخامس بأعضاء الحكومة آنذاك؟ وما هي ضوابطها؟ـ الملك محمد الخامس كان يتابع عمل الحكومة عن كثب وبجهد متواصل لا ينقطع.
ولا أعلم أنه في عهده وطيلة وجودنا في الحكومة قد أخر الإمضاء على الظهائر
(المراسيم)، أو طُلب منه أن يعطي رأيه أو يتخذ قراره أو يُصدِر تعليماته
في موضوع ما فتمهل أو تباطأ. كان يصارع الزمن ويعمل بسرعة لِتَدارُك ما
تأخر أو ضاع. وكان يرى أن الحكومة بتنويعها وتعدد انتماءاتها خير ضمان
لحفز التنافسية بين أعضائها.






















* متى خرجتم من الحكومة الاولى؟ ولماذا؟ـ كان حزب الاستقلال يطمح إلى الانفراد بالحكم ويطالب بحكومة منسجمة قوية.
وكان الملك محمد الخامس يفضل استمرار الحكومة في تشكيلها الذي صنعه بيده.
لكن حزب الاستقلال ألح في الطلب وخاصة بعد أن أثرت الأحداث المؤلمة التي
أشرت إليها قبل على تعايش أعضاء الحكومة وخلقت بينهم جوا من التوتر وصلنا
معه إلى مرحلة أصبح فيها التعايش داخل الحكومة صعبا.






















* وماذا وقع بعد ذلك؟ـ قبل مرور سنة على تشكيل الحكومة الأولى وبالضبط في منتصف أكتوبر 1956،
استدعيت رسميا من طرف الرئيس البكاي ليخبرني أن الملك يرى أن يختصر أعضاء
الحكومة لأن عددهم كثير، وأنه يعرض علي اقتراحا بأن ينسحب من بين ستة
وزراء شوريين أربعة وزراء، ويظل في الحكومة اثنان هما عبد الهادي بوطالب
وأحمد بن سودة. وقال البكاي لي: «إن جلالة الملك يريد أن يقترح حزبُكما
عليه الإبقاءَ عليكما داخل الحكومة لتمثيله. وزاد يقول: «إن حزب الاستقلال
يريد الانفراد بالحكومة وجلالته يرى غير ذلك». فأبلغته ـ دون العودة إلى
المكتب السياسي للحزب ـ أن حزب الشورى يرفض أن تنتقص مقاعده في الحكومة.
فقال لي: «إن حزب الاستقلال لا يعارض في بقائكما». وسألني: «ولماذا لا
تشاركان بصفتكما الشخصية؟» فرفضت هذا الحل أيضا.






















* وما هو سبب قبول قادة حزب الاستقلال إبقاءك أنت وبن سودة في الحكومة؟ـ ربما ـ إذا صح ما قاله البكاي ـ لأنهم كانوا يعتبرون أنهم يمكنهم
التعايش معنا نحن الاثنين أكثر من الآخرين خلال مرحلة لم تكن لتطول. أو قد
يكون الملك نفسه هو الذي اختار هذا الحل الوسط.






















* ألا تعزو ذلك إلى الانتماء الإقليمي؟ـ لا أعتقد ذلك. فحزب الاستقلال لم يكن يضم في صفوفه الفاسيين أو أهل
المدن فقط. فأمينه العام أحمد بلافريج كان رباطيا، وأبوبكر القادري من
سلا، وعبد الله إبراهيم من مراكش، والمختار السوسي من سوس، واليزيدي من
تادلة أصلا.






















* وكيف كان رد فعلك إزاء ما حمله إليك البكاي من عروض؟ـ قلت للبكاي: «إننا نفضل أن نخرج من الحكومة لنقوم بدور المعارضة». وهو
ما تم في النهاية. وهكذا أصبحت صحفنا تعارض الحكومة الثانية التي رأسها
البكاي أيضا، وضمت أعضاء حزب الاستقلال وبعض المستقلين. ولم يرض حزب
الاستقلال عن تشكيل الحكومة الجديدة فقد ظل الخيار المفضل لديه هو الحكومة
المنسجمة.* قبل تشكيل الحكومة الثانية أصبح ولي العهد الأمير مولاي الحسن قائدا
عاما للقوات المسلحة الملكية. أود لو تحدثني عن إسهاماته السياسية في تلك
الفترة. وطبيعة علاقته بالحكومة ومكوِّناتها؟ـ كان ولي العهد الأمير مولاي الحسن مستشارا لوالده وإن لم يحمل قط اسم
المستشار. وبما أن والده كان يميل إلى الحلول الوسطى وإلى الطيبوبة في
التعامل، فإنه كان يستبعد المبادرات التي يقترحها ولي عهده إذا كانت تميل
إلى التشدد والحزم في معالجة شؤون الحكم. وكان يمعن النظر في اقتراحاته
قبل أن يتخذ قراراته.أما الأمير ولي العهد فكان لا يتردد ـ إذا ما رأى أن المصلحة تكمن في جانب
ما يقترح من قرارات أو تدابير ـ أن يدافع عنها أمام والده بحماس واحترام
شديد لوالده. كان يسود علاقة الوالد وابنه نوع من التوازن بين أمير شاب
طموح ومندفع اندفاع الشباب، وأب وقور هادئ رزين يعطي للوقت قيمته ويعتبر
أن الرهان على الزمن ينفع. وكابد محمد الخامس هذا وتعلم طريقة التعامل هذه
في مدرسة مكافحة الاستعمار، إذ مر أمامه أكثر من 10 مقيمين عامين فرنسيين
كلهم كانوا إما يهددونه ويوعدونه، أو يستعملون الوسائل لإرضائه وكسب عطفه
ليمرِّروا قراراتهم ومشاريعهم. فكان يتركهم يصارعونه إلى أن ينصرفوا
خائبين ويبقى هو فوق عرشه ثابتا رابط الجأش. ثم يأتي غيرهم من المقيمين
فيكرر معهم نفس التجربة. ودائما يذهبون ويبقى بعدهم ثابتا صامدا. كان يعيش
مع فرنسا أزمة مستمرة. وكان يتغلب عليها بالمصابرة والنفَس الطويل. هناك
حكمة بديعة كان يرددها بعض الملوك المغاربة، وربما كان الملك محمد الخامس
يعمل بها وتقول: «إن المخزن (الحكومة المغربية القديمة) يريِّب (أي
يكسِّر) الجبال بثَقْب الإِبَر ». بمعنى أن المراهنة على الزمن والعمل
المداوَم عليه والصمود الذي لا يعرف الوَهَن تنتهي كلها دائما إلى كسب
المعارك وتحقيق الرهانات مهما كبرت واستعصت.أما بخصوص علاقة ولي العهد بالحكومة، فإنها لم تكن مسؤولة أمامه، بل أمام
والده وحده. أما هو فلم يكن يقوم إلا بالدور الذي كان يعهد به والده إليه
دون أن يكون له اتصال مباشر مع الحكومة إلا فيما كان يكلفه به وهو قليل.






















* وكيف كانت علاقتك معه آنذاك؟ـ علاقتي به كانت دائما متميزة. لأنني ارتبطت به ارتباطا وثيقا طيلة أربع
سنوات عشنا فيها قريبا بعضنا من بعض وأصبحت بيننا علاقة حميمة في المعهد
الملكي. كان يعتبرني أستاذه وفي الوقت نفسه رفيقا لا يتحرج منه. لم يكن
يتهيبني مثلما كان يتهيب الأساتذة كبار السن الذين كان يعطيهم أيضا توقيرا
واحتراما. فقد كان من طبيعته احترام الناس وتوقيرهم. وكان احترام أساتذته
أساس تربيته.






















* بماذا كان يتميز ولي العهد عن والده الملك؟ـ قال لنا الملك الحسن الثاني مرة في إحدى جلساته التي كان يخصصها لحاشيته
الخاصة: «أريد أن أضع أصابعكم على الفرق بيني وبين والدي رحمه الله. وروى
لنا قصة تخيَّلَها مفادها أن محمدا الخامس وقد أخذ يتهيأ في قصره للخروج
إلى المسجد لأداء صلاة الجمعة بالطريقة التقليدية، فوفد عليه من قال له:
«هناك صخب وضوضاء ومظاهرة حول المسجد. وبعض المتظاهرين يقولون ما لا يُقبل
أن يقال في حق جلالتكم، وآخرون يردون عليهم». فحينئذ يقول والدي: «ما دام
هناك من يقول عني ما لا أرضى أن أسمعه فإنني لن أخرج إلى الصلاة». أما أنا
ـ يقول الحسن الثاني- عندما يأتون عندي ويقولون لي نفس الكلام وأن هناك
معارضين لي ومؤيدين، أسأل: كم هي نسبة المعارضين والمؤيدين؟ فإن قالوا لي
أن 85 في المائة يقولون «يحيا الملك»، وأن 15 في المائة يقولون «يسقط
الملك»، فإنني أخرج للصلاة دون تردد».






















وأضاف قائلا: «أنا لا يهمني أن يكون حولي الإجماع. فالإجماع لا يقع على أحد. أنا رجل يحكم بالديمقراطية، أي الغالبية».هذه القصة الصغيرة الحكيمة توضح الفرق بين الملك الحسن الثاني والملك محمد
الخامس. كان الملك محمد الخامس يريد أن يحكم بالإجماع ولا يقبل أدنى من
ذلك. وكان الملك الحسن الثاني يقبل أن يحكم بالأغلبية كما يحكم
الديمقراطيون ولا يطمع في أكثر من ذلك. الأول كان رجل المدرسة المثالية،
والثاني رجل المدرسة الواقعية.* حينما تشكلت الحكومة الثانية بدا واضحا أن حزب الاستقلال يريد إقصاء حزب
الشورى والاستقلال. ألم تكن للقصر استراتيجية تكمن في الانسياق مع رغبات
حزب الاستقلال للوصول إلى نتائجَ معاكِسة لتلك التي كان الحزب يتوخاها؟ـ أظن أن الملك محمدا الخامس ـ وهو الرجل الذي يقتعد دائما خط الوسط ـ
ارتأى أن يجتاز هذه المرحلة على تدرج ما دام حزب الاستقلال مصرا على أن
تكون الحكومة منسجمة، وكانت المرحلة الأولى هي إبعاد حزب الشورى
والاستقلال، والثانية إبعاد المستقلين.* الملاحَظ أن وزارة الداخلية في الحكومة الثانية تم إسنادها إلى شخص كان
محسوبا على حزب الاستقلال هو إدريس المحمدي، بعدما كان على رأسها شخص
محايد هو الحسن اليوسي. كيف تلقيتم في حزبكم تعيين المحمدي؟ـ كانت لنا عن إدريس المحمدي نظرة طيبة. أَوَّلا لأننا كنا نعلم أنه لم
يكن منسجما تمام الانسجام مع حزب الاستقلال، وربما لم يكن حزب الاستقلال
راضيا عنه كذلك.إدريس المحمدي راهن بعد الاستقلال على أن يكون رجل القصر الملكي وأن يتقرب
إلى خدمته بالأسلوب الذي كان يتميز به في مخاطبة الملك. يصارحه بكل ما
يخطر له بالبال، وينقل إليه كل ما يصله من معلومات، ويوجهه بلباقة واحترام
إلى الطريق الذي يراه الأصلح، ويقدم نصيحته ورأيه مغلَّفين في أشكال
بروتوكولية توفر للملك حرمته وكان يعتبرها ضرورية لمخاطبة الملوك. كان
يبتدئ بالقول مثلا مخاطبا الملك: «يا مولاي إني لا أفهم كما تفهم جلالتكم
ولا أعرف مثلما تعرفون. ولكن خديمكم المتواضع يرى أنه إذا رأت جلالتكم أن
تسمعني فإن لي رأيا قد أكون فيه مخطئا أو مصيبا». ثم يقدم الرأي بعد هذه
المقدمة أو ما يشبهها. كان المحمدي يعارض أن ينفرد حزب الاستقلال بالحكومة
بدليل أنه لم يشارك في الحكومة المنسجمة عند تشكيلها. إنه كان يؤمن بأن
يحكم الملكُ البلادَ بلا شريك.كان المحمدي مدرسة خاصة، لها أسلوبها وأداؤها المتميز، وخاصة تعامُلُه
باللباقة الكاملة مع الملك لا إلى حد الانبطاح، بل احتفظ دائما بشخصيته
وكرامته. وكان الملك يحترمه لذلك.* لقد سعى حزب الاستقلال في ذلك الوقت إلى بلورة خيار استراتيجي يهدف إلى
إقامة نظام الحزب الوحيد. ومما زاد في تأكيد ذلك هو قيامه بإدماج حزب
الإصلاح الذي كان يعمل في المنطقة الخليفية. وابتُلِي حزبكم أشد الابتلاء
إذ كان المراد تصفيته وإقصاءه؟ـ عندما خرجنا من الحكومة الأولى أصبح حزبنا يشكل المعارضة السياسية
المنظَّمة. وكانت معارضتنا شَرِسة شراسة القمع والملاحقات التي كانت تنزل
بنا. كنا نهاجم الحكومة بعنف وندينها بما حل بنا من نكبات بسقوط ضحايانا
واختطاف مناضلين من صفوفنا واعتقالهم في دار بريشة في تطوان وتصفيتهم
جسديا، وجلدهم وتعذيبهم في دهاليز الأمن الوطني. وكانت المعارضة الشعبية
والصحافة هي سلاحنا الوحيد.لكن لم تلبث صحفنا في هذه الفترة أن مُنعت من الصدور بقرار من الحكومة.
وداهمتنا الشرطة ونحن في إدارة صحيفة «الرأي العام» بالعربية وصحيفة
«الديمقراطية» بالفرنسية بشارع دانطون بالدار البيضاء وكان على رأسنا محمد
بن الحسن الوزاني الرجل الذي كان ثاني اثنين أسَّسا الحركة الوطنية ونُفيا
تسع سنوات. ودخلت قوات الشرطة والقوات المساعدة التابعة لوزارة الداخلية
إلى مكاتب صحافة الحزب فأخرجتنا بالقوة جميعا ومن بيننا الوزاني وأحمد بن
سودة مدير جريدة «الرأي العام» وهيأة تحرير الجريدة وأيادينا مرفوعة.
ووراء ظهورنا رشاشات مصوَّبة من القوات المساعدة إلى ظهورنا. وبعد ذلك
تظاهرت جمعية النساء المنتمية لحزبنا «أخوات الصفا» وكانت بينهن زوجاتنا
فتم اعتقالهن. ولم يكتفوا بذلك بل كتبوا على صفحة كاملة من جرائدهم بعنوان
«المانشيط» الكبير: «أنتم لستم أهلا للحرية». وجاء في المقال أن الحرية لا
تُعطَى إلا لمن يستحقها، وأن الحرية ليست لها قيمة مطلقة، وأن من يستحق
الحرية هو الذي ينضبط بالمسؤولية، ومن لا يستحق الحرية يجب أن ينال عقابه
وجزاءه ويُجرد منها. ولم يقدمونا إلى القضاء وإنما اتخذوا ضدنا إجراءات
إدارية وزجرية لو وقعت اليوم لاعتُبِرت خرقا فادحا وسافرا لجميع مقتضيات
حقوق الإنسان والشرعية القانونية. ولم نكن وحدنا في حزب الشورى والاستقلال
الضحايا وإن كانت إصاباتنا الأشد إيلاما. فمعارضون آخرون سُجنوا كالدكتور
الخطيب والمحجوبي أحرضان وعبد الله الوكوتي من الحركة الشعبية وغيرهم.

_________________
الخفافيش تخاف نور الشمس !!
****************
لا يجب أن تقول كل ما تعرف ولكن يجب أن تعرف كل ما تقول

بديعة
مشرف (ة)
مشرف (ة)

انثى عدد الرسائل : 6075
العمر : 30
Localisation : الدارالبيضاء
Emploi : موظفة
تاريخ التسجيل : 03/04/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

4- ثورة الريف لم تقم للإطاحة بالملكية في المغرب وأبرئ عبد الكريم الخطابي من الضلوع فيها

مُساهمة من طرف بديعة في الجمعة 9 أكتوبر 2009 - 15:34

يواصل عبد الهادي بوطالب السياسي المغربي المخضرم في هذه الحلقة من حوارات
«نصف قرن تحت مجهر السياسة» الحديث عن ذكرياته بشأن احداث ساخنة عاشها
المغرب في نهاية الخمسينات.ويتناول بوطالب تمرد عدي وبيهي محافظ اقليم (محافظة) قصر السوق (الراشيدية
حاليا) الظروف التي قام فيها التمرد، ودور الحسن اليوسي وزير الداخلية
آنذاك.وفي هذه الحلقة ايضا يتحدث بوطالب عن اسباب قيام احداث منطقة الريف ودور
محمد بن عبد الكريم الخطابي فيها، وتأسيس الحركة الشعبية بزعامتي المحجوب
احرضان والدكتور عبد الكريم الخطيب بالاضافة الى الظروف التي شكلت فيها
حكومة عبد الله ابراهيم.






















* في 4 مايو (ايار) 1956 شرع حزب الاستقلال في ضرب حزبكم، واختفى آنذاك 17 شخصا من الدعاة الشوريين. فكيف واجهتم هذه المحنة؟ـ ابتدأت هذه المحنة ونحن داخل الحكومة الوطنية الأولى. وأذكر أن عبد
القادر بن جلون استعجلني هاتفيا من بيته ذات ليلة في شهر رمضان للحضور
عنده لأمر هام. ووجدت عنده شخصا بسيطا في هندامه من عامة الشعب وربما كان
أُمِّـيا على ما كان يبدو من حديثه اسمه إدريس الشرقاوي وأطلعنا على ورقة
تعريفه. كان يسكن مدينة سلا وكان يحمل مسدسا قال إنه سلمه إليه أحد خصومنا
السياسيين الذي أمره أن يترصدنا نحن الاثنين لقتلنا (وسماه باسمه ولا أود
أن أعلن عنه) وأخذ يبكي قائلا إنه لا يسمح له ضميره باغتيال الوطنيين،
وأنه فضل أن يعصي الأمر ويخبرنا بالحقيقة، وأنه مهدد بالموت في نفس الليلة
إذا لم ينفذ الأمر بقتلنا. وخرج من بيت بن جلون في ساعة متأخرة من تلك
الليلة. وما أن وصل إلى قنطرة سلا حتى أطلق عليه مجهول الرصاص وأرداه
قتيلا.أما عن جلد أنصارنا بدهاليز الشرطة في عهد المدير العام للأمن الوطني محمد
الغزاوي فقد عرف عدد من أعضاء حزبنا «ضيافات» خاصة في الدائرة السابعة
للأمن بالدار البيضاء. وكان على رأس الأمن الإقليمي بالمدينة إدريس
السلاوي الذي سيصبح فيما بعد وزيرا ومستشارا (زميلا لي) للملك الحسن
الثاني. وأذكر أننا كنا ما نزال في الحكومة عندما كانت تبلغنا أنباء عن
المعاملة القاسية التي كان يعامل بها السلاوي بعض أعضاء حزبنا في الدائرة
السابعة للشرطة، حيث كان يقال إنه كان يشرف على عمليات تعذيب الشرطـة
لأنصارنا بهذه الدائرة، وأننا حضرنا يوم الجمعة إلى مشور القصر الملكي
لمرافقة الملك محمد الخامـس إلى الصلاة. وبينما نحن ننتظر خروج الملك من
القصـر مَـرَّ محمد الغـزاوي وإدريـس السـلاوي عـلى الـوزراء لتـحيتهم ـ
وكنا وقفنا صفا واحدا ـ لكن أحمد بن سودة وزير الشبيبة والرياضة صرخ في
وجه السلاوي الذي مد يده لمصافحته وسمعه الوزراء الحاضرون: «لا تصافحُ يدي
يدَك التي جلدت الوطنيين الابرياء». وكانت تلك طبيعة بن سودة الذي لا
ينافق ولا يداهن ويتصرف بكل شجاعة. وعندما تزاملنا مستشارِين للملك الحسن
الثاني ارتبطنا (أنا وبن سودة) بعلاقة مودة مع زميلنا إدريس السلاوي
ونسينا ما كان بيننا وبينه من جفاء «فلا يحمل الحقدَ من تعلو به الرُّتَب».






















* ألم تلتجئوا إلى الملك محمد الخامس ليحميكم من المضايقات التي حلت بكم في عهد حكومة حزب الاستقلال المنسجمة؟ـ في سنة 1957 وبعد أن بلغت الأحداث أشدها وخاصة أثناء حوادث الريف
واعتقال عدّي اوبيهي عامل (محافظ) اقليم (محافظة) قصر السوق (الراشدية
حاليا) وآخرين ذهبا في وفد من حزب الشورى والاستقلال إلى محمد الخامس
لنوضح له حقائق الأحداث وقدمنا له عنها مذكرة تفصيلية.وأتذكر هنا أنه كان يوجد ضمن الوفد أحمد بن سودة الذي ظل في البداية صامتا
لأن محمد بن الحسن الوزاني هو الذي تولى شرح الوضع للملك. ومن عادة بن
سودة أنه إذا تحدث رفع الصوت. وهو خطيب مفوَّه إذا تحدث في الجماهير خطب
وانفعل وأثّر. وتألم الملك محمد الخامس لذلك قائلا له: «اسكت يا سي بن
سودة، ما لك ترفع الصوت في مجلسي؟» ورغم ذلك استمر بن سودة في الكلام
مُفصِّلا ما كانت العصابات تقوم به من تصرفات. فقال له الملك: «اسكت إنهم
يسمعونك» في إشارة منه إلى المرحوم أحمد بناني الذي كان على رأس إدارة
التشريفات والأوسمة الملكية والذي كان قريبا من مجلس الملك بحيث كان يسمع
كلام بن سودة وكان بناني ينتمي إلى حزب الاستقلال. فكان رد بن سودة:
«فليسمعني أي كان منهم فأنا لا أبالي. وأنا أجهر بالحقيقة أمام جلالتكم».
فأخذ الملك سماعة الهاتف وضغط على أزرار ثلاثة أرقام، أو ما يسمى بالخط
الهاتفي الوزاري، وتحدث مع ولي العهد الذي كان موجودا آنذاك في القيادة
العليا للقوات المسلحة الملكية. وقال له: «يوجد عندي الآن السادة الشوريون
وهم قلِقون. وسيأتون إليك فاستقبلهم واستمع إليهم». وذهبنا إليه وتكلمنا
معه بكل صراحة وبتفاصيل عن الأحداث.






















* وماذا كانت نتيجة لقائكم بولي العهد؟ـ قال ولي العهد لنا: «أنا على علم بما يجري. وأعلم أسباب ما يجري. ونحن
نتعامل مع هذا الوضع بكل حزم ولكن أيضا بكل حذر، لأننا لا نريد أن تقوم
فتنة في البلاد». وأضاف: «وإذا كنتم قد أُصبتم بما أُصِبتم به فإنني أقول
لكم بكل صراحة لكم خياران لا ثالث لهما. إما أن تصبروا وتقاوموا وقد
تضيعون في هذه المعركة وتجنون منها من الخسائر ما لا يمكنكم أن تتصوروه.
أما إذا عـزّ عليكم أن تصبروا فاخرجوا خارج البلاد واذهبوا إلى حيث
تشاءون، وانتظروا إلى أن تتغير الأوضاع إلى ما هو أحسن». هكذا قال لنا
الأمير مولاي الحسن بكل برودة. ولما خرجنا من عنده حلَّلنا كلامه
وقيّمناه. وأذكر هنا وبكل صراحة أننا في المكتب السياسي للحزب أخذنا كلام
ولي العهد بكل حذر، لأنه كان يقال عنه إن له انتماء إلى حزب الاستقلال.
وخامر الشك بعضنا في أنه قد يكون أراد أن ينحينا عن ميدان المعركة بالداخل
عندما وضع علينا التفكير في خيار مغادرة المغرب. وقررنا ألا نخرج وأن
نصمت. وتبين فيما بعد أنه كان صادقا معنا، لأن القصر الملكي أخذ بزمام
الأمور فيما بعد.ولوضع مبادرتنا إلى التوجه إلى الملك للتشكي في سياقها التاريخي أود أن
أقول إن هذا الاستقبال تم بعد 24 ساعة من اعتقال العامل (المحافظ) عدي
أوبيهي الأمر الذي جعل كلا من المحجوبي أحرضان والدكتور الخطيب والحسن
اليوسي وعددا كبير من الشخصيات الأمازيغية وغيرها يشعرون بأن السيل بلغ
الزُّبَى.






















وفي هذه الأثناء أيضا وقعت حوادث الريف، وهي لم تكن ثورة على الملك كما لم يكن كذلك تمرد البوادي، بل ثورة على نمط الحكم القائم.وقد تحدث إلينا مرة الملك الحسن الثاني في الحاشية الخاصة عن حكومة
الانسجام التي ثارت عليها فصائل معارضيها على اختلاف انتماءاتهم فقال: «إن
الحاج أحمد بلافريج رئيس الحكومة ذهب عند الملك شاكيا من أن السلطة في
الأسفل لا تعين الحكومة في مهمتها، وأنها تشجع على الفوضى والتمرد على
الحكومة. وزاد قائلا: «نريد من جلالتكم أن تردوا للحكومة هَيْبتها» وكان
للملك محمد الخامس مقولات حكيمة ينطق بها فقال. «أنا أعطيتكم السلطة
كاملة، أما الهيبة فاطلبوها من الله فهو الذي يعطيها ولا أستطيع أن أعطيها
لكم».






















* أخذ حزب الشورى والاستقلال يجتاز أزمة داخلية في القيادة بعد هذه الأحداث فهل كان الأمر يتعلق بفقدان الانسجام بينكم؟ـ المشكلة التي كنا نواجهها هي ما كان يعانيه الحزب من جمود في القيادة،
خاصة الأمين العام الوزاني الذي كان لا يسير مع شباب الحزب على وتيرة
سيرهم. وكان يتردد في اتخاذ قراراته. وكم كانت اجتماعاتنا تمتد وتطول ولا
تنتج بمقدار ما كنا نصرفه من الوقت في النقاش.وأذكر هنا أنه أثناء اجتماع للمكتب السياسي للحزب ببيتي في الدار البيضاء
ـ حيث كنا مطالَبين بالبت في قضايا مستعجلة لم يكن الوزاني متفقا معنا على
مقاربة حلها ـ صارحتُه بأن الحزب محتاج إلى تغيير طرائق عمله، وذهبت إلى
أبعد فدخلت معه في مُشادَّة صاخبة وهددت بانسحابي من الحزب إذا ما استمرت
حركتنا بطيئة حيث أصبحت ألاحظ أن الحزب مصاب بالشلل.






















* تتحدثون عن مشادة صاخبة ولا تذكرون أسبابها. هل يمكنكم أن تحددوا أسباب هذه المشادة التي هددتم فيها بالانسحاب من الحزب؟ـ كنا دخلنا فترة أزمة ذاتية توزعنا فيها على شقين: شباب الحزب الطامح إلى
التغيير والقيام بوثبات لتحقيقه. وكان عبد القادر بن جلون من هذا الفريق
رغم فارق السن بينه وبين الشباب، وشق المحافظين الذين كان على رأسهم
الأمين العام للحزب الذي كان لا يساير في خطواته وتيرة سرعتنا. لكن النقطة
التي طفح معها الكأس وفجرت المشادة التي أشرت إليها هي مبادرتي أنا والأخ
بن سودة وعدد من أعضاء الحزب بتحويل جريدة «الرأي العام» لسان الحزب الذي
كان بن سودة مديرها من أسبوعية إلى يومية. وكانت هذه النقطة قد أثيرت من
لدنا في اجتماعات سابقة للمكتب السياسي للحزب. وكان الوزاني يستعظم هذه
الوثبة ويقول إن لإصدار جريدة يومية شروطا لا تتوفر لنا. وهي تتطلب إدارة
حازمة وخبرة بطبيعة الصحافة اليومية، وحضورا يوميا للمسؤولين عن إصدار
الجريدة، وفريق عمل متخصصا في إدارة اليوميات لا يوجد عندنا. وكان الوزاني
يقيم بفاس في بيته الخاص ولا يحضر إلى مركز الحزب بالدار البيضاء إلا عند
الاقتضاء. وكان يعتبر أن لا أحد منا في المكتب السياسي ممن كانوا يسكنون
الدار البيضاء يتوفر على المؤهلات التي يشترطها. ويرى نفسه المؤهَّل
الوحيد لإدارة جريدة يومية بحكم تخرجه من مدرسة العلوم السياسية بباريس
وتخصصه في الصحافة.لقد قررنا ـ بن سودة وأنا ـ أن نكسر طوق الجمود، وأعددنا كل ما يلزم
لإصدار الجريدة يوميا. ولما أعددنا العدد الأول للطبع اتصلنا بالوزاني
بفاس ليبعث لنا بافتتاحية العدد وأخبرناه بأن الجريدة ستصبح يومية فغضب
وامتنع عن المشاركة. لكننا أصدرنا أعدادا من الجريدة توليت كتابة
افتتاحياتها بإمضاء الرأي العام. فشد الوزاني الرحلة إلى الدار البيضاء
وانعقد اجتماع المكتب السياسي فحاكَمَنا الوزاني أمامه وأداننا باتخاذ
قرارنا منفردين، وحمل معه مجموعة أعداد الجريدة الصادرة وتصيَّد ما وقع
فيها من أخطاء مطبعية لا تسْلَم منها جريدة فوضع تحتها خطوطا باللون
الأحمر وأخذ يحاسبنا عليها. وطغى في تأويل توجهات بعض المقالات فثرت على
ما صدر منه وعبت عليه أن يفضل أسلوب الانتقاد لعملنا على تشجيعنا والتنويه
بما فعلناه. وهنا هددت بالانسحاب من الحزب إذا لم تتغير أساليب عمله وكان
الاجتماع في بيتي فلم أملك أن أنسحب منه محتجا.






















* أفهم من كلامك أن مشاكل حزب الشورى والاستقلال لم يكن وراءها فقط حزب الاستقلال بل عوامل داخلية أيضا؟ـ هو كذلك. كنا نشكو من مضاعفات القمع الذي كان ينزل بقاعدة الحزب ومن خطر
تهديدنا في أرواحنا كما كنا نشكو من قيادة غير منسجمة. وكنت واحدا من
المجموعة التي كانت تتطلع إلى أن تتوفر للحزب هيكلة جديدة تتلاءم ومقتضيات
المرحلة المؤلمة التي كنا نجتازها.وأذكر أن عبد القادر بن جلون الذي كان يشغل منصب نائب الأمين العام للحزب،
وبعد أن حضر المشادة التي ألححتم عليَّ للكشف عن أسبابها عرض عليَّ أن
نعمل معا لتغيير قيادة الحزب قائلا: «أعلم أنني لا يمكن أن أكون الأمين
العام للحزب لأن القاعدة غير مستعدة لذلك. فما رأيك في تَسَلُّمِك قيادة
الحزب؟ فقد استطلعتُ رأي عدد من أطر الحزب ووجدت عندهم الاستعداد لقبولك
والعمل تحت قيادتك وأنا ألتزم أن أتعاون معك». فقلت له: «هذا ليس من
أخلاقي. ولا أستطيع بكل صراحة أن أفعل ذلك، لأن للوزاني حرمته عندي
ومكانته الوطنية ولا أود المس بهما. وعمَلٌ من هذا النوع هو انقلاب على
الشرعية التي لا نسعى لتقويضها بل فقط لإصلاحها». * بعد تكوين الحكومة الثانية التي لم يشارك فيها حزب الشورى والاستقلال،
بدأ حزب الاستقلال يُلوِّح بعد فترة قصيرة بورقة الاستقالة من الحكومة،
وبعث برسالة إلى الملك محمد الخامس حدد فيها موقفه من مبارك البكاي، اتهم
فيها هذا الأخير بالتعامل مع الحركة الشعبية والعمل على تحطيم وحدة
الحكومة. كيف نظرتم آنذاك إلى هذا الموقف الاستقلالي؟ـ حزب الاستقلال كان يؤمن أن أفضل الحكومات هي الحكومة المنسجمة التي
ينفرد فيها هو بالحكم. ولذلك كان يرغب في تشكيل حكومة منسجمة يريدها -كما
قال عنها- قوية قادرة على مواجهة الأزمات وحل المشاكل التي كانت تعاني
منها البلاد.* بعد رسالة حزب الاستقلال إلى محمد الخامس التي تحَفَّظ فيها على البكاي
قدم هذا الأخير استقالته. فهل كانت استقالة البكاي برغبة منه أم بطلب من
القصر؟ـ لم يكن للبكاي حزب يسنده. وحين أصبح الأمر مسألة معركة بين قوى حزبية
كان يعرف أنه لا يملك أن ينتصر فيها. وأعتقد أن البكاي أدرك أنه لو رأس
حكومة غالبيتها من حزب الاستقلال فسيكون رئيس حكومة لا وزراء له داخلها.
لذلك قد يكون استخلص النتائج لنفسه واستقال واتفق مع الملك على مغادرة
الحكومة.






















* في عام 1957 وقع تمرد عدي وبيهي محافظ (عامل) إقليم قصر السوق (الراشدية حاليا). ما هي حقيقة وأسباب هذا التمرد؟ـ عدي وبيهي كان ينتمي إلى النزعة القبلية والعالم القروي قبل كل شيء ولم
تكن له ثقافة. والتمرد الذي قام به على الحكومة أثار غضب حزب الاستقلال
عليه، زيادة على كونه لم يكن يسمح لأعضاء هذا الحزب بالقيام بأنشطة حزبية
في محافظته (عمالته) فعُزِل من منصبه وحُكِم عليه بالسجن ثم بالإعدام.
لكنه طوَّر حركة معارضته للحكومة وقفز منها إلى التورط في حركة تمرد غير
شرعية لم يَحْسُب لعواقبها حسابها مما لم يسع القصر الملكي معه سوى عزله
من منصبه واعتقاله وتقديمه للمحاكمة أمام القضاء.






















* ما حقيقة ما قيل من أن عدي وبيهي كانت لديه رغبة في إقامة جمهورية أمازيغية في المغرب؟ـ هذا غير صحيح. إن الملكية في المغرب لم تكن في وقت من الأوقات موضوع
نزاع أو خلاف بين المغاربة . كان المغاربة على اختلاف نزعاتهم يرون في
النظام الملكي رابطة توحيد المغرب ورمز الشرعية التاريخية. وازدادت
الملكية شعبية بعد ثورة الملك والشعب وعودة السلطان إلى عرشه حاملا
الاستقلال والحرية.وكان وبيهي معروفا بولائه للعرش وتعلقه بشخص الملك. وكان الأمر كذلك فيما
يخص البطل المجاهد عبد الكريم الخطابي حينما كان يكافح الاستعمار الفرنسي
والإسباني في منتصف العشرينيات من القرن الماضي. وكانت فرنسا تدُسُّ له
لدى السلطان مولاي يوسف وتقول إنه متمرد على العرش وثائر وطامع في إقامة
جمهورية . وكانت الإقامة العامة تنعته بـ«الروكي» أي المتمرد على شرعية
الملكية. والاتهام بـ«الروكية» والتمرد على السلطان والخروج عن طاعة «ولي
الأمر» معروف في التاريخ المغربي هي تهم تتجدد وتتنوع أشكالها بحسب حقب
التاريخ. فكل من كان يراد المس به كان يُتَّهَم بالروكية أو التمرد على
السلطان وإحداث الفتنة أو الإلحاد أو سب الدين.* بصرف النظر عن الاتفاق مع أفكار عدي وبيهي أو الاختلاف معها هل تعتقد أن
وبيهي كان شاعرا بما يفعله أم أنه كان مجرد صنيعة مدفوعة من جهات معينة؟ـ أنا لم أتعرف عليه قط، وإن كانت له اتصالات مع بعض قادة حزب الشورى
والاستقلال. أعتقد أنه كان يمثل التفكير القبلي المتحجر، ولم يتأقلم مع
عهد تنظيم الحكم وكانت له غريزة التعلق بالسلطة. وهي التي دفعته إلى
الجرأة على التمرد على الحكومة بأساليب مخالفة للقانون وغير مقبولة في
النظام العصري.وعندما كان يقال إن حزب الاستقلال يريد أن يستأثر بالحكم والسلطة ويكون
الولاة والوزراء منه وحده كان ذلك يثير لدى بعض رجال السلطة وخاصة رجال
القبائل حزازات أو مخاوف كانت تدفعهم إلى مناهضة الحكومة. وعدي وبيهي أبعد
في المعارضة إلى حد الخروج على القانون.






















* ما هو دور ولي العهد آنذاك في إخماد تمرد عدي وبيهي؟ـ قام ولي العهد بدوره بوصفه المكلف الدفاع الوطني والساهر على أمن البلاد
بانب والده، بمعنى أنه قام بما كانت تلقيه عليه المسؤولية من أعباء ببالغ
الحزم ومنتهى الصرامة. وبالفعل نجح في إخماد الاضطرابات. ولا أظن أنه كان
يؤمن بأنها ثورات ضد والده. بل كان يؤمن بـأنه لا يمكن أن يجتمع في سياق
واحد بين منطق مسؤولية الملك وبين منطق الثورة والإخلال بالاستقرار. وكان
وفيا لهذا المبدأ وواعيا بدوره فيه. كما أنه كان بحكم منصبه عدوا لكل
اضطراب وفوضى، ومؤمنا بأن الأسبقية يجب أن تُولىَ لاستتباب الأمن وتثبيت
الاستقرار. وبطبيعة الحال كان منطقيا أن يناهض من يدخلون في صراع مع
الحكومة التي تستمد شرعيتها من ثقة والده الملك.






















* وما مدى تأثير الحسن اليوسي على وبيهي للقيام بتمرده؟ـ اليوسي كان في أول الأمر متضامنا معه ورفَضَ المساسَ به وعزْلَه من
منصبه وإلقاء القبض عليه. وكان يشغل منصب وزير التاج وهما معا كانا
ينتميان إلى ثقافة واحدة. ولم يكن اليوسي ليقبل أن تُمَس الباديةُ في شخص
أحد ولاتها وقادتها. وكان يرى نفسه حليفا موضوعيا لقادة العالم القروي
التاريخيين ومن بينهم وبيهي. لكن اليوسي عندما لاحظ أن وبيهي تجاوز حدود
المعارضة تبرأ منه بعد أن اتصل به هو والشيخ محمد بن العربي العلوي وزير
التاج أيضا في مدينة ميدلت(الاطلس المتوسط).






















* في سنة 1959 حُكم بالإعدام على وبيهي. بيد أنه مات مسموما في زنزانته. فمن هي في نظرك الجهة التي كانت وراء قتله؟ـ بكل موضوعية لا أستطيع أن أرد على سؤالك. فأنا أجهل كل شيء عن ظروف
وفاته. على كل حال لقد عقَّدت وفاته الأمور. قد يكون الرجل مات موتا
طبيعيا إذ ربما لم يتحمل الإهانة التي تعرض لها. ومن أجل التعلق بالسلطة
مات الكثيرون من رجال السلطة عندما فقدوها بمجرد تنحيتهم عن السلطة فأحرى
إذا حُكم عليهم بالإعدام وكانوا ينتظرون الموت. وفي المغرب تتردد حكمة
معروفة تقول: «الكَلْمةُ روح». كانت هذه الحكمة تقال عن سلطة المخزن التي
كان يُطلَق عليها اسم الكَلْمة أي الكَلِمة، لأنه لا أحد كان يُعزَل أو
يُعيَّن في منصب بقرار مكتوب. كل شيء كان يتم بالكَلْمة: «اعزلوا هذا،
ضعوا في السجن هذا، صادروا أموال ذاك». فكان صاحب الكلمة هو صاحب السلطة.
فالسلطة والكلمة مترادفتان في لغة المخزن (الحكومة القديمة) وفي عهد سيادة
الأمية. وكان بعض رجال السلطة إذا فقدوا الكلمة فقدوا الحياة لسبب أو آخر.
* تشكلت الحكومة المنسجمة في مايو (ايار) 1957، واستمرت حتى 3 ديسمبر
(كانون الثاني) 1958. وضمت أغلبية الوزراء الاستقلاليين ووزيرين مستقلين
هما عبد المالك فرج وزير الصحة، والبشير بن العباس وزير الشغل. ما هي
خلفية الاكتفاء بوزيرين مستقلين فقط في الحكومة؟ـ عبد المالك فرج كان وزيرا للصحة في الحكومة الأولى التي شاركتُ فيها. ذو
ثقافة فرنسية، وله تصورات ثورية إلى حد ما. لكنه هو والبشير بن العباس
التعارجي كانا قريبين إلى حزب الاستقلال. وكان الحزب يعتبرهما من فصيلته
السياسية. في الحقيقة كانت الحكومة منسجمة بصرف النظر عن كون اثنين من
أعضائها لم يعلنا عن انتمائهما إلى حزب الاستقلال.* بعد تشكيل الحكومة المنسجمة كيف نظرتم في حزبكم إلى استجابة القصر
لمطالب حزب الاستقلال ؟ هل اعتبرتم ذلك «تكتيكا» من القصر أم عملا
استراتيجيا ستبرز نتائجه فيما بعدُ عكس ما كان يتوقعه حزب الاستقلال؟ـ نحن لم نفاجأ بنهاية المسلسل إلى حكومة منسجمة على رأسها الأمين العام
لحزب الاستقلال. كنا نعرف أن المسلسل ابتدأ منذ خروجنا من الحكومة الأولى،
وأن النهاية ستكون الحكومة المنسجمة. وربما عندما استقبلَنا الأمير ولي
العهد مولاي الحسن بوزارة الدفاع الوطني ـ كما ذكرتُ لك من قبل ـ وقال
لنا: «اخرجوا إلى الخارج إن شئتم أو انتظروا ....» كنا نفهم أن الأمور
تتجه إلى إرضاء حزب الاستقلال فيما يطالب به من الاستفراد بالحكم. لذلك لم
يكن إسناد رئاسة الحكومة إلى أحمد بلافريج مفاجأة لنا.بيد أن تشكيل الحكومة المنسجمة ألقى على حزب الاستقلال مسؤولية صعبة لأنه
دخل مرحلة اختبار لقدرته على تحمل الحكم وحده. وربما يكون القصر قد اضطر
إلى الاستجابة لمطلبه ليضعه في هذا الاختبار العسير. وكانت النتيجة أن
الأزمات اشتدت أكثر مما كانت عليه، وأن الحكومة واجهت الكثير من الصعوبات
والأزمات حتى إنه يقال إن محمد الخامس لم يكن راضيا عن أسلوب أدائها، وأنه
أطال المكث خارج البلاد احتجاجا على بعض التصرفات ولم يعد إلى المغرب إلا
بعدما ألحت عليه الحكومة للتعجيل بالعودة وبعثت إليه الوسطاء.* يقال إن القصر ربما ناور حينما عين بلافريج وزيرا أول. وقيل وقتذاك إن
بلافريج كان ولاؤه بالدرجة الأولى للقصر قبل ولائه للحزب. فما تعليقك؟ـ لست مطلعا على أسرار حزب الاستقلال. فهو الوحيد الذي يعلم أسراره وأهل
مكة أدرى بشعابها. بيد أني قرأت ما قلتَه فيما كُتِب عن تلك المرحلة وعن
أوضاع حزب الاستقلال فيها. ومع ذلك فما تزال المعلومات لم تتوفر لمن يريد
أن يقوم بتحليل نقدي وموضوعي للوقائع التي عرفتها المرحلة.وبالنسبة لكلمة «يناور» التي استعملتَها أنا لا أستعملها وبكل إنصاف
وموضوعية في حق الملك محمد الخامس. فهو لم يكن مناورا بما قد تفيده الكلمة
من تحايل ومكر، لكنه كان يحكم ويختار من أساليب الحكم ما يرسِّخ وحدة
المغرب حول العرش . وكل ما هناك أنه حصل فعلا ما كان يمكن أن يحصل. إذ
تبين أن انسجام الحكم ليس هو الحل الوحيد لمشاكل المغرب ولا العصا السحرية
لإخراجه من الأزمات. لذلك كان عمر الحكومة المنسجمة قصيرا، وتم النداء على
علال الفاسي أوَّلا لتشكيل حكومة لم تر النور، ثم على عبد الله إبراهيم
لتشكيل حكومة جديدة.بقي أن أضيف إلى أن تمحص الحاج أحمد بلافريج لخدمة القصر لم يتم في عهد
الملك محمد الخامس بل في عهد الملك الحسن الثاني وخاصة بعد أن تفاقمت
الفجوة بينه وبين علال الفاسي رئيس الحزب، تلك الفجوة التي تجلت في
انسحابه ـ وهو الأمين العام للحزب ـ من المؤتمر العام للحزب احتجاجا بعد
أن ألقى خطابه.* قبل تشكيل حكومة عبد الله إبراهيم اندلعت ثورة الريف. فهل كانت أحداث
الريف بوحي من محمد عبد الكريم الخطابي؟ وهل كانت موجهة ضد الحكم المركزي
الذي كان يجهل خصوصيات المنطقة فارتكب أخطاء إدارية؟ أم كانت الثورة موجهة
ضد حزب الاستقلال؟ وكيف عولجت أزمة الريف؟ـ لم تقم ثورة الريف للإطاحة بالملكية بالمغرب أو التمرد عليها. منطقة
الريف كانت مهمَّشة في عهد حكومات الاستقلال، زيادة على ارتكاب خطأ فَرْضِ
اللغة الفرنسية على منطقة الشمال وتنحية اللغة الإسبانية التي كانت
الثانية في المنطقة الخليفية(الشمالية) بعد العربية. كما لم يلتحق بعد
الاستقلال بالحكومة والسفارات والدوائر الحكومية مواطنون من هذه المنطقة.الحكومات المغربية المتوالية تصرفت كما لو كانت المنطقة الخليفية إنما
أُدمِجت في المنطقة السلطانية (الجنوبية) دون مراعاة لخصوصياتها. ومما لا
شك فيه أن هذه السياسة (أو اللاسياسة) طالت منطقة الريف أيضا وكان لسكانه
رد فعل عنيف إزاءها.حوادث الريف كانت احتجاجية لإسماع صوت الريف المهمَّش المنسِيّ . ولم يكن
الزعيم محمد عبد الكريم الخطابي ضالعا فيها لسبب وحيد هو أنه تولى قبل
أحداث الريف بنفسه تكذيب التهمة الموجهة إليه بأنه ثار على النظام الملكي
وذلك عندما استقبلني في سنة 1950 بمنزله بالقاهرة وأدلى إليَّ بحديث نشرته
في كتابي «ذكريات وشهادات ووجوه». وهو حديث احتفظتُ به لأنه لم تكن لنا
عندما تلقيته منه صحف لنشره. قال فيه: «إن منطقة الريف لم يكن لها مطلقا
أي نزوع للتمرد على سلطة السلطان. وأن الثورة التي قادها في منتصف
العشرينيات من القرن العشرين كانت للتحرر والانعتاق من سلطة الأجنبي.
والدليل على ذلك أنه حارب استعمارين كان من الممكن أن يستفيد من تأييد
أحدهما ضد الآخر. ولكنه حاربهما معا في آن واحد. ولم يكن له حقد على الملك
أو على الملكية بل قال إن الثورة كانت لتحرير المغرب من حمايتي فرنسا
وإسبانيا معا». لذلك فأنا أبرئ الخطابي من أن يكون ضالعا في حركة التمرد
التي وقعت في الريف أو مُحرِّضا عليها. ثم إن الخطابي وأعضاء أسرته زاروا
الملك محمدا الخامس بالقاهرة أثناء زيارته الرسمية لمصر قبل اندلاع أحداث
الريف وجددوا له البيعة ملكا على المغرب وارتبطوا معه بعهد وميثاق وماتوا
على الولاء للعرش والإخلاص للملك.* خلال نفس الفترة تم الإعلان عن تشكيل الحركة الشعبية بزعامتي المحجوبي
أحرضان وعبد الكريم الخطيب وتم منعها بقرار حكومي. وتلا ذلك اعتقال أحرضان
والخطيب في "أَجْدير في أكتوبر1958. كيف نظرتم آنذاك إلى تشكيل هذا الحزب
الجديد؟ـ كنا سعداء لأن التعددية الحزبية التي كنا نؤمن بها أصبحت أكثر من تعددية
ثنائية. لذلك رحبنا بالحركة الشعبية وتعاونا معها ضمن هيأة التنسيق
والتشاور التي جَمعَتْنا. وكانت تضم حزب الشورى والاستقلال والحركة
الشعبية وشخصيات مستقلة كان من بينها البكاي، وحضرها مرة أحمد رضا كديرة
نائبا عن الأحرار المستقلين. وقد عقدت هيأة التنسيق هذه اجتماعا لها مرة
ببيتي بالدار البيضاء في ظروف سياسية صعبة بالنسبة لنا جميعا. وكنا في هذه
الفترة نعاني الاضطهاد ومهدَّدين بمخاطر بما فيها اغتيالنا. وقد حضر إلى
هذا الاجتماع الحسن اليوسي وحمل لي معه صدريةً واقية من الرصاص أهداها لي
وكان يحمل مثلها فكنت أحملها طول فترة تهديدنا بالاغتيال.






















* بعد تشكيل الحكومة المنسجمة سرعان ما بدأت التناقضات الداخلية داخل حزب الاستقلال تبرز. هل لك أن تعطي لنا صورة عنها؟ـ سأقول لكم ما قد لا تصدقونه. عندما كنا نسمع عن أزمة التناقضات التي
فجرت حزب الاستقلال شقين كنا نحن في حزب الشورى والاستقلال نمر بأزمة
ذاتية شبيهة حدثتكم عن بعض مظاهرها من قبل . فكما كانت قيادات في حزب
الاستقلال تنتقد الزعامات التاريخية، كان لنا نفس التوجه في حزبنا. كنا لا
نريد أن يكون لزعيم حزبنا سلطة مطلقة على الحزب. وكنا نتقَزَّز من كلمة
«الزعيم» التي كنا نرى فيها مرادفا لكلمة «الفوهرير» الألمانية. وبالفعل
تجاوزنا نحن ـ قبل حزب الاستقلال عندما أسسنا حزب الشورى والاستقلال ـ
مرحلة تنصيب الزعيم على قمة الحزب. وحتى كلمة رئيس تجنبناها فأصبح لحزبنا
أمين عام له نائب. أما في حزب الاستقلال فقد استمرت لفترة غير قصيرة
ازدواجية وجود علال الفاسي كرئيس للحزب وأحمد بلافريج كأمين عام له.وكانت قد جرت بيننا وبين النزعة التي يمثلها عبد الرحيم بوعبيد والمهدي بن
بركة اتصالات ابتدأتها شخصيا بواسطة عبد الحي العراقي الذي كان يمثل حزب
الشورى والاستقلال في المجلس الاستشاري الذي كان يرأسه بن بركة. وكان بن
بركة يُسِرُّ إلى بعض محدثيه بما وصلت إليه الأمور داخل حزب الاستقلال،
ويعيب على قيادته الانفراد بسلطة القرار وتمجيد الزعماء وعدم قبول الأحزاب
الأخرى. آنذاك ابتدأت داخل حزب الاستقلال أزمة التناقضات التي بقيت سرا
ولم تطْفُ على السطح. وعندما كانت تبلغني أصداؤها كنت أقارنها بما كان
يجري داخل حزبنا وأجدها تؤلف قاسما مشتركا بيننا وبين الجماعة الاستقلالية
التي كانت تعمل للتغيير. وفعلا لم يكن أحد يتصور أن أبعث برسائل شفوية إلى
المهدي بن بركة أو يبعث لي رسائل بواسطة عبد الحي العراقي ونحن في جو
القطيعة. لقد كانت بيننا فجوة يصعب ردمها. إلا أننا كنا نحس أن شيئا ما في
طريقه إلى المخاض داخل حزب الاستقلال. وكنا أيضا نتطلع إلى مخاض آخر في
حزبنا قبل أن تلتقي جهودنا مع النزعة الجديدة في حزب الاستقلال على العمل
المشترك. وهذا ما سهل الأمر علينا.وأظن أن الذي زاد الشرخ تفاقما داخل حزب الاستقلال هو تولي فصيلة منه
برئاسة عبد الله إبراهيم مقاليد الحكومة مما أصبح معه الحزب يعارض نفسه.
ولا شك أن الملك محمدا الخامس كان على إطلاع على أزمة حزب الاستقلال، وأنه
أراد أن يحقق التناوب على الحكم بين فصيلتيه.






















* كيف وصل عبد الله إبراهيم إلى رئاسة الحكومة؟ وما هي ظروف تشكيلها؟ـ أظن أن عبد الله إبراهيم كان مرشحا من السيد المحجوب بن الصديق الأمين
العام للاتحاد المغربي للشغل (اتحاد عمالي) وكان بينهما تعاطف ما يزال
ممتدا إلى اليوم . وكان بن الصديق من الثائرين على الزعماء التقليديين
لحزب الاستقلال. وكان المطروح هو تشكيل حكومة استقلالية بديلة لكن بوجوه
أخرى غير الزعماء التقليديين أمثال بلافريج وبن عبد الجليل، ومحمد
اليزيدي، مع الاحتفاظ بزعيم آخر كان آنذاك من الشباب التقدميين هو عبد
الرحيم بوعبيد الذي عين نائبا لرئيس الحكومة ووزيرا للاقتصاد الوطني فقدم
الاتحاد المغربي للشغل اسم عبد الله إبراهيم لرئاسة الحكومة. وكان يرى فيه
صورة النقابي الملتـزِم أكثر مما يرى فيه صورة الحزبي التقليدي.






















* بالإضافة إلى دعم بن الصديق، كيف كان القصر الملكي ينظر إلى عبد الله إبراهيم وقتذاك؟ـ كان القصر الملكي ينظر إليه نظرة عطف. فالرجل هادئ الطبع يهمس أكثر مما
يرفع الصوت. وهو من السياسيين الذين كانوا يتميزون بسعة الأفق والقدرة على
حسن التعايش. ولم يكن متطرفا ولا يُعلَم عنه أنه تورط في أحداث أثناء
الأزمة التي قامت بين حزب الاستقلال من جهة، وحزب الشورى والاستقلال
والحركة الشعبية من جهة ثانية. لقد كان مسؤولا عن فرع حزب الاستقلال في
مراكش، وعُرِف بتعايشه مع جميع ممثلي الأحزاب الأخرى بأدب ولطف وبنوع من
التفاهم الذي يوحي بالاطمئنان إليه. وبالتالي كان اختياره على رأس الحكومة
اختيارا صائبا. ربما لم يكن له آنذاك معرفة جيدة بشؤون الاقتصاد، لكن
حكومته كانت معزَّزة بالسيد عبد الرحيم بوعبيد الذي ربما كان يرى نفسه
الأحق برئاسة الحكومة، ولكن عُوّض له عن ذلك بتوليه منصب نائب الرئيس،
ووزير المالية والاقتصاد، خاصة وقد أُدمِجت في وزارة الاقتصاد مجموعة
وزارات كانت مستقلة في الحكومات السابقة مما جعله يُمسِك بعصب الحكومة.






















* هل تعتقدون أن تعيين عبد الله إبراهيم رئيسا للحكومة كان يدخل ضمن استراتيجية القصر لإبراز تناقضات حزب الاستقلال ؟ـ القصر الملكي كانت له سياسته. وكان يعرف ما يريد. وما كان يصدر عنه لم
يكن اعتباطا، إلا أنني لا أميل إلى اعتبار تعيين عبد الله إبراهيم مناورة
للتفريق أو لتشتيت الصفوف داخل حزب الاستقلال. فصف حزب الاستقلال لم يكن
مرصوصا عندما نودي على عبد الله ابراهيم لرئاسة الحكومة.






















* الملاحظ أن حكومة عبد الله إبراهيم تم فيها لأول مرة تعيين عسكري وزيرا للبريد، هو الكومندان محمد المدبوح. فما هي خلفيات تعيينه؟ـ ربما كان تعيينه يتلاءم مع مقتضيات طبيعة المرحلة. إذ ظل المغرب في حالة
هيجان واضطراب لمدة. واختار الملك للتغلب عليها سياسة الحزم. فقد يكون
الملك قد قصد من تعيين عسكري كبير في الحكومة الإشارة إلى أن الحكومة
ستسلك سبيل الحزم للقضاء على الاضطرابات والفوضى. علما أن المدبوح ينتمي
إلى منطقة هيجان آنذاك، ووجوده في الحكومة يعني إنهاء عهد تهميش مناطق
الاضطراب.وينبغي أن نلاحظ أن الملك لم يُسَلِّم إلى نزعة عبد الله إبراهيم وعبد
الرحيم بوعبيد وحدها أمر الحكومة، إذ جاءت تضم عناصر محسوبة على القصر
الملكي كان من بينها زيادة على العسكري المذبوح كل من محمد عواد في وزارة
الدفاع الوطني، وإدريس المحمدي وزير الداخلية، ومحمد باحنيني وزير العدل
والكاتب العام (الامين العام) للحكومة، ووزراء آخرين لم يكن بعضهم منخرطا
في حزب الاستقلال وبعضهم الآخر كان جَمَّد نشاطه فيه.






















* هل لكم أن تقولوا لي ما لحكومة عبد الله إبراهيم وما عليها؟ـ لم أشارك في حكومة عبد الله إبراهيم ولا أعرف عنها إلا ما أعلنته هي
نفسها عن نشاطها. وقد كنت في عهدها في صميم العمل السياسي الوطني بطبيعة
الحال. وكان لي اتصال غير مباشر (أو من بعيد) مع النزعة التي أصبحت تُعرَف
بالجناح اليساري لحزب الاستقلال وكانت تريد إدخال التغيير على هيكلة
وتوجهات حزب الاستقلال والتي عُرفت بعد هذا بحركة (أو انتفاضة) 25 يناير
(كانون الثاني) 1959. وكنت أعلم عن الحكومة أنها مطمئنة إلى سند الملك،
وأنه راض عن تصرفاتها وسلوكها. ومع ذلك فهذه الحكومة لم يكن لها سند قوي.
فحزب الاستقلال كان يعارضها، والأحزاب الأخرى كانت تعتبرها مجرد طبعة
مكررة أو منقحة للحكومة المنسجمة. وقد انتهت مهمتها عندما طلب الملك محمد
الخامس من عبد الله إبراهيم أن يستقيل.






















* وما هي إيجابيات حكومة عبد الله إبراهيم؟ـ إيجابياتها أنها حاولت أن تتصالح مع الشعب. فهي لم تأخذ الحكم من منطلق
أنها القوة السياسية الوحيدة التي يجب أن تأخذ السلطة وتستأثر بها. وكان
ذلك تحولا كبيرا. وهي قبلت أن تشارك في الحكومة مع عناصر غير منتمية ولم
تعارض في تعيينها على رأس وزارات حيوية وحساسة لم يُطلَق عليها آنذاك اسم
وزارات السيادة ولكنها اعتُبِرت كذلك. وفي الوقت نفسه أخذت الحكومة تتصل
بالقوات السياسية التي كانت تناوئ حزب الاستقلال وتعمل لاكتساب تأييدها.
وأكبر ما ميز حكومة عبد الله إبراهيم الذي كان أيضا وزير الخارجية
انفتاحها على أفريقيا والجامعة العربية وحركة عدم الانحياز، وتدابيرها
الاقتصادية الشجاعة التي كانت ترمي إلى تحرير الاقتصاد من التبعية
الفرنسية والتي كان عبد الرحيم بوعبيد منظِّرها ومطبِّقها.* في عهد حكومة عبد الله إبراهيم تم حظر الحزب الشيوعي. فما هي خلفيات هذا
الحظر؟ هل جاء من الحكومة أم من القصر خاصة أن الملك محمد الخامس كان
دائما يَحْذَر من العَلْمانيين؟






















ـ الحظر لا يمكن أن ينسب إلى الملك محمد الخامس وحده. فتدبير سياسي مثل هذا لا يصدر إلا باتفاق الملك ورئيس الحكومة.المعروف عن الحزب الشيوعي أنه حزب عَلْماني ورث بنياته من الحزب الشيوعي
الفرنسي وأطلق على نفسه اسم الحزب الشيوعي المغربي. وأظن أنه صدرت عنه
غداة حله مقالات كانت تحمل طابع المجازفة وتجاوزت الحدود فأدين بسببها
وعجلت بحله.

_________________
الخفافيش تخاف نور الشمس !!
****************
لا يجب أن تقول كل ما تعرف ولكن يجب أن تعرف كل ما تقول

بديعة
مشرف (ة)
مشرف (ة)

انثى عدد الرسائل : 6075
العمر : 30
Localisation : الدارالبيضاء
Emploi : موظفة
تاريخ التسجيل : 03/04/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

5-التقيت الرئيس عبد الناصر ولم يكن حاقدا على سورية وقال لي «ربما كان في الوحدة المستعجلة شيء من الارتجال»

مُساهمة من طرف بديعة في الجمعة 9 أكتوبر 2009 - 15:35

رفضت دمشق وساطة
السفيرالطريس لأنه كان حسب اعتقادها رجل عبد الناصر * عينني الحسن الثاني
سفيرا لدى سورية وقال لوزير خارجيته «ستكون العلاقة بيني وبين بوطالب
مباشرة، وجميع تقاريره سترد على الديوان الملكي» في هذه الحلقة من حوارات
«نصف قرن تحت مجهر السياسة» يحكي عبد الهادي بوطالب ظروف تعيينه سفيرا في
سورية. والوساطة التي قام بها بين مصر جمال عبد الناصر وسورية ناظم
القدسي، وطبيعة المطالب السورية والمصرية. كما يتناول ايضا معايشته
لانقلاب الجنرال عبد الكريم زهر الدين الذي اطاح بنظام القدسي. ويتحدث
بوطالب كذلك عن انتهاء مأموريته في سورية وتعيينه وزيرا للاعلام.






















* انتقلتم أنتم وعدد من أطر حزبكم إلى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وساهمتم في تأسيسه. فهل كان اختياركم واعيا ومسؤولا ومدروسا؟ـ عندما عقدنا المؤتمر التأسيسي للاتحاد الوطني يوم الأحد سادس سبتمبر
(ايلول) 1959 في قاعة سينما الكواكب بالدار البيضاء كان اختيارنا واعيا
ومدروسا. وقد كنا ثلاثة من حزب الشورى والاستقلال: أحمد بن سودة، والتهامي
الوزاني، وعبد الهادي بوطالب أعضاء في الأمانة العامة الجماعية للاتحاد.
وقد دخلنا في مرحلة تأسيس الاتحاد بعد أن جرت ـ بيننا وبين المنتفِضين في
حزب الاستقلال على زعامتهم ـ مفاوضات امتدت عدة أسابيع تمثلت في اجتماعات
بيني وبين بن بركة. وكنا نتبادل الرأي خلالها عن الخطوط الأساسية لبرنامج
الاتحاد. والتقينا على اعتماد النهج الديمقراطي وتطوير الملكية إلى ملكية
دستورية برلمانية عصرية، وعلى رفع وصايا الزعامات على الحركة الوطنية،
وتركيز سلطة الاتحاد في القواعد الشعبية، وعلى متابعة النضال لتحرير
المغرب من التبعية الاقتصادية وتحرير ترابه من القواعد العسكرية الأجنبية.
كما اتفقنا على أن لا يكون للاتحاد لا رئيس ولا زعيم ولا أمين عام. كنت
أنقل إلى المكتب السياسي لحزبنا تفاصيل جلسات العمل التي كنت أعقدها مع بن
بركة. وخاصة كنت أُطلِع الأمين العام الوزاني ونائبه عبد القادربن جلون
على دقائق ما جرى بيني وبينه. وكان الأمر مفاجأة للجميع. إذ كان التطور
الذي طرأ على شركائنا في الاتحاد المقبل يثير الانتباه ويدعو إلى مصافحة
اليد التي امتدت إلينا.لكن بعض أعضاء المكتب السياسي تحفظ وتساءل: ألا يكون المهدي إنما أراد أن
يستميلنا إليه بإبداء اتفاقه معي على البرنامج الذي كان برنامجنا؟ وتساءل
هؤلاء أية ضمانات يقدمها المهدي لوفائه هو ورفاقه لهذا البرنامج؟ ولم يكن
سهلا أن يمحو جميع أعضاء المكتب السياسي من الذاكرة خلافنا مع حزب
الاستقلال الذي امتد ربع قرن.ورغم ذلك استمرت لقاءاتي بالمهدي وتقدمنا في ضبط هيكلة الاتحاد وإجراءات
تنظيماته. فالاتحاد سيتألف من بن بركة ورفاقه الذين انتفضوا على الزعامة
التقليدية لحزبهم، ومن حزب الشورى والاستقلال، ومن حركة المقاومة وجيش
التحرير، والاتحاد المغربي للشغل. كما اتفقنا على أن تكون قيادة الاتحاد
جماعية تتمثل فيها الفصائل الأربع المذكورة وتحمل اسم «هيئة الأمانة
العامة للاتحاد». وكانت تضم أحد عشر عضوا أو أمينا عاما وهم المهدي بن
بركة، وعبد الرحمن اليوسفي، وعبد الهادي بوطالب، وأحمد بن سودة، والتهامي
الوزاني، والفقيه محمد البصري، وحسن صفي الدين، والمحجوب بن الصديق،
ونائبه الطيب بوعزة.






















* وكيف تابعتم حواركم مع أعضاء المكتب السياسي في موضوع مشاركتكم في الاتحاد الوطني؟ـ بعد أن اقترحتُ على المكتب السياسي لحزب الشورى إرجاء البت في اقتراح بن
بركة إلى حين تأسيس الاتحاد قاطع محمد بن الحسن الوزاني الاجتماع. واعتبر
ـ كما أوحى إليه بذلك أحد الشخصيتين المعتَرض عليهما- أن قبوله اقتراح
المهدي ودخوله في الاتحاد الوطني كأحد الأمناء العامين الأحد عشر هزيمة
لحزبه وتقويض لمجده كزعيم وطني تاريخي وكمؤسس للحركة الوطنية. وتأثر
الوزاني بذلك وجاء في اجتماع آخر ليبلغنا رفض الحزب المشاركة في تأسيس هذا
الاتحاد.وطلب مني ومن التهامي الوزاني وأحمد بن سودة أن نكف عن الاتصال بالآخرين
وإلا فإنه سيعلن طردنا من الحزب. وكان جوابي بنفس الحدة: «إن المفاوضات
تمضي إلى غايتها دون أن يقع بيننا وبين من نفاوضهم خلاف على الأسس
والمبادئ والبرامج، فإذا كنتم (السيد الأمين العام) تتشبثون بهذا الموقف
بسبب وقوع خلاف على ترشيح شخصين فأنا أخبركم أنني سأتابع هذه المفاوضات
باسمنا الخاص وبأننا لن نُقبِر المشروع الذي نؤمن جميعا بصلاحيته.ولما انصرف الوزاني أصدر بيانا أعلن فيه طردنا ـ نحن الثلاثة ـ من حزب
الشورى والاستقلال. وعندما عقدنا الجمع التأسيسي للاتحاد الوطني في سينما
الكواكب بالدار البيضاء تناولت الكلمة دون أن أشير إلى أننا دخلنا الاتحاد
باسم حزب الشورى والاستقلال، أو أننا نمثله في الاتحاد.أذكر أنني خرجت رفقة بن بركة في رحلة استمرت 17 يوما عبر المغرب من أقصاه
إلى أدناه على متن سيارة المهدي من نوع «جاغوار» كان يقودها سائقه لضم
فروع حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال عبر المغرب، أي القواعد التي
كانت ترغب في الالتحاق بالاتحاد الوطني للقوات الشعبية. وأذكر أننا عبرنا
المغرب من وجدة والناظور ومنطقة الشمال والريف إلى مراكش وطرفاية والمناطق
المحررة كما كنا نتلقى انخراطات فروع حزب الاستقلال الراغبة في الانضمام
إلى الاتحاد وانخراطات أعضاء حزب الشورى والاستقلال. وكنا نؤلف بين أعضاء
الحزبين ليعملوا في خلية واحدة. وقد وضع أحمد بن سودة جريدة «الرأي العام»
(وهو مديرها وكانت تنطق باسم حزب الشورى والاستقلال) في خدمة الاتحاد
الوطني وأصبحت ناطقة باسمه بعد أن مُنعت جريدة التحرير.






















* ومتى انسحبتم منه؟ـ بعد أشهر من تأسيسه وقبل أن تمضي عليه سنة. وبعد سقوط حكومة عبد الله
إبراهيم سافر بن بركة في رحلة خارج المغرب وتركَنا نفهم أنها قد تطول وكان
الأمر كذلك.وأذكر أنه بعد مرور أسبوع على سقوط الحكومة جاء عبد الرحيم بوعبيد إلى
الدار البيضاء وطلبت منه أن أجتمع به مع الفقيه البصري. وتم الاجتماع في
منزل الفقيه البصري بصحبة رفيقي أحمد بن سودة وصارحناهما بالقول:«إننا نلاحظ بأسف ومرارة أن أوراق اللعبة بين أيدينا لم تنسجم، وفصائلنا
لم تلتحم في صف مرصوص. ونلاحظ أننا نعمل في جو من التكتم مما يوحي بأن
العلاقة بيننا لا يطبعها الصفاء والتعاون الصادق. وأن قواعد حزب الشورى
والاستقلال تشتكي من فقد الانسجام بينها وبين بقية قواعد الاتحاد. ولذلك
قررنا مغادرة الاتحاد». وأضفت قائلا: «أنا قررت هذا بالنسبة لشخصي.
وأعدكما أنني سأعتزل النشاط الحزبي ولن أعود إلى حزبي القديم، ولن أؤسس
حزبا جديدا، ولن أشرح عبر الإعلام مجريات الأمور والدواعي التي سببت هذه
الاستقالة، ولن أطلب من القواعد الشعبية التي جاءت إلى الاتحاد من حزب
الشورى أن تنسحب من الاتحاد».فقال لي عبد الرحيم بوعبيد بحضور الفقيه البصري متحدثا باللغة الفرنسية:
«أرجوك ألا تتخذ هذا القرار بسرعة. أرجو أن نواصل العمل معا لقطع خطوات
جديدة على الطريق. فنحن ما نزال في أمسِّ الحاجة إلى تعاوننا المشترك».
وعندما شرحت له خلفيات قراري، أي الأسباب الموضوعية التي أشرت إلى بعضها
قبلُ علق قائلا: «لا أستغرب أن يصدر هذا من المهدي». أي أن بوعبيد أنحى
باللائمة على المهدي الغائب. وعلق الفقيه البصري متوددا ومتلطفا كعادته
قائلا: «إذا كان وقع خطأ غير مقصود فيجب أن نتسامح ونتلافاه. فالطريق ما
زال طويلا ويجب أن نعمل معا». فقلت له: «إني اتخذت قراري بعد تفكير طويل.
وأنا آسف لما وقع».وبعد إقالة حكومة عبد الله إبراهيم كان عبد الرحيم بوعبيد يقول إنه ذاهب
لعطلة استجمام وراحة في أوروبا ينكَبُّ فيها على قراءة بعض الكتب التي لم
يتأت له قراءتها في زحمة أشغال الحكومة. وزاد يقول: «مما لاشك فيه أنه
سينادَى علينا عما قريب لنعود حيث كنا (أي الحكومة)».وبدأ الملك محمد الخامس مشاورات لتشكيل الحكومة الجديدة برئاسته. ودعاني
للحضور إلى القصر الملكي (وكان شاع أنني انسحبت من الاتحاد الوطني) فوجدته
يستقبل الشخصيات المرشحة للمشاركة في الحكومة الجديدة، ثم يخرج كل واحد من
هذه الشخصيات ويدلي بتصريح للصحافيين قائلا: «استقبلني صاحب الجلالة وأسند
إلي وزارة كذا أو كذا». ولما جاء دوري استقبلني الملك وقال لي: «أرغب في
مشاركتك في الحكومة إذا وافقت. وسأعلن لك عن الوزارة التي سأسندها إليك»
فقلت له: «أرجوك يا جلالة الملك أن تتفهم أوضاعي. أنا كنت في قيادة
الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وتحملت مسؤوليتي فيه ولست نادما على ذلك.
وقد انسحبت من الاتحاد، ووعدت بعض قادته بكلمة شرف أني سأعتزل العمل
السياسي الحزبي». فرد عليّ في الحين وكأنه يبحث لي عن مخرج: «ما سأكلفك به
ليس عملا سياسيا حزبيا». فقلت له: «ومع ذلك يا جلالة الملك لا أريد
المشاركة في الحكومة في هذا الوقت حتى لا يقال إنني خرجت من الاتحاد
لأمَوِّل انسحابي بمقعد في الحكومة». فعلق جلالته مبديا أسفه قائلا: «لك
ما ترى».وخرجت من قاعة العرش وأدليت بالتصريح التالي للصحافيين: «استقبلني
جلالة الملك وعرض عليّ منصبا وزاريا في حكومته، فأخبرت جلالته أني رهن
إشارة جلالته خارج الحكومة لا داخلها». ونُشر التصريح في الصحف وفجر قنبلة
إعلامية إذ لم يسبق أن قال سياسي إن الملك عرض عليه منصبا وزاريا واعتذر
بالأسلوب الدبلوماسي اللبق الذي أجبته به.






















* أين كنتَ حينما أُعلِن يوم 27 فبراير 1960 عن وفاة محمد الخامس ؟ـ كنت في الدار البيضاء حيث أقطن، وبمجرد سماعي النبأ توجهت إلى القصر
الملكي لأقوم بواجبي في تقديم العزاء للأمير ولي العهد مولاي الحسن وأخيه
الأمير عبد الله والأسرة الملكية. واستقبلني ولي العهد وكان متأثرا لوفاة
والده ومدركا لحقيقة المسؤولية العظمى التي سيتقلدها.وعندما دُفن الملك الراحل توجهت للسلام عليه فاحتضنني وقال لي: «لقد فقدنا
أنا وأنت والدنا الكبير». فقلت له كلمات لائقة بالحدث ومُفعَمة بالتعزية
والحض على الصبر، وأضفت قائلا: «إذا كانت جلالتكم تحتاجني في أي مسعى أو
عمل أقوم به فلن أتأخر عن ذلك». وأنا قلت له ذلك من منطلق ما سبق أن قلته
لوالده الملك الراحل قبيل وفاته من أنني سأبقى رهن إشارة جلالته خارج
الحكومة لا داخلها. ولم يكن يفصل بين ما قلته ووفاة والده إلا فترة قصيرة.
كنت فيها مازلت مصمما على اعتزال العمل السياسي بصفة عامة والعمل الحكومي
خاصة. ولكن بدا بعدُ أن الملك الحسن الثاني فهم من كلامي استعدادي
للمشاركة في الحكومة وهو الذي كان يعرف أنني اعتذرت عن المشاركة في
الحكومة التي ترأسها والده ويعرف أسباب اعتذاري.وفي مساء نفس اليوم تلقيت مكالمة هاتفية من أحمد رضا كديرة صديق الملك
الحميم الذي كان مرشحا ليكون العضو الأيمن للملك الجديد. وقال لي: «أدعوك
لتناول الغداء معي غدا في مطعم الأوداية بالرباط وسأنقل لك رسالة من جلالة
الملك». ولما التقينا على الغداء قال لي: «قلتَ لجلالة الملك يوم دَفْن
المرحوم إنك على استعداد لأن تقدم خدماتك له إذا أراد. وعليه فإن جلالته
يريد أن يعينك وزيرا في حكومته التي سيشرع قريبا في تأليفها». فقلت له:
«ربما لم أدقق التعبير أثناء تقديمي التعازي لجلالة الملك وكنا نحن
الاثنين في حالة تأثر بالغ. فأنا لم أقصد بالمساعي التي يمكن أن أقدمها
لجلالته عملي في الحكومة، لأن الظروف التي من أجلها اعتذرت عن المشاركة في
حكومة والده لا تزال قائمة». وذكرت لكديرة أنني خرجت من الاتحاد الوطني
ولا أريد أن يُفهَم أو يُنسَب إلي أنني غيرت انتمائي إليه مقابل تعويض
بتوزيري في الحكومة. ولذلك «فأنا أرجو من جلالته أن يقبل عذري كما قبل
والده عذري من قبل. ولكن إذا رغب في أن أساعده في مجال آخر غير رسمي سأكون
سعيدا ويشرفني ذلك. أنا لا أتطلَّع إلى أية وظيفة علما أن جلالته يعلم
أنني ما كنت قط موظفا، ولم أنتم إلى سلك الوظيفة العمومية حتى عندما كنت
أستاذا في المعهد الملكي».أود أن أفتح هنا قوسين لأقول لك (إنني طيلة خمسين سنة أمضيتها متقلبا في
عدة مسؤوليات سواء عندما كنت أستاذا بالمعهد الملكي أو بالجامعة أو وزيرا
أو مستشارا إلى غير ذلك لم أكن أنتمي إلى أطر الوظيفة العمومية. وإني الآن
وأنا متحرر من كل المسؤوليات لا أتقاضى من الدولة المغربية أي تعويض عن
أعمالي السابقة. فليس لي راتب شهري ولا راتب تقاعدي لا كلي ولا جزئي. وإني
أعيش اليوم من موردي الخاص الذي وفره لي عملي الطويل في القطاع الخاص).
بعد هذا الاستطراد أعود إلى ما قلته لرضا كديرة : «أنا مازلت في حاجة إلى
مزيد من الاستراحة والتفكير. وأرجو أن لا تطول هذه الفترة الانتقالية التي
أراها ضرورية».وافترقت مع كديرة، إلا أنه اتصل بي هاتفيا في مساء نفس اليوم قائلا: «لقد
بلَّغت جلالة الملك تفاصيل ما حدَّثْتَني به ونقلت إليه بأمانة خطابك وقد
عرف جلالته ما تريد، وهو يشكرك على صراحتك».وتشكلت حكومة الحسن الثاني الأولى بدون مشاركتي فيها ودخلها معظم أقطاب
الحركة الوطنية، إذ شارك فيها علال الفاسي (وزير الدولة المكلف الشؤون
الإسلامية)، ومحمد بن الحسن الوزاني ( وزير الدولة بدون حقيبة)، والدكتور
عبد الكريم الخطيب ( وزير الدولة المكلف الشؤون الافريقية)، وأحمد رضا
كديرة، ومحمد رشيد ملين رئيس حزب الأحرار المستقلين.






















* كديرة عُيِّن وقتها وزيرا للداخلية والفلاحة؟ـ نعم، إلا أن الذي كان مفترَضا أن يكون وزير الداخلية هو إدريس المحمدي،
لكنه لما قَبِل المشاركة في الحكومة بدون أن يسأل عن أسماء الوزراء
المشاركين فيها ودخل إلى مجلس الملك الذي كان يضم أعضاء الحكومة سَرَح
فيهم بنظره من اليمين إلى اليسار وتوجه إلى الملك الحسن الثاني وقال له:
«هذه الوزارة يا مولاي مشكَّلة من تناقضات وستكون حركتها بطيئة ولن يكتب
لها الدوام». وطلب المحمدي من الملك أن يعفيه من المشاركة فيها.






















* حينما تولى الملك الحسن الثاني الحكم، ما هو التغيير الذي طرأ عليه ولفت نظرك؟ـ أعتقد أن التغيير الأول كان تشكيل حكومته التي ضمت تقريبا جميع زعماء
الحركة الوطنية. وكانت إشارة منه إلى أن مغرب الحسن الثاني لا يريد أن
يُقصي منه أحدا أو فصيلة من فصائله السياسية، وأن على الجميع أن يتعايش مع
هذا الوضع.وقد كان الحسن الثاني يدرك أن السلطة الأولى في البلاد هي سلطة الملكية،
ومارس دوره كملك إلى أقصى حد. وكان يريد أن يَعرِف شعبُه أنه جاء بالتغيير
وأن لا فراغ في سير الحكم، لأنه عندما توفي محمد الخامس تهامس البعض أن
المغرب دخل في عهد فراغ، بل قيل إنه وقع في متاهة لا مخرج لها، وأن ثقل
الملك الراحل لن يستطيع ولي العهد أن يعوضه. فكان عليه أن يعمل ليفرض
هيبته بالحب وبقدر ما يُنجِز من الأعمال لصالح شعبه. أراد أن يبرهن أنه
رجل الساعة القادر على تحمل المسؤوليات.لقد كان يريد أن يحكم البلاد ليس فقط لأنه ورث الحكم عن أبيه، بل كان يرغب
في أن يقيم الدليل على أنه أهل لهذا الحكم ومؤهَّل للتغلب على التحديات
وما كان أكثرها.






















* بعد مرور سنة على اعتلاء الملك الحسن الثاني الحكم، عينك سفيرا للمغرب لدى سورية. فلماذا قبلت هذا المنصب؟ـ بعد خروجي من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية كنت أجتر هاجسا يؤرقني، هو
أن لا يكون خروجي من الاتحاد نهاية لحياتي السياسية من جهة، كما لا يجب من
جهة ثانية أن يُفهم أنني خرجت من المعارضة لأتقلد منصبا وزاريا، وأنني
أتقلب تقلب الرياح مرة مع الحكم ومرة مع المعارضة.وكنت في حاجة إلى فترة استجمام سياسي. وهي فترة تميزت بالتفكير والتقييم.
كنت خلالها أطرح على نفسي أسئلة مثل: هل كل ما فعلته كان يجب أن أفعله؟
ألم أخطئ في بعض ما أقدمتُ عليه؟ هل تسرعتُ في الخروج من حزب الشورى
والاستقلال والمساهمة في تأسيس الاتحاد الوطني؟ وهل سيُنْظَر إلى تسرعي
وقبولي الدخول في الحكومة على أنه تهافت على الحكم وانبطاح من أجل مقعد
وزاري؟ وهل إن فعلتُ ذلك سوف لا أُصنَّف بين الانتهازيين وعَبَدة المناصب؟وأمام هذه التساؤلات وجدت لنفسي حلا مؤقتا ففرضت على نفسي فترة استجمام
وراحة دامت ما يقرب من سنة، حيث نادى عليّ الملك الحسن الثاني بعدها ليعهد
إليّ بمهمة أكثر من مهمة سفير لكن باسم سفير. وقال لي: «كنتَ تطلب ألا
يكون دخولك للعمل السياسي إلا بمقدمات وسميتَها فترة استجمام. والآن أنا
في حاجة إليك في مهمة دقيقة. تعلم أن الوحدة انفصمت بين سورية ومصر. وقد
ترك هذا الانفصام مخلفات تشكل نزاعا بين البلدين. وقد توجه كلٌّ منهما
إليَّ لأكون الوسيط بينهما. ولمّا كنتَ في حاجة إلى مدخل تعود به إلى
العمل السياسي هاأنذا أجد لك هذا المدخل: ستذهب إلى سورية لتقوم بالوساطة
بينها وبين مصر باسمي بوصفك سفيرا في دمشق». وزاد يقول: «لا أخفيك أنني
فكرت في أن أسند هذه المهمة إلى السيد عبد الخالق الطريس (كان آنذاك سفيرا
للمغرب لدى مصر) لكنني فوجئت بما لم أكن أتوقعه. فلا سورية قبلته ولا مصر
قبلته. مصر قالت إنها لا تريد أن يكون من يقوم بتسوية النزاع هو السفير
المعتمد لديها. وسورية قالت إنها لا يمكنها أن تطمئن إلى وساطة الطريس
«لأنه رجل عبد الناصر». وحينها فكرتُ فيك، فأنت تعرف المشرق العربي
وثقافتك السياسية الأولى هي ثقافة عربية. وكل ما يتعلق بالجامعة العربية
وأوضاع المشرق تعرفه حق المعرفة. وأنا أعرض عليك أن تكون بالنيابة عني
الوسيط الذي لا يُعلَن عنه، لأن هذه المهمة حساسة وبالغة الخطورة. وعليك
أن تقوم بها دون إعلان، ولكن من موقعك كسفير في دمشق ينتقل بين القاهرة
ودمشق لحل هذا الخلاف في أسرع وقت».والحقيقة أنني ارتحت لهذه الطريقة التي قدم بها الملك الحسن الثاني عرضه
لي. وزاد يقول: «فإذا قبلتَ فإنني سأبلغ وزير الخارجية بحضورك قرار تسميتك
سفيرا وأعطيك تعليماتي بحضوره».ونادى الملك الحسن الثاني على الحاج أحمد بلافريج وزير الخارجية في جلسة
أخرى كنت حاضرا فيها وحضرها أحمد رضا كديرة مدير الديوان الملكي. وقال له:
«لقد سميت الأستاذ عبد الهادي بوطالب سفيرا لي في سورية لكن لا علاقة له
بوزارة الخارجية، ستكون العلاقة بينه وبيني مباشرة للقيام بمهمة الوساطة.
وجميع تقاريره سَتَرِد رأسا على الديوان الملكي. ولا تنتظروا أن يخبركم
بما سيكون في شأنها». وقال بلافريج: «الأمر أمرك يا جلالة الملك». وفعلا
تسلمت أوراق الاعتماد من جلالة الملك في 12 فبراير (شباثلاث.196 وسافرت
بعد أسبوع إلى دمشق. وعجل الرئيس السوري ناظم القدسي باستقبالي في اليوم
الموالي حيث قدمت له أوراق اعتمادي. وبعد أن تبادلنا الخطب كما كانت عليه
العادة في سورية انفرد بي في جلسة خاصة ليقول لي: «هذه مطالبنا من مصر»
وكانت مطالب بسيطة. وأضاف قائلا: «نحن نعتمد عليك في أن ترجع المياه بيننا
وبين مصر إلى مجاريها وسورية حريصة على ذلك. ونأمل أن نجتاز هذه الخطوات
البسيطة التي بقيت على الطريق لندخل في عهد جديد. إننا لا نريد أن يطول
عهد الجفاء مع مصر، وأن لا يكون الانفصال قطيعة أبدية». وقال لي الرئيس
القدسي: «إن الوضع الحقيقي يكمن في أن مصر لا ترغب في أن تقيم علاقة
ديبلوماسية من جديد معنا. وأنتم تعلمون كيف وقع الانفصال». وكانت سورية
تشكو من الظروف التي سارت فيها الوحدة بينها وبين مصر وتحمِّل مصر مسؤولية
تعثرها. والمعروف أن المكلف الشؤون السورية أيام الوحدة مع مصر كان هو
المشير عبد الحكيم عامر وكان قليل الحضور في دمشق. وقد حكم سورية كما لو
كان هو حاكمها العسكري أو المندوب السامي. ووقع الانقلاب في سورية وانفصلت
عن الجمهورية العربية المتحدة وهو غائب. ووجدت مصر نفسها أمام الأمر
الواقع. وكان النظام المصري حاقدا على النظام السوري الجديد فرفض الاعتراف
به لأنه ـ حسب مصر ـ طعن الشرعية عندما أعلن من جانب واحد فسخ الوحدة
القائمة بين البلدين.






















* ما هي طبيعة المطالب المصرية ـ السورية؟ـ في ظل الوحدة التي قامت بين مصر وسورية في 22 فبراير 1958 وانتهت في 28
سبتمبر (ايلول) 1961 اندمجت شركات اقتصادية سورية في اقتصاد مصر وتم تأميم
شركات سورية خاصة. وكانت سورية ترغب في أن تأخذ مصر المبادرة لرفع
التدابير التي اتخذها نظام الوحدة وكل ما يتصل بالنظام الاشتراكي لتعود
سورية إلى الاقتصاد الحر. وكانت إذ ذاك دولة صناعية. وأشياء أخرى بسيطة تم
علاجها في ظرف شهرين، من بينها الإفراج عن الأرصدة السورية التي بقيت في
البنوك المصرية. وهذه القضايا انتهت بزيارات قمت بها بين القاهرة ودمشق
حيث قابلت في أولاها الرئيس جمال عبد الناصر ثم وزير خارجية مصر آنذاك
مرتين، وبعد ذلك تحول الأمر إلى لقاء سفراء في وزارة الخارجية المصرية
حضره ديبلوماسيون سوريون. لكن الغريب في الأمر هو أن الذي جعل دوري هذا
يفتضح ويُتهامَس به بين العموم في سورية هو أنني قدمت أوراق اعتمادي إلى
الرئيس ناظم القدسي في العشرين من فبراير وأقمت احتفال عيد العرش بالسفارة
يوم 3 مارس (آذار). ويوم الحفل حضر رئيس الجمهورية بنفسه إلى الحفل وجاء
معه الوزراء بدون استثناء. وكنت آخر سفير التحق بمهمته بدمشق وبالتالي
فأنا آخر السفراء ترتيبا في المراسم (البروتوكول) مما جعل الجميع يتساءلون
عن سبب تميز سفير المغرب بهذه الميزة المتمثلة في حضور رئيس الجمهورية
الذي لم يسبق له أن حضر في حفل استقبال سفراء بمناسبة أعياد بلدانهم
الوطنية كما حضر معه جميع أعضاء الحكومة، بينما جرت العادة في مثل هذه
الاحتفالات ألا يحضر لحفلات السفارة إلا بعض الوزراء.وبدأت الصحافة في البحث عن أسباب حضور الرئيس القدسي، وتسرب إليها أنني
أحمل أيضا وصف مفوض أو مبعوث الملك الحسن الثاني للوساطة بين دمشق
والقاهرة. طبعا لم يكن أحد يعرف طبيعة الأشياء التي كنت أتوسط فيها. ولم
أُدْل قط بأية تصريحات حول مهمتي غير المعلنَة، بل أحيانا سئلت من قبل بعض
الصحافيين عما إذا كنت ممثل الملك المغربي ووسيطه في النزاع فنفيت ذلك
وقلت: «إنني لست إلا سفير المغرب المعتمد لدى دمشق». وكان لي بسورية صديق
حميم هو الأخ أحمد عسة وكان مدير جريدة «الرأي العام» السورية وكنت أحيانا
أزوره بمكتبه بالجريدة اليومية في ساعة متأخرة من الليل لأشهد معه صدور
الجريدة ولأعرف منها آخر الأنباء. وكان هو أول من أسرَّ إليَّ أن
الإعلاميين يتحدثون همسا عن مهمتي المخفية، وأنه هو الذي أقنعهم بألا
يعلنوا عنها ليضمنوا لمهمتي النجاح. فكذبت هذه الأنباء حتى بالنسبة إليه.
(السيد أحمد عسة أصبح في ما بعد مغربيا ويعمل بالديوان الملكي بالرباط).زيادة على ذلك فإنه في يوم مغادرتي لسورية التي أمضيت فيها ستة أشهر
ورجوعي إلى المغرب وزيرا في حكومة الملك الحسن الثاني كان جميع أعضاء
الحكومة السورية في المطار لتوديعي بالإضافة إلى ممثل خاص عن الرئيس ناظم
القدسي الذي استقبلني يوما قبل سفري وقال لي: «لولا أنني ربما سأقوم بشيء
لا يُفهم لذهبت إلى المطار لتوديعك، ولكنني أعطيت التعليمات بأن يكون جميع
الوزراء حاضرين بالمطار في وداعك».






















* مهمتكم في سورية لم تطل كما ذكرتكم. فما هي أبرز الأحداث التي صادفت وجودكم في سورية ؟ـ حينما وصلت إلى دمشق لم تكن لنا بها سفارة. وكنت أول سفير معتمد لديها.
فقد كان رئيس بعثتنا الذي سبقني في رتبة قائم بالأعمال. وقمت باستئجار مقر
للسفارة في حي المهاجرين القريب من القصر الجمهوري. وأقمت قبل ذلك في فندق
سميراميس الذي كان يقطن فيه الوزراء الذين يأتون إلى العاصمة من خارج
دمشق، فكنت أسهر معهم وأصبحت بيني وبينهم صداقة ومودة. وألقيت أربع
محاضرات في النادي الديبلوماسي في ظرف خمسة أشهر. وكانت الصحافة السورية
تتابع نشاطاتي. وكنت أدلي بتصريحات عن القضية العربية وكانت هي همَّ
السوريين الأكبر.كنت أقوم في دمشق باتصالات واسعة وأستقبل السوريين بمختلف فصائلهم من
عسكريين ومدنيين، فمائدة السفارة المغربية كانت دائما مفتوحة للصحافيين
والوزراء وحتى رجال الزوايا ومشايخ الطرق. كانت لي صلة حميمية برئيس جمعية
العلماء الشيخ المكي الكتاني المغربي الذي هاجر من المغرب فارا من الحماية
الفرنسية وأقام بسورية. وكان يأتي خصيصا عندي لمقر السفارة مع أتباع
الزاوية الكتانية وجمهرة العلماء. كما استقبلت مرارا ميشيل عفلق ومعه
أنصاره من أعضاء حزب البعث. وكان لكل مقام حديث. ومن خلال تنوع اتصالاتي
كنت أعرف دقائق وخبايا ما يجري في سورية. ومن الأخبار التي وصلتني أن
انقلابا عسكريا سيقوم في الشهر الموالي ضد نظام الرئيس القدسي. فأرسلت هذا
الخبر وتفاصيله في برقية مشفرة (مرقومة) إلى الملك الحسن الثاني. ولم أخبر
الحكومة السورية بذلك رغم أنني فكرت في ذلك لكن فضلت أن لا أخوض في الشأن
الذي لا يعني السفراء. وبالفعل وقع الانقلاب يوم 28 مارس 1962 بقيادة
الجنرال عبد الكريم زهر الدين الذي سبق له أن حضر إلى حفل السفارة
المغربية بمناسبة عيد العرش في رفقة رئيس الجمهورية.وعندما دخلت المغرب بدعوة من الملك الحسن الثاني قضيت أسبوعا وعدت إلى
دمشق قال لي جلالته بعد حدوث هذا الانقلاب: «كنت أقرأ تقريرك عن الانقلاب
وتفاصيله وأنا جالس على مائدة الفطور. وعندما انتهيت من قراءته أذيعت
الأخبار عن انقلاب الجنرال عبد الكريم زهر الدين». والغريب في الأمر أنني
نمت ليلة الانقلاب بعد أن قضيت طرفا من الليل في صالون الفندق في دردشة مع
الوزراء المقيمين في الفندق قبل أن أذهب إلى غرفتي. وإذا بباب الغرفة
يُطرَق من مدير الفندق السيد عجمي الذي سلمني جهاز راديو صغير كان يبث
موسيقى عسكرية. وقال لي: «ربما وقع شيء لست أدري طبيعته». وانصرف المدير
وبعد خمس دقائق هاتفني من مكتبه بالفندق ليخبرني أنه سيصعد إليَّ من جديد
ليكلمني. وعندما فتحت له باب غرفتي وأنا مرتد لباس النوم سرحت بعيني في
ممر غرف الفندق في الطابق الذي كانت توجد فيه غرفتي فرأيت الوزراء الذين
سهرت معهم في صالون الفندق لابسين قمصانا فضفاضة أو «بيجامات» ووراء كل
واحد منهم جندي حاملا رشاشته ومصوِّبا إياها إلى ظهر الوزير. وقال لي
عجمي: «أردت فقط أن ترى هذا المنظر لتعرف كيف تحدث الانقلابات عندنا». ولم
يكن انقلاب الجنرال زهر الدين هو الأول في سورية بل سبقته انقلابات ابتدأت
في مارس 1949 بانقلاب حسني الزعيم. هكذا أدركت أن الخبر الذي وصلني عن
إعداد الانقلاب وبادرت بإخبار الملك الحسن الثاني به كان صحيحا.لم تنم لي عين بقية تلك الليلة. وفي السابعة صباحا رنَّ الهاتف في غرفتي
لأتلقى مكالمة من القيادة العسكرية العليا تخبرني: «أنني مدعو مع بقية
السفراء العرب للحضور للقيادة العسكرية لتبليغنا أمرا هاما».ولما وصلت إلى قيادة أركان الجيش السوري وجدت في قاعة الانتظار السفير
التونسي محمد بدرة وسفير السعودية السيد الحميدي عميد السلك الديبلوماسي
العربي، والتحق بنا سفير العراق، وسفير الأردن. كنا ستة أو سبعة سفراء
معتمَدين ولم تستدع القيادة العسكرية القائمين بالأعمال في بعض السفارات
العربية. وتحدث الجنرال زهر الدين إلينا عن أسباب الانقلاب، وكان قد أذاع
في الراديو في الصباح المبكر مُرافعة قضائية نطق بها بنفسه وأدان فيها عهد
الرئيس ناظم القدسي واتهم حكومته بالفساد وخروجها عن مقاصد الثورة العربية
السورية. وقال لنا الجنرال: «أريد أن أخبركم أننا قررنا تغيير نظام الحكم
القائم واستلَمْنا السلطة، وأن انقلابنا والحمد لله كان انقلابا أبيض ولم
تُرَقْ فيه قطرة دم».وأضاف قائلا: «إننا جمعناكم لنقول لكم إن كل شيء مر على ما يرام، وأننا
ممسكون بزمام السلطة، وأن الوزراء وعلى رأسهم رئيس الجمهورية يوجدون جميعا
رهن الاعتقال بسجن «المزَّة» بضواحي دمشق. ونطلب منكم أن تخبروا حكوماتكم
بهذا، وأن تطلبوا منها الاعتراف بالنظام الجديد».لم أتكلم في البداية. وأخذ الكلمة السفير العميد السعودي. وقال كلاما يتفق
مع الخطاب الديبلوماسي ويناسب المقام. واعتبر الانقلاب أمرا داخليا لا شأن
للدول العربية به. وأضاف مخاطبا الجنرال: «أنتم تعرفون أكثر مما نعرف». ثم
أخذ الكلمة السفير التونسي وقال: «في التقاليد الديبلوماسية المرعية أنه
عندما يقع انقلاب من هذا النوع فإن القائمين بالانقلاب لا يحتاجون إلى
اعتراف من الحكومات بشرعيتهم». وأضاف قائلا: «إن الحكومات التي لا تعترف
بكم ستسحب سفراءها. وإبقاء الحكومات على سفرائها يعد اعترافا بكم. وهذا
عرف معمول به في الديبلوماسية». وبعد السفير التونسي تناولت الكلمة (وكنت
ذلك الشاب الثوري الذي لا يستطيع أن يملك نفسه عندما يرى أن هناك ما يوجب
تدخله ولو بقسوة) فقلت للجنرال زهر الدين: «أنا هنا أتجرد من صفتي كسفير
للمغرب في دمشق، لأتقمص روح المواطن القومي العربي الذي تقول ديباجة
الدستور السوري إن الوطن العربي هو وطن عربي واحد. وسورية لا تعترف إلا
بالقومية العربية الواحدة والوطن العربي الواحد الذي لا تفصله الحدود».
وأردفت قائلا: «دعوني أتحدث إليكم من أعماق قلبي مواطنا سوريا ولو أنني
سفير مغربي لأقول لكم إن هذا الانقلاب غير شرعي. أقول ذلك باسم قوميتي
العربية. واسمحوا لي أن اقول إنه أصبح يضيرنا نحن المتحمسين للقضية
العربية، إضافة إلى معاناتنا من وجود خطر إسرائيل وضياع الحق العربي، أن
نسمع وأن نعيش مسلسل الانقلابات في سورية التي قلتم إن انقلاباتها بيضاء
تمتاز سورية بها عن بقية الدول العربية. ويا ليت واحدا من انقلاباتكم كان
أحمر حتى لا تبقوا ماضين في مسلسل الانقلابات البيضاء على هذه الوتيرة
السريعة المقلقة». وأضفت: «أعتقد أنني لو استأذنت حكومتي في أن أقول هذا
الكلام لاعتبرتني جاهلا بقواعد الديبلوماسية ولربما عجلت بعودتي لبلادي،
ولكني أخذت على نفسي بعد أن استمعت إليكم باهتمام كبير أن أقول هذا الكلام
من دون أن أستشير حكومتي. وهو كلام الحكمة والتعقل. وأرجو أن لا أكون فيه
مخطئا. ورجائي إليكم سيادة الجنرال أن تعيدوا الحكومة الشرعية إلى مكانها،
وأن يعود رئيس الجمهورية إلى رئاسة الجمهورية، ويعود الجيش إلى ثكناته.
فالمدني يجب أن يعمل كمدني، والعسكري يجب أن يقوم بواجبه العسكري. وحين
يحل العسكري محل المدني أو العكس، فلا الشؤون المدنية ولا الشؤون العسكرية
تأخذ سيرها الطبيعي». وأردفت قائلا: «أرجوكم باسم القومية العربية أن
تعيدوا الأمور إلى نصابها. وأن لا تؤاخذوني بالتجرؤ عليكم بما اعتبرته
واجبي كعربي أتحمل مسؤوليته بصفة شخصية لا غير».






















* وماذا قال الجنرال عبد الكريم زهر الدين ؟ـ لقد أُفحِم وبدا عليه الاضطراب. وقال: «أنا أقدر عواطفك. لكن لسورية
اعتباراتها. وقد كنا مضطرين للقيام بما قررته القيادة العسكرية بإجماع
أعضائها». ووصل خبر ما قلته إلى الوزراء وإلى الرئيس القدسي وهم في سجن
المزة. وبعد مرور شهر على وقوع الانقلاب عاد الجيش إلى ثكناته وأخرج ناظم
القدسي رئيس الجمهورية من المعتقَل، وعاد الرئيس والوزراء إلى ممارسة
مهماتهم. وأصبحت بالنسبة لهم السفير الذي لعب دورا كبيرا في العمل على
تغيير الأوضاع وزدت عندهم تقديرا واعتبارا ومحبة.وفي اليوم الموالي لرجوع الرئيس إلى رئاسة الجمهورية، استقبلني وأعطاني
رقم هاتفه الخاص في غرفة نومه. وقال: «بإمكانك أن تتصل بي نهارا أو ليلا
متى تشاء». هذه بإجمال قصتي مع انقلاب الجنرال عبد الكريم زهر الدين.
وخلال الفترة التي أقمت فيها في دمشق لم تصلني من وزارة الخارجية المغربية
سوى برقيتين: الأولى طلبت فيها مني أن أوافيها بأخبار السفارة وأنشطتها عن
طريق وكالة المغرب العربي للأنباء وليس عن طريق وكالات الأنباء الأجنبية.
أما البرقية الثانية فتقول:«عينك جلالة الملك وزيرا في حكومته، فودِّعْ
والتحقْ بالمغرب. تهانينا المخلصة».أما جميع التقارير التي كنت أرسلها من دمشق فكانت تذهب إلى رضا كديرة الذي
يقدمها لجلالة الملك ولا تطَّلع وزارة الخارجية على محتوياتها.






















* ماذا كان رد فعل الملك الحسن الثاني حين أخبرتَه بما قلتَه للجنرال عبد الكريم زهر الدين؟ـ كنت أزور المغرب بين الفينة والأخرى لأطلع الملك الحسن الثاني على تطور
مهمة الوساطة بين مصر وسورية وعلى عملي بالسفارة. وكان كثيرا ما يبعث لي
بالدعوة للمغرب حيث أقضي أياما قريباً منه ثم أعود إلى دمشق أو مصر. ولمست
مرارا أثناء لقاءاتي بجلالته أنه راض عن عملي في دمشق وعن سير مسلسل
الوساطة. وقال لي عندما جئت إلى المغرب بعد انفراج أزمة الانقلاب:
«اطَّلعتُ على ما راج بينك وبين الجنرال عبد الكريم زهر الدين وقد أحسنتَ
في ما فعلت»، فهو لم يكن يقبل أن يتم التمرد على الشرعية بانقلاب كيفما
كان شكله وهدفه.






















* قلتم إنه في بداية وساطتكم بين سورية ومصر التقيتم الرئيس جمال عبد الناصر. فكيف وجدتموه بشأن العلاقة مع سورية؟ـ اتصلت به مرة واحدة عند بدء مهمتي ولم أجده حاقدا على سورية. وقال لي
إنه ربما كان في الوحدة المستعجَلة شيء من الارتجال، وأن الأمور لم تعالجَ
بالحكمة، وأن تجربة الوحدة لم يتقدمها إعداد جيد، وأن السوريين ضغطوا عليه
ليقبل الوحدة. هذا ما قاله لي الرئيس عبد الناصر بالضبط. ووجدته أخذ درسا
من هذه الوحدة التي اشتبكت فيها الأيدي بينه وبين الرئيس شكري القوتلي في
القصر الجمهوري بحي المهاجرين بدمشق، ووقعا عليها باستعجال وباركاها أمام
الجماهير الهاتفة بالوحدة حيث أشرفا عليها من شرفة القصر. وعرف عبد الناصر
أن الأمر كان يحتاج إلى روية ومزيد من الحيطة والإعداد.






















* قلتم إن البرقية الثانية أخبرتكم بتعيينكم وزيرا. فما هي الوزارة التي كُلِّفتم بها؟ـ لم تنص البرقية على المنصب الوزاري الذي عُينت فيه. ولم أعلم به حتى
وصلت إلى المغرب واستقبلني الملك الحسن الثاني وسماني كاتبا للدولة (وزير
دولة) في الإعلام. وشرح لي لماذا عينني كاتبا للدولة في الإعلام وقال:
«إني رئيس الحكومة وأنا سأدير الإعلام بواسطتك، وأنت تابع لي مباشرة وزيرا
كامل الصلاحية، فليس هناك وزير للإعلام إلا أنت». وبدأت عملي في المنصب
الجديد. وبعد حوالي شهرين وقع تعديل وزاري. وأصبحت وزير الإعلام بهذا
اللقب. وأضاف إليّ الملك الحسن الثاني حقيبة الشباب والرياضة، ثم عينني
وزيرا منتدبا لدى الوزير الأول وناطقا باسم الحكومة في عهد حكومة أحمد
باحنيني.وفي 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 1962 عرض الملك أول دستور للبلاد وجرى عليه
استـفتاء الشــعب المغربي في 7 ديســمبر (كــانون الأول) وكلــفنـي الملك
أن أطلع على الدستور وأن أتولى شــرحه طيــلة أيام الحــملة
الاستــفتائيــة بندا بندا عبر الإذاعة. واستمر عملي هذا زهاء ثلاثة
أسابيع أي طيلة حملة الاستفتاء، حيث كنت أقرأ تعليقي على الدستور كل يوم
في مستهل نشرة أخبار الساعة الثامنة والنصف مساء. * في نفس التعديل عين الملك الحسن الثاني الأمير فال ولد عمير وزيرا
للدولة مكلفا شؤون موريتانيا والصحراء ثم خلفتَه أنت على رأس الوزارة.
وأود هنا لو تحدثني عن ظروف بروز القضية الموريتانية ؟ـ يدخل ذلك في إطار تطلع المغرب إلى استكمال سيادته على كامل تراب مملكته
في حدودها التاريخية. وأنتم تعلمون أنه قبل أن يقسّم الاستعمارُ الدولي
المغربَ إلى ثلاث مناطق: فرنسية، وإسبانية، ودولية كانت فرنسا المحتلة
لأرض موريتانيا تعترف بأنها جزء لا يتجزأ من التراب المغربي، وأن من حق
المغرب أن يستردها كما استرد ترابه الوطني في حدودها حدود المغرب الأخرى
لكنها تراجعت عن موقفها. وكان جلالة الملك يركز على تبعية موريتانيا
للمغرب عندما أحدث وزارة خاصة بموريتانيا ووضع على رأسها الأمير (أمير
الطرارزة) فال ولد عمير وهو شخصية مرموقة ومحبوبة في موريتانيا، وربما كان
له وزن أكبر من الوزن الذي كان للمختار ولد دادة رئيس الدولة الموريتانية
في ذلك الحين.عمل الأمير فال ولد عمير ـ بتكليف من جلالة الملك ـ على ربط الخيوط مع
الشعب المغربي ـ الموريتاني لأجل عودة موريتانيا إلى وطنها. وكانت في
موريتانيا فصائل وطنية واسعة تعمل لعودة موريتانيا إلى الوطن الأب وتعتبر
ملك المغرب ملكها.وحينما قرر الملك الحسن الثاني أن يعفي ولد عمير من وزارة شؤون موريتانيا
والصحراء، أراد من ذلك أن يلتحق الأمير بموريتانيا بناء على رغبته ليعمل
على عودتها إلى المغرب. وقد حضرتُ لقاء توديعه الذي جاء معه مودعا فيه
أيضا المختار ولد باه الذي كان آنذاك مديرا عاما للإذاعة المغربية وهي من
مرافق وزارة الإعلام التي كنت على رأسها.وجدد فال ولد عمير البيعة للملك الحسن الثاني قبل سفره، وقال له: «لا يمكن
أن نُبقِي على الوضع كما هو. لا بد أن تعود موريتانيا إلى وطنها. وثق
جلالة الملك أننا سنظل في خدمة هذه المبادئ التي نؤمن بها».وبعد ذلك ذهب الأمير فال ولد عمير والمختار ولد باه إلى موريتانيا وألقي
عليهما القبض. ثم مات الأمير فال في موريتانيا في ظروف غامضة، وبعد مدة
عاد رفيقه المختار ولد باه إلى المغرب واستقر فيه وعمل بالديوان الملكي،
إذن فتخصيص وزارة لموريتانيا والصحراء يدخل ضمن السياسة التي كان يقوم بها
الملك لاسترجاع التراب المغربي كاملا. وبعد ذهاب الأمير فال تسلمت منه
الوزارة التي كان على رأسها. وتبادلت معه سلط الوزارة كما تبادلنا الخطب
في حفل حضره العاملون بالوزارة. كانت مهمتي في الوزارة هي معالجة الملفات
التي وجدتها بمكاتبها. وكانت تقوم على متابعة الدراسات عن وضع موريتانيا
في ذلك الوقت، وعن القبائل الموريتانية وفصائلها، وعناوين الشخصيات
المؤثرة فيها، وأيضا ربط الاتصال بالفصائل الموريتانية الموالية للمغرب.
وأذكر أن الكثيرين من الصحراويين والموريتانيين كانوا يأتون إلى الوزارة
مثلما كانوا يفعلون أيام الأمير ولد عمير للاتصال بي وإخباري بأنشطتهم
وتطور حركة الانضمام إلى المغرب والالتحاق الطبيعي والشرعي بوطنهم المغرب
إلى أن انتهت مهمتي في الوزارة. وبعدي عين جلالة الملك الأمير مولاي الحسن
بن إدريس العلوي خلفا لي وتابع نفس الاتصال. وظلت الأمور كذلك إلى أن
اعترف المغرب سنة 1969 بموريتانيا خلال مؤتمر القمة الإسلامية الأولى في
الرباط. وسأحدثك عن دوري في الموضوع حينما نصل إلى تلك المرحلة.* قبيل الاعتراف المغربي وقع انقسام داخل دول المغرب العربي. وكان هناك
اعتراف تونسي بموريتانيا سابق للاعتراف المغربي بسنوات. فما هي خلفيات
الموقف التونسي؟ـ تونس تسرعت في الاعتراف بموريتانيا واستقلالها، فقد كانت الدولة الوحيدة
في المغرب العربي والجامعة العربية التي فعلت ذلك. وربما كان الرئيس
الحبيب بورقيبة قد توقع أن المغرب في النهاية سيعترف بموريتانيا فسبق
المغرب إلى الاعتراف وصدقت فراسته.ربما كانت لدى تونس نظرة خاصة هي أن لا يتوسع المغرب أكثر مما هو عليه.
وتونس كدولة صغيرة كانت تنظر إلى علاقات دول المغرب العربي بمنظار توازن
القوى. وهي نفس النظرة التي ظلت عند الجزائريين حتى يومنا هذا، باعتبار أن
المغرب كلما استعاد ترابه أصبح الدولة العظمى في منطقة المغرب العربي.كان الرئيس بورقيبة يتقيد بمبدأ الواقعية. أليس هو الذي ندد برفض العرب
لتقسيم فلسطين في خطابه بأريحا عام 1965 ونصح بقبول قرار مجلس الأمن رقم
181 من منطلق الواقعية السياسية؟. لذلك فإن موقف تونس إزاء موضوع
موريتانيا يتسع لأكثر من قراءة. ومن بين القراءات التي تحتمل أن تكون
واحدةٌ منها صحيحة هي ما ذكرته لكم. ولقد أحدث ذلك الموقف شرخا في
العلاقات المغربية التونسية لم يلبث أن اندمل جرحه ولم يكدر العلاقات
المغربية التونسية أي جفاء بعد ذلك إلى اليوم.* في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 1962 عرض الملك أول دستور للبلاد وجرى عليه
استفتاء الشعب المغربي في 7 ديسمبر (كانون الأول). وأود هنا لو تحدثني عن
الظروف والمرجعيات التي اعتمدها الملك في إصدار دستور ممنوح دون الرجوع
إلى مجلس تأسيسي أو ما شابه ذلك؟ـ أنا أتحفظ على نعت الدستور بالممنوح. وسأشرح لك لماذا: كان من بين ما
جعل الملك يختارني لمنصب كاتب الدولة في الإعلام هو أن يجعل قطاع الإعلام
تحت إمرته بوصفه رئيس الحكومة خلال الحملة الاستفتائية على الدستور. وأنا
عندما عدت من دمشق وجدت أن الدستور قد أُعِدّ من قبل جماعة من الفقهاء
الدستوريين، وشارك في الإعداد بعض الوزراء منهم علال الفاسي، وأحمد رضا
كديرة. كما قدم خبير فرنسي (موريس دي فيرجي) خبرته في وضع الدساتير.
وكلفني الملك أن أطلع على الدستور وأن أتولى شرحه طيلة أيام الحملة
الاستفتائية بندا بندا عبر الإذاعة. واستمر عملي هذا زهاء ثلاثة أسابيع أي
طيلة حملة الاستفتاء، حيث كنت أقرأ تعليقي على الدستور كل يوم في مستهل
نشرة أخبار الساعة الثامنة والنصف مساء. لقد اختار الملك الحسن الثاني
دستورا وعرضه على الاستفتاء. وقال البعض عنه إنه دستور منحة أو وصفه
بالممنوح. وأنا كأستاذ للقانون الدستوري يمكنني أن أقول لك إن نعت الممنوح
لا ينطبق على الدستور الذي قدمه الملك للاستفتاء، لأن الدستور الممنوح
يضعه رئيس الدولة أو جماعة أو فريق حاكم ويختمه رئيس الدولة بطابعه ويعطيه
للشعب منحة، أي أنه لا مناقشة فيه ولا جدال، ولا يعبر الشعب إزاءه عن
اختيار أو عن إرادة. وهذا النوع من الدساتير كان يمنحه الأباطرة القدامى
شعوبهم وممالكهم كما فعل في القرن الماضي أمبراطور إثيوبيا هيلا سيلاسي
والملك فؤاد عاهل مصر، وهو دستور لا يُعرض على استفتاء ولا يناقشه برلمان
للموافقة عليه. وإذا كانت القاعدة القانونية تقول إن من يمنح من حقه أن
يمنع، فنفس الإرادة التي يتقرر بها ذلك الدستور هي التي تلغيه أو تعطله.
لذلك لم يكن الدستور الذي طرحه الحسن الثاني دستورا ممنوحا. الكيفية التي
اختار بها الملك وضع الدستور وطَرْحَه على استفتاء شعبي وتعديله وإلغاءه
بتعديل شعبي بواسطة الاستفتاء كذلك، كانت حلا وسطا بين خيار المجلس
التأسيسي المنتخب الذي تكون له سلطة وضع الدستور وإقراره، وبين خيار منح
الملك الدستور بإرادته. وكان الملك الحسن الثاني قد استهل خطابه الذي قدم
به الدستور إلى الشعب قائلا: «أعرض عليك شعبي العزيز دستورا وضعتُه
واستلهمتُ فيه الروح الوطنية وحبي لك وتطلعي إلى تطور البلاد. وهو مشروع
يمكن أن تقول عنه نعم كما يمكنك أن تقول لا. وإذا قلتَ لا فإنني سأسحب
المشروع وأعرض عليك دستورا آخر وأطلب منك أن تقول له نعم».(يتبع) هذا الدستور تضمن مقتضيات جديدة من بينها انتقال الحكم من عهد
الحكم المشخَّص إلى عهد الحكم المؤسَّس، لكن الحكومة فيه هي حكومة جلالة
الملك الذي يعين وزراءها ويعفيهم ومن بينهم الوزير الأول. وهي غير منتخبة
ولكن مسؤولة أمام البرلمان المنتخب الذي يمكن أن يُسقِطها بملتمس رقابة.الدستور كان في رأي الملك الحسن الثاني يتناسب مع مرحلة الانتقال من عهد
الملكية المطلقة والحكم المشخَّص إلى الملكية الدستورية أو عهد حكم
المؤسسات ولا أقول الحكم المؤسساتي (لأن النسبة إلى الجمع بهذه الصيغة لا
تعجبني. وكم أتألم لنعت أقطار المغرب العربي بنعت المغاربية بدلا من أقطار
المغرب الكبير). الملك في هذا الدستور هو السلطة العليا والحكومة لها أيضا
سلطاتها التي حددها الدستور.إذن فالدستور الأول أقرّ مبدأ تجزئة السلط لا تصل إلى حد الكمال الذي هو
فصل السلط بعضها عن بعض ولا سلطة عليا تعلو فيه على السلطات الثلاث.إن التنظير الأول للدستور كما نظر له الفكر الدستوري أو الفكر السياسي
أيام «جان جاك روسو» و«لوك» و«هوبز» تبين أنه لا يمكن تطبيقه على أرض
الواقع. لقد تطورت الديمقراطية وأصبحت نظاما مرِنا يتسع لأكثر من صيغة.
والدستور المغربي يعكس هذه المرونة. وقد كنت أدافع عن الدستور في الإذاعة
بهذه الحجج. والشعب المغربي صوت عليه بالأغلبية وقَبِل مقتضياته. لا
تسألني هل كان الاستفتاء نزيها أم لا. إني أتحدث هنا كفقيه دستوري وليس
كسياسي. هناك من يقولون إن طريقة الاستفتاء بالتصويت بنعم أو لا غير
ديمقراطية، لأن الشعب لا يستطيع أن يغير بندا من البنود التي لا يرتضيها،
لأنه في هذا النظام (كما يقول بعض الفقهاء الدستوريين) عندما تعطي للشعب
وثيقة مشتملة على 100 مادة أو 101 كما هو الحال بالنسبة للدستور المغربي
الأول، وتقول له أجب بنعم أو لا فإن الشعب ربما يجد في الدستور ثغرات أو
قد تكون له على مواده ملاحظات ولكنه لا يملك إلا أن يقول «نعم» أو «لا».
وهذه وجهة نظر علمية قابلة للنقاش.* قلتم إن الحسن الثاني من خلال دستور عام 1962 قدم حلا وسطا ما بين
الانتقال من الحكم المشخَّص إلى الحكم المؤسَّس. لكن هل تعتقدون أنّ
تَوقُّف عمل مجلس الدستور (الذي عينه الملك محمد الخامس) احتجاجا على
انتخاب علال الفاسي رئيسا له وانسحاب كل أعضائه هو السبب الذي دفع بالملك
الحسن الثاني في ما بعد إلى اختيار سبيل آخر لوضع الدستور ؟ـ ربما كان ذلك أحد الأسباب الذي جعل الملك الحسن الثاني لا يتابع تجربة
مجلس الدستور الذي عينه والده علما بأن مجلس الدستور هذا ليس هو المجلس
التأسيسي المنتخب لوضع الدستور. وجميع ما صدر عن الملك محمد الخامس من
تصريحات وما تضمنته الإعلانات التي صدرت في شكل قوانين أو عهد ملكي أكدت
أن النظام يجب أن يكون نظام الملكية الدستورية كما يدخل في ذلك إصدر العهد
الملكي وتأسيس المجلس الاستشاري (برلمان معيّن غير منتخب ليست له سلطة
التقرير)، ومجلس الدستور. ومن خلال هذه المبادرات التي توالت على شاكلة
واحدة وكانت ذات هدف واحد كان هناك ما يمكن أن نسميه بــ«الوصية» أي وصية
الملك محمد الخامس لولي عهده بأن يُعجِّل عندما يخلف والده حتى يصبح حكم
المغرب دستوريا. فهذه الوصية كانت من الأسباب التي جعلت الحسن الثاني
يبادر إلى وضع الدستور إنجازا لوعد أبيه للأمة.* لقد شارك حزب الاستقلال في الانتخابات البلدية الأولى عام 1960 كما شارك
في مجلس الدستور، وشارك في أول حكومة رأسها الملك الحسن الثاني، وصوت
لفائدة دستور 1962، لكنه سرعان ما انسحب من الحكومة في 3 يناير 1963،
واتخذ موقفا معارضا. فما هي أسباب هذا الانسحاب أو هذا التقلب؟ـ كل ما أعلمه هو أن الملك الحسن الثاني أخبرني وبعض الوزراء المقربين منه
أن حزب الاستقلال لن يشارك في الحكومة المقبلة. ولم يعط لنا أسباب ذلك.
إلا أننا فهمنا أنه ربما كانت هناك أزمة بينه وبين حزب الاستقلال. لذلك
فإما أن يكون حزب الاستقلال هو الذي اختار أن ينسحب، وإما أن يكون الملك
هو الذي أشار إليه بذلك.























href='http://openads.aawsat.com/adclick.php?n=ac78cc1e'
target='_blank'>




_________________
الخفافيش تخاف نور الشمس !!
****************
لا يجب أن تقول كل ما تعرف ولكن يجب أن تعرف كل ما تقول

بديعة
مشرف (ة)
مشرف (ة)

انثى عدد الرسائل : 6075
العمر : 30
Localisation : الدارالبيضاء
Emploi : موظفة
تاريخ التسجيل : 03/04/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

6-أمر الحسن الثاني الكولونيل إدريس بن عمر بوقف القتال في «حرب الرمال» مع الجزائر فخلع بدلته العسكرية إشارة إلى استقالته

مُساهمة من طرف بديعة في الجمعة 9 أكتوبر 2009 - 15:37

* حمل الحسن الثاني معه في أول زيارة للجزائر 23 سيارة مرسيدس من النوع الكبير لوضعها رهن خدمة الوزراء الجزائريين الـ23* لم يضحك بن بلا قط خلال زيارة الحسن الثاني للجزائر فاقترح عليه الدكتور
الخطيب اسناد وزارة المواشي الى بومعزة، ووزارة التموين الى بوخبزة ووزارة
الفلاحة الى بومنجل ووزارة الشرطة لبوتفليقة .. فابتسم الرئيس






















* عزا الوفد المغربي انقباض الرئيس بن بلا الى ما كان يعج به صدره من هموم بناء الجزائر * ذهب الحسن الثاني الى الجزائر يحمل هما واحدا هو مشكلة الحدود المترتبة
على إلحاق فرنسا لأجزاء من تراب المغرب بالجزائر يتناول عبد الهادي بوطالب
السياسي المغربي المخضرم في هذه الحلقة من حوارات «نصف قرن تحت مجهر
السياسة» التي خص بها «الشرق الأوسط» ظروف اندلاع «حرب الرمال» بين المغرب
والجزائر. والمحاولات التي قام بها الملك الحسن الثاني مع الرئيس الجزائري
احمد بن بلا للحؤول دون اندلاعها.






















ويتحدث بوطالب هنا عن اول زيارة يقوم بها الملك الحسن الثاني الى الجزائر، وقراءته لشخصية الرئيس بن بلا اثناء الزيارة.






















* في سنة 1963 اندلعت حرب الرمال بين المغرب والجزائر. فما هي الأسباب والخلفيات التي أدت إلى حرب الأشقاء؟ـ لم تنقطع إمدادات المغرب للثورة الجزائرية منذ اندلاعها سنة 1954 إلى
تتويجها بالانتصار والاستقلال سنة .1962 كنا في الحركة الوطنية نؤمن أن
كفاح أقطار شمال افريقيا للتخلص من الاستعمار يشكل وحدة لا انفصام لها،
وأن المكافحين في كل من المغرب والجزائر وتونس يوجدون على خط معركة
التحرير في خندق واحد. واعتبرنا ـ وقد حررنا بلادنا وشكلنا أول حكومة
وطنية ـ أن انتصار المغرب بعودة محمد الخامس من منفاه وإعلان الاستقلال لا
يعفي المغرب من مساعدة ما بقي من أقطار المغرب الكبير تحت الاستعمار،
وخاصة الجزائر التي ألحقتها فرنسا بها وجعلت منها ثلاث مقاطعات فرنسية.






















ولذلك كان التزام المغرب ـ ملكا وشعبا ـ بمساعدة الثورة الجزائرية غير محدود ولا مشروط، وحتى في أصعب ظروف المغرب.كان المغرب غداة استقلاله ما يزال يكمل تحرير ترابه ويكافح لإجلاء الجيوش
الأجنبية الفرنسية والإسبانية عن أراضيه، وعن القواعد العسكرية التي سمح
الاستعمار الفرنسي بإقامتها فوق ترابه لفائدة القوات الأميركية. وكان
المغرب محط الأنظار والمراقبة من طرف الاستعمار الراحل الذي لم يسلِّم
بوضع الاستقلال إلا مُرغَما. وظل مع ذلك يتربص به السوء بعد أن أفلت من
قبضته، ويخشى من سريان عدوى التحرر إلى الجزائر المجاورة. وكان اضطلاع
الملك محمد الخامس بمسؤولية تبني قضية الجزائر المكافحة ودعمها بالمال
والسلاح تحديا لفرنسا كان يمكن أن يكون من بين ردود فعله ضرب فرنسا
القواعد العسكرية المغربية التي كانت تحتضن الفرق العسكرية الجزائرية وقد
بلغ عددها 9.000 جندي.وكان المغرب يواجه مشكلة بناء الدولة وتطويرها بما يتطلبه البناء والتطوير
من نفقات تضيق عنها ميزانيته، لكن هذه الظروف الصعبة لم تثنه عن مضاعفة
دعم الجزائر ماديا، وتوفير السلاح لثورتها، وحماية ظهرها على طول الحدود
المغربية التي أصبحت مفتوحة في وجه المكافحين الجزائريين، ومَـمَرّا
للعتاد والذخيرة إلى أرض المعركة بالجزائر.وإلى قاعدة مكناس العسكرية المغربية كان يرد السلاح الروسي المقتنَى من
الثورة الجزائرية، وضِمْنه الطيران العسكري الذي كان يتدرب عليه بالقاعدة
المغربية ربابنة جزائريون. وكان المغرب يساهم من ميزانيته في شراء السلاح
ونقله إلى الجزائر. كما ساعد الجزائر ماليا على اقتناء الباخرة «سانت
بريفال SAINT BRIVAL » التي اشتهرت باسم الأطوس lathos وغصت مدينة وجدة
على الحدود الشرقية بالمهاجرين الجزائريين، واستقبلت مستشفياتُها الجرحى
لعلاجهم، وآوت القيادةَ الجزائريةَ السياسية التي أصبحت تُعرَف في ما بعدُ
بمجموعة وجدة، والتحقت بالجزائر عند استقبالها لتدير دفة الحكم.






















* لكن المغرب أدى ثمنا غاليا بسبب ذلك خاصة في علاقته بفرنسا؟ـ نعم، أدى المغرب غاليا ثمن هذا الدعم، خاصة خلال تسعة أشهر قطع خلالها
علاقته مع فرنسا على إثر اختطافها الطائرة المغربية التي كانت تُقِل
الزعماء الجزائريين الخمسة الذين جاءوا إلى المغرب وحلوا ضيوفا على الملك
محمد الخامس، وكانوا يُردِفونه على الطائرة المختطَفة ليحضروا بجانبه في
زيارته تونس تلبية لدعوة رئيسها الحبيب بورقيبة. وكان من بين هؤلاء
الزعماء أحمد بن بلا الذي سيصبح رئيس الحكومة الجزائرية فرئيس الدولة
الجزائرية في فجر الاستقلال.






















* وما هي الخسائر التي نتجت عن قطع العلاقات مع فرنسا؟ـ خلال فترة القطيعة مع فرنسا تحمل المغرب صعوبات وأضرارا مادية تجلت خاصة
في فقده المعونة الفنية الفرنسية التي كان في أمس الحاجة إليها لتطوير
بنياته الأساسية.وكان طبيعيا ـ والحالة هذه ـ أن يعيش المغرب عرسا كبيرا طافحا بالأفراح
يوم استقلت الجزائر، فهذا الاستقلال كان يكمل استقلاله ويوطد له قواعد
الأمن والسلامة، ويؤشر لمستقبل أسعد لشعبين كل شيء يؤلف بينهما ويوحدهما
في مصير مشترك. وكان يخلق للمغرب ظروف المزيد من الاستقرار والانصراف إلى
بناء نفسه بعد أن تحرر من أعباء إسناد الثورة الجزائرية.لكن استقلال الجزائر لم يكن نهاية متاعب المكافحين، بل فجَّر داخل الجزائر
ما كانت تجيش به من تناقضات لئن صَهَرها مؤقتا هدف التحرير فإن الاستقلال
لم يَقوَ على احتوائها.






















* وماذا كان موقف المغرب من تلك التناقضات الداخلية؟ـ أريد أن أشير إلى انقسام الصف القيادي لجبهة التحرير الجزائرية، وبروز
تكتلات سياسية لجأ بعضها (وعلى رأسها الزعيم آيت أحمد) إلى التمرد العسكري
بمنطقة القبائل على الحكومة الشرعية. وقد وقف الملك الحسن الثاني إزاء
الأزمة الداخلية الجزائرية موقف المناصر للحكومة الجزائرية. لقد كان مؤمنا
بأن هذا الخلاف العارض لا يشكل إلا اجتهادات في الرأي بين أبناء الجزائر
الواحدة، وبالتالي فواجب المغرب أن يُعرِض عن الخوض فيه، وأن يقوي عرى
التعاون بينه وبين الحكم الشرعي مشخَّصا في حكومة الجزائر التي كان يقودها
آنذاك الرئيس أحمد بن بلا.وهذا بعض ما استهدفه الملك الحسن الثاني من مسارعته للقيام بزيارته
الرسمية للجزائر، تلبية للدعوة التي وجهها إليه الرئيس بن بلا ونقلها
لجلالته وزير خارجية الجزائر آنذاك المرحوم الخميستي. وكان الملك قد وقَّت
زيارة إلى الولايات المتحدة تلبية لدعوة الرئيس الأميركي، لكنه أخرها
وأعطى الأسبقية لزيارة الجزائر.






















* كيف كانت هذه الزيارة التي رافقتم فيها الملك الحسن الثاني؟ـ رافقته بوصفي وزير الإعلام والشباب والرياضة. وأتاحت لي هذه المرافقة أن
أتعرف على الجزائر لأول مرة ـ ككثير من زملائي في حكومة المغرب ـ وأن أتصل
أيضا لأول مرة بالرئيس بن بلا.وكنت قد حاولت مرة في بداية الخمسينيات ـ والمغرب تحت الحماية الفرنسية ـ
أن أزور الجزائر قادما إليها من مدينة وجدة، فأرجعتني الشرطة الفرنسية من
الحدود، لأن جوازي لم يكن يحمل تأشيرة دخول إلى ما وراء الستار الحديدي.
وكنت أعرف بعض وزراء حكومة الرئيس بن بلا وقيادات جبهة التحرير قبل
استقلال الجزائر، حيث جمعتنا في باريس ـ التي اخترناها بَلد منفَى ـ ظروف
التحرير المشتركة، وخاصة منهم من كانوا ينتمون إلى حزب البيان الجزائري
بزعامة عباس فرحات الذي كان يتعاطف معنا في حزب الشورى والاستقلال، بينما
لم تُتَحْ لي قبل الزيارة الملكية فرصة للتعرف على رئيس الجزائر.أعدّ الملك الحسن الثاني كل ما يلزم لتعكس زيارته مشاعر المودة والأخوة
والتعاطف المتأصلة بين شعبي المغرب والجزائر، وحرص على أن يحس القادة
الجزائريون بدفء حرارة العواطف المخلصة التي يكنها لهم ملك المغرب، ففجر
منها شحنات دافقة بالعطف، وأطلق للإعراب عنها يده سخية مِعطاءة حيث حمل
معه متنوع الهدايا، وكان من بينها 23 سيارة مرسيدس من النوع الكبير جاءت
من مصانعها بألمانيا إلى المغرب ليلة الزيارة، فوضعها في خدمة الوزراء
الجزائريين الثلاثة والعشرين الذين كانوا يشكلون حكومة بن بلا. كما حمل
معه أسلحة مغربية آثر بها جيش الجزائر على جيشه.






















* وكيف مرت الزيارة بين وفد المغرب والحكومة الجزائرية؟ـ بدا لي طيلة الزيارة أن الملك الحسن الثاني كان ـ وهو يحاور بن بلا ـ
كمن يُجهِد نفسَه لفتح قُفْل مغلق ضاع مفتاحه. فالرئيس الجزائري كان يبدو
صعب المراس، لم يضحك قط ولا ابتسم، إلا مرة واحدة خلال لقاء لم يحضره
الملك الحسن الثاني تحلَّق فيه حوله الوفد المغربي والوفد الجزائري في
جلسة استراحة واسترخاء، فإذا بعضو الوفد المغربي وزير الدولة في الشؤون
الأفريقية الدكتور عبد الكريم الخطيب يبادر الرئيس بنكتة في شكل سؤال:
«ألا تفكرون فخامة الرئيس في إدخال تعديل على حكومتكم أعتبره منطقيا، إذ
به تضعون الرجل الصالح في المكان الصالح، فتسندون وزارة تربية المواشي إلى
الوزير بومعزة، ووزارة التموين إلى الوزير بوخبزة، وتضعون الوزير بومنجل
في وزارة الفلاحة، والوزير بوتفليقة في الشرطة؟». وكانوا جميعهم على رأس
وزارات أخرى. فتوزعت مشاعر الرئيس ـ وهو يفاجَأ بهذه النكتة ـ بين كبح
سَوْرة الغضب واستطابة بلاغة النكتة، فاحمر وجهه، وتزحزحت شفتاه في مشروع
ابتسامة لم تقْوَ على شق طريقها.وقد كانت طبيعة العلاقات الحميمة التي قامت أثناء حرب تحرير الجزائر بين
الدكتور الخطيب وبين قادة الجبهة الجزائرية تسمح له هو وحده بأن يداعب
الرئيس بهذه النكتة التي لم يَسْتسِغها مع ذلك الرئيس الجزائري، خاصة وقد
نطق بها الدكتور الخطيب أمام الوزراء الجزائريين.






















* ما هي أسباب انقباض الرئيس بن بلا؟ـ عزا الوفد المغربي انقباض الرئيس الجزائري إلى ما كان يَعِجُّ به صدره
من هموم بناء الجزائر، وإلى ما كان يتهدد الجزائر من انقسام صف قادتها،
وإلى معاناة الرئيس الجزائري من معارضة بعض رفقائه في الكفاح لسياسته،
ومناهضتهم لبسط حكمه، وإلى الخلاف الذي أخذ يطبع علاقات الرئيس بالمجلس
الوطني الجزائري (البرلمان) الذي كان يريد أن يلعب دور المجلس التشريعي
المراقب للحكومة، لكن الرئيس الجزائري كان يرفض مراقبته على المكتب
السياسي لجبهة التحرير الوطنية الذي كانت الحكومة تتألف منه.






















* وما هو الهدف الأساسي لزيارة الملك الحسن الثاني إلى الجزائر يوم 13 مارس (آذار) 1963؟ـ لقد جاء الملك الحسن الثاني على رأس وفد المغرب يحمل هما واحدا : هو
مشكلة الحدود المغربية ـ الجزائرية التي ترتبت على إلحاق فرنسا لأجزاء من
تراب المغرب بالجزائر في عملية حسابية سياسية استعمارية عندما كانت تراهن
على إدامة احتلالها للجزائر كجزء لا يتجزأ من التراب الفرنسي، فتقتطع من
المغرب أرض الحماية (المؤقتة) وتضيف إلى (التراب الفرنسي الدائم) مناطق لا
جدال في مغربيتها.ومع ما كان يحمله الملك من هم الحدود حمل لمحاورِه بن بلا ملفا جيدا حافلا
بالحجج التاريخية التي تثبت مغربية الأراضي التي ألحقتها فرنسا
بالجزائر،كان ضمنه وثائق وخرائط ومعاهدات دولية. لكن كان الملف يحمل أكثر
من ذلك اعترافَ فرنسا وحكومة الجزائر المؤقتة التي تأسست قبيل استقلال
الجزائر بمغربية الأراضي المغتصبة، هذه الحكومة التي أمضى رئيسها عباس
فرحات مع الملك الحسن الثاني بتاريخ 6 يوليو (تموز) 1961 اتفاقية تضمنت
التنصيص على أن الجزائر تعترف بأن مشكلة الحدود بين المغرب والجزائر
موجودة وقائمة، وأن واقع الحدود إنما تم فرضه من لدن فرنسا بتعسف وظلم.
وتتعهد بأن تدخل حكومة الجزائر المستقلة في مفاوضات مع المغرب لتسوية
المشكلة. كما تضمنت الاتفاقية التنصيص على أن ما قد يُبرَم من أوفاق بين
الجزائر وفرنسا لا يمكن أن يكون حجة على المغرب في ما يخص ضبط الحدود
الجزائرية ـ المغربية.






















* لكن لماذا رفض المغرب التفاوض مع فرنسا على تلك الحدود قبل استقلال الجزائر؟ـ كانت حكومة فرنسا عرضت على حكومة المغرب الدخول معها في مفاوضات لتسوية
مشكلة اقتطاع الأراضي المغربية لفائدة الجزائر، وذلك أثناء حرب التحرير
الجزائرية، لكن المرحوم محمد الخامس المعروف بمثاليته وإخضاع سياسته
لأخلاقياته رفض التفاوض المباشر مع فرنسا، وفضل ترك المشكلة إلى حين
استقلال الجزائر، معتبرا أن التفاوض مع فرنسا طَعنٌ لظهر الجزائر المكافحة
وإخلال بسندها الذي التزم به أمام نفسه وأمام ربه.وفي الاجتماع الذي جرى على انفراد بين الملك الحسن الثاني والرئيس أحمد بن
بلا أثناء الزيارة طلب هذا الأخير من الملك أن يؤخر بحث موضوع الحدود إلى
حين استكمال الجزائر إقامةَ المؤسسات الدستورية، وتسلُّمَه مقاليد السلطة
بوصفه رئيس الدولة الجزائرية المنتخب، مخاطِبا بالأخص الملك بهذه العبارة
الحافلة بالدلالات : «ثقوا أن الجزائريين لن يكونوا بطبيعة الحال مجرد
وارثين للتركة الاستعمارية في موضوع الحدود المغربية ـ الجزائرية».وقد اطمأن جلالة الملك لهذا التعهد الصريح، خاصة وقد كان الرئيس بن بلا
أعلن في خطاب تنصيبه أن حكومته تحترم وتضمن تطبيق جميع ما أبرمته الحكومة
المؤقتة الجزائرية من أوفاق.وكنت ضمن الوزراء المغاربة الذين أطلعهم الملك الحسن الثاني إثر اجتماعه
بالرئيس الجزائري على ما راج بينهما في موضوع الحدود، فأبدى بعضنا تشككا
وارتيابا في حسن نية الرئيس الجزائري الذي اعتبرْنا تسويفه معالجةَ
المشكلة تهرُّبا وتملُّصا. لكن الملك قال: «إنه لا يشاطرنا رأينا، وإنه لا
يتصور أن يلجأ الرئيس الجزائري إلى الأسلوب الملتوي، وأنه يثق في حسن
نيته، إذ لا يُعقَل أن يكافئ المغربَ على سنده الموصول للجزائر بالعمل على
إدامة مشكلة الحدود قائمة، وبالأحرى أن يكون همه هو الاحتفاظ بأراض
وأقاليم مغربية انتُزِعت من المغرب لدواع استعمارية يعلمها الرئيس
الجزائري حق العلم ولا ينازع فيها».وعدنا إلى المغرب لتتلاحق الأنباء الواردة علينا من الجزائر بشن الحكومة
الجزائرية حملة تشهير وقذف على المغرب، متهمة إياه بإسناده ثورة القبائل
الجزائرية، وبالسعي لزعزعة الاستقرار الجزائري.






















* وما هي أسباب تلك الحملة ضد المغرب؟ـ كنت أتابع ـ من وزارة الأنباء ـ تطورات هذه الحملة التي لاحظت أنها لا
تنحصر في وسائل الإعلام الجزائري، بل تجد لها صدى واسعا إن لم أقل تواطؤا
مدروسا من لدن وسائل الإعلام المصري الذي كان يتبنّى الأطروحة الجزائرية
ويضيف إليها ما يوحي به الخيال.وكان معروفا تعاطف مصر مع الجزائر، وما كان يجمع الرئيس عبد الناصر
والرئيس بن بلا من وشائج، إذ كان الأول يراهن على أن يحمل الثاني في منطقة
المغرب العربي لواء القومية العربية الناصرية امتدادا للنظام المصري الذي
كان يبحث عن مدخل له لهذه المنطقة. وكان الرئيس بن بلا يؤهل نفسه للعب هذا
الدور الريادي، ويهتدي في توجهاته وشعاراته بهدي فلسفة الثورة المصرية.






















* وكيف تعامل الملك الحسن الثاني معها؟ـ عمل الحسن الثاني على احتواء الأزمة بالحد من تطورها نحو الأسْوأ، وكلف
سفيره بالجزائر السيد محمد عواد بالاتصال بالرئيس الجزائري لدحض التهم
المفتعَلة، وإعطاء تأكيدات جديدة للرئيس بامتناع المغرب عن كل ما يسيء إلى
جارته، وبتطلعه إلى عهد من الوئام والصفاء. وقبِل الملك أن يجتمع وزير
خارجية المغرب السيد أحمد رضا جديرة بوزير خارجية الجزائر السيد عبد
العزيز بوتفليقة في وجدة ليصدر عنهما بلاغ مشترك أُطلِق عليه «بلاغ
الوفاق». ولم يتجاوز الوفاق استبعاد السلبيات بتعهد كل طرف بعدم التدخل في
الشؤون الداخلية للطرف الآخر، وبامتناع كل دولة عن الإضرار بالدولة
الأخرى. ولم يثر البلاغ مشكلة الحدود والأراضي المغربية المغتصبة.ولم يطل حلم الوفاق، وإنما استيقظنا على دَويّ أنباء عن مهاجمة الجيش
الجزائري غدرا لمركزي «حسي بيضا» و«تينجوب» على الحدود المغربية الجزائرية
ولم يكن حولهما نزاع، بل كانا أثناء الهجوم خاضعين للسلطة المغربية وتحت
الحراسة المغربية.وقد شرح الملك الحسن الثاني نفسُه في مؤتمر صحافي عقده بمراكش ظروف هذا
الهجوم فقال: «لم يترك المهاجمون الجزائريون للمغاربة الموجودين بالمركزين
المعتدَى عليهما أي حظ للخروج منهما قبل قصفهما واحتلالهما. وفعلوا ذلك
بدون إشعار مسبق، ولا إلفات لنظر السلطة المغربية إلى أن للجزائر مطلبا ما
في الأرض، وأن على من فيها أن يغادروها». وأضاف ملك المغرب: «أمام هذا
الهجوم الغادر لم يكن لديّ سوى خيارين: أن يتسم رد فعلي بالقلق والانفعال،
أو بالتعقل والاتزان. ووضعت رأسي بين يدي متسائلا: من المستفيد من هذه
الجريمة؟ هل يُعقل أن يعمد الرئيس بن بلا إلى القيام بمبادرة الهجوم على
المغرب ويخلق لنفسه مشاكل خطيرة وهو الذي يعاني من مشاكل داخلية من كل نوع؟






















* متى قرر المغرب هجومه المضاد للهجوم الجزائري؟ـ تلاحقت الأحداث بسلوك الجزائر سبيل التصعيد، فلم يمر إلا يوم واحد على
لقاء وزيري خارجية المغرب والجزائر بوجدة وصدور بلاغ الوفاق حتى عرف إقليم
وجدة المغربي الممتد شرقا إلى التراب الجزائري هجوما مباغتا قام به الجيش
الجزائري هذه المرة بكيفية سافرة على مركز «إيش» العسكري الواقع على بعد
خمسين كيلومترا من شمال شرق مدينة فيكيك بإقليم وجدة. وكانت تحرسه قوات
مغربية لم تكن تتوفر إلا على سلاح خفيف، بينما كان المهاجِمون الجزائريون
يشكلون قوات نظامية مجهزة بالأسلحة الثقيلة. والأدهى من ذلك أن الطيران
العسكري الجزائري شارك بدوره في الهجوم على منطقة «تيندرارة» (في إقليم
وجدة أيضا). وجميع هذه المناطق لم تكن موضوع نزاع بين الدولتين، لأنها تقع
في التراب المغربي الذي ظل تحت سلطة المغرب طيلة الحماية الفرنسية وإلى
حين إعلان الاستقلال، ولم تقتطعه فرنسا من المغرب أبدا. كما أن هذه
المناطق تبعد بألف كيلومتر عن مركزي «حسي بيضا» و«تينجوب» فلا يمكن اعتبار
الهجوم عليها مجرد حادث حدود.وبمعنى آخر، إن الجيش الجزائري أصبح يقوم برحلات سياحية يستعرض فيها
عضلاته داخل التراب المغربي برا وجوا، مخترقا حرمة السيادة المغربية،
وسامحا لنفسه باستعراض عضلاته للإرهاب والتخويف، الشيء الذي دفع بالملك
الحسن الثاني إلى إرسال برقية صارخة مؤثرة للرئيس بن بلا احتج فيها على
العدوان الجزائري، واسترعى نظر الرئيس الجزائري إلى خطورته وعواقبه وختمها
مناديا ضمير الجزائر مخاطِبا السيد بن بلا بقوله: «بوصفكم المسؤول الأول
عن مصير الجزائر ومستقبل شعبها، لا يمكنكم أن لا تقدروا حجم العدوان
المرتكَب، وأن لا تحسُبوا عواقبه. إن الاتجاه الذي يبدو أن الجزائر تسير
في وجهته والذي تجلى في أعمال عدوانية على التراب المغربي لن يساعد بكل
تأكيد على خلق جو ملائم للبحث عن حل لمشاكلنا عن طريق التفاوض والحوار
المباشر. لذا نناشد مرة أخرى المسؤولين الجزائريين أن يرتفعوا فوق
الاعتبارات العاطفية، ويتحكَّموا في انفعالاتهم، وأن يأخذوا بعين الاعتبار
أن الأجيال الحاضرة والمقبلة محكوم عليها ليس فقط بالارتباط بعلاقات
تطبعها السلم، ولكن أيضا بالارتباط بعلاقات التعاون الأخوي لتشييد
مستقبلنا المشترك. ذلك أن قرننا (القرن العشرين) يقوم على علاقات
المجاملة، ويلتزم بمقتضيات الأوفاق والمواثيق الدولية التي تفرض على جميع
الدول المحترِمة لنفسها أن تستبعد اللجوء إلى العنف. نقول هذا ونضيف أن
المغرب على استعداد لمواجهة جميع الاحتمالات وجميع الأوضاع بجميع الوسائل
الملائمة».






















* وماذا كان رد فعل الرئيس بن بلا؟ـ بعد هذه البرقية التي أصَرَّ الرئيس ابن بلا على تجاهلها فلم يَرُدّ
عليها ولم يكلف نفسه على إثرها عناء إرسال مبعوث إلى الملك لشرح موقف
الجزائر، استمر الحسن الثاني متمسكا بالحوار، ومستنفدا وسائل التفاهم
بالحسنى، فبعث إلى الرئيس بن بلا وفدا مركبا من الحاج أحمد بلافريج وعبد
الهادي بوطالب لكننا لم نجد من الرئيس استعدادا لحوار بناء. وعدنا لنخبر
الملك الحسن الثاني بفشل مسعانا فالرئيس كان يعتبر المغرب المسؤول وحده عن
تطور أحداث الحدود. ثم عاد الملك فأرسلني مرة أخرى إلى الرئيس ابن بلا
وبرفقتي مدير ديوانه العسكري الكومندان محمد المذبوح في مهمة تستهدف تحسيس
الرئيس الجزائري بخطورة الموقف وحَمْله على إيقاف مسلسل الاعتداءات
والتحديات. وعن ذلك ، قال الملك الحسن الثاني في مؤتمره الصحافي: «استدعيت
وزيري في الإعلام السيد عبد الهادي بوطالب ومدير ديواني العسكري وقلت
لهما: «اذهبا للتحدث باسمي لدى الرئيس بن بلا وأطْلِعاه على الخريطة.
وقولا له إن «حسي بيضا» و«تينجوب» كانا دائما ترابين مغربيين لا نزاع
عليهما».وقسَّم الملك الحسن الثاني الأدوار بيننا، فكان دور المذبوح الحديث لدى
الرئيس الجزائري عن ظروف العدوان والسلاح المستعمل فيه، وتجهيزات الفرقة
العسكرية الجزائرية المداهِمة. وحدد دوري في ما أعلن عنه في المؤتمر
الصحافي وجاء فيه: «كلفت السيد بوطالب أن يشرح للرئيس ما جرى، وأن يقول له
بالنيابة عني إنني لا أملك أن أتصور لحظة واحدة أنه قد أعطى الأمر بمهاجمة
المغاربة، وأنني أعتقد أن العدوان مدبَّر من لدن عناصر لا تراقبها حكومة
الجزائر، وأن الرئيس وُضِع لا محالة أمام الأمر الواقع، وأنني أناشده أن
يقتصَّ بالعدل من مرتكبي العدوان».وأقلَّتْنا طائرة (دس3) من مراكش إلى الجزائر في رحلة استمرت ما يقرب من
خمس ساعات توقفنا خلالها بوجدة توقفا تقنيا، إذ هذا النوع من الطائرات كان
في الستينات في حاجة إلى التزود بالوقود حتى في المسافات المتوسطة.وابتدأ الحديث مع الرئيس بن بلا في جو متشنِّج. وكنت أحاول أن أُلطِّف
حدَّته شكلا دون تساهل في العمق. «فالمغرب متشبث بترابه المدمَج من فرنسا
في التراب الجزائري وبالمطالبة بإرجاعه طبقا للحجج المؤيدة له، ولكن عن
طريق التفاوض والحوار. والمغرب يعتقد أن حوادث العدوان مُفتـعَلة من عناصر
جزائرية، ويأمل أن لا يكون العدوان من عمل الحكومة الجزائرية وبإرادتها.
والمغرب يعتبر أن ما وقع خطير، ولكن قد توفر خطورتُه الجو الملائم للإسراع
بالدخول في المفاوضات، إذ تَرْك الحال على ما هي عليه مؤذن بتفجير أحداث
أخرى قد لا يسهل احتواؤها».وانتظرت وأنا أحاول أن أفتح أقفال الرئيس أن يسلك من أحدها إلى تجاوز
الأحداث بإعطاء تطمينات عن نوايا الجزائر والوعد باحترام التزاماتها في
المستقبل، فلم يُسعِفني الرئيس ببارقة مهدئة لجو التشنج الذي كانت تبدو
ملامحه فوق وجهه، واندفع يطلق لسانه بما يفضح طوايا صدره.






















* لكن ما هي القشة التي قصمت ظهر البعير؟ـ لم يقدم الرئيس اعتذارا عما حصل، ولم يقل كلمة واحدة عن ضحايا العدوان
المغاربة، ولم يطلب مني أن أنقل لجلالة الملك أية عبارة للمواساة والعزاء
في الضحايا، بل في انفعال مثير قال: «إن مشكلة الحدود مشكلة وهمية ويجب
السكوت عنها في الوقت الحاضر لتجاوزها فيما يستقبل». وزاد يقول: «على
النظام الملكي المغربي أن يواجه مشاكله الداخلية، وأن يعلم أن النظام
الجزائري حصين منيع، ولا يملك النظام الملكي المغربي النيل منه».






















وكانت هذه الفقرة من الحديث خاتمة الجدل، تعطلت معها لغة الكلام، مما صحَّ معه قول الشاعر العربي القديم :وإن النار بالعُودَيْـــن تُذْكَــــــــــى وإن الحرب أولـهـــــا
الكــــــــــلامُ ووجدتُني مضطرا لأن أدخل مع الرئيس في ملاسنة حفظتُ
فيها كرامة المغرب ووضعتْ حدا للحوار العقيم.






















* وما ذا بعد ذلك؟ـ عدت إلى مراكش لإطلاع جلالة الملك على وقائع المهمة التي وكَلَها إليَّ
رفقة مدير ديوانه العسكري الذي لم يعلق الرئيس الجزائري على تدخله أثناء
استقبالنا عندما كان يفتح أمامه الخرائط ويشرح له مواقع العدوان
ومنطلقاته. ولم يعد شرح الكومندان مدبوح في حاجة إلى تعليق بعدما نطق
الرئيس بن بلاّ بما أقفل به حديثنا.وفي المؤتمر الصحافي وصف جلالته مهمتي لدى الرئيس بالمهمة السلبية المأسوف
عليها وخاطب الصحافيين قائلا: «سأترك بعدي لوزيري في الإعلام السيد بوطالب
أن يحدثكم عن أهم ما راج بينه وبين الرئيس الجزائري».وقلت للصحافيين ما كان يمكن قوله مما يبرهن على سلبية المهمة لعدم توفر
الاستعداد لتقبلها من الجانب الجزائري دون أن أدخل في التفاصيل، ولا سيما
ما جاء في حديث رئيس الجزائر من تقييم مقارَن بين نظامي البلدين.ووجد الملك الحسن الثاني نفسَه مضطرا لسلوك الطريق الذي لم يجد له منفذا
سواه، بعد أن استنفد وسائل الحوار الهادئ، فنشِبت حرب الرمال التي استمرت
ثلاثة أيام، استرجع فيها المغرب بالقوة بعض ما أخذته الجزائر بالقوة
والعدوان، وتوغل الجيش المغربي يقوده الضابط العسكري الكبير العقيد إدريس
بن عمر حتى أصبح على بعد 26 كيلومترا فقط من مدينة تيندوف المغربية التي
تحتلها الجزائر. كما أعلنتُ عن ذلك في مؤتمر صحافي كنت أعقده مساء كل يوم
بمراكش حيث كان يقيم جلالة الملك عن سير العمليات العسكرية. ثم توقفت
الحرب وتراجع المغرب إلى حدوده المفروضة تلبية لنداءات، وعملا بوساطات،
فدخل المغرب مسلسل العمل على إرجاع ترابه بالإلحاح في المطالبة، بينما
تشبثت الجزائر بموقفها.وأود هنا أن أخرج ورقة من مذكراتي عن هذه الفترة لأقول إن الجيش المغربي
قَبِل على مضض أن يتوقف القتال طبقا لأمر جلالة الملك. وأنني حضرت مشهدا
دراميا عندما جاء إلى مراكش قادما من الجبهة الكولونيل( العقيد) إدريس بن
عمر الذي كان على رأس الجيش المغربي واستقبله جلالة الملك بحضور الحاج
أحمد بلافريج وأحمد رضا كديرة وعبد الهادي بوطالب فخلع الكولونيل
«جاكيتته» التي كانت تحمل أوسمته العسكرية ووضعها جنب الملك الحسن الثاني
في إشارة منه إلى الاستقالة وقال : «مولاي لا يُقبل في المنطق الحربي
والتقاليد العسكرية أن يعود جيش منتصر إلى منطلقاته الأولى كجيش منهزم».
وطالب بأن تبقى وحدات الجيش المغربي حيث كانت إلى حين تسوية مشكلة الحدود.
ولكن الملك الحسن الثاني صاح في وجهه أن يرتدي «جاكيتته» وأن يمتثل لأمر
القائد الأعلى للجيش فتراجع الضابط العسكري الشهم، ورجع جيش المغرب إلى
قواعده الأولى. وكان موقف الملك الحسن الثاني يعبر عن رغبته الصادقة في أن
يعاد مدُّ الجسور بينه وبين الجزائر، وأن لا يُقطَع الطريق على إقامة
المغرب العربي (الخيارِ الاستراتيجي الدائمِ للمغرب). وبالفعل حضر الملك
الحسن الثاني الاجتماع التاريخي في باماكو (مالي) أواخر أكتوبر (تشرين
الأول) سنة 1963 وطُوي الملف المغربي ـ الجزائري إلى حين.






















* وكيف تُقيِّم سياسة الرئيس بن بلا إزاء المغرب؟ـ الرئيس بن بلا كانت السياسة عنده خاضعة للايديولوجية ومتكيفة
بمقتضياتها. فمن الخلاف على الحدود قفز الرئيس إلى خلاف النُّظُم، ومن
خلاف النظم سلك سبيله إلى خلاف التحالفات، فعقَّد المشكلة الجزائرية ـ
المغربية وقذف به في طريق مسدود، معتقدا أن هذا التعقيد هو الحل الطبيعي،
عملا بمبدأ «كم من حاجة قضيناها بتركها». لكن الرئيس الجزائري رجل
الخلافات الخارجية لم يصمد أمام ما أثير بينه وبين رفاقه مكافحي جبهة
التحرير من خلاف داخلي عصف به بقيام انقلاب العقيد هواري بومدين الذي
نـحّـاه عن الرئاسة ووضَعَه تحت الاعتقال.

_________________
الخفافيش تخاف نور الشمس !!
****************
لا يجب أن تقول كل ما تعرف ولكن يجب أن تعرف كل ما تقول

بديعة
مشرف (ة)
مشرف (ة)

انثى عدد الرسائل : 6075
العمر : 30
Localisation : الدارالبيضاء
Emploi : موظفة
تاريخ التسجيل : 03/04/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

7-عندما وقع الانقلاب على بن بلا تنفسنا الصعداء لأنه لم تكن بين المغرب وبومدين حسابات خاصة

مُساهمة من طرف بديعة في الجمعة 9 أكتوبر 2009 - 15:39

كانت أضحية حفل سبوع الملك محمد السادس أول وآخر كبش ذبحته في حياتي تميزت
سنة 1963 في المغرب بأربعة احداث مهمة، الأول يتعلق بولادة الامير سيدي
محمد ولي العهد (الملك محمد السادس) والثاني يتعلق بانشاء جبهة الدفاع عن
المؤسسات الدستورية التي تزعمها آنذاك احمد رضا كديرة وزير الداخلية،
والثالث هو تنظيم الانتخابات البرلمانية الاولى في المغرب المستقل. اما
الحدث الرابع فهو ما اطلق عليه اسم (المؤامرة). وفي هذه الحلقة يروي عبد
الهادي بوطالب السياسي المغربي المخضرم بعض وقائع حفل عقيقة ولي العهد.
كما يحكي عن الظروف التي دفعت بكديرة الى تأسيس الجبهة التي اختصرت
بالفرنسية باسم «الفديك»، بالاضافة الى المشاكل التي تعرضت لها خاصة هزيمة
ستة وزراء في الانتخابات التشريعية.ويتطرق ايضا الى اسباب الجفوة التي
كانت بينه وبين الجنرال أوفقير .






















اجرى الحوارات: حاتم البطيوي






















* في 21 أغسطس (آب) سنة 1963 ازداد الأمير سيدي محمد (الملك محمد السادس). فكيف استقبل القصر الملكي هذا الحدث السعيد؟ـ ميلاد سيدي محمد لم يكن ميلاد أمير أو ميلاد الابن الأول للملك الحسن
الثاني فقط بل كان ميلاد ولي عهد المغرب. وأنتم تعلمون أن الدستور سنة
1962 حسم في موضوع ولاية العهد وتوارث العرش إذ نص في باب الملكية على أن
عرش المغرب يعتليه الملك الحسن الثاني ويتوارثه أعقابه، وابنه الأكبر هو
خلفه إلا إذا غيره الملك قيد حياته.وكان الملك الحسن الثاني قد رُزق بابنته الأميرة للامريم في أواخر 1962
أولا ثم ظل يتطلع إلى ولد ذكر يكون ولي عهده. لذلك كان ابتهاج القصر
الملكي كبيرا بميلاد ولي عهد المغرب.وقد أقام الملك الحسن الثاني حفلة العقيقة للمولود في اليوم السابع من
ميلاده وفاجأني عندما قال لي: «إنك أنت الذي ستذبح كبش العقيقة وتعلن اسمه
فقد أعطيته اسم جده محمد» وفعلا توليت ذلك في ساحة القصر الكبرى بحضور
المدعوين من أعضاء الحكومة وكبار رجال الدولة. وأشرف الملك على حفل
العقيقة وساعدني أعوان القصر على تولي ذبح الكبش بإقامة الستار الحاجز
بيني وبين الكبش حتى لا يتلطخ لباسي بالدم (كما جرت عليه العادة بالقصر)
وكانت أضحية العقيقة هذه أول كبش ذبحته في حياتي ولم يتكرر ذلك قط. وبعد
انتهائي من عملية الذبح نفحني جلالته صُرَّة ليف خضراء احتوت على مائة
«لويز ذهبي» جريا على العادة التي كان الملوك والخلفاء العرب والمسلمون
يقومون بها مع العلماء والفقهاء والشعراء مما حفل به التاريخ واشتهر من
«أن فلانا خلَع عليه الملك وأعطاه ألف دينار وقال زِه». والملك الحسن
الثاني ظل يحيي هذه التقاليد إلى وفاته رحمه الله.* قبل ولادة ولي العهد وبالضبط في 20 مارس (آذار) 1963 تم تأسيس «جبهة
الدفاع عن المؤسسات الدستورية» «فديك» من قبل أحمد رضا كديرة الذي كان
آنذاك وزيرا للداخلية. فهل تصرف الرجل من وحي ذاته أم دفعته إلى ذلك عقدة
الأقلية؟ أم أنه كان يعمل لصالح فرنسا كما قالت بعض الأطراف الحزبية
آنذاك. وما حقيقة ما ينُسب إليه من ميكافيلية خطيرة؟ـ أولا أستبعد من هذه الاحتمالات أو التأويلات عمل كديرة لصالح فرنسا. وقد
نسب إليه خصومه تهما عديدة حتى قال بعضهم عنه إنه عميل لإسرائيل. وكان
الحزب الذي ينتمي إليه كديرة هو حزب الأحرار المستقلين. ولم يكن كديرة هو
رئيسه وإنما كان الدينامو المحرك لهذه الحركة ومنظرها وحامل القلم للدعوة
إليها.كان لكديرة قلم جيد ولغة فرنسية قوية. وكان الملك الحسن الثاني يقول عني
وعنه: «إن كديرة الكاتب الأول المقتدر في اللغة الفرنسية الذي يوجد
بجانبي، وعبد الهادي بوطالب الكاتب الأول المقتدر في اللغة العربية الذي
يوجد بجانبي وأطمئن إلى تحريرهما وحسهما السياسي». وكان الحسن الثاني يعرف
كديرة معرفة دقيقة بحكم التلاحم والعلاقة الحميمة التي كانت بينهما.
فعلاقتهما لم تكن مجرد علاقة وزير أو مدير ديوان أو مستشار مع ملك، بل
علاقة صداقة وكانت بينهما أسرار خاصة من نوع السر المكنون الذي لم يكن
ينفذ إلى خباياه أحد.






















* أكثر من الأسرار التي كانت بينك وبين الملك الحسن الثاني؟ـ نعم أكثر. فأنا لا أدعي أن الأسرار التي كانت بيني وبين الملك الحسن
الثاني هي أكثر من تلك التي كانت بينه وبين كديرة أو في مستواها. فهو كان
وزير الحسن الثاني وكاتم سره، ولم نكن جميعنا من نوع كديرة. كنا درجات.
وكديرة يتصدر الدرجة الأولى، لكن كانت تحدث مع ذلك بينهما أزمات أحدثت
فجوات مؤقتة في علاقتهما. ويمكن معرفة ارتباط كديرة بالملك الحسن الثاني
من طبيعة المهام التي تقلدها. فلا يُعقل أن يولي الملك كديرة إدارة
الديوان الملكي ووزارة الداخلية ووزارة الفلاحة دفعة واحدة، ثم وزارة
الخارجية وهو لا يطمئن إليه ولا يثق في أهليته وتعلقه الشخصي به. وكديرة
من نوع الوزراء الذين سبقت الإشارة إليهم وقال في حقهم الملك الحسن الثاني
إنه يود أن يتعامل مع من يوادُّه أكثر من التعاون مع من لهم الكفاءة ولا
ينسجم معهم. وكان كديرة في آن واحد من نوع المسؤولين الذين يتوفرون على
الكفاءة من جهة ويتمتعون بمودة الملك من جهة أخرى. وكان يصارح الملك
بآرائه ويتقبل الملك منه نصائحه. ثم أصبح الملك يتضايق منه ويقول: «يخطئ
كديرة أحيانا وينسى أنني لم أعد الأمير ولي العهد الذي كان يعرف. وأنني
أصبحت ملكا». وكان الملك يؤدبه على ذلك. وعاقبه مرة فنحاه عن الوزارة وظل
بعيدا عن القصر الملكي قبل أن يعيده من جديد مجرد وزير لقطاع وزاري في
وزارة التربية الوطنية.






















* أين كان يصنفك الملك الحسن الثاني بين الوزراء والمستشارين؟ـ لا أستطيع أن أحكم على سرائره. الذي أعلمه أنه كان يصنفني بين الوزراء
الذين كان يحترمهم أكبر احترام. بل أستطيع أن أقول إنه كان يوليني احتراما
خاصا لا يعطيه لغيري. وهذا يكفيني وأعتز به.لم يكن يدعوني باسمي بدون السيد عبد الهادي أو السي بوطالب أو الأستاذ،
ولم يكن يخاطبني بالفرنسية بصيغة المفرد وإنما بصيغة جمع الاحترام. وحتى
فاجأ الجميع مرة عندما تحدث عني بكلمة «أستاذنا» في حفل ديني بالقصر
الملكي أمام الإعلام المسموع والمرئي. فأصبح العديدون في المغرب يقلدونه
ويتوجهون إليَّ بنفس ما نطق به: (أستاذنا).وما دمتم سألتم هل كان يحبني فإني سأعرض عليكم ما كتبه بخط يمينه على
صورته الرسمية التي أهداها إليَّ ووقع عليها وجاء في الإهداء قوله: «إلى
وزيرنا وأستاذنا السيد عبد الهادي بوطالب تقديرا منا لشخصه ومحبتنا له
وتكريما لمواهبه. الإمضاء: الحسن بن محمد ملك المغرب». (وأطلعني الأستاذ
بوطالب على هذه الصورة وهذا الإهداء. وكانت الصورة بمكتبته حيث كنا نتبادل
هذا الحديث).* لقد تم إنشاء جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية قبل أسابيع قليلة من
إعلان الانتخابات. كيف تم الجمع بين مركِّباتها (الحركة الشعبية، الأحرار
المستقلين، الحزب الدستوري الديمقراطي). وما هي ظروف التحاقك بها؟ ـ
الفكرة كانت من وحي كديرة، فهو كان يرى أن الانتخابات هي قضية عدد وأغلبية
لا يمكن أن تفوز فيها التكتلات الصغرى، ولا يمكن أن تتغير أوضاع المغرب
إذا كان سيسود فيه نظام الحزب الوحيد. ولذلك فكر في أن يجمع فصائل من
الفعاليات السياسية تحت اسم «جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية». وفي
الواقع عرض عليَّ أن أكون شخصا فاعلا فيها، وأشار إليَّ أن أكون نائبا له
(نائب الأمين العام)، أو نائبا لأحمد باحنيني (رئيس الجبهة)، ولكني كنت
دائما أجتر هاجس انتقالي من حزب الشورى والاستقلال إلى الاتحاد الوطني
للقوات الشعبية وانسحابي من الاتحاد. وكنت قد تحدثت لك عن هذا من قبل.لقد كان كديرة هو قائد الجبهة الحقيقي، حتى إن النداء على أحمد باحنيني
كرئيس لها لم يكن يعني أكثر من ألا يظهر كديرة على أنه مبتدأ الجبهة
وخبرها، زيادة على كون باحنيني رجلا وطنيا وأحد الموقعين على عريضة
المطالبة بالاستقلال سنة 1944، وأحد مؤسسي حزب الاستقلال. لكن الملك الحسن
الثاني كان يعرف أن باحنيني ليست له القدرة على أن يقود سفينةَ مؤسسةٍ
حزبية فبالاحرى قيادة تحالف حزبي مثل الجبهة. لذا سماني وزيرا منتدبا
للوزير الأول في حكومة باحنيني وكلفني بالشؤون السياسية والعلاقات
بالبرلمان. وأنا من جهتي عملت في الجبهة كوزير أكثر مني عضوا عاملا، بحكم
أن الجبهة كانت تُسنِد الحكومة التي كنت عضوا فيها وناطقا باسمها ومكلفا
بشؤون البرلمان ودافعت عنها أمام البرلمان ضد ملتمس الرقابة (سحب الثقة)
مدة 3 ساعات على شاشة التلفزيون بدون توقف بعد أن عارضتها أحزاب المعارضة.
وكان مفروضا أن يتحدث رئيس الحكومة أحمد باحنيني لكن لا أحد كان يلتمس فيه
القدرة على المواجهة. لقد كان قانونيا مقتدرا ولم يكن سياسيا أو خطيبا.
وهو نفسه طلب مني أن أتولى مواجهة المعارضة ونصرة الحكومة المهدَّدة
بملتمس الرقابة. وواجهت بشجاعة المعارضين للحكومة، فبرأت ساحتها مما كان
يُنسَب إليها من تهاون، ويوجه إليها من اتهامات. وعلقت على جميع النقط
التي أثارها نواب أحزاب المعارضة إذ قمت طيلة ثلاثة أيام بتسجيل جميع
انتقاداتها ولم أترك نقطة أثارتها إلا وترصدت لها بالرد. وكانت المناسبة
أول مرة يبث فيها التلفزيون مباشرة وقائع جلسة البرلمان.* تميزت الانتخابات التشريعية لعام 1963 بهزيمة ستة وزراء من بينهم أنت
والمحجوبي أحرضان ويوسف بن العباس والدكتور محمد بن هيمة ومولاي أحمد
العلوي وإدريس السلاوي. فكيف تقبلتم تلك الهزيمة؟ـ أنا لا أريد أن أطعن في نزاهة تلك الانتخابات بسبب عدم فوزي فيها. فهذا
ليس سلوكي. ولو كانت مزورة لصالح الحكومة لنجح الوزراء المرشحون فيها.لقد تضافرت عدة عوامل لسقوطنا من بينها أن المعارضة كانت معروفة على
الساحة السياسية بحكم وجودها قبل تأسيس الجبهة وبحكم إعدادها الجيد لخوض
الانتخابات. لكن أيضا يجب أن أذكر أننا لما دخلنا الانتخابات وتقدمتُ في
مدينة المحمدية لأترك المجال لوزراء آخرين ليترشحوا في الدار البيضاء كنت
أعتبر أن المحمدية كانت من المراكز الحساسة عندنا في حزب الشورى
والاستقلال. وأذكر بكل شفافية وصدق أنني كنت أذهب للمحمدية لأقوم بحملتي
الانتخابية وأنا وزير على متن سيارتي الخاصة وبسائق غير موظف في وزارتي.
وكنت أخطب في التجمعات الانتخابية، ولم يسبق لي أن طلبت من رجال السلطة في
المدينة أن يناصروني. وخضت المعركة الانتخابية في مواجهة الاستقلالي ابن
العَرَبي. وكان من يعارضونني يرجمون بالحجارة من يتجمعون حولي وأنا أخطب.
ولم تتدخل الشرطة التي كانت موجودة في المكان لحماية من كانوا يهاجمون
حملتي الانتخابية. لقد كانت هناك عصابات تناهض أن تجري الانتخابات في هدوء
وسلام.وابن العربي هو الذي فاز بمقعد مدينة المحمدية وهو من مواليد المدينة
وربما اعتُبِرت أنا غريبا عنها وإن كنت لا أعتبر نفسي أنتمي إلى فاس أو
المحمدية أو الدار البيضاء. فأنا مغربي أنتمي إلى المغرب قبل كل شيء، لكن
ما يزال للتفكير القبلي أو الجهوي أثره على بعض العقول.وأرادت السلطة أن تلتزم الحياد فلم تتدخل حتى ضد المجرمين المعَكِّرين
للأمن. وأخيرا لم ينجح في الدار البيضاء إلا وزير واحد هو أحمد رضا كديرة
وزير الداخلية. ويقال ان العقيد إدريس بن عمر الذي كان آنذاك عاملا
(محافظا) للدار البيضاء قال: «إنه إذا لم ينجح كديرة وزيري في الداخلية في
المدينة التي أنا على رأسها فسأخلع بذلتي العسكرية وأنسحب». وكان أن نجح
كديرة في حي الكاريير سنطرال وهو حي شعبي لا علاقة لكديرة به.






















* لماذا انسحب أحرضان عام 1964 من الجبهة؟ـ ربما لأنه أحس أن الجبهة توزعت بشكل لم يَرضَ عنه. فالدكتور الخطيب أصبح
رئيسا لمجلس النواب، وكديرة أمينا عاما للجبهة، وأحمد باحنيني رئيسا لها.
فهو انسحب منها مثلما انسحب منها محمد بن الحسن الوزاني الأمين العام لحزب
الدستور الديمقراطي. وربما كانا معا يريدان أن يحصلا داخل الجبهة على مركز
يليق بماضيهما كزعيمين، مع العلم أن الجبهة لم يكن منتظرا أن تطول حياتها.
فهي أُنشِئت فقط من أجل الانتخابات. كما أن النكسات التي مُنِيت بها ـ
خاصة نكسة سقوط الوزاني في الانتخابات ـ جعلت الناس ينظرون إليها على أنها
ملتقى لشخصيات بعضهم له وزن كبير، وأن عنوان «الدفاع عن المؤسسات
الدستورية» لا يكفي لتجميع تحالف كبير من نوع التحالف الذي تشكلت من أجله
جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية.






















* بعد أشهر قليلة من تعيين كديرة وزيرا للخارجية سرعان ما تم تعيينه من جديد وزيرا للداخلية. فما هي خلفيات هذه العودة السريعة؟ـ كديرة كانت له مؤهلات كبيرة. كان رجل دولة اكتسب خبرة واسعة بتقلبه في
وزارات متعددة، إضافة إلى كونه كان رجل ثقة الملك الحسن الثاني. وكانت
علاقتهما تمر بمرحلة صفاء تتخلله أحيانا بعض الغيوم. دون أن تصل العلاقات
إلى حد القطيعة. فالملك كان يحتاج إليه ولكفاءته. وكان من عادة الملك أنه
لا يلبث أن يعود إلى المصالحة إذا ما حصلت بينه وبين أحد أعوانه جفوة.* حينما انسحب أحرضان من الجبهة أسس كديرة عام 1964 الحزب الاشتراكي
الديمقراطي. ولم يكن من بين مؤسسيه أي شخص ينتمي للحركة الشعبية أو حزب
الدستور الديمقراطي. وضم الحزب الجديد أحمد باحنيني (رئيسا)، وكديرة
(أمينا عاما)، وعبد الرحمن الخطيب، وأحمد العلوي، ومحمد الغزاوي، والمفضل
الشرقاوي أعضاء. فما هي أسباب عدم التحاقك بهذا الحزب؟ـ أراد كديرة أن يكون الحزب الجديد البديل عن جبهة الدفاع عن المؤسسات
الدستورية التي كانت كشكولا جاء بعد مخاض عسير لضم شتات الأحزاب التي لم
تكن منضوية في جبهة حزب الاستقلال والاتحاد الوطني. وطغى طابع كديرة على
الحزب أكثر من طابعه على الجبهة.وكان الحزب في الحقيقة حزب كديرة، وانخرط فيه من لهم علاقة حميمة بالملك
مثل محمد الغزاوي الذي كان عضوا مرموقا في حزب الاستقلال ولم يكن له أي
تجاوب أو تجانس مع كديرة، لكنه كان مقربا من الملك وتقلب في عدة وظائف
سامية مثل منصب المدير العام للأمن الوطني. وتقلد مرة وزارة الصناعة ولم
يمكث فيها إلا بضعة أسابيع. كما سبق له أن عُيِّن مديرا عاما للمكتب
الشريف للفوسفات. لقد انخرطت في الجبهة لأنها لم تكن مشخَّصة في زعيم، ولم
أنخرط في حزب كديرة وإن كان اسمه الحزب الاشتراكي الديمقراطي. الحزب
الجديد دام عمر الورود، أي استمر صبيحة يوم. وكان نشاطه يتجلى أكثر في
المقالات التي كان يحررها كديرة في صحيفة LES FARS باللغة الفرنسية. وكان
صحافيا مقتدرا وذا قلم قوي باللغة الفرنسية. ويمكنني أن أقول إنه كان رجل
الصحيفة أكثر منه رجل الحزب. ولم يكن اجتماعيا أو رجل العلاقات العامة بل
كان يميل إلى الانطواء على نفسه وخاصته وعددها قليل.* حينما اُعلِن عما سُمي بـ«مؤامرة يوليو» كنتَ مشاركا في الحكومة. ففي
نظرك هل كانت أحداث يوليو حقا مؤامرة أم افتعالا لها للقضاء على خصم سياسي
عنيد هو الاتحاد الوطني للقوات الشعبية؟ـ سأتكلم معك بكل صدق، مثلما حرصتُ في جميع الأحاديث التي أجريتها معك على
أن يكون كلامي من منبع الصدق لا من منبع التأويلات أو التكهنات التي ألاحظ
أنكَ تعتمد عليها في صياغة أسئلتك. ودعني أبين لك أن كل ما جرى بخصوص
المؤامرة وأسبابها ومراحل التحقيق فيها أمام الشرطة والقضاء لم يكن الملك
الحسن الثاني يفضي إليّ به أو يشركني فيه لأنه كان يعتبر أن ميدان الأمن
يخص الملك والأجهزة ذات الاختصاص التي كان يشرف على توجيه سياستها وفي
طليعتها الدفاع الوطني والأمن الوطني. ولذلك لم يكن يعين في وزارتي الدفاع
والداخلية إلا من يطمئن إليه كل الاطمئنان. وحتى إذا كان على وزارة الدفاع
وزير بهذه الصفة فإنه يشتغل بالشؤون الإدارية أكثر مما يشتغل بترقية
الضباط أو تنقلاتهم أو شؤون الجيش، وبصفة عامة كان الملك نفسه يقوم بذلك
بوصفه القائد الأعلى للجيش ورئيس الأركان. ونفس الشيء كان يجري بالنسبة
لوزارة الخارجية. أما الأمن فكان ميدانه الأخص. لذلك كنت ككثير من الوزراء
لا أعلم شيئا عن المؤامرة. والذين كانوا في الحكومة آنذاك وما زالوا أحياء
يمكن أن يؤكدوا ما قلته لك. كما أني لا أعلم أنه انعقد قط مجلس وزاري سواء
تحت رئاسة الملك أو تحت رئاسة الوزير الأول وكان موضوع المؤامرة في جدول
أعماله.بطبيعة الحال كنا نسمع ما يسمعه الناس حول وجود مؤامرة متهم فيها بعضُ
قادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. وكان يخطر في بالي أن تلك المؤامرة
يمكن أن تكون مفتعَلة، مثلما كان يخطر في بالي التساؤل ألا يكون أصدقائي
القدامى ربما غيروا توجههم السياسي بعد يأس ودخلوا في المتاهة. لكنني لم
أكن أعلم أكثر من ذلك، ولم يكن يُسمح لأحد أن ينفذ إلى هذا الملف الحساس.






















* هناك من يقول إن الكولونيل محمد أوفقير مدير الأمن الوطني آنذاك، وأحمد رضا كديرة أوْهَما الملك بهذه المؤامرة. ما هو استنتاجك؟ـ لا أنفي عن أوفقير أي نوع من هذه المناورات. فملف الأمن كان في يده. هل
كان يقول للملك كل الحقيقة؟ هل كان يخترع معلومات كاذبة ويقدمها على أنها
حقائق؟ فأوفقير يمكن أن يكون قادرا على كل شيء، لكن ليس لي أي تأكيد على
ما أقول ولا أستطيع تأويل ما أجهله.






















* وماذا عن دور كديرة في ذلك؟ـ ما أعتقد أن كديرة قد يكون نزل إلى مستوى أوفقير: هو رجل قانون ومحام.
لكنه قد يكون نظر في الملف كمحام ولا شك أنه كان يعرف ما كان يوجد فيه من
خلل. وكان يترك للقضاء واسع النظر.* في الحكومة التاسعة التي عينها الملك في 13 نوفمبر (تشرين الأول) 1963
وامتدت إلى يونيو (حزيران) 1965 برئاسة أحمد باحنيني، سميت في البداية
وزيرا منتدبا لدى الوزير الأول. فما هي المهام التي كُلِّفتَ بها؟ـ تم ذلك بعد تأسيس «جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية»، ومارست من خلال
ذلك المنصب مهام الناطق باسم الحكومة بالإضافة إلى تنسيق العلاقة بين
الحكومة والبرلمان. ولما جاء ملتمس الرقابة إلى مجلس النواب الذي تقدمت به
المعارضة كان عليَّ أن أقوم بالدفاع عن الحكومة بدلا من رئيس الحكومة الذي
كان ملتمس الرقابة يستهدف شخصه وحكومته. وطيلة الأيام الثلاثة من مناقشة
ملتمس الرقابة (حجب الثقة) كان المتحدثون باسم المعارضة ينتقدون الحكومة،
إلا أن الملتمس لم يحظ بالأغلبية وسقط بعد أن دافعتُ عن الحكومة في بث
تلفزيوني مباشر دام ثلاث ساعات حرصتُ خلالها على الرد على جميع الانتقادات
الواحد تلو الآخر.* خلال ملتمس الرقابة (سحب الثقة) الذي تقدمت به المعارضة والذي تحدثتَ
عنه عابرا في ما سبق، دافعتَ عن حكومة باحنيني بكل ما تملكه من قوة خطابة
وإقناع. ألم تحس آنذاك أن صورتك كمناضل عنيد سواء في صفوف حزب الشورى
والاستقلال أو الاتحاد الوطني قد اهتزت في أعين الشارع المغربي؟ـ لا أدري ما إذا كانت الصيغة التي صُغْتَ بها هذا السؤال تعكس واقع
الأمر. فأنا لا أظن أن صورتي آنذاك قد اهتزت. والذي سمعته ـ وقيل لي أيضا
مباشرة ـ هو أن صورتي تَلمَّعت أكثر. وكان الناس معجبين بالطريقة التي
دافعت بها عن الحكومة، وهنأني على ذلك أحد المعارضين في حزب الاستقلال هو
عبد الخالق الطريس. وأذكر أن الطريس الذي عاد من مصر بعدما كان سفيرا
للمغرب وانتُخب نائبا في مجلس النواب، جاءني في نهاية المرافعة وبعد
التصويت بالثقة على الحكومة وعانقني قائلا: «لقد اخترقت أدلَّتنا
وحُجَجَنا بمهارة وشجاعة. وأمنيتي على الله سبحانه وتعالى أن يؤلف جهود
الجميع وأن تتكوَّن حكومة وحدة وطنية تكون أنت فيها الناطق باسمنا جميعا».وكانت التلفزة المغربية لا تزال في بدايتها فشُدَّ المشاهدون عبر المغرب
إلى هذا الحدث الكبير الذي كان مشهدا جديرا في حياة الأمة إذ لأول مرة كان
مشاهدو التلفزة يعيشون وقائع مساءلة النواب أعضاء الحكومة، وجواب الحكومة
التي كنت الناطق باسمها. ولأول مرة بثت التلفزة وقائع حوار البرلمان بثا
مباشرا طيلة ما ينيف على ثلاث ساعات.وبما أنني انتقلت مرة واحدة من حزب لآخر، فإنني أحيانا كنت أطرح السؤال
على نفسي: هل تغيرت؟ هل غيرت آرائي ومعتقداتي؟ وكنت أجيب: لا. فأنا كنت
دائما في موقع النضال الذي اخترت لنفسي أن أكون فيه. ودافعت عن حكومة
أنتمي إليها باقتناع كامل من موقع مسؤوليتي فيها. وكنت أرَى أنها
تُتـَّهَم باطلا من طرف المعارضة فقط بغية تمرير ملتمس الرقابة ضدها
وإسقاطها. وكنت أرد على كل ما يصدر من لسان المعارضة بحجج قوية كانت
تتخللها أحيانا نكهة الدعابة والمرح. وعلى سبيل المثال أذكر أن النائب
المعارض آنذاك المعطي بوعبيد الذي كان أول مدير لديواني في وزارة الشغل في
الحكومة الأولى إثر الاستقلال قال في تدخله: «إن وزير الشغل يقضي يومه في
تصدير اللحوم البشرية إلى الخارج» وكان يقصد تشجيع هجرة العمال المغاربة
إلى الخارج، لكنه عبر عن ذلك بقوله: «إنه يظل طول وقته يصدِّر اللحوم
البشرية إلى الخارج». فكان جوابي عليه: «أتتذكر سيادة النائب المحترم كم
مرةً صدَّرنا اللحوم البشرية (أنا وأنت) عندما كنتَ مديرا لديواني في
وزارة الشغل». وتحدث النائب المعارض عبد القادر الصحراوي وقال محركا يده:
«إن وزارة المالية إنما تظل تطبع الأوراق النقدية وتدير طاحونة الطبع بدون
انقطاع». فداعبته قائلا: «هل رأيتَ مرة في حياتك أوراقا يلقى بها في
الطاحونة؟ إذا طُحنَت هذه الأوراق في الطاحونة تلاشت وتبددت». ورددت على
ما جاء في تدخل نائب آخر: «إن الوزراء يركبون سيارات المرسيدس، وأن في ذلك
تبذيرا لأموال الأمة، والدولة لا يمكنها أن تتحمل ذلك». فكان جوابي:
«أتقترحون ـ سيادة النائب ـ أن يركب الوزير حمارا بدلا من المرسيدس؟،
أيُسرُّكم ذلك؟ ألا يوجد من بينكم من جاء إلى البرلمان وترك سيارة
المرسيدس أو حماره في الباب؟». وكان عدد من النواب يأتون البرلمان ولهم
مرسيدسات.أنا لم أغير موقفي. وما كان يهمني أن تهتز صورتي أو لا تهتز. أن تتلمع أو
لا. لقد كانت لديَّ الشجاعة في أن أتحمل مسؤوليتي عما أفعل. ولم أكن أهتم
بغير ذلك.






















* في عام 1965 وقع انقلاب هواري بومدين في الجزائر. فكيف كان صدى ذلك في المغرب؟






















ـ لم ندرس هذا الموضوع في المغرب من منطلق من الأفضل للمغرب أهو بن بلا الذي وقع عليه الانقلاب أم بومدين الذي أصبح على رأس الحكم؟المعروف أن علاقة المغرب بحكومة بن بلا لم تمر بفصل الربيع ولا حتى بشهر
العسل. وإنما عرفت علاقات شاذة وصعبة. والأزمة الداخلية في الجزائر كانت
تبدو في المغرب خطيرة لأننا لم نأخذ في عهد بن بلا من الجزائر الأراضي
المغربية التي كنا نريد أن نسترجعها.بعد حدوث الانقلاب ربما تنفسنا شيئا ما الصعداء وقلنا لِننتظِر توجهات
النظام الجديد، خصوصا انه لم يكن بين المغرب وبومدين حسابات خاصة، لأن
بومدين كان في وزارة الدفاع ولم يكن بالرجل البارز في الساحة السياسية في
الجزائر. ولم يكن من قادة الجبهة الأولين.وفعلا عندما جاء بومدين إلى الحكم تطلعت الآمال إلى أنه قد يحدث انفراج في
العلاقات، وقد نصل معه إلى تحقيق ما عجزنا عن تحقيقه مع الرئيس بن بلا.* ما مدى تأثير اختطاف الطائرة التي كانت تُقِلّ قادة جبهة التحرير
الجزائرية عام 1957 من قِبَل الفرنسيين بعد مغادرتها المغرب إلى تونس على
آفاق العلاقات المغربية ـ الجزائرية؟ـ بالعكس لم يكن له أي تأثير. فاستضافة الزعماء الجزائريين الخمسة في
المغرب، واصطحاب الملك محمد الخامس لهم إلى تونس، واختطاف الطائرة، هذا
كله كان يدخل في سياسة المغرب الوفية لمساندة الجزائر، ويدُلُّ على إيمان
الملك محمد الخامس بضرورة إقامة اتحاد المغرب العربي، وبضرورة الانتظار
لحل المشاكل الثنائية بين الجزائر والمغرب في ظل آفاق أوسع وأرحب.إن حادث الاختطاف كان يُعتبر في المغرب اعتداءً من فرنسا على المغرب لأنه
اعتداء على ضيوف جلالة الملك القادمين في حماه وضيافته من المغرب المستقل.
وعملية الاختطاف علامة على أنه لا يزال لدى الفرنسيين حنين إلى انتهاك
سيادة المغرب وتونس. فالاختطاف له تأثير على العلاقة بين المغرب وتونس من
جهة وفرنسا من جهة أخرى.* هناك مزاعم تقول إن الحاكم الفرنسي في الجزائر علم بموعد مغادرة القادة
الجزائريين الخمسة من المغرب ومن مكتب الأمير مولاي الحسن. ما تعليقك؟ـ هذا كلام لا يُقبَل في حق الأمير مولاي الحسن. فهو كان وطنيا ولا يمكن
أن يكون إلا ذلك. والمغرب هو الملك والملك هو المغرب. أرأيت رجلا يتآمر
على نفسه أو أميرا يبيع للشيطان عرشه؟ وربما يكون الفرنسيون قد تجسَّسوا.
ففرنسا كانت لها آنذاك أجهزة تنصُّت متقدمة في مجال الجاسوسية.






















* في 20 أغسطس (آب) 1964 عُـيِّـنتَ وزيرا للعدل. فما هي ظروف تعيينك في هذه الوزارة الحساسة؟ـ عينتُ وزيرا للعدل في ظروف خاصة. وكان وزير العدل الذي خلفته هو السيد
عبد القادر بن جلون. وكان زميلا لي في حزب الشورى والاستقلال، وفي حكومة
الاستقلال الأولى كان وزيرا للمالية. وكان مطروحا آنذاك موضوع إقامة محكمة
العدل الخاصة لمحاربة الفساد والتلاعب بالمال العام. وكان المفروض في
إقامة هذه المحكمة أن يعمل فيها القضاء بإجراءات سريعة ولكن تُحترمُ فيها
حقوق المحالين اليها، وأن تفرض المحكمة أقصى العقوبات بالنسبة لمن
يتطاولون على أموال الدولة من المرتشين الذين تختص المحكمة في النظر في
تهمهم. ولم يكن الوزير بن جلون مرتاحا لإنشاء هذه المحكمة كما أن أحمد رضا
كديرة كان ضد إنشائها. كانا يعتبران أنها محكمة خاصة استثنائية قضاء
المغرب غني عنها.وراهن الملك الحسن الثاني في إنشائها على تدشين عهد جديد يقوم على تنظيف
الحكم وتخليق الإدارة. وبينما كان الوزيران يعارضان إنشاء المحكمة
المذكورة كان الملك الحسن الثاني مؤمنا بفعاليتها للضرب على أيدي
المتلاعبين ومرتكبي الفساد وسارقي المال العمومي، ومن يرتشون ويقومون ـ
وهم يعملون داخل الدولة ـ بصفقات سرية مشبوهة. لذلك أعفى بن جلون من منصبه
وعرض عليّ أن أكون وزيرا للعدل. بعدما سمع مني أنني أؤيد إنشاء هذه
المحكمة التي ما زالت موجودة حتى الآن وأني لا أجد فيها ما يسيء إلى
القضاء. وكنت أعتقد أنها توفر الضمانات للمتهمين ليدافعوا عن أنفسهم،
وتخفف من تعقيد الإجراءات المسطرية وتشدد العقوبات. وربما كان هذا أحد
الأسباب التي جعلت الملك الحسن يختارني للإشراف على وزارة العدل لأنني كنت
مقتنعا بفعالية المحكمة وشدة الحاجة إليها. كانت نظرتي إليها سياسية بينما
كانت نظرة بن جلون وجديرة إليها قضائية.






















* بعد تعيينكم وزيرا للعدل أشرفتم أيضا على مشروع مغربة القضاء وتعريبه وتوحيده. ماذا تقولون عن هذه التجربة؟






















ـ هذا المشروع هو قانون 26 يناير (كانون الثاني) 1965 المتعلق بتوحيد القضاء ومغربته وتعريبه.وكان يراد من هذا القانون توحيد القضاء أي توحيد المحاكم. ذلك أن المغرب
كان يتوافر على مجموعة من المحاكم الموروثة عن نظام الحماية الفرنسية
والاسبانية.* في نفس الحكومة التي عُينتَ فيها وزيرا للعدل عُين فيها أحمد الطيبي
بنهيمة وزيرا للخارجية. فماذا تقولون عن هذه الشخصية التي تقلبت في عدة
وظائف؟ـ لقد كان الملك الحسن الثاني يقيم بمدينة إفران عندما قام بتأليف
الحكومة. وأذكر أن الوزراء الذين شملهم التعيين أو طالهم التعديل استُدعوا
إلى إفران. وعندما وصلتُ صباح الإعلان عن الحكومة الجديدة إلى القصر
الملكي كان في قاعة الانتظار أحمد الطيبي بنهيمة (وكان يشغل آنذاك منصب
الممثل الدائم للمغرب في هيأة الأمم المتحدة بنيويورك) واستقبله الملك
الحسن الثاني قبلي، تم نادى عليَّ مدير التشريفات الملكية للمثول بين يدي
الملك الذي أبلغني قراره بتعييني على رأس وزارة العدل، وأطلعني جلالته على
قائمة الوزراء الجدد ومن بينهم أحمد الطيبي بنهيمة وزيرا للخارجية. فلم
أتمالك أن أقول رأيي عن هذا التعيين وجاهرت كعادتي بأني كنت أبتهج أكثر لو
أبقاه جلالته ممثلا للمغرب بالأمم المتحدة، لأنه كان ممثلا ناجحا في
المركز الذي كان فيه. وذكَّرتُ جلالتَه بأنه أثناء زيارته للمنظمة
بنيويورك سنةً من قبل ـ وكنت رافقت جلالته في هذه الزيارة ـ قام بنهيمة
بتقديم ممثلي الدول بالمنظمة إلى جلالته كلٌّ باسمه واسم دولته دون الرجوع
إلى ورقة ولم يخطئ في تقديم واحد منهم. وكان عدد المندوبين الدائمين آنذاك
يبلغون 103 مندوبا وكنا لاحظنا ما كان لبنهيمة داخل المنظمة من مكانة
مرموقة وحسن صيت. وكان يُنظر إليه على أنه له حظوظ ليرقى إلى رئاسة
الجمعية العامة للمنظمة أو يصبح أمينا عاما لها. وذكَّرت جلالته بكل هذا
فقال: «لقد سمَّيته الآن وزيرا للخارجية وإن كنتُ أشاطرك ما قلتَه عنه».






















ولم يلبث الوزير بنهيمة في وزارة الخارجية طويلا وأعاده الملك إلى منصبه بنيويورك. وكان أيضا وزيرا ناجحا للإعلام.* في الحكومة ذاتها عُيِّن أوفقير وزيرا للداخلية. فكيف كانت العلاقة
بينكما خاصة أن هناك نقطة التقاء كانت توجد بين وزارة العدل ووزارة
الداخلية؟ـ أوفقير كإنسان كان لطيف المعشر ولكن كانت له شخصيتان أو شخصيات في شخصية
واحدة. فأوفقير الذي كان يَبَـشُّ في وجه بعض الناس ويعانق ويحتضن ويغالي
في تشريف من يعتبرهم علماء أو أساتذة أو رجال دولة مقتدرين أو شرفاء النسب
هو أيضا الشخص الذي يستنطق الناس في مخافر الشرطة، ويشرف على تعذيبهم،
ويغير وجهه وسحنته وجلده. أي يبدو في وجه آخر. لقد كان يُحسن تغيير
الأقنعة وتعديد الصور.كان أوفقير يحترمني كل الاحترام. لكن وقع بيني وبينه أول نزاع عندما أمر
الملك الحسن الثاني (وكان المغرب يعيش حالة الاستثناء سنة 1965) أن يجمع
وزير العدل ووزير الداخلية في آن واحد الأجهزة المكلفة بالأمن والسلطة
التابعة لوزارة الداخلية، مع جهاز وكلاء الدولة أو وكلاء الملك (النيابة
العامة) التابعين لوزارة العدل.وقال الملك الحسن الثاني آنذاك إن مصلحة البلاد تقتضي أن يقوم نوع من
التنسيق ليس بين القضاة الجالسين (الذين يُصدرون الأحكام فهؤلاء مستقلون)
وإنما بين القضاة الواقفين (النيابة العامة) الذين يأخذون التعليمات من
وزير العدل، وبين من يُسمَّون في لغة وزارة الداخلية بــ«رجال السلطة» أي
العاملين في الأمن والشرطة ومصالح وزارة الداخلية. والتعبير عنهم بهذا
اللفظ نزعة تشير إلى احتكار السلطة من لدن وزارة الداخلية. وقد بقيت هذه
النزعة قائمة إلى أن تم اختراقها من الملك محمد السادس عندما دعا إلى
مفهوم جديد للسلطة.وأذكر أننا لما أردنا أن نعقد الاجتماع أعرب أوفقير عن رغبته في أن يتم في
مقر وزارة الداخلية. وكان جوابي: «لن يذهب القضاة إلى وزارة الداخلية، بل
وزارة الداخلية تأتي عند القضاة». كان هناك نقاش حاد بيني وبين أوفقير حول
هذه المسألة التي كانت تبدو إجرائية فقط، لكني أعطيتها بعدا أعمق تأخر
بسببه عقد الاجتماع لأسابيع. ومما قلت له آنذاك إنه حتى بالنسبة
للبروتوكول (المراسم) وزير العدل يتقدم على وزير الداخلية.






















* وكيف تقبل اوفقير الموضوع؟ـ رفع أوفقير الأمر إلى الملك الحسن الثاني الذي استغرب أن يكون بيننا
خلاف حول مكان الاجتماع. وقال أوفقير للملك بحضوري: «الأستاذ بوطالب حريص
على سلطته. وهو يريد أن يأتي القواد والباشوات وعمال (محافظو) جلالة الملك
إلى وزارة العدل. ولا يقبل أن يأتي القضاة إلى وزارة الداخلية». فقلت
للملك الحسن الثاني وأنا أبتسم:«إن السيد وزير الداخلية يريد أن يذهب
وكلاء جلالة الملك نصره الله إلى وزارة الداخلية لا أن يأتي زملاؤهم
عندهم». فضحك الملك الحسن الثاني، وقال لي: «أنت دائما صاحب نُكَت» وفعلا
أذعن الجنرال. وكانت الاجتماعات تنعقد بوزارة العدل بحضوره ورئاستي. وبسبب
هذا الموضوع ظل الملك الحسن الثاني يعتقد أنه توجد بيني وبين أوفقير جفوة.






















إنني لم أقم بما قمت به بسبب التعصب للسلطة، وإنما أردت أن أشير إلى أن هيبة سلطة القضاء يجب أن تحترم من أعوان وزارة الداخلية.وإذا كان الملك الحسن الثاني أمر بالتنسيق بين العاملين في الوزارتين فإنه
ينبغي استحضار ما للقضاء من استقلال، لكن ظلت هذه الفجوة في ذاكرة الملك،
لأنني إثر مؤامرة الصخيرات وفشلها كنت نبهت جلالته إلى أنني أشم رائحة
طبيخ كريه يبدو لي أن لأوفقير علاقة به رغم أنه ليست لدي حجة. فقال الملك
الحسن الثاني «غريب أمرك إنك تتذكر الجفوة التي كانت بينك وبينه عندما
اختلفتما حول أين يجتمع أعوان الملك التابعون للقضاء وأعوان الملك
التابعون للداخلية، وبقيت الجفوة بينكما». وسيكون لي معك حديث شامل عن هذا
الموضوع عندما نبلغ بهذا الحوار فترة أحداث الصخيرات ومؤامرات أوفقير.






















* كيف كان يتصرف الجنرال أوفقير الوزير داخل المجلس الحكومي؟ـ أوفقير في هذا الوقت أصبحت له علاقات حميمة بالملك الحسن الثاني، وأصبح
مصدر معلوماته عندما عينه على الأمن الوطني. وأذكر أنه إبان الحكومة التي
كان يرأسها الدكتور محمد بنهيمة، كان أوفقير وزير الداخلية يأتي للمجلس
الوزاري أحيانا متأخرا مثلما أصبح يفعل بعده السيد إدريس البصري في
الحكومات الأخيرة. ولكن الدكتور بنهيمة كانت شخصيته قوية، وكان لا ينتظر
أوفقير. وكنا نبدأ اجتماعات الحكومة قبل وصوله. وكان أوفقير يتألم لذلك
ويقول: «أنا لدي أشياء مهمة جدا كنت أريد أن تعرفوها، وأنا وزير للداخلية
ومشرف على الأمن ولا يجوز أن يفوتني شيء». فكان بنهيمة يجامله ويقول له:
«لا بأس سأشرح لك ما فاتك». ومرة استعمل بنهيمة كلمة لاذعة وقال
بالفرنسية: «دعوني «أبسّط» للجنرال ليفهم ما تناقشنا فيه». بنهيمة كان
يستصغر الجنرال لأن ثقافته كانت ثقافة المخابرات فقط.لقد كان الجنرال أوفقير يعمل في الحكومة أو بينها ولكن ليس ضمنها. لم يكن
يُطلِع الحكومة على أسرار وزارته وتقاريرها إلا نادرا حينما يحضر لينذر
الحكومة بأن الأمن في خطر أو يستصدر تعليمات لأنه محتاج إليها لتنفيذ
مخططاته. لقد ظل أوفقير يعمل باستقلال عن الحكومة ولكن كل ذلك كان عنده
مغلفا بقوالب المراعاة واللباقة واحترام الناس والتودد إليهم. لم يكن يبدو
متسلطا، وكان له نوع من الأخلاق المظهرية التي تجعلك تحس أن أمامك الرجل
المتواضع المجامل، والعسكري المنتظِم الذي يعظم رؤساءه الأكبر منه رتبة
ومقاما.وكان معروفا عن أوفقير أنه يحسن فن التودد والمجاملة إلى حد كبير حتى مع
من كان يدبر لهم وراء الستار مكيدة أو مؤامرة عليهم. وبقي يلعب هذا الدور
مع الملك الحسن الثاني، على أساس أنه الوزير المطيع، الممتثل، المنتظِم،
بينما كان «يُسرُّ حَسْوا في ارتغاء» كما يقول المثل العربي.

_________________
الخفافيش تخاف نور الشمس !!
****************
لا يجب أن تقول كل ما تعرف ولكن يجب أن تعرف كل ما تقول

بديعة
مشرف (ة)
مشرف (ة)

انثى عدد الرسائل : 6075
العمر : 30
Localisation : الدارالبيضاء
Emploi : موظفة
تاريخ التسجيل : 03/04/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

8- زرت ليبيا لتسليم الملك إدريس السنوسي الدعوة لحضور القمة الإسلامية في الرباط فوقعت ثورة القذافي

مُساهمة من طرف بديعة في الجمعة 9 أكتوبر 2009 - 15:43

الجنرال أوفقير
كان يحاول وضع النظام في مأزق ليكون الملك دائما في حاجة إلى خدماته قبل
اندلاع حرب 1967 أراد الحسن الثاني أن يدخلها فبعث ممثله الخاص أحمد
بلافريج إلى الرئيس عبد الناصر الذي كان جوابه «لست بحاجة إلى مساعدة أحد»
* اقترح اوفقير تقسيم وزارة التعليم إلى 6 وزارات وارتاح الملك لهذا
الاقتراح بدافع هاجس الأمن * قلت للملك إنني ارتديت وزارة التعليم لباسا
فضفاضا متسعا على قدر قامتي، وصعب علي أن ألبسها في شكل تنورة قصيرة






















* قال الملك لبنهيمة «اهتم أكثر بالشؤون الاقتصادية واترك لوزير الدولة الاهتمام بالشؤون السياسية والاجتماعية»* أمر الملك أن تقتطع ميزانية وزير الدولة من ميزانية الوزير الأول فتعقدت
العلاقات بيني وبين بنهيمة الذي أصبح يضيق علي ويبخل بموارد وزارته في هذه
الحلقة من حوارات «نصف قرن تحت مجهر السياسة»، يواصل عبد الهادي بوطالب
الحديث عن الفترة التي شغل فيها منصب وزير التربية والتعليم والمشاكل التي
اعترضت علاقته مع الجنرال أوفقير الذي لم يهدأ له بال إلاّ عندما تم تقسيم
الوزارة إلى ست وزارات.ويحكي بوطالب أيضاً عن تجربته كوزير للدولة (بدون حقيبة) قبل أن يعينه
الملك الحسن الثاني وزيراً للخارجية. كما يروي بوطالب قصته مع ثورة الفاتح
من سبتمبر بقيادة العقيد معمر القذافي التي أطاحت بالنظام الملكي في
ليبيا، ذلك أن وقوع الثورة صادف وجوده في طرابلس لنقل دعوة من الملك الحسن
الثاني إلى الملك إدريس السنوسي لحضور القمة الإسلامية في الرباط.






















* ما هي اسباب اسناد حقيبة وزارة الدولة اليك؟ـ كنتُ في مارس 1968 على رأس وزارة التربية الوطنية عندما حلت الذكرى
الثالثة لأحداث 23 مارس التي تحتفل بها كل سنة مراكز التعليم ويقوم فيها
التلاميذ والطلاب بتخليد الذكرى. وعند ذاك بدأت الجفوة بيني وبين وزير
الداخلية الجنرال أوفقير. كان للجنرال منطق غريب. كان يرى أن وزارة
الداخلية (أو ما أصبح يسمى في عهد إدريس البصري «أم الوزارات») يجب أن
تحشر أنفها في كل مرفق حكومي. وكان يقول: «كيف يمكن لوزير التربية
والتعليم أن تكون له ميزانية أكبر من ميزانية وزير الداخلية فيما وزارة
الداخلية هي المسؤولة عن أمن البلاد واستقراراها». كان يقيس عظمة الوزارات
وأهمية الوزراء بمقياس حجم الميزانيات التي تتوفر عليها الوزارات. ووصل به
الأمر إلى حد أنه عندما اقتربت ذكرى 23 مارس (آذار) (سنة 1968) قال في
مجلس وزاري تحت رئاسة الملك: «أنا أتَوقّع وقوع اضطرابات يوم 23 مارس
المقبل، وأريد أن أعلم ما إذا كان وزير التربية الوطنية قادرا على مواجهة
ما قد يحدثُ من قلاقل في المدارس والمعاهد والجامعة، لأنه إذا لم تكن لي
وسائل المواجهة داخل المدارس والمعاهد فلا أضمن لكم أمنا». وطالب في نهاية
عرضه أن يدخل رجال الشرطة والأمن إلى مدارس المغرب ليلة الذكرى للسهر على
أمنها والحفاظ عليها طيلة يوم الذكرى لمواجهة جميع الطوارئ. وأثار تطاوله
هذا نقاشا حادا بيني وبينه داخل المجلس الوزاري. فقد امتنعتُ أن تدخل
الشرطة والجيش إلى المدارس ورفضتُ اقتراحه أمام الملك الذي كان يتابع
النقاش بدون أن يتدخل فيه. وقلت للجنرال: «إن المديرين الذين يوجدون على
رأس المدارس والثانويات وعميد الجامعة هم وحدهم المسؤولون عما يجري داخل
المدارس والمعاهد والجامعة. وإذا ما رأيتُ أن الأمن لم يعُدْ في قبضة اليد
فإنني سأتصل بك حينا لتقوم باللازم، لكن لا تتدخل قبل ذلك». وبلغت الجرأة
بأوفقير أثناء نقاشنا إلى حد القول: «أطلب من وزير التربية الوطنية أن
يعطيني قائمة أسماء بعض المعلمين والأساتذة الذين يمكن أن يكونوا عيونا لي
داخل المدارس والمعاهد ليخبروني بما يجري حتى نكون على علم بما سيحدث قبل
وقوعه». فكان جوابي: «إن الأساتذة والمعلمين يختارون العمل في وزارة
التعليم لشيئين: الحفاظ على كرامتهم، والتمتع بعطلة 3 أشهر في السنة. وإنه
ليمس بكرامتهم أن نُجبِرهم على أن يكونوا جواسيس ومُخبِرين. وليس عندي ولا
واحد أعطيه ليكون في خدمة مصالح الأمن». وزدت قائلا لأوفقير: «وهل أنت
عاجز لتتخذ لك من الجواسيس من تستطيع أن تصطفيهم لهذه المهمة بدون إذني
وعلمي حتى تطلب مني ذلك؟».






















* ماذا كان رد فعل الجنرال اوفقير حينما قلت له «هل انت عاجز لتتخذ لك من الجواسيس من تستطيع ان تصطفيهم لهذه المهمة»؟ـ أوفقير ظل حاقدا عليّ منذ هذه المواجهة. لكن الملك الحسن الثاني حسم في
موضوع دخول الشرطة إلى المدارس أو احتلالها من قبل الجيش قائلا: «كلام
السيد بوطالب معقول. ولكن هذه مسؤولية كبرى وعليه أن يتحمل مسؤوليته. وأنا
أثق في أنه قادر على أن يتحمل المسؤولية». وأضاف يخاطبني: «إذا رأيتَ ما
يُوجِب أن يتدخل رجال الأمن فلا تتأخر بإشعار أوفقير بحقيقة الوضع الذي
يسود المدارس والمعاهد».وقبل حلول ذكرى 23 مارس (اذار) أرسلت «منشورا إلى جميع مديري المدارس
الثانوية والابتدائية، ووضعت في مكتبي هاتفا مباشرا خاصا برقم خاص لم
يُستعمَل قط، عمَّمْتُه على المديرين على أنه رقم الهاتف المباشر للوزير
الذي سيداوم طول اليوم، وما عليكم إلا أن تتصلوا به في أية لحظة أو ساعة
من الليل أو النهار. فهو الذي سيرُدُّ بنفسه على مكالمتكم إذا كنتم بحاجة
إلى حفظ الأمن في المدارس».وفي الساعة 12 من يوم 23 مارس 1968، اتصل بي أوفقير هاتفيا وقال: «هناك
اضطرابات وقلاقل في بعض المدارس، ولعله لا علم لكم بها يا سيدي الوزير».
فقلت له: «أنا متابِعٌ الأمور ولي بجانبي هاتف مباشر خاص، ولم يرِنَّ هذا
الهاتف من أية جهة إلا من ثانوية مولاي يوسف بالرباط التي قال لي مديرها
السيد محمد بوعمود (أصبح في ما بعد وزير التعليم) إن التلاميذ يصيحون
ويهتفون ويُـغَـنُّـون أناشيد وطنية ولكنهم لا يتجاوزون ذلك، فقلت له:
«اتركهم وشأنهم. دعهم يقولون ويردِّدون ما يشاؤون، وإذا غُلبتَ على أمرك
وحصل عبث بالمؤسسة فاتصل بي».ومن بين ما قاله لي أوفقير أيضا إن: «بعض المدارس كُسرت أبوابها وحطم زجاج
نوافذها». فقلت له: «بالنسبة لي ما دام هذا الهاتف الموجود على مكتبي لم
يرنَّ فإنه لا يوجد خطر في المدارس إلا في الحالة الوحيدة بالرباط التي
حدثتك عنها وليست لها أهمية».وهنا بدا لي أن أوفقير آلمه أن تمر الأمور بسلام. وأعتقد أن فكرة فرض
سلطته بوسائل ماكرة قد أخذت في هذا الحين تختمر عنده، وأنه كان يدبر شيئا
من خلال وضع النظام في مأزق ليكون الملك دائما في حاجة إلى خدماته. وكان
أوفقير لا يتردد في فعل ذلك.وبعد ذلك، التقينا أنا وهو عند الملك الحسن الثاني ورويت له بالضبط ما جرى
بيننا بحضوره. فاضطر الجنرال آنذاك إلى أن يقول لي بعد انصرافنا من القصر:
«لقد توصلنا في صباح يوم الذكرى بمعلومات تَـبيَّن في ما بعدُ أنها غير
صحيحة. وعندما اتصلت بكم لم أكن أتوفر على حقيقة المعلومات. وإن تكذيب ذلك
جاء في ما بعد». فعرفت أنه كذَب. بعد ذلك أخذ يصنع تقارير ويرفعها إلى
الملك يقول فيها إن سلامة ذلك اليوم كانت أعجوبة، وأن جميع تقارير الأمن
كانت تتحدث عن قيام مظاهرات، وعن اختلال الأوضاع داخل المدارس والمعاهد.
كما أعد تقريرا عن ميزانية وزارة التعليم مقارَنةً بميزانية وزارة
الداخلية. وقال فيه إنه يجب التنبه لحجم وزارة التعليم فبسببه سيبقى كل
وزير على رأسها وكيفما كانت شخصيته عاجزا عن أن يمسك بمقاليد الأمور.
واقترح أوفقير أن تقسم الوزارة إلى 6 وزارات. وارتاح الملك لهذا الاقتراح
بدافع هاجس الأمن، وفاجأني فأخبرني أنه قرر أن يقسم وزارة التعليم إلى
وزارات متعددة هي: وزارة التعليم الابتدائي، ووزارة التعليم الثانوي،
ووزارة التعليم التقني، ووزارة تكوين الأطر، ووزارة التعليم العالي،
ووزارة الثقافة. (لم تكن آنذاك موجودة) فقلت للملك «بيداغوجيا هذا شيء غير
مقبول ويمس بوحدة الوزارة التي تتوفر على قسم مُهِم لا يقبل التجزئة هو
قسم التوجيه أو مصلحة التوجيه، يختص بتوجيه التعليم وتنسيق أطواره من
المرحلة الابتدائية إلى الثانوية إلى أن ينتهي الطالب إلى التعليم العالي»
وأضفت: «أريد أن أقول لجلالتكم إنه لا يمكن أن تتفتت حلقات التعليم بين
وزارات إلى هذه الدرجة. وإذا كانت دول أخرى قَبْلنا قد اختارت تقسيم وزارة
التعليم، فإنها في الغالب لم تزد على تقسيمها إلى وزارتين: وزارة التربية
والتعليم، ووزارة التعليم العالي». فقال الملك «أريدك أن تبقى على رأس
إحدى الوزارات الكبرى الست أو أعهد إليك بتسيير وزارتين». فكان جوابي
«أعتذر عن ذلك لأنني غير مؤمن بفائدة هذا التقسيم، بل إني أتخوف منه. فقال
الملك «يمكن أن تبقى مصلحة التوجيه رهن إشارة جميع وزارات التعليم كما لو
كانت وزارةً واحدةً". فقلت: «هذا أيضا لا يَصِحُّ تقنيا، لأن هناك توجيها
خاصا للتعليم الثانوي وآخر للابتدائي، ولا ينفع في ذلك إلا وجود قسم واحد
لا يتجزأ يقوم بالتنسيق ويوجِّه التلاميذ نحو الشُعَب المفروض نجاحهم
فيها». فكان جوابه: «فلْتكن أنت وزير التعليم العالي والثقافة والتنسيق،
بينما يبقى الوزراء الآخرون على رأس التعليم الابتدائي والثانوي والتقني».
واستسلمت إلى تفكير لم يمتدَّ طويلا ثم خطر لي أن أبرر اعتذاري بما قد
يرتاح له جلالته. فقلت له: «اسمحوا لي يا جلالة الملك إنكم قد تعتقدون أن
ما سأقوله إنما هو من باب الكبرياء أو من باب التَّنطُّع. والحقيقة أني
ارتديت هذه الوزارة بفضل جلالتكم لباسا فضفاضا متسعا على قدر قامتي، وإنه
لَصعب علي أن ألبسها في شكل تنُّورة قصيرة (Mini jupe)






















* وماذا كان تعليق الملك على ما قلتَه له؟






















ـ ضحك وقال لي: «كلام وجيه. فهمتك الآن. إذن ستصبح وزير دولة بدون حقيبة» وهي أسمى رتبة في الوزارات .* وأصبحتَ وزير دولة (في المغرب أكبر درجة من وزير) في الحكومة رقم 11
برئاسة محمد بنهيمة بتاريخ 17 يونيو (حزيران) 1968، أي بعد أشهر من مرور
الذكرى الثالثة لأحداث 23 مارس؟ـ نعم. وحينما كنتُ وزيرا للتربية والتعليم كان بنهيمة وزيرا للأشغال
العمومية، ثم أصبح وزيرا أول وأنا في نفس المنصب (وزير التربية والتعليم).
وبعد تعييني وزير دولة عُيِّن محمد حدو الشيكر وزيرا للتعليم الابتدائي،
وعبد اللطيف الفيلالي وزيرا للتعليم العالي، وقاسم الزهيري وزيرا للتعليم
الثانوي والتقني، وعبد اللطيف بن عبد الجليل على رأس وزارة أخرى.






















* ما هي المهام التي كُلّفتَ بها بصفتك وزيرا للدولة بدون حقيبة؟ـ عندما عينني الملك الحسن الثاني وزيرا للدولة ذكر لي قصة حدد فيها مهام
وزير الدولة. (وأفتح هنا قوسين لأقول لك إنه رحمه الله كان مُمْتِعا
وبليغا ومُقْنِعا في تقديمه للشؤون والقضايا بإبداع ومهارة). فقال لي: «يا
أستاذ عبد الهادي بوطالب بالنسبة لوزارة الدولة لعلك ستكون غير مطمئن
إليها وتعتبر أنها وزارة بدون محتوى». فقلت له: «لا، جلالتكم أمرتم بذلك
ولا يسعني إلا أن أَقبلْ». فأردف قائلا: «في الحكومة الأولى التي أسستُـها
عقب استلامي مقاليد العرش عيَّنتُ وزراء من مختلف الأحزاب وسميتُ زعيمكم
السابق محمد بن الحسن الوزاني وزير دولة وقلت له ماذا يعني عندي منصب وزير
الدولة : إنه وزير في أعلى درجات الوزراء بدون حقيبة وزارية، لا يقضي يومه
في حل مشاكل الإدارة والموظفين، لكنه ينقطع للاشتغال بالتصورات الكبرى
لسير الدولة والتخطيط لسياستها العليا. ويستطيع أن يبعث لي كل يوم 10
مذكرات ـ إن شاء ـ تتضمن تصوراته عن الدولة وشؤون الحكم. وزدت فقلت للسيد
الوزاني: «يمكنك أن تشافهني أو تكتب لي في موضوع يتعلق بعقد قمة عربية، أو
موضوع دولي مطروح على منظمة الأمم المتحدة، أو متعلق بحرب وشيكة الوقوع،
أو مشكلة اقتصادية معقدة وتتطلب الحل، كما يمكنك أن تتحدث إليّ عن عواقب
ارتفاع سعر اللحم أو سعر النعناع (الذي يوضع في الشاي) مثلا أو ما أشبه
ذلك. فوزير الدولة لا اختصاص محددا له بل له جميع الاختصاصات». لكن يظهر
أن الوزاني لم يفهم كلام الملك وقبل منصب وزير دولة على مضض، ثم غادره
لأنه لم يكن يريد أن يكون وزير دولة بل كان يفضل أن يكون وزير الخارجية.






















* لم يرغب في هذا المنصب رغم أنه ـ بروتوكوليا ـ أعلى درجة من وزير؟ـ نعم. وأريد أن أقول إنه حينما جاء موعد تعييني وتنصيـبي وزيرا للدولـة.
وكان بنهيمة كما سبق أن قلت لك وزيرا أول ـ أثنى الملك الحسن الثاني عليّ
بمحضره وحضور المدير العام للديوان الملكي إدريس المحمدي وقال إنه اختارني
وزيرا للدولة بعد أن أثبتت تجاربي الماضية نجاحي على رأس الوزارات التي
أدرتُها وأني لم أغادر فاشلا أية وزارة، وأنه قصد أن يضعني في الرتبة
الثانية بعد الوزير الأول لأشاركه في تحمل بعض مسؤولياته. وتوجه إلى
بنهيمة قائلا: «يمكنك أن تهتم أكثر بالشؤون الاقتصادية، واترك لوزير
الدولة الاهتمام بالشؤون السياسية والاجتماعية. وسيرأس بعض اجتماعات مجلس
الوزراء بالنيابة عنك ولكن برتبة وزير دولة». وفعلا كنت أنا الثاني في
البروتوكول بعد الوزير الأول ورأست عددا من مجالس الوزراء. وغار بنهيمة،
وتألم وتحولت علاقته معي من علاقات المودة إلى علاقة الاحتراز والحذر.
وكان يقول حتى وأنا حاضر: «لقد عين الملك ـ وأنا ما أزال على رأس الوزارة
الأولى ـ خلفا لي في شخص بوطالب. وأيامي أصبحت معدودة بعد هذا التعيين»
وكان يقول لي: «يا سي عبد الهادي أنت الخَلَف أعانك الله، لقد عرفت الآن
اتجاه الملك عندما عهد إليك برئاسة بعض المجالس الوزارية».وفي هذا الصدد أذكر أيضا أنني كنت عينت وزيرا للدولة في غضون السنة
المالية الجارية، ولم يكن القانون المالي وضع ميزانية خاصة لوزارة الدولة.
وكان عليّ أن أنتظر إلى موعد الميزانية المقبلة. فأمر الملك الحسن الثاني
أن تُقتَطع ميزانية وزير الدولة من ميزانية الوزير الأول. وهذا زاد في
تعقيد العلاقات بيني وبين بنهيمة الذي كان صديقا حميما لي. وأصبح يُضيِّق
علي ويَبْخل بموارد وزارته. وهو ما أحدث بيني وبينه شبه قطيعة، مما جعلني
أشكو إلى الملك من تصرفاته. في هذه الفترة كان الملك الحسن الثاني يكلفني
بعدة مهمات مبعوثا خاصا إلى عدد من الزعماء العرب مثل الملك فيصل، والرئيس
جمال عبد الناصر وغيرهما من رؤساء دول العالم العربي والإسلامي. وبصفتي
وزير الدولة ومبعوثه الخاص نقلت عدة رسائل من جلالته لتحضير مؤتمر القمة
الإسلامي الذي انعقد عام 1969 في الرباط إلى رؤساء دول عربية إسلامية في
افريقيا وآسيا، وأيضا لتهيئ القمة العربية التي انعقدت وأنا وزير
للخارجية. وظل الملك يبعثني إلى عدد من رؤساء الدول العربية والإسلامية
حتى حينما كنت رئيسا للبرلمان عام .1970 وكان يقول لي: «أنا لا أفرِّق بين
من يشغل منصب رئيس البرلمان وبين من هو وزيري. فرئيس البرلمان وزيري
أيضا». كما أنه ظل يعهد إليّ بمهمة نقل رسائله إلى الملوك والرؤساء حتى
عندما كنت ـ في الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي ـ موظفا
دوليا على رأس منظمة الإيسيسكو. وكان يقول إنه لا يتصور أن تكون لمواطن
مغربي صفة شخصية دولية وهو في بلاده، ومقر الإيسيسكو يوجد بالمغرب.وبقيت وزيرا للدولة إلى أن قرر الملك أن يعفي بنهيمة من منصب الوزير الأول
وينادي على مولاي أحمد العراقي وزير الخارجية لتعيينه وزيرا أول فخلفت
العراقي في وزارة الخارجية ولم أبق فيها أكثر من سنة. ذلك أنه عندما جاءت
الانتخابات التشريعية طلب مني الملك أن أتقدم إليها وقال لي «أتمنى أن
تكون رئيسا للبرلمان المقبل بعد هذه المسيرة الطويلة التي قطعتَها على رأس
عدد من الوزارات إلى أن انتهت بك إلى وزارة الخارجية».* قبل تسلمك مهام وزير الخارجية وقعت هزيمة 5 يونيو (حزيران) .1967 فكيف
كان وقْع الحدث في القصر الملكي المغربي؟ ـ سبق لي أن أشرت إلى أن الملك
الحسن الثاني كان يولي العلاقات المغربية ـ العربية اهتماما كبيرا ربما
تجاوز اهتمامَه في ظروف الأزمات العربية ببعض القضايا الوطنية. وبمجرد ما
أصبح يروج سنة 1967 احتمال هجوم إسرائيل على الأقطار العربية المجاورة
أعدَّ فرقة من خيرة ما يتوفر عليه جيش المغرب من رجال وعتاد للمساهمة في
هذه الحرب وأشرف على استعراضها بنفسه في شارع النصر بالرباط. وكان بذلك
سبّاقا إلى إعلان الحرب على إسرائيل . وبعث الحاج أحمد بلافريج إلى الرئيس
جمال عبد الناصر وكلفه بأن يسأله عن حاجات مصر العسكرية من المغرب ويبلغه
استعداد المغرب للمساهمة في الحرب إلى جانب مصر، لكن الرئيس عبد الناصر
قال لبلافريج إنه غير محتاج للمساعدة وأنه قادر على مواجهة إسرائيل وتحقيق
النصر بمفرده.وكان الملك قد وجه خطابا إلى الشعب المغربي وقال إنه أعطى الأمر للإعداد
بكل سرعة لخوض هذه الحرب بجانب الأشقاء العرب. إلا أن وصول القوات
المغربية إلى المنطقة ـ كما كان يريد الملك الحسن الثاني ـ تعطل لأنه كان
عليها أن تمر عن طريق ليبيا. ولم تسمح مملكة ليبيا السنوسية بمرورها. ومع
ذلك كان المغرب في حالة استنفار على مستوى الجيش وحالة تعبئة شاملة على
مستوى الرأي العام بحكم خطورة الخطاب الذي ألقاه الملك في هذه المناسبة.
وبعد الهزيمة اعتبر الملك تلك النكسة صعبة التجاوز لأن إسرائيل احتلت فيها
من الأراضي العربية أكثر مما أخذت بمقتضى قرار التقسيم الأممي رقم 181،
حيث توغلت في الضفة الغربية واحتلت القدس الشرقية وكانا قد اندمجا في
المملكة الأردنية منذ سنة .1951 كما احتلت إسرائيل سيناء والجولان. وكان
لذلك على الملك وقع مؤلم عانى منه معاناة شديدة عشتها بجانبه. وعلى إثر
هذه النكسة انعقدت قمة الخرطوم بالسودان التي لم يتمكن الملك من حضورها،
وأناب عنه الوزير الأول محمد بنهيمة. وانبثقت عن هذه القمة «اللاءات
الثلاث» المعروفة. وبعد قرارات مؤتمر الخرطوم دعت الجامعة العربية إلى عقد
مؤتمر لوزراء الخارجية. وكان عنوان المحور الذي حُدد للاجتماع هو: «حشد
الطاقات لمحو آثار العدوان». وهو المحور الوحيد الذي كان مسجلا في جدول
الأعمال. وقيل إن الرئيس عبد الناصر هو الذي حرره بخط يده وبعث به إلى عبد
الخالق حسونة الأمين العام للجامعة العربية وطلب إليه أن يُشكِّل هذا
المحور النقطة الوحيدة في جدول أعمال وزراء الخارجية العرب.كنت آنذاك وزيرا للتربية الوطنية والفنون الجميلة، وأنوب عن وزير الخارجية
كلما تغيب في مهمة. فبعثني جلالة الملك إلى القاهرة لحضور المؤتمر.وكان عنوان المحور هذا محفوفا بالإبهام والغموض. ماذا تعني كلمة الطاقات؟
هل يقصد بها العسكرية أو المدنية؟ وهل يقصد من حشدها القيام بتعبئة حربية
من جديد؟ كما أن محو آثار العدوان يضع عدة أسئلة هل المراد استرجاع
الأراضي التي قامت عليها إسرائيل منذ نشأتها أو إرجاعها إلى الحدود التي
كانت توجد فيها قبل حرب 1967 فقط؟كان الموضوع يحتاج إلى المزيد من الشروح والمؤتمر في حاجة إلى تحضير جيد،
ولم تأتنا من وزارة الخارجية المصرية أو الأمانة العامة للجامعة العربية
أية مذكرة تفسيرية تشرح الأسباب التي من أجلها سيُعقدُ مؤتمر وزراء
الخارجية العرب أو تشير إلى التوجه العربي المطلوب إقراره داخل الاجتماع.
كان السيد عبد الخالق حسونة الأمين العام لجامعة الدول العربية يستقبل
رؤساء الوفود كلا على حدة. واستقبلني في مكتبه بمقر الجامعة العربية
وسألته: «ماذا أعِدَّ لإنجاح هذا المؤتمر؟ وهل هناك وثائق يمكن أن نتعرف
عليها لأننا نفتقد العناصر التي يمكن أن تعيننا على خوض نقاش جاد في ذلك
الظرف الصعب وإيجاد الحلول لمشكلة أصبحت من التعقيد أكثر مما كانت عليه؟»
فقال لي: «لا شيء عندنا. كل ما هناك أن مصر اقترحت أن يكون موضوع الاجتماع
هو العنوان الذي بعثنا لكم بشأنه». فكان جوابي: «إنني أعتقد أن الأمر لا
يتعلق باتخاذ تدابير عادية أو عابرة مؤقتة، بل يجب أن ندخل في عمق مشكلة
الصراع العربي ـ الإسرائيلي الذي يبدو عجز العرب فيه عن مواجهة إسرائيل،
ومعرفة طبيعة الإمكانات العربية وقدرتها على محو آثار العدوان؟ وما هي
استعدادات العرب لخوض هذه المعركة؟ وأضفت قائلا: «إننا نوجد أمام دولة
(إسرائيل) ليست ضمن العالم الثالث، وإنما هي دولة غربية بكل ما تحمله كلمة
«غربية» من أبعاد التفوق العسكري والتقدم العلمي. واليهود الذين جاءوا من
الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي مثلا إلى فلسطين ليسوا هم اليهود
الذين نعرفهم في الشرق (يهود أهل الذمة)، أي من كانوا يسكنون حارات اليهود
كما تُسمى في المشرق وتسمى في المغرب بـ«المَلاَّح». فهؤلاء يهود آخرون
ينتمون إلى العالم المتقدم ويجب أن نكون دقيقين في كيفية التعامل معهم وأن
لا ينتهي المؤتمر بإعلان بيان خطابي أو حماسي يعكس انعدام مخطط عربي لمحو
آثار العدوان. فقال لي حسونة: «وماذا تقترحون؟». فقلت له «أقترح أن ننظر
في النظام العربي القائم الآن فهو في حاجة إلى مراجعة». فسألني حسونة
ثانية «وماذا تقترح لتحقيق ذلك؟» قلت: «أقترح ـ بعد عقد مؤتمر وزراء
الخارجية ـ أن تعملوا على عقد اجتماعات على صعيد الوزراء العرب، كل في
مجال اختصاص وزارته، للنظر في ما يجب أن تكون عليه مقومات النظام العربي،
اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وفكريا وعسكريا، وليس فقط من وجهة النظر
العسكرية والتخطيط لأخذ الثأر أو الانتقام، أو للتعبير عن رد فعل لما ضاع.
وأقترح عليكم أن تبدأوا بعقد مؤتمر لوزراء التربية والتعليم لنتدارس أيّ
تعليم نوفره للجيل المقبل الذي عليه أن يتسلح به لمواجهة العدوان
الإسرائيلي الذي سيطول وسيخوضه العرب بقدرات غير متكافئة بسبب أن التعليم
العربي دون مستوى التعليم الإسرائيلي الغربي». فابتسم حسونة وقال: «أنا لا
أرى علاقة بين وزراء التعليم ومشكلة النكسة التي نوجد فيها. نحن نجمع
وزراء الخارجية واختصاصهم لا حد له، ويمكنهم أن يثيروا من القضايا ما
يشاؤون». وأضاف: «أتقترحُ معاليكم ذلك لأنكم وزير التعليم في بلادكم؟».
فقلت له: «ليس هذا هو منطلَقي. أنا أريد أن ننفذ إلى أعماق المشكلة وربما
ذلك راجع إلى أنني أعيش في بلادي مشكلة شائكة ما نزال معها نتلمس الجواب
على هذا السؤال: كيف نصنع تعليم الغد؟ ويهمني أن أضع السؤال عن تعليم الغد
للعالم العربي» إذ من هنا نبدأ.طبعا لم يكن عبد الخالق حسونة على استعداد لمناقشة الطرح «الغريب» الذي
اقترحته. فقد كان يريد أن يعقد مؤتمرا لأنه طُلِب منه أن يعقِد مؤتمرا
وحُدِّد له موضوعه. ولم يكن يملك إلا أن ينفذ قرار مجلس الوزراء المصري
الذي عهد إليه بمهمة كان عليه تنفيذها بدون تصرف. ولاحظت أنه لم يقدر على
مجاراتي للبحث في عمق المشكلة، وأنه اعتبر كلامي خارجا عن الموضوع. ولو
كنت تلميذه وأجبتُه على سؤال الامتحان في هذا الموضوع كما أجبته لوضع على
ورقتي صفرا لأنني خرجت عن الموضوع. ودخلنا إلى اجتماع وزراء الخارجية
العرب وتحدثنا كثيرا وبكينا دون أن تسيل من آفاق أعيننا دمعة.لقد كانت هزيمة حرب 1967 كارثة كبرى. كل شيء تغير بين عشية وضحاها في حرب
الأيام الستة التي يقول اليهود إن الله أعطاهم فيها الظَفر بالعرب في مدة
ستة أيام لأنه خلق العالم في ستة أيام ثم استراح. كذلك فإن اليهود بصفتهم
شعب الله المختار أعطاهم ربهم هذه الهدية تحقيقا لوعد التوراة ليجتازوا
مرحلة هامة على طريق التوسع والاستيطان في دولة إسرائيل الكبرى التي ظلوا
يحلمون بها.وصدر عن الاجتماع بيان، إلا أن الذي كان يُشَمُّ أو يُفهم من الاتجاه
المصري أنه كان يبحث عن طرق أخرى لمحو آثار العدوان غير طريقة الحرب، لأن
النظام المصري استخلص الدروس من تلك الحرب التي قال عنها إن مصر كانت
تنتظر فيها مجيء الطائرات الإسرائيلية من الشرق فأتت من الغرب وهكذا كان.
كل شيء غير مدروس في هذه المواجهة التي فُرِضت على العرب.لقد خرجنا من ذلك الاجتماع ببيان روتيني، وبما لا يتجاوز أن المراد
بالطاقات (إذا أمكنني تأويل البيان) هو أن تتكرر الاجتماعات بيننا وأن
يقوم بيننا نوع من التنسيق وأن نكون على استعداد. كان البيان عبارة عن
كلام خطابي لم نخرج منه بخطة أو مشروع خطة.هذا إذن ما أردت أن أسجله بخصوص حرب 1967، وما زلت مؤمنا وبعد مرور ما
ينيف على 30 سنة مرت على النكسة بأن المواجهة مع إسرائيل تقتضي مراجعة أسس
النظام العربي. وأعتقد أننا لن نحقق أي تقدم ما لم نراجع نظمنا التربوية
وما لم نغير مناهج التكوين لجيلنا المقبل الناشئ في ظل الهزائم العربية
وغلبة إسرائيل والذي يجب أن يتلقى تعليم العصر. والواجب أن نتساءل كيف
نوقف هذا المد؟ وكيف نكون في مستوى إسرائيل التي أقول عنها دائما إنها
ليست شرقية وإنما غربية متقدمة. وأذكِّر هنا بأن الرئيس أنور السادات قال
مرة تبريرا لما كان يعتزم القيام به من مسالمة إسرائيل بعد أن تأكد من
عجزه عن مغالبتها: «أنا لا أحارب إسرائيل. أنا أحارب الولايات المتحدة
التي تُمِدُّ إسرائيل بكل شيء ابتداء من الزبدة إلى طائرات الفانتوم».* في أغسطس (آب) 1969 انعقد المؤتمر الثالث للاتحاد الوطني لطلبة المغرب
في الدار البيضاء. وفيه بدأت بوادر ظهور الحركة الماركسية اللينينية ـ
المغربية على الساحة السياسية. كيف نظر القصر آنذاك إلى هذه الحركة ؟ـ الواقع أن نظرة القصر الملكي إلى الماركسيين والشيوعيين كانت دائما نظرة
الحذر والترقب والمتابعة. والمغرب ما كان يمكن أن يقوم فيه أي نظام يضع
الملكية ذات الجذور التاريخية موضوع التساؤل أو الجحود والإنكار. فحركة
كهذه كان القصر يعتبرها حركة مشاغبة ويراقبها. ومقتضيات الدستور تتنافى
معها والقانون لها بالمرصاد.* في نفس السنة وكنتَ آنذاك وزيرا للدولة بَعثك الملك في مهمة إلى الملك
إدريس السنوسي في ليبيا. وتصادف وجودك في طرابلس مع حدوث ثورة الفاتح
بزعامة العقيد معمر القذافي. فماذا كانت طبيعة تلك المهمة؟ـ ذهبت إلى ليبيا في إطار التهييء للقمة الإسلامية التي كانت ستُعقَد في
المغرب. وفي البدء كان هناك اتجاه إلى عقد هذه القمة في السعودية لكن
الملك فيصل بن عبد العزيز رحمه الله آثر أن تُعقَد في المغرب، وأن يتولى
رئاستها الملك الحسن الثاني. فحملت رسائل من الملك إلى رؤساء الدول
العربية والإسلامية للدعوة للحضور إلى الرباط. وكان عليَّ أن أُتِـمَّ
مهمتي في أقل من أسبوعين. وكانت مملكة ليبيا التي كان على رأسها الملك
إدريس السنوسي ضمن المحطات التي تشملها جولتي. والرسائل التي كانت موجهة
إلى الملوك والرؤساء كانت رسائل حبِّية ولم تكن تتضمن أمورا سياسية. تقتصر
على «عهِدنا إلى وزيرنا أن يتحدث إليكم في موضوع القمة». إن الملك الحسن
الثاني كان يرى أنه عندما يتعلق الأمر بعقد قمة في المغرب فإنه هو الذي
عليه أن يقوم بدعوة رؤساء الدول ليس عن طريق البريد أو بواسطة الأمانة
العامة للجامعة العربية، بل أن يرسل مبعوثين خاصين إلى الملوك والرؤساء من
باب إكرام الضيف والاهتمام به وإعطائه مكانته التي يستحقها. وهذا يدخل في
تقاليد الملكية المغربية. ذلك أنه لا يجوز أن يستدعي رئيس دولة ما نظيره
عبر الهاتف أو برسالة بريدية أو حتى بواسطة السفراء المعتمَدين في
العواصم. ويبقى أمر الحديث عن جدول أعمال المؤتمر موكولا إلى كفاءة
المبعوث حامل الرسالة وإلى استعداد من وُجِّهت إليه الدعوة للتوسع في
قضاياه.






















* كيف كانت الأجواء عندما وصلتَ إلى ليبيا؟ـ عندما وصلتُ إلى طرابلس قيل لي إن الملك إدريس السنوسي يوجد خارج البلاد
وأن الذي ينوب عنه هو ولي العهد الأمير الحسن الرضا. فسلمت له الرسالة في
نفس يوم وصولي إلى ليبيا وقال لي إن الملك إدريس سيحضر القمة تلبية لدعوة
أخيه ملك المغرب وتمنى التوفيق للمؤتمر.وكان عليَّ أن أظل في طرابلس إلى يوم غد حتى أستقل الطائرة المتوجهة إلى
الدار البيضاء. وكما تعلمون فإن طرابلس ليست هي العاصمة الوحيدة لليبيا.
بل لها عاصمتان على الأقل : طرابلس وبنغازي. وكان معظم أعضاء الحكومة يوم
وصولي موجودين في بنغازي باستثناء وزير الخارجية الذي علم بأنني سأصل إلى
طرابلس لتسليم رسالة للملك إدريس فعاد لاستقبالي بالمطار.ونظرا لأنني كنت سأُمضي الليلة في طرابلس وكنت أقيم في فندق «الودّان» في
ضيافة الحكومة الليبية دعاني وزير الخارجية لحضور مأدبة عشاء يقيمها على
شرفي في نفس الفندق وحضرها بعض الوزراء. وقال إنه سيرافقني في الصباح إلى
المطار لتوديعي. وبعد انتهاء مأدبة العشاء ودَّعت الوزراء الليبيين الخمسة
وتوجهت إلى غرفتي في الفندق. ونـُمت بعض الوقت وإذا بي ـ كما حدث لي عام
1962 في سوريا ـ أحضر ثاني انقلاب عسكري. فقد جاءني حارس الفندق الليلي
وأعطاني راديو وقال «أنصت إن هناك موسيقى عسكرية تتردد بدون انقطاع». ولم
يزد على ذلك.وفعلا كانت هناك موسيقى عسكرية أو ما يسمَّى بـ«المسيرة العسكرية» وهي
مجرد نبرات موسيقية أو نغمات. وبعد ذلك انطفأت الأضواء وانقطعت الأخبار.
وفي الصباح الباكر استيقظت وطلبت من الحارس أن يُحضِر لي الفطور. فقال إنه
لا يستطيع القيام بذلك لأن الموظفين العاملين في الفندق لم يأتوا بعد. ولم
يكن في الفندق إلا عدد قليل من النُّزلاء. فبقيت في غرفتي وأخذت أسمع بعض
الطلقات النارية التي كانت تصل متقطعة دون أن أستطيع معرفة مصدرها.* وكيف تصرفت انذاك؟ ـ بقيت طول اليوم أنتظر في الفندق وكنت اُطلُّ من
نافذة الغرفة التي تركتها نصف مفتوحة على الشارع الخالي من المارة. ولم
تهز تلك الطلقات طرابلس إذ كان يبدو أنها طلقات لا تلقى مقاومة، وربما
كانت طلقات لتأمين سير الجيش أو الشرطة. ووجدت نفسي طول النهار لا أجد من
أكلمه، وعاجزا عن مغادرة الغرفة فبالأحرى مغادرة الفندق. وأمضيت جزءا من
يومي كما لو كنت أصبت بأَرَق في ليلة ظلْماء. ولم تبث الإذاعة الليبية أي
خبر عما وقع. ولم يكن لدي أي عنصر يساعدني على التكهن بحقيقة ما جرى.
وحوالي الساعة الرابعة بعد الظهر، وكنت قد تركت طول اليوم نافذة الغرفة
نصف مفتوحة خشية أن تنفذ منها رصاصة طائشة، فإذا بي أرى سيارة عليها علم
مغربي. وبعد لحظات قليلة طرق باب غرفتي حسن المصمودي القائم بأعمال
السفارة المغربية في طرابلس. وكان السفير عبد اللطيف العراقي في عطلة فحمل
المصمودي معه بعض «السندويتشات» وماء الشرب. وقال لي: «منذ الصباح وأنا
أكافح من أجل الوصول إليك. فالبلاد كلها موضوعة تحت حالة الطوارئ ونظام
منع التجول. ويوشك كل من يخرج إلى الشارع أن يُضرَب بالرصاص. ولكنني أخذت
على نفسي ألاّ أترك وزيرا في حكومة جلالة الملك في الحالة التي كنت
أتخيلكم فيها. وخاطرت فوضعت العلم المغربي على السيارة، وتوجهت مُخترِقا
حاجزا بعد آخر إلى أن وصلت إلى مركز القيادة العليا للجيش الليبي». وأضاف
المصمودي: «كان الجيش والشرطة يقيمان الحواجز. وكنت أقول لهم إنني ذاهب
إلى القيادة العليا لتبليغها أمرا مهما، وهناك حدَّثتُ عضوين من أعضاء
القيادة عن وجود وزير مغربي ضيفا على ليبيا وأخبرتهما أنكم وصلتم أمس إلى
طرابلس وسلمتم رسالة من جلالة الملك الحسن الثاني إلى الأمير حسن الرضا».طلب المصمودي من أعضاء القيادة العسكرية الليبية أن يسمحوا لطائرة خاصة
تأتي من المغرب لِتقِلَّني خارج ليبيا. بيد أنهم امتنعوا بحجة أن المطارات
مغلقة وستظل كذلك إلى أجل غير معروف. وقالوا بعد مشاورات إنه يمكن لي في
الساعة الرابعة من صباح الغد أن أغادر ليبيا عبر الطريق إلى الحدود
التونسية مخفورا من قبل سيارة أمن تابعة للقيادة العسكرية.وفي ليلة نفس اليوم قال لي المصمودي: «إن الذي قام بالثورة الليبية هو
عقيد اسمه سعد الدين بوشْويرب». وعلمتُ في ما بعد أن اختيار العقيد
بوشويرب كان استنساخا لثورة يوليو (تموز) 1952 المصرية التي وضعت أولا في
الواجهة اللواء محمد نجيب بدلا من العقيد جمال عبد الناصر الذي لم يُعلَن
عن اسمه قائد الثورة إلا بعد أن استتبت الأمور للثورة. وبالفعل فقد ذُكِر
اسم بوشويرب خلال أيام ثم نُسي اسمه بعد الإعلان عن اسم الملازم معمر
القذافي كقائد للثورة.وغادرت طرابلس في الهزيع الأخير من الليل على متن سيارة القيادة العليا
وبرفقتي ضابطان شابان لم يَجْرِ بيني وبينهما أي حديث طول الطريق. وحينما
وصلت إلى الحدود التونسية قبل «جربة»، وجدت الصديق التهامي الوزاني السفير
المغربي في تونس في انتظاري، ووجدت أيضا مبعوثا خاصا من الرئيس التونسي
الحبيب بورقيبة قال لي: «إن الرئيس بورقيبة أوفده إلي لاستقبالي وهو يطلب
مني ألا أغادر إلى المغرب حالا، وأنه ينتظرني في تونس لأنه يريد أن يسمع
مني قصة الثورة الليبية وهو مهتم أشد الاهتمام بهذا الأمر».

























href='http://openads.aawsat.com/adclick.php?n=ac78cc1e'
target='_blank'>


_________________
الخفافيش تخاف نور الشمس !!
****************
لا يجب أن تقول كل ما تعرف ولكن يجب أن تعرف كل ما تقول

بديعة
مشرف (ة)
مشرف (ة)

انثى عدد الرسائل : 6075
العمر : 30
Localisation : الدارالبيضاء
Emploi : موظفة
تاريخ التسجيل : 03/04/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

9-قال عبد الناصر للزعماء العرب في قمة الرباط عام 1970 «أريد ان أعرف كم سيدفع كل واحد منكم فأنا بحاجة إلى بقشيش»

مُساهمة من طرف بديعة في الجمعة 9 أكتوبر 2009 - 15:44

يواصل عبد الهادي
بوطالب السياسي المغربي المعروف في هذه الحلقة من حوارات «نصف قرن تحت
مجهر السياسة» حديثه عن لقائه بالرئيس التونسي الحبيب بورقيبة بعد مغادرته
ليبيا بعد وقوع الثورة الليبية بزعامة العقيد معمر القذافي.ويتناول بوطالب بالحديث مؤتمر القمة الاسلامية الذي احتضنته الرباط عام
1969 وظروف اعتراف المغرب بموريتانيا، كما يتحدث عن الفترة التي اصبح فيها
وزيراً للخارجية واحتضان المغرب لمؤتمر القمة العربية في الرباط والاجواء
التي سادت المؤتمر.






















* بعد مغادرتك ليبيا في اتجاه تونس، كيف كان اللقاء مع الرئيس الحبيب بورقيبة؟ـ استقبلني الرئيس بورقيبة ورويت له قصتي مع الثورة الليبية. وفي اليوم
التالي طلعت الصحف التونسية ناشرة صورة تبرز الرئيس مستمعا إليَّ وعلى
أعمدتها في الصفحات الأولى عنوان كبير: «وزير الدولة المغربي بوطالب يحكي
لفخامة الرئيس تفاصيل الانقلاب الذي وقع في طرابلس على النظام الملكي».
وبعد ذلك رجعت إلى المغرب ووضعت الملك الحسن الثاني في الصورة قبل أن أتمم
رحلتي لتسليم الرسائل الملكية إلى الملوك والرؤساء.وبعد سنة وبمناسبة الاحتفال بالذكرى الأولى لقيام الثورة الليبية أنابني
الملك عنه لتمثيله. وآنذاك تعرفت على العقيد القذافي. ومما أحتفظ به في
ذاكرتي عن هذه الزيارة أنني حضرت مع الرؤساء والملوك الحفل الخطابي
والاستعراضي للشباب والقوات المسلحة، واستمعت إلى الخطاب الطويل الذي
ألقاه العقيد وتجاوز الساعة واسْتهَلَّه بالتوجه بالخطاب إلى الرئيس عبد
الناصر بهذه الصيغة: «أخي القائد الرائد الأكبر»، ثم استمعت إلى خطاب
الرئيس جمال عبد الناصر. بعد ذلك رجعت إلى الفندق لأجد تحت باب غرفتي ورقة
زيارة كتب عليها صاحبها «من مُعَمّر إلى أخيه عبد الهادي بوطالب» وسألت
مكتب الاستقبال «من يكون مُعَمّر هذا؟». فقالوا لي «إنه القائد القذافي».
فالورقة لم يُكتَب فيها إلى جانب اسم معمر صفته ومهمته، لا قائد الثورة،
ولا رئيس ليبيا، ولا حتى كلمة «القذافي». وأضاف موظفو الاستقبال أن
القذافي جاء في المساء إلى الفندق وطاف على رؤساء الوفود ليسلِّم على من
يلقاه منهم ويضع تحت باب غرفة من لا يلقاه ورقة زيارة.أثناء استقباله لي في أيام الاحتفالات أثار العقيد القذافي الحديث معي حول
حضوري ليلة الثورة بطرابلس، وعلقنا على الحدث التاريخي وأعطيته تفاصيل ما
جرى في فندق الودّان. وبعد تلك الزيارة تَرسَّخت بيني وبينه علاقة حميمة
متينة لأنني زرته مرارا مبعوثا من طرف الملك الحسن الثاني وكان يستقبلني
دائما على انفراد. وما زلت أذكر أننا دخلنا مرة في جو تبادل النُّكَت. فهو
يحب النكتة المصرية. وكنت أتحدث معه رأسا لرأس. فسمع أعوانه صوته وهو يضحك
مُقَهقِها. فاستغربوا ذلك. وعندما خرجت من عنده قالوا لي: «هذه هي المرة
الأولى التي سمعنا قهقهته». فقلت لهم: «كنت أنا وهو في جو صداقة حميمة».
وعلق القائد على ذلك بقوله: «أصبحنا أنا والأستاذ بوطالب منسجمَيْن إلى حد
كبير واسْتمْتَعنا بأحاديث شيّقة». وقد قال القذافي مرة لحاشيته بعدما
توالت زياراتي له مبعوثا من الملك: «إنني أفضل أن يكون المبعوث الخاص
للملك الحسن الثاني دائما هو السيد بوطالب، لأنني أنسجم معه 100 في
المائة».بعد ذلك جاء العقيد القذافي إلى المغرب في زيارة رسمية سنة 1983 بعد توقيع
اتفاقية الاتحاد العربي ـ الإفريقي بوجدة بين المغرب وليبيا. وطلب أثناء
تلك الزيارة من الملك الحسن الثاني أن يخطب في الجماهير المغربية في ساحة
عمومية. فاعتذر الملك قائلا: «لا أحد من رؤساء الدول زار المغرب وخطب في
الجماهير». وأضاف: «عوضا عن ذلك سأقوم باستثناء في حقك. إذ يمكنك أن
تستقبل وتتحدث إلى زعماء الأحزاب السياسية، بما فيها أحزاب المعارضة وإلى
أعضاء أكاديمية المملكة المغربية ليكون لك تصور كامل عن السياسة والفكر في
المغرب».وأذكر أنه عندما قمنا نحن أعضاء الأكاديمية بزيارته في مقر إقامته بالرباط
وجدنا عنده حقائب مملوءة بالكتاب الأخضر فقام بتوزيعه علينا ومعه شروحه.
وفتح بينه وبين أعضاء الأكاديمية حوارا مفيدا وممتعا. ولما جاء دوري ورفعت
يدي لطرح السؤال صاح القذافي قائلا: «الأستاذ عبد الهادي بوطالب حضر
الثورة الليبية ونحن نعتبره ثائرا». سألته سؤالا علميا محرجا إلا أنه أجاب
عنه باختصار وابتعد عن الدخول في التفاصيل. قلت له: «سيادة العقيد لقد
نجحتَ في ثورتك ونهنئك على ذلك، ولكن إلى ماذا تعزو نجاحك؟ واسمح لي أن
أقول لك إن لي سببا لا أدري إذا ما كنتم تتفقون معي عليه: إنك قمت بثورة
منهجية آيديولوجية في بلد صغير محدود السكان، وبإمكانات ثروة نفطية غنية.
فهل كان لثورتك أن تنجح مثلا في بلد أكثر عددا من السكان وبموارد مالية
أقل أو بدون موارد مالية؟».وبدا سؤالي وكأني أشير إلى أن ظروف ليبيا المادية هي التي جعلت منها دولة
غنية بالبترول ولها موارد مالية ضخمة، وهي التي ساعدته على تعبئة مجموعات
من العاملين في النظام ليكونوا في خدمة الثورة ويجعل منهم حكام البلاد كما
يقول هو. فكان جوابه بكل بساطة «ثورة مثل ثورتنا تصلح أن تكون ثورة للصين».* بعد قيام الثورة الليبية وإبلاغك الملك الحسن الثاني والرئيس بورقيبة
تفاصيل الانقلاب في ليبيا. كيف تلقى الملك الحسن الثاني والرئيس بورقيبة
الحدث؟ـ العقيد القذافي لم يكن آنذاك قد أعلن عن مبادئ ثورته وكان لا يُعرف عنها
إلا أنها وسيلة لبسط حكمه على ليبيا. كان نظامه ثوريا لكنه كان موضوع
تساؤل عن حقيقته وطبيعته وبرنامجه، وكيف سيتعامل مع دول المغرب العربي
والمشرق العربي؟ وهل هو نظام مستقل أم تابع للنظام المصري؟كانت هناك تساؤلات ومخاوف. وقد يكون كل من الرئيس بورقيبة والملك الحسن
الثاني قالا في نفسيهما: «يجب أن نكون على ترقب وحذر مما سيكون عليه
النظام الليبي الجديد».* وماذا كان مصير الدعوة المغربية لليبيا بشأن حضورها مؤتمر القمة
الإسلامية في الرباط؟ وهل قدمتَ للحاكمين الجدد في ليبيا دعوة مماثلة لتلك
التي قدمتَها لولي عهد ليبيا السابق؟ـ لا، لم أعد إلى ليبيا بل تابعت جولتي عبر باقي البلاد العربية ووُجهت
الدعوةُ بعد ذلك إلى العقيد بالطرق الدبلوماسية العادية. وأريد هنا أن
أتوقف عند كبرى محطات جولتي بالمملكة العربية السعودية عند تبليغي رسالة
الدعوة للملك فيصل بن عبد العزيز. لماذا أخص الملك فيصل بالذات؟ ذلك لأنه
كان زعيم فكرة إقامة رباط إسلامي بين الدول الإسلامية. لقد كان تيار
القومية العربية الذي نادى به الرئيس جمال عبد الناصر هو التيار السائد
آنذاك في المشرق، وكان يشد إليه الجماهير العربية لأنه كان يُقدَّم إليها
من لدن مصر على أنه بَلْسَم أدواء الأمة العربية، وكان يشخص التطلع إلى
تحقيق طموح إخراج الأمة العربية من ورطتها وأزمتها. وهذا التيار هو الذي
كان وراء تغيير عدد من النظم المدنية في المشرق العربي إلى نظم عسكرية،
وذلك قبل قيام الثورة الليبية بسنوات عديدة.وكان يُنسَب للملك فيصل أنه يفكر في أن يوسع نطاق سياج المحافظة على
العالم العربي برافد العالم الإسلامي. وهذا التوجه نحو العالم الإسلامي لم
يكن يرضي مصر الناصرية التي لم تكن مطمئنة إليه. بل كانت تعتبر أن التوجه
إلى جمع كلمة الإسلام توجه أميركي، وتزعم أن الولايات المتحدة هي التي
أشارت به على الملك فيصل. والواقع أن الملك فيصل كان له من هذا التوجه
موقف ذاتي مدروس. فهو كان دبلوماسيا مُحَنَّكا ومحلِّلا سياسيا موفَّقا
وذا نظرة بعيدة. لقد تقلد وظائف سامية في عهد والده الملك عبد العزيز وفي
عهد أخيه الملك سعود كما كان وزير خارجية بلده في عهد والده الملك عبد
العزيز قبل أن يصبح مَلِكا. وكان يعتبر من الأمراء المتحررين والمنفتحين
على الحداثة والتطور. فالفكرة التي كانت عنده عن التوجه الإسلامي كانت
صادرة عن اقتناع، وبدأ يروج لالتقاء العالم العربي والإسلامي في أحاديثه
الخاصة.وبشأن هذا الموضوع تحدث إلي الملك فيصل وكان مما قال لي: «إنني أعتبر أن
العالم العربي سيظل ضعيفا إذا لم يتوفر له دعم العالم الإسلامي الذي يلتقي
معه العالم العربي في جوامع مشتركة».ولما اختمرت الدعوة إلى عقد مؤتمر إسلامي إثر حريق المسجد الأقصى، لم يرغب
في استضافته، حتى يُبعِد عن المؤتمر طابعه الخاص ومعارضة مصر له، وفضل أن
يتولى الأمر الملك الحسن الثاني الذي دعا إلى عقد الاجتماع الأول للقمة
الإسلامية سنة .1969 وتم هذا المؤتمر في الرباط. وكان مؤتمرا ناجحا بكل
معنى الكلمة. ذلك أنه لأول مرة تحضر مجموعة من الدول الإسلامية بلغ عددها
ما يقرب 20 دولة قمة إسلامية. ولم يحضر الرئيس عبد الناصر القمة بل أناب
عنه محمد أنور السادات نائب رئيس الجمهورية، وحضرها شاه إيران. ورغبت في
حضورها الهند أيضا لكن باكستان مانعت في حضورها فعاد وفدها إلى بلاده.
وأثناء المؤتمر شدد شاه إيران شيئا ما على مصر حتى تخرج من تعصبها للعروبة
وتنفتح على العالم الإسلامي وتكون في تعاملها الدولي واقعية ومَرِنة،
وأشار إشارة خفيفة إلى أن مصر لم تحصد إلا الفشل في مواقفها المتصلبة.
وكان الشاه لا يقول بمقاطعة إسرائيل بل أبقى على علاقة معها على صعيد
الأمن وتبادل المعلومات والتعاون حتى بعد محاولة حرق المسجد الأقصى.وأذكر من بين وقائع هذه القمة أن أنور السادات نهض للرد على شاه إيران
متكلما باللغة الفارسية، واستشهد ببيت من الشعر الفارسي كان فيه ما يشبه
ما جاء في المثل العربي المشهور القائل: «تجوع الحرة ولا تأكل من ثدييها».
مما يعني أنه «رغم وقوع هزيمة حرب 1967 فإننا لن نركع أمام إسرائيل».لقد كان هذا الحادث نغمة ناشزة في القمة الإسلامية التي كادت تدخل معه في
تعثر لم يكن أحد يرغب فيه. ونجح الملك الحسن الثاني رئيس القمة في تجنيب
القمة هذا المنزلَق فجمع بين الشاه والسادات على انفراد ولم يدعهما حتى
تعانقا. واعتُبر الحادث عابرا وانتهى. وفي نهاية المؤتمر صدر بيان القمة
الذي تم التنصيص فيه على عقد اجتماع لوزراء الخارجية يُتفق في ما بعد على
مكان انعقاده. وسأعود للحديث عنه عندما أتحدث لك عن الفترة التي تسلمت
فيها حقيبة وزارة الخارجية المغربية، والملفات الصعبة التي تعاملت معها
ومن بينها ملف إخراج منظمة المؤتمر الإسلامي للوجود.* المعروف أيضا أنه خلال القمة الأولى لدول منظمة المؤتمر الإسلامي اعترف
المغرب بموريتانيا كدولة ذات سيادة. فما هي خلفيات ذلك الاعتراف؟ـ عندما بدأ الرؤساء والملوك يصلون إلى المغرب كلف الملك الحسن الثاني بعض
وزرائه باستقبال ومرافقة عدد منهم. وعَهِد إليَّ عن قصد بمرافقة الرئيس
الموريتاني المختار ولد داداه الذي جاء لأول مرة إلى المغرب. ولم يكن
المغرب اعترف بموريتانيا دولة مستقلة.فقال الملك الحسن الثاني إنه يقبل حضور موريتانيا لأنه يريد توسيع دائرة
الإجماع على القمة ولا يرى مانعا في مشاركتها. وكان موقف الملك بالنسبة
للرئيس ولد داداه رسالة أو هدية ثمينة تلقاها من الملك.وعندما نزل الرئيس الموريتاني ولد داداه بمطار الدار البيضاء واستقبله
الملك الحسن الثاني في أسفل الطائرة، كان هو الرئيس الوحيد الذي لم يعانقه
الملك واقتصر على مصافحته. وعندما تناول التمر وجُبَّانة الحليب التي قدمت
له على الطريقة التقليدية المغربية، كان الحليب يتساقط على يديه لأنهما
كانتا ترتعشان دهشة وخوفا إذ كان المغرب ما يزال ينظر إليه على أنه مغربي
مواطن أو من رعايا ملك المغرب. وكان الملك هو الذي يُقدِّم لضيوفه الحليب
والتمر، لكنه لم يفعل ذلك مع الرئيس ولد داداه، إذ قدم له الحليبَ والتمرَ
أحدُ أعوان القصر.كان الرؤساء والملوك يصلون تباعا إلى مطار الدار لبيضاء ومنها يتوجهون مع
وزير مغربي مرافق إلى الرباط. وعهد إليّ الملك بالمهمة التالية: «استقبل
المختار ولد داداه معي في المطار ثم رافِقْه إلى أن يصل إلى مقر إقامته
بالرباط وأَجْرِ معه حديثا مباشرا حول موضوع استرجاع المغرب لموريتانيا،
واسْبُر غَوْره لتتعرف على مقدار استعداداته للاندماج في المغرب أو التقرب
منه. وأنت تعرف ما أفكر فيه من حلول لهذه القضية كما أعرف فيك القدرة على
الجدال والمناقشة والإقناع مع حسن اللباقة».ولما وصلنا إلى مقر إقامته في الرباط قلت له «فخامة الرئيس أريد أن أبقى
معك على انفراد لتناول الغَداء». فصرف الوفد المرافق له وبقيت أنا وهو على
انفراد في «فيلا» أحد تلامذتي في المعهد الملكي (عمر القادري)، التي
وُضِعت رهن إشارة الرئيس الموريتاني للإقامة بها. وأخذت أتناقش معه حول
علاقة موريتانيا بالمغرب. وكانت له حقائق تاريخية غريبة لم تكن بالنسبة لي
حقائق تاريخية صحيحة فجادلته فيها ودلَّلت على صحة وجهة نظري، فقال إن
موريتانيا لم تكن تابعة للمغرب قط، وليست جزءا من التراب المغربي، وان
علاقات موريتانيا بالمغرب والمغرب العربي هي علاقة مدّ وجزر، وان الدول
المتعاقبة على حكم المغرب كانت تارة تأتي من تخوم الصحراء مرورا
بموريتانيا وتارة تأتي من المغرب لتصل إلى موريتانيا. كان له تفكيره الخاص
وتفسيره التاريخي. وفهمت من كلامه أنه كان يدرك أنه حقق لبلاده على
المغرب، مَكسَبا بقبول المغرب حضور موريتانيا في القمة الإسلامية كدولة
مستقلة أجنبية عن المغرب وأنه يتحدث من موقع قوة، فاستبعد ما لوحتُ إليه
من إمكان التفكير في حل سياسي كونفيدرالي أو فيدرالي. وتشبث بوضع بلاده
دولة مستقلة يمكن أن ترتبط مع المغرب بعلاقات التعاون والصداقة. وامتدت
المحادثات بيني وبينه أربع ساعات وبعد نهايتها ودعته وتوجهت إلى القصر
الملكي لأخبر الملك الحسن الثاني أني وجدت الرجل صلبا عنيدا وله تفسيره
الخاص للتاريخ. وحكيت للملك تفاصيل ما جرى طيلة أربع ساعات من الحوار.
فكان تعليق الملك الحسن الثاني «أهو هكذا إلى هذا الحد؟».في نفس الليلة أقام الملك الحسن الثاني مأدبة عشاء على شرف رؤساء الدول.
وأَجْلَس في كل مائدة ثلاثة رؤساء دول وبعض الوزراء المرافقين لهم. وكان
على مائدة الملك الخاصة ثلاثة رؤساء: الرئيس الجزائري هواري بومدين، وشاه
إيران، والرئيس الموريتاني. فلما جئت للسلام على جلالة الملك بعد أن خص
الرئيس الموريتاني قبل العشاء باستقبال رأسا لرأس، توجه إليَّ بمحضر
الرئيس الموريتاني قائلا: «قال لي السيد الرئيس الموريتاني إنك كنت معه
صلبا شديدا». فكان تعليقي: «لعل الأمر كان بالعكس فهو الذي كان صعبا».
فقال الرئيس الموريتاني «إن السيد عبد الهادي بوطالب كان يدافع عن وجهة
نظر». فعلق الملك قائلا: «تلك وجهة نظر السيد بوطالب. أما وجهة نظري، فأنت
قد عرفتها للتو في اللقاء الذي كان بيني وبينك. الأمور انتهت. سنفتح إن
شاء الله صفحة أخوية جديدة مع الشقيقة موريتانيا».






















* هل قصد الملك بوجهة نظره الاعتراف بموريتانيا؟ـ نعم قصد الاعتراف بموريتانيا. فالملك كان سريع البادرة والقرار. فما أن
سمع مني تفاصيل ما جرى بيني وبين الرئيس الموريتاني حتى بادر إلى اتخاذ
قرار طي الصفحة وتجاوز الماضي والدخول بعلاقات البلدين في عهد جديد.






















* ما هي الأسس التي قام عليها الاعتراف المغربي؟ـ هي أسس واقعية. فالملك الحسن الثاني كان في موضوع استرجاع التراب الوطني
يسعى إلى حل المشاكل بالحسنى مع الجيران. إذ كان في حاجة إلى التفرغ إلى
معالجة أوضاع المغرب وبناء استقلاله حتى وإن ضاعت منه بعض حدوده التاريخية
القديمة التي لم تكن مستقرة على حال دائمة. والاعتراف بموريتانيا كان نوعا
من التسويات ربما جاء بها جو القمة الإسلامية التي تميزت بتعبئة الجهود
والاهتمام بالمشاكل الأساسية. كما أنه راهن على كسب موريتانيا إليه
وتقريبها إلى المغرب عن طريق التعاون السلمي الودي معها دولة مستقلة حليفة
بدلا من تراب تابع لا يزيد المغرب شيئا ولا ينقص منه، أي أنه غَيَّر طبيعة
المعادلة من المواجهة والاستنكار على موريتانيا أن تكون لها دولة إلى دولة
أُخْتٍ للمغرب متعاونة معه يدا في يد.هذا ما فهمته. وتأكدت لي صحته في ما بعد لأنه بعدما انتهت القمة وأصبحت
وزيرا للخارجية وأصبح الوزير الأول هو الدكتور أحمد العراقي، عقد الملك
جلسة عمل معنا نحن الاثنين وقال لنا: «يجب أن نُكرِّس اعترافنا بموريتانيا
بمبادرة إلى تسمية سفير لنا في نواكشوط». فرشح الوزير الأول العراقي أحد
القناصلة المغاربة. فقلت لجلالته: «أقترح أن تُحْدِثوا تعديلا في منصب
وزاري يشغله أحد وزرائكم الكبار المهمين لتعينوه سفيرا لجلالتكم في
موريتانيا». وأضفتُ: «أرى أن أهمية السفارة تأتي من أهمية العلاقات، وأن
نوع العلاقة هو الذي يعطي للسفارة أهميتها. وأنا أعتبر بعد أن اتجهت
جلالتكم في اتجاه كسب موريتانيا أن سفيرنا فيها أهم من سفيرنا في باريس».
واستطردت قائلا: «أطلب من جلالتكم أن تُعيِّنوا على رأس سفارتنا بنواكشوط
وزيرا مقتدرا، سياسيا ودبلوماسيا وذا حنكة كبيرة. ومن يدري فقد يصبح
مستشارا للرئيس ولد داداه بوصفه سفيرا للمغرب؟».ابتسم الملك الحسن الثاني وقال: «ما رأيك لو سميتك أنت في هذا المنصب؟
ففيك تجتمع الشروط التي ذكرتَها». ثم تدارك فقال: «أنا فقط أداعبك، أنت
على حق».وفعلا كانت وزارة التعليم ما زالت مقسَّمة كما تركتُها. وكان من بين
وزرائها قاسم الزهيري وزير التعليم الثانوي المنتمي إلى حزب الاستقلال،
والكاتب الصحافي المعروف، فأجرى الملك تعديلا على الحكومة وعين الزهيري
أول سفير للمغرب في موريتانيا.وأذكر أنه في أول مرة قدِمت فيها على الرئيس ولد داداه في موريتانيا
مبعوثا من الملك دعاني لتناول الغداء معه، وكان محاطا بوزرائه الذين قال
لهم: «الوزير بوطالب كان أول من تعرفت عليهم من المغاربة، لكنه كان قاسيا
معي، وأصبحنا اليوم أكثر من صديقين، نحن أخوان حبيبان».وأوَدُّ هنا أن أقول إن الرئيس ولد داداه كان صادقا في تعاونه مع المغرب.
فعندما برزت قضية الصحراء دخل في مفاوضات بجانب المغرب مع إسبانيا لحل
مشكلة الصحراء، ووقَّعت موريتانيا إلى جانب المغرب على الاتفاقية الثلاثية
المغربية ـ الإسبانية ـ الموريتانية. وهي الاتفاقية التي أُعطيت بمقتضاها
لموريتانيا إدارة مدينة الداخلة وقاوم الرئيس المختار ولد داداه الضغط بل
التهديد الذي مارسه عليه الرئيس الجزائري هواري بومدين عندما لقيه بكولومب
بشار ليخذل المغرب في اتفاقه معه على حل مشكلة الصحراء بالطريقة التي تم
بها.






















* حينما عُيّنتَ وزيرا للخارجية في 7 أكتوبر (تشرين الأول) .1969 ما هي أهم الملفات الساخنة التي وجدتَها على مكتبك في الوزارة؟ـ كثيرة هي الملفات الساخنة التي وجدتُها على مكتبي في وزارة الخارجية، من
بينها مشكلة الحدود الترابية مع الجزائر، ومشكلة وضع منظمة المؤتمر
الإسلامي على السكة للانطلاق، ومشكلة الحلول التي كانت تُعرَض لتسوية
النزاع العربي ـ الإسرائيلي ولا سيما المخطط الأميركي المعروف بمخطط روجرز
(وزير الخارجية الأميركي) للسلام الذي بدأ الترويج له عندما عُيِّنت على
رأس وزارة الخارجية.






















وقد زارني الوزير الأميركي روجرز مرتين في وزارة الخارجية المغربية واستقبله الملك الحسن الثاني بحضوري مرتين.وقد انعقدت القمة العربية الخامسة بالرباط وأنا وزير الخارجية، وكانت من
أنجح القمم العربية. وكان من بين من حضرها الرئيس جمال عبد الناصر، والملك
فيصل بن عبد العزيز، والرئيس هواري بومدين، والعقيد معمر القذافي الذي جاء
مرتديا ثياب الميدان (بذلة عسكرية خضراء) وكان يحمل مُسَدَّسا مُغَلَّفا.وعمل الملك الحسن الثاني ترتيبا خاصا كان ابتداعا منه لم يسبقه نظير. فبما
أنه كان رئيس المؤتمر فقد قرر أن أقعد في مقعد المغرب كوزير للخارجية
ممثلا للمغرب حتى في الجلسات السرية المغلقة التي لا يحضرها إلا الرؤساء
والملوك. وكان المتعارف عليه عندما تبدأ هذه الجلسات أن ينسحب الوزراء
ويبقى الملوك والرؤساء وحدهم، لكن الملك الحسن الثاني لم يسحبني من الجلسة
المغلقة وقال: «أنا رئيس المؤتمر. ولا أمثل المغرب بحكم هذه الصفة. وسيبقى
المغرب غير مُمَثَّل إذا لم يبق وزيري في الخارجية هنا في مكانه». فوافق
الملوك والرؤساء على بقائي.وهكذا أمكنني أن أتابع عن كثب وقائع المؤتمر وأن أطلع على ما كان يجري في
الجلسات المغلقة. في هذا المؤتمر كانت قضية النزاع العربي ـ الإسرائيلي
تجتاز منعطفا صعبا. فالرئيس عبد الناصر جاء يحمل هما كبيرا عرضه على
المؤتمر وقال: «نحن في مصر لا نزال على استعداد لمقاومة العدوان
الإسرائيلي، ولا نريد أن نستسلم لإسرائيل، ونلتزم بجميع القرارات التي
اتخذناها في قمة الخرطوم، لكني لا أخفيكم أن مصر غير قادرة على ممارسة هذه
السياسة من دون أن تكون لها وسائلها». ولوَّح الرئيس عبد الناصر إلى أن
عملية الصمود تحتاج إلى تمويل من الدول العربية البترولية الغنية. ووجدت
الدول العربية الغنية نفسها في موقف حرج. فهي لم تكن تتوقع أن تضغط عليها
مصر بهذه الطريقة، بل كانت تفضل أن تكون هذه الأمور موضوع اتصالات ثنائية
سرية عن طريق الدبلوماسية العادية.لا أقول إن موقف الرئيس عبد الناصر خلق جو التوتر، ولكنه أثَر على سير
المؤتمر لأن القادة العرب ما اعتادوا أن يحضروا لأجل تنفيذ مطلب لا يمكن
أن يتأخر أو يرجأ إلى أمد آخر. وكان الرئيس عبد الناصر يقول للملوك
والرؤساء: «من الآن أريد أن أعرف كم سيدفع كل واحد منكم. فأنا بحاجة إلى
بقشيش» (هكذا بهذا اللفظ). وأثناء ذلك تدخل العقيد القذافي مناصرا الرئيس
عبد الناصر وقال بأسلوبه الخاص ما لم يقله الرئيس عبد الناصر بأسلوبه
الموجَّه. انعقدت هذه القمة للنظر في تشخيص ما تناوله مؤتمر وزراء
الخارجية في القاهرة عام 1967 بعد حرب الستة أيام من أن الأمة العربية ليس
لها إلا هاجس واحد أو واجب واحد هو محو آثار العدوان الإسرائيلي. الرئيس
عبد الناصر كان يرى أن محو تلك الآثار يقتضي تمويل المواجهة مع إسرائيل من
لدن دول البترول الغنية، ولكن في ذات الوقت يقول: «إذا لم أظفر بالوسائل
التي أطلبها منكم لا تستغربوا إذا ما توجهت نحو السلام مع إسرائيل. أنا
أريد أن يكون لي موقفي ووسائلي. فإذا ما تأكد لديَّ أن إخواني لا
يناصرونني ولا يعطونني ما أنا بحاجة إليه لأخذ المبادرات التي ثُتَبِّتُ
أقدامنا على الصمود في وجه العدو، فإنه لن يبقى لي إلا أن أطرق باب
العدو». وردد بلهجته المصرية: «مطلبي الوحيد هو أنني عاوز قروش». حينذاك
تدخل الملك الحسن الثاني الذي كان عليه أن يفصل بعدما طال النقاش (وأنا
هنا أختصر اختصارا شديدا)، فقال: «اسمحوا لي أن أقول لكم إنه ربما كان
ينبغي عليَّ أن أقوم من كرسي الرئاسة هذا وأقعد في كرسي المغرب حيث يقعد
الوزير بوطالب وأطلب منه أن ينصرف من القاعة. لكن ولو أنني ما زلت جالسا
في مقعد الرئاسة أرجوكم أن تعتبروني ممثل المغرب لا أقل ولا أكثر. أقول
لكم وأتوجه بالخصوص إلى الرئيس عبد الناصر: إنكم أنتم المجاورون لإسرائيل
المعنيون الأولون بشؤون علاقتكم بها. أنتم المعنيون الأولون بمحو آثار
العدوان بالطريقة التي ترونها. وليس من حق أي قائد عربي هنا أن يفرض عليك
يا فخامة الرئيس اختيار أسلوب السياسة التي تراها كفيلة بإنقاذ بلادك من
الورطة التي وقعتْ فيها. فعليك الاختيار ومنك القرار. والتنفيذ موكول
إليك. وأضيف لأقول لكم جميعا: عما قريب سأحل مشكلة تُؤرِّقني هي استرجاع
الصحراء المغربية. وأنا أفكر في الحلول التي ينبغي أن أصل بها إلى هدفي.
ثقوا أنني لن أتشاور معكم حول الطريقة التي سأقوم بها لتحقيق ذلك، فهذا
شأن داخلي ربما يقتضي مني تفكيرا طويلا، ولكني لن أربط قراري بإذنكم أو
موافقتكم. وأنا أقترح بالتالي أن نترك للرئيس عبد الناصر أن يتصرف كما
تقتضي مصلحة مصر».






















* وكيف تلقى الرئيس عبد الناصر كلام الملك؟ـ عبد الناصر كان سعيدا بما قاله الملك. ولكنه كان يريد أن يضغط الملك على
القادة العرب بخصوص موضوع التمويل، والملك ابتعد عن إثارته لخلق جو
الانفراج.* ما حقيقة ما رواه محمد حسنين هيكل في كتابه «كلام في السياسة» حينما قال
إن القذافي انتفض صارخا لما رأى أمامه في قاعة المؤتمر قبل انطلاق الجلسة
الجنرال محمد أوفقير باعتباره قاتل المهدي بن بركة؟ـ لم أشاهد هذا المشهد ولم أسمع به. فالقمة لم تعرف حادثا سوى ذلك الذي
نتج عن لمس العقيد بكيفية لاإرادية مسدسه وبدا كأنه يريد أن يخرجه من
غِمْده. (يتبع)



_________________
الخفافيش تخاف نور الشمس !!
****************
لا يجب أن تقول كل ما تعرف ولكن يجب أن تعرف كل ما تقول

بديعة
مشرف (ة)
مشرف (ة)

انثى عدد الرسائل : 6075
العمر : 30
Localisation : الدارالبيضاء
Emploi : موظفة
تاريخ التسجيل : 03/04/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

10- قال لي الجنرال أوفقير: لا تضع رأسك بين فكي الذئب لا تنتحر وانتظر فالبلاد في حاجة إليك عما قريب

مُساهمة من طرف بديعة في الجمعة 9 أكتوبر 2009 - 15:45

بورقبية كان يرى أن الجزائر لا تؤمن بالمغرب الكبير بل بالجزائر الكبرى * الملك فيصل كان متعدد الأبعاد وكان أيضا رجل الحلول الوسطى * الرئيس
بومدين دعا المغرب وموريتانيا خلال القمة الإسلامية في الرباط، إلى العمل
على استرجاع الصحراء من اسبانيا * ذهبت إلى لقاء تلمسان بين الحسن الثاني
وبومدين ولم اكن اعرف ما هو الاتجاه الذي يراد أن يسير فيه المغرب * قلت
للوزير بوتفليقة «عار عليكم ان تحاكمونا ونحن ضيوف عندكم» * قال الحسن
الثاني ان لقاء تلمسان لم يكن من ميدان السياسة الخارجية ولكن من ميدان
السياسة العائلية* قدمت استقالتي من وزارة الخارجية للملك فقال لي اوفقير «برافو عليك انت
شجاع وبطل» فدقت هذه الكلمة في اذني مثل الصاعقة * فتح أوفقير سيرة الملك
وقال عنه أشياء كثيرة ونسب له مساوئ شتى الشيء الذي أثار استغرابي ودهشتي
في هذه الحلقة من حوارات «نصف قرن تحت مجهر السياسة» يروي عبد الهادي
بوطالب السياسي المغربي المخضرم تفاصيل قمة تلمسان التي جرت عام 1970 بين
الملك الحسن الثاني والرئيس هواري بومدين. كما يروي الاسباب التي دفعته
الى تقديم استقالته من وزارة الخارجية.وتحدث بوطالب ايضا عن نظرة الشك والريبة التي اصبح ينظر بها الى اوفقير.
كما تحدث عن قمة نواذيبو التي جمعت قادة المغرب وموريتانيا والجزائر، واول
اجتماع لوزراء خارجية منظمة المؤتمر الاسلامي في جدة، بالاضافة الى طبيعة
علاقته بالملك الراحل فيصل بن عبد العزيز. * عندما كنتَ وزيرا للخارجية عُقِدت قمة تلمسان بين الملك الحسن الثاني
والرئيس الجزائري هواري بومدين. فهل لك أن تحدثني عن ظروف انعقادها
والجديد الذي جاءت به القمة؟ـ في بداية السبعينات أخذ سير المغرب العربي يتعثر إذ كانت الجزائر توجهت
في نظامها الاقتصادي وجهة اشتراكية صلبة مخالفة لتوجهات المغرب وتونس
الليبرالية. وكانت موجة هذا التوجه تغمر جزءا من قارة أفريقيا وأطرافا من
دول عدم الانحياز والعالم الثالث. ويقوم هذا الاتجاه على هيمنة الدولة على
الاقتصاد الموجَّه، فبرز بذلك تعارض المصالح بين الأقطار المغربية العاملة
في اللجنة الاستشارية الدائمة للمغرب العربي. وتفاقم هذا التباين عندما
خططت الجزائر لإنشاء مركبات صناعية ضخمة يتجاوز إنتاجها متطلبات استهلاكها
الداخلي إلى تسويقه عبر أسواق عالمية. وكان من بينها مركب صنع الحديد
والفولاذ الذي أُنشئت له وزارة خاصة باسم وزارة الصناعة والحديد والفولاذ
التي تولاها عبد السلام بلعيد الذي عُرِف بنعت «الاشتراكي القوي». ولم
يُخْفِ الوزير بلعيد أن الجزائر تتوخى من إنشاء هذه الصناعات الثقيلة
منافسة دول أوروبا وأميركا في تصديرها إلى الأسواق العالمية وفي طليعتها
أسواق المغرب العربي. وأنه من أجل ذلك ترى الجزائر ـ في نطاق التنسيق
المشترك أن يُتْرَك لها الاستثمار في مجال التصنيع على أن يبقى للمغرب
وتونس الإنتاج الفلاحي. وكانت الجزائر في هذه الفترة تعتبر نفسها مؤهَّلة
بقيادة العقيد هواري بومدين لقيادة العالم الثالث ودول عدم الانحياز، خاصة
عندما غابت عن تجمع عدم الانحياز رموزه القيادية المؤَسِّسة: عبد الناصر
وسوكارنو ونهرو وتيتو، وبعد أن خرجت ليبيا من المغرب العربي بعد ثورة
الفاتح من سبتمبر وأخذ العقيد القذافي زمام الحكم وحوَّل قبلته من المغرب
العربي إلى المشرق العربي تطلعا لتحقيق الوحدة العربية التي ظل شغوفا بها.وكما حوَّل القذافي قبلته غيَّر بومدين توجهه فصارح وزراء الاقتصاد الوطني
المغاربيين في آخر اجتماع عقدوه بالجزائر أن بلاده تؤمن بوحدة شعوب المغرب
العربي لا بوحدة دوله. وكان آخر اجتماع للمجلس الوزاري للمغرب العربي هو
المؤتمر السابع الذي تفرق دون أن يُصدِر بيانا يُتفَق فيه على إمضاء
بروتوكول وفاق. ولم يكن هذا الاتفاق ممكنا في الجو المشحون بتعارضات
المصالح وتباينات النظم وظهور نزعة الهيمنة على المغرب العربي من طرف
واحد. وفي ذلك قال الرئيس بورقيبة الذي كان يتحدث بالصراحة وينطق بالحكمة
عن سبب تعثر عمل المغرب العربي: «إن الجزائر لا تؤمن بالمغرب الكبير بل
بالجزائر الكبرى».وفي بداية السبعينات أيضا ارتدَّت الجزائر ببصرها إلى المغرب عارضة عليه
إقامة علاقات تعاون ثنائي ربما تعويضا أو بديلا عن علاقاتها مع المغرب
العربي، وألحَّت على استعدادها لتوثيق روابط التعاون الثنائي خاصة بعد
انعقاد مؤتمر القمة الإسلامي الأول في الرباط عام 1969، الذي تلاه مؤتمر
القمة العربية الذي انعقد هو أيضا بالرباط وقد حضرهما معا الرئيس بومدين
وصرح في القمة العربية أن الجزائر غير معنية بالصحراء المغربية، وبارك في
القمة الإسلامية الأولى اعتراف المغرب بموريتانيا دولة مستقلة. ودعا
المغرب وموريتانيا إلى العمل على استرجاع الصحراء من إسبانيا فأعطى بكل
ذلك ضمانات للمغرب وتركه يفهم أن لاءاته التي كانت تتكرر من وزير الصناعة
الجزائري (في المجلس الوزاري للمغرب العربي لمعارضة المشاريع التي كانت
تقرها اللجنة الاستشارية) ليست موجهة ضد المغرب ولكن إنما كانت مستجيبة
إلى أن الجزائر تفضل التعاون الثنائي مباشرة مع المغرب وترغب فيه صادقة.وفي نطاق هذا التوجه عرض الرئيس بومدين على الملك الحسن الثاني عقد اجتماع
بينهما لتجاوز مشكلة الحدود الشرقية وحلها عبر توجه عقلاني وتعاون اقتصادي
موثَّق يجعل من مشكلة الحدود قضية متجاوَزة أو شأنا غير ذي موضوع. وكانت
هذه الاتصالات تجري مباشرة خارج قنوات الدبلوماسية الثنائية. وعندما
أصبحتُ وزيرا للخارجية لم أجد في وزارة الخارجية ما يؤكد هذه الاتصالات
ولم يكن لسلفي في الوزارة الدكتور أحمد العراقي أي علم بذلك.ويوم 7 مايو (آيار) 1970 توجه الملك الحسن الثاني والوفد المرافق له من
وجدة إلى تلمسان للاجتماع مع الرئيس الجزائري على رأس وفد ضخم يتصدره
إدريس السلاوي المدير العام للديوان الملكي، والأمير مولاي الحسن بن
إدريس، وأحمد العراقي الوزير الأول، وعبد الهادي بوطالب وزير الخارجية،
والحاج مَحمد باحنيني وزير العدل والأمين العام للحكومة، والجنرال محمد
أوفقير وزير الداخلية، وعبد الكريم الأزرق وزير المالية وعدد آخر من
الوزراء. ولم يكن مع الرئيس بومدين إلا أربعة وزراء أذكر من بينهم عبد
العزيز بوتفليقة وزير الخارجية وميلود بلقاسم وزير الشؤون الإسلامية.






















وبصفتي وزيرا للخارجية لم أحمل معي أي ملف إلى تلمسان، ولم أكن أعرف ما هو الاتجاه الذي يراد أن يسير فيه المغرب.وبتلمسان جرت المحادثات بين القائدين على انفراد على مائدة غداء، ثم
تناولا القهوة على انفراد كذلك. وبعد ذلك نودي على الوزير بوتفليقة. ثم
نادى الجنرال مولاي حفيظ العلوي وزير القصور الملكية والتشريفات والأوسمة
على إدريس السلاوي المدير العام للديوان الملكي وأحمد العراقي الوزير
الأول للدخول إلى القاعة التي يوجد فيها الملك الحسن الثاني والرئيس
بومدين ولم يُنادَ عليّ. وغضبتُ غضبا شديدا، وألفيت نفسي أدخن سيجارا
كوبيا تناولتُه بعد الغداء فقد كنتُ مدمنا آنذاك على تدخين السيجار لكنني
توقفت عن تدخينه منذ 20 سنة. وبعد دقائق معدودات وقع التدارك ونودي عليَّ.
ولا زلت أذْكُر أنني دخلت القاعة التي يوجد فيها الملك والرئيس وأنا غاضب
منفعل والسيجار في يدي. وأخذ الملك الحسن الثاني ينظر إلى السيجار، إذ لم
يسبق لي أن تعاملت معه بهذا الشكل، وقال لي: «لقد اتفقنا على أشياء كثيرة
فأرجو أن تحرر أنت والسيد بوتفليقة بلاغا بشأنها». فقلت للملك الحسن
الثاني بمحضر الرئيس بومدين وبوتفليقة والسلاوي والعراقي: «أنا أجهل ما
اتفقتم عليه فكيف أحرر البلاغ؟». فأدرك الملك أنني غاضب وقال: «سيبلغك
السلاوي والعراقي بما اتفقنا عليه» ورُفعت الجلسة. وصعد الملك الحسن
الثاني إلى الطابق الأعلى حيث أُعِدَّت له غرفة لاستراحة القيلولة،
فانفجرتُ غيظا رغم أن السلاوي والعراقي أرادا أن يُطلِعاني على ما قاله
لهما الملك باختصار، لأنهما لم يمكثا في القاعة التي كان يوجد فيها الملك
والرئيس الجزائري سوى 10 دقائق قبل أن يُنادَى عليَّ.بعد ذلك نادى الملك الحسن الثاني على إدريس السلاوي وقال له رأيت بوطالب
منفعلا. خَبّره أنه عندما دخلتُ أنا والرئيس بومدين نادى هو على الوزير
بوتفليقة وأنا اضطُرِرت أن أتقيد بالبروتوكول وناديت على اثنين فقط من
وزرائي. وترددت أن يكون معي ثلاثة أشخاص بينما هو معه شخص واحد. ولهذا
غفلت عن بوطالب فأرجو أن تعتذر له وأن تخبره بأن ذلك لم يكن مقصودا وأن
ثقتي فيه كاملة، وأخبره بما اتفقنا عليه. فقلت للسلاوي والعراقي: «عندما
نادى الرئيس الجزائري على وزير خارجيته كان ينبغي للملك أن ينادي هو أيضا
على وزير خارجيته وأنا الذي كان ينبغي أن أخبركما بما تم الاتفاق عليه لا
العكس». فقال لي السلاوي : «على كل حال يظهر أن الجزائر أعدت مشروع بيان.
وأنت الذي ستترأس الجلسة مع نظيرك بوتفليقة. ونحن سنحضر كشهود أو أعضاء.
هذا ما أمر به جلالة الملك».إثر ذلك دُعينا إلى الاجتماع الموسَّع الذي انعقد على صعيد الوزراء لتحرير
نص البيان النهائي الذي لم أكن أتوفر على عناصر المساهمة في تحريره. وكم
كنت مندهشا عندما أخرج نظيري في الخارجية الجزائرية عبد العزيز بوتفليقة
من جيبه مشروع البيان الذي كان يُدين بكيفية مغلّفة ولكن واضحة موقف
المغرب من مشكلة الحدود، و«يهنئ المغرب والجزائر بدخولهما في مرحلة النضج
الذي مكنهما من تجاوز مرحلة الجمود إلى حل المشكلة المغربية ـ الجزائرية
بالعقلانية المترشِّدة والتفاهم المثمر». أي أننا ـ نحن المغاربة ـ اجتزنا
مرحلة اللاعقلانية المتمثلة في التشبث بترابنا الوطني إلى أن وصلنا إلى
مرحلة التفتح مع تناسي الماضي. وتركتُ بوتفليقة حتى انتهى من قراءة مشروع
البيان وتوجهت بالسؤال التالي إلى السلاوي والعراقي قائلا: «أعلى هذا اتفق
رئيسا الدولتين؟».






















* هل سمع الحضور ما قلتَه للسلاوي والعراقي؟ـ نعم. الجميع سمعوا ما قلته لهما. فنظرا إليّ وهما في حالة ارتباك. فوجهت
كلامي إلى بوتفليقة قائلا: «آسف أيها الأخ العزيز. إن مشروع البيان الذي
أعددتموه خال من كل لباقة دبلوماسية. وعار عليكم أن تحاكمونا ونحن ضيوف
عندكم». فقال بوتفليقة: «هذا مجرد مشروع بيان، غَـيِّرْ ما تشاء فيه».
فقلت له: «أنا أرفض هذا المشروع جملة وتفصيلا». فقال بوتفليقة «اكتب غيره»
فكان جوابي «لا» وانسحبت من القاعة محتجا ليس فقط على التصرف الجزائري غير
المقبول وغير اللائق (ذلك أنه إذا كنا نسينا الماضي فلْنتناسَ كل ما يتعلق
به في البيان الختامي ولْنكتفِ بالتنصيص على ما اتفقنا عليه دون أن نحاكم
الماضي أو نقول إنه وقع تغيير في العقليات وأصبحت نظرتنا عقلانية وواقعية
للأشياء). ولكن أيضا لأني لم يُعطَ لي كوزير مسؤول دوري في المفاوضات قبل
لقاء تلمسان الذي قال عنه الملك الحسن الثاني في خطاب العرش ليوم 3 مارس
(آذار) 1971: «إن لقاء تلمسان لم يكن من ميدان السياسة الخارجية ولكن من
ميدان السياسة العائلية» يريد ان يقول أنه كان مجالا اختصَّ بالنظر فيه
الرئيسان وحدهما وجرى في جو ودي حميمي.






















وبعد انسحابي انسحب بوتفليقة أيضا. وعُهد إلى الحاج محمد باحنيني عن المغرب وميلود بلقاسم عن الجزائر بتحرير بيان مشترك.انسحبتُ من الاجتماع لكني بقيتُ في نفس المكان الذي عُقد فيه الاجتماع. ثم
جاء لرئاسة الاجتماع الختامي الملك الحسن الثاني والرئيس بومدين فلم آخذ
مكاني في الاجتماع والتقط المصورون الصور ولم أظهر فيها.وبعد ذلك غادر موكب الملك والرئيس باتجاه الحدود المغربية ـ الجزائرية حيث
ودع الرئيس بومدين الملك الحسن الثاني والوفد المرافق له. وكان الليل قد
بدأ يُرخي سدوله. وعندما وصل الملك الى وجدة علم أنني انسحبت من الاجتماع،
فبعث إليَّ للحضور بمقر إقامته وأجبت على أسئلته قائلا: «يا جلالة الملك
أنا لم أعرف وقائع ما جرى في لقاء تلمسان. وفي وزارة الخارجية لا يوجد
لدينا أي ملف حول تسوية مشكلة الحدود مع الجزائر، ولم أُخْبَر قبل السفر
إلى تلمسان بشيء. ولما جاء وقت القرار تم استدعاء وزيرين لم يكن من بينهما
الوزير المختص بالخارجية، وإنما استُدعي المدير العام للديوان الملكي
والوزير الأول. وهما وإن كانا من حيث البروتوكول (المراسم) أكبر رتبةً
ولكن من حيث الاختصاص أنا صاحب الاختصاص». فقال: «هذا شيء لم يقع فيه كلام
لا مع إدريس السلاوي ولا مع أحمد العراقي. هذا شيء أنضجناه لمدة طويلة
باتصالات خاصة بيني وبين الرئيس بومدين».وكنت عقب انسحابي من الاجتماع قد كتبت استقالتي بخط اليد، فكان لقائي به
في مقر إقامته بوجدة مناسبة لأقدمها له. فقال: «أنا أرفض هذه الاستقالة.
ولا تُعطِ لما وقع في تلمسان أهمية أكثر مما يستحق ولا علاقة له بشخصك
وبثقتي فيك. فالأمور عولجت في الأعلى ولم يشتغل فيها لا وزراء بومدين ولا
وزرائي أنا». وقال لي بهذه العبارة: «غدا إن شاء الله أبعثك إلى صديقك
الذي يطمئن إليك وتحسن التفاهم معه إلى الرئيس الحبيب بورقيبة الذي أريد
أن تطلعه على ما فعلناه، لأنه أول من يجب أن يعرف قبل أن يصبح الموضوع ضمن
تعاليق الصحافة». فقلت له: «يا مولاي إنني لا أعرف ما فعلتماه. فكيف يمكن
أن أذهب إلى مهمة لأخبر الرئيس بورقيبة بما لا أعرفه».






















* هل أطلعك الملك الحسن الثاني آنذاك على فحوى الاتفاق مع الجزائر؟ـ نعم. قال لي إن الاتفاق مع الجزائر تضمن شِقَّين: هما تسليم المغرب
للجزائر التراب المختلَف عليه، وقيام الطرفين بوضع معالم حجرية على الحدود
القائمة بما يجعل من التراب المغربي ترابا جزائريا. ومن جهة أخرى تم
الاتفاق على إقامة شراكة ثنائية مغربية ـ جزائرية في منجم غارة جْبِيلات
الواقع فيما كان يسمى التراب المغربي يتم تقاسم إنتاجه مناصفة بين البلدين
على أن يؤمِّن المغربُ للجزائر المرورَ عبر سكة حديدية لإفراغ إنتاج
المنجم في ميناء مغربي على المحيط الأطلسي لتصديره وتسويقه.وأود أن أشير هنا إلى أنه أثناء اللقاء اللَّيلي الذي أطلعني فيه الملك
على فحوى الاتفاق مع الجزائر كان الجنرال محمد أوفقير حاضرا معنا وتابع
الحديث الدائر بيني وبين جلالة الملك. وسمعه يقول لي: «أنا أرفض الاستقالة
وأرجو أن تقوم بالمهمة لدى الرئيس بورقيبة». فقلت له: «أرجو من جلالتكم أن
تفكروا وتنصفوني بقبول استقالتي». أذن لنا الملك بالانصراف وخرجنا الجنرال
أوفقير وأنا. ومن هنا كانت البداية لقصة طويلة ذات فصول. لقد ضغط أوفقير
على يدي وقال لي: «برافو عليك، أنت شجاع وبطل». ودقت هذه الكلمة في أذني
مثل الصاعقة. فأوفقير يُشيد بي وأنا في الموقف الحرج ويقول: «أنت بطل».
توقفتُ عند هذه الكلمة وتوجهتُ إلى البيت الذي كنتُ مقيما فيه بوجدة لأنام
وكان قد خُصِّص لكل وزير بيت لقضاء الليلة.وفي صباح اليوم التالي ذهبتُ إلى مطار وجدة لتوديع الملك الحسن الثاني
الذي أُعِدَّتْ له طائرة خاصة لنقله إلى الرباط صحبة أفراد عائلته. فنادى
عليَّ الملك قبل امتطاء الطائرة ليؤكد لي رفضه استقالتي وليُلحَّ عليَّ في
السفر إلى تونس فاعتذرت عن القيام بالمهمة ونادى الملك على الجنرال أوفقير
الذي كان قريبا منا وقال له: «السِّي بوطالب مصر على الاستقالة وغير
مُستعِد للقيام بالمهمة التي كلفته بها لدى الرئيس التونسي فمن تَرى أن
نبعث بَدَله إلى تونس؟» فاقترح الجنرال اسم مولاي أحمد العلوي ووافق
الملك. ثم التفت الملك إليَّ: «لا تقل إنك مستقيل فأنا لن أقبل استقالتك».وعندما حلقت طائرة الملك الحسن الثاني في الجو إذا باليد التي ضغطت عليَّ
أمس ليقول لي صاحبها «برافو عليك» تضغط عليَّ مرة أخرى في المطار. وقال لي
أوفقير: «لي طائرة خاصة (ميستير 15) سيرافقني فيها إدريس السلاوي وأحمد
العراقي، فأرجو أن تكون رابعنا لنعود إلى الرباط. فهل لك مانع؟» قلت: «لا
مانع. وشكرته».وحلَّقت بنا الطائرة وجلس أوفقير إلى جانبي وانحنى عليَّ هامسا في أذني:
«هل أطمع في تناول الغداء معك في منزلك؟» فرحبتُ به. وكان أوفقير يتحدث
إليَّ خافض الصوت وساعد أزيز محرك الطائرة على بقاء همسه إليّ غير مسموع
من السلاوي والعراقي اللذين كانا يقتعدان مقعدهما مقابلنا.ولما وصلنا إلى الرباط أسرعتُ إلى البيت لأعِد له الغداء. فقالت لي زوجتي:
«الساعة الآن الثانية عشرة ونصف وتقول لي إن أوفقير قادم للغداء» فقلت
لها: «هيئي الطعام ولكِ متسع من الوقت. فأوفقير لن يتغدى قبل الساعة
الثانية والنصف أو الثالثة». وأضفت: «إنه لن يتناول الغداء إلا بعد أن
يكون قد أخذ نصيبا وافرا من الكحول كعادته. وأحضرت له قنِّينة ويسكي من
نوع «تشيفاس» لم يُقَضَّ ختامُها. وحينما وصل أوفقير إلى منزلي أشاد من
جديد بموقفي البطولي وبصراحتي». وقال لي إنه كان يسمع الكثير عني وعن
رجولتي إلى أن شاهد بنفسه ورأى. وأضاف: «هكذا ينبغي أن يكون الرجال».
واستطرد وأطال في الإشادة والتنويه. وبعد هنيهة فتح أوفقير سيرة الملك
وقال عنه أشياء كثيرة ونسب له مساوئ شتى الشيء الذي أثار استغرابي ودهشتي.
وكان كلما احتسى كأسا جديدة زاد كلامه فجاجة وانتقاداته حدة. وقال لي: «إن
هذا النظام لا بد أن يغير أحواله وأوضاعه، ولا يمكنه أن يظل هكذا على ما
هو عليه». فبدرت مني بادرة وقلت له: «نحن جميعا أنا وأنت وعدد من الزملاء
مخلصون لهذا النظام وأوفياء لهذا الرجل (أي الملك). فما رأيك أن أقترح
عليك اقتراحا نتفق بمقتضاه أنا وأنت على إعداد قائمة تضم الوزراء الذين
يحظون بثقة جلالة الملك وبمحبته ومودته، ونسطر ما ينتقده ويقوله الجميع من
هنا وهناك، وتأذنون لي بأن أتكلم باسمكم، نظرا لأني أعرف كيف أتحدث إليه
بالأسلوب الذي لا يُحرجه ولا يُثير غضبه. والملك يطمئن إلى كلامي أكثر مما
يطمئن إلى الآخرين كما تعلم.سأحيطه بمحضركم علما باقتراحات الإصلاح وتقويم
الوضع. وقبل أن أتكلم قولوا له إنكم متفقون على ما سأقول وأني ناطق باسمكم
جميعا. وهكذا نبلغه الرسالة وننقذ النظام. فما رأيك في هذا الاقتراح ؟».سكت أوفقير ثم اقترب مني ورَبَت على كتفي وقال لي بالفرنسية: «لا تضع رأسك
بين فكَّي الذئب. لا تنتحِرْ. وانتظِرْ. والبلاد في حاجة إليك عما قريب».
حينما سمعت هذه الكلمات أوقفت الحديث معه لأني أصبت بزلزال وذهبت إلى
زوجتي طالبا منها تقديم الغداء. وأثناء الغداء قال لي أوفقير: «أنصحك أن
تسحب استقالتك وأن تقبل القيام بالمهمة التي كُلّفتَ بها. ودعني أكلم
الملك بالهاتف لأخبره بأنني أقنعتك بسحب الاستقالة وقبول المهمة فسيُسعِده
ذلك». ووافقت على ما قال أوفقير، فطلب الملك بالهاتف بمحضري وأخبره أنه
حضر إلى بيتي ليقنعني وأنه يتناول عندي الغداء وأن المشكلة سُوِّيت وأضاف:
«ها هو السيد بوطالب بجانبي يرغب في أن تسمع جلالتكم منه سحبَ استقالته
واستعداده لتنفيذ تعليماتكم بالقيام بالمهمة لدى الرئيس التونسي». وكان
الأمر كذلك.منذ ذلك لم تفتأ كلمات أوفقير تتردد على أسماعي وتؤَرِّقُني، وظلِلْتُ
أتساءل: «ماذا يكون الهدف منها ؟» وأصبحت أعيش داخل الحكومة في جو الريبة
والحذر والتوقع. وهو جو لا يساعد على أداء العمل الحكومي باطمئنان. ومنذ
ذلك اليوم وأنا أُصخي بأذني إلى ما قد تلتقطه عن سر أوفقير المكنون،دون أن
أفضي لأحد بما سمعته منه.






















* حينما ذهبت الى تونس، كيف تلقى الرئيس بورقيبة الاتفاق المغربي ـ الجزائري في تلمسان؟






















ـ بارك الرئيس هذه الخطوة وهنأ نفسه والمغرب العربي بالآفاق التي يفتحها الاتفاق المغربي ـ الجزائري لازدهار المغرب العربي وتقدمه.






















* وكيف تلقى الرئيس بومدين كلام الملك الحسن الثاني في مؤتمر القمة العربية حول مبادرته لتحرير الصحراء دون استشارته أحدا؟ـ لم يعلق الرئيس الجزائري وبدا عليه الارتياح لما قاله الملك لأن تسوية
مشكلة الحدود بين المغرب والجزائر كان قد تم التوصل بشأنها في قمة تلمسان
ودخلت معها العلاقات المغربية ـ الجزائرية شهور العسل.






















* وما هي الظروف والمراحل التي مر بها تنفيذ اتفاق تلمسان؟ـ بعد عودتي من تونس عهد إليَّ الملك الحسن الثاني بمتابعة الملف مع نظيري
الجزائري عبد العزيز بوتفليقة. وقال لي: «عجل بهذا الموضوع حتى يدخل موضوع
الاتفاق حول منجم غارة جبيلات حيِّز التطبيق». فأخذت ألاحق بوتفليقة
هاتفيا لعقد اجتماع بيني وبينه في المغرب أو في الجزائر. وظللت أنتظر إلى
أن واتت فرصة عقد مجلس وزراء خارجية منظمة الوحدة الأفريقية وقمتها في
لوساكا بزامبيا. وبما أن الملك الحسن الثاني أنابني عنه لتمثيله في القمة
الأفريقية مثلما فعل الرئيس بومدين مع وزيره في الخارجية فقد اتصلت بالسيد
بوتفليقة ـ بتعليمات من الملك الحسن الثاني ـ هاتفيا لأعرض عليه مرافقتنا
على خط جوي واحد من باريس إلى لوساكا لتكون لنا فرصة هادئة للنظر في الملف
طول أمد الرحلة وبعيدا عن أشغال القمة الأفريقية. فوافق بوتفليقة قائلا:
«لا مانع لدي وأنا عادة أنزل في باريس بفندق كريون. فما رأيك أن نلتقي
هناك ليلة سفرنا إلى لوساكا ؟». وقلت له: «أعطني رقم خط الرحلة الذي حجزت
عليه من باريس إلى لوساكا» فأعطاه لي. وأعددت تذكرة سفري طبقا لذلك.وصلت مساء إلى الفندق الذي ينزل فيه بوتفليقة قبل الموعد المضروب وأنا
متأكد أننا سنقضي فترة طويلة من الليل للتباحث حول موضوعنا. ولكن عندما
توجهت إلى الغرفة وجدت تحت الباب بطاقة اعتذار مكتوبة بخط اليد من الوزير
بوتفليقة لارتباطات طارئة. على كل حال لم أعلق على ذلك ولم أعطه أية
أهمية. وفي الصباح الباكر كلمت الوزير بوتفليقة حتى نتوجه سوية إلى
المطار. وبعد صعودنا إلى الطائرة قال لي: «لا أستطيع أن أتحمل عناء
الطائرة إنها تزعجني دائما وأقاوم عادة هاجس الخوف بتناول بعض المسكنات،
وأنه لن يتناول غداءه، وأن أمامنا متسعا من الوقت خلال اجتماع المجلس
الوزاري والقمة في لوساكا». وتناول بوتفليقة المسكِّنات التي كانت معه فلم
يلبث أن أغمض عينيه ولم يستيقظ إلا عندما دخلنا أجواء لوساكا.وفي لوساكا انهمكنا في أشغال المؤتمر. ومر اليوم الأول واليوم الثاني دون
أن يكلمني أو أكلمه في الموضوع، إلا أنني في اليوم الثالث ألححت عليه في
عقد اجتماع في ما بيننا. وقلت له: «هذا أمر جدي وأنا أتيت إلى هنا من أجل
المؤتمر وأيضا لنطرح الموضوع بيننا فما الذي يجعلك لا تُلحُّ عليَّ كما
أُلـحّ عليك في أن نجتمع. هل هناك شيء ؟». فقال بوتفليقة: «لا لا شيء،
لنتناول الغداء في غرفتك على انفراد». وفاجأني بقوله: «كيف تفهمون في
المغرب محتوى الاتفاق على شراكتنا في منجم غارة جبيلات؟». فقلت: «نفهمه
كما قيل عنه (بصيغة المجهول) أن ما ينتج من منجم غارة جبيلات تسوِّقونه
أنتم عن طريق سكة حديدية عبر المغرب باتجاه ميناء مغربي يقع على المحيط
الأطلسي، ويُقْسَم رَيْعه مناصفة بيننا». فكان تعليقه: «الأمر كذلك. لكن
كيف تفهمونه ؟». فقلت له: «الكلام واضح بما لا يقبل أية إضافة فكيف تفهمون
أنتم ذلك ؟ هل لكم فهم آخر ؟». فقال: «نفهم أننا اتفقنا أوَّلاً على أن
التراب الذي يقع فيه المنجم هو تراب جزائري». قلت له: «ومِن بَعد ؟»
فأضاف: «وأيضا على أن نتقاسم مناصفة ما يفضل عن حاجات الجزائر الذاتية
وحاجاتها للتصدير والتسويق». فسألته «ومتى تتوقف حاجاتكم عن المزيد ؟» إذ
معنى ما قلتَه أن الاتفاق لن ينفذ قط». فقال «لا تعط الموضوع كل هذه
الأهمية، فنحن على استعداد لتنفيذه لكننا أحق الناس بمنجمنا وبعد ذلك
نتقاسم مناصفة». قلت له: «أهكذا تفهم أنت الاتفاق ؟» فكان جوابه: «هذا ليس
فهمي، بل هذا موقف الجزائر: موقف الرئيس بومدين وموقف جبهة التحرير
الجزائرية. وبلِّغوه هكذا إلى جلالة الملك». وهنا توقف الحديث مع بوتفليقة
وبعد عودتي إلى الرباط أحطت الملك علما بالتأويل الجزائري للاتفاق.






















* كيف تقبل الملك الموقف الجزائري؟






















ـ لم يعلق الملك على ما نقلته إليه وبدا متألما ولا شك أنه تأثر لأن الجزائر اشتطت في طلباتها بإفراغها الاتفاق من محتواه.






















* إذن لقاء لوساكا مع بوتفليقة دق إسفين عدم تنفيذ اتفاق تلمسان؟






















ـ بالفعل.* في عام 1970 ايضاانعقدت قمة نواذيبو الثلاثية في موريتانيا وضمت الملك
الحسن الثاني وكنتَ بجانبه وزيرا للخارجية، والرئيس الجزائري هواري
بومدين، والرئيس الموريتاني المختار ولد داداه. فما هي أسباب انعقاد تلك
القمة ؟ وما هي القضايا التي عالجتها؟ـ انعقدت هذه القمة وكان بجانب الرئيس الجزائري وزير خارجيته عبد العزيز
بوتفليقة، وكان بجانب الرئيس الموريتاني وزير خارجيته حمدي ولد مكناس.
كانت هذه القمة تشير إلى التوجه إلى قيام محور ثلاثي بين العواصم الثلاث.
وكانت ترمي إلى تقوية علاقات المغرب والجزائر بموريتانيا التي أصبحت لها
علاقات متميزة مع المغرب. وتقرر فيها دعم اقتصاد موريتانيا من لدن البلدين
الشقيقين ويمكن القول إن النظام الموريتاني ركز قواعده بالداخل باستضافته
هذه القمة التي كان بداية لتدشين عهد من العلاقات الحميمية القائمة على
النِّدِّية بين المغرب وموريتانيا وتكريس نسيان الماضي* اثناء وجودك على رأس وزارة الخارجية المغربية حضرتَ أول مؤتمر لوزراء
خارجية دول منظمة المؤتمر الإسلامي في جدة. فبماذا تميز ذلك المؤتمر؟ـ كان المراد من مؤتمر وزراء الخارجية أن يوفر لمنظمة المؤتمر الإسلامي
بنياتها الأساسية وآليات عملها فانتخب مجلس الوزراء على رأس الأمانة
العامة الأمين العام الأول عبد الرحمن طانغو من ماليزيا. وصادَق على
الميثاق الأساسي للمنظمة لأن القمة الإسلامية الأولى التي انعقدت بالرباط
سنة 1969 إنما أقرت قيام منظمة المؤتمر الإسلامي بدون ضبط وسائل عملها
وخلق أجهزتها وكان على مؤتمر وزراء الخارجية إعداد كل ذلك.وعندما عقدنا اجتماع جدة استغربنا أن الدول الـ20 التي حضرت القمة
الإسلامية الأولى بالرباط نزل عددها في مؤتمر وزراء الخارجية إلى .15 وكان
في تعاليق الصحافة المصرية ما يشير إلى أن مصر غير مقتنعة بجدوى إيجاد
منظمة المؤتمر الإسلامي وأنها تفضل الاكتفاء بجامعة الدول العربية.ولما انعقد المؤتمر كان من جملة ما تقرر فيه أن يكون مقر منظمة المؤتمر
الإسلامي في القدس بعد تحريرها من الاحتلال الإسرائيلي وأن تتخذ مقرها
بجدة مؤقتا، ونظر المؤتمر في اقتراح تقدمت به بعض الدول لإنشاء البنك
الإسلامي للتنمية. فحدث نقاش حول مقره. وكانت مصر على لسان وزير خارجيتها
محمود رياض تلح في أن تكون القاهرة مقر البنك وكأنها لوحت إلى أن ذلك شرط
في تعاونها داخل المنظمة. وكانت مصر تقول إنه لا يمكن أن تكون جدة في آن
واحد مقرا للمنظمة ومقرا للبنك الإسلامي. واستقر الأمر في النهاية على أن
تكون كل من الأمانة العامة للمؤتمر الإسلامي، والبنك الإسلامي للتنمية في
جدة. وعندما أُعلِن عن تأسيس البنك انهالت طلبات الدول الإسلامية من
أفريقيا وآسيا للالتحاق بمنظمة المؤتمر الإسلامي.لقد أردت أن أؤكد على هذه النقطة بالذات لأن اتحاد أوروبا قام على أساس
الاقتصاد أولا. وقرار إنشاء بنك التنمية الإسلامي لـمَّ شمل الدول
الإسلامية أكثر حول منظمة المؤتمر الإسلامي. وأود أن أضيف أن انتخاب عبد
الرحمن طانغو أضفى على المنظمة هالة احترام فالرجل كان وزيرا أول وفضل هو
وحكومته أن يكون على رأس الأمانة العامة.






















* وكيف أصبح موقف مصر من المنظمة بعد ذلك؟أصبحت مصر مؤيدة ومساعدة بعدما كان لديها في الأول شبه تخوف. وربما لأنه
كان يقال في ذلك الوقت إن التضامن الإسلامي سيكون بديلا عن القومية
العربية، وأن تأسيس المنظمة تم بإيحاء من الولايات المتحدة. وفي تلك
الأثناء كانت الحرب الباردة على أشدها بين موسكو وواشنطن. وكان عدد من
أقطار العالم الثالث يميل إلى الاتحاد السوفياتي أو يلعب على ورقة التنافس
بين القطبين.






















* هل لك أن تحدثني عن طبيعة علاقتك بالملك فيصل، وعن شخصيته التي عرفتها عن قرب؟ـ كان رحمه الله شخصية متعددة الأبعاد. كان دبلوماسيا خَبَر السياسة
وخَبَرتْه وعاركها وعركته وكان أيضا رجل الحلول الوسطى، مؤمنا أشد ما يكون
الإيمان بالبعد الإسلامي الذي كان يرى أنه شكل الرافد الأساسي لدعم القضية
العربية مهيضة الجناح في ذلك الوقت خاصة بعد حرب .1967 ترددت على الملك
فيصل 4 أو 5 مرات: مرة وردت عليه لأحمل له دعوة الملك الحسن الثاني لحضور
القمة الإسلامية، ثم جئت إليه مبعوثا لأحمل إليه دعوة القمة العربية التي
انعقدت بالرباط وحدثتك عن وقائعها وكان قد خصني باستقبال مطول عندما جئت
للمشاركة في مؤتمر وزراء خارجية منظمة المؤتمر الإسلامي وحضر بداية
اجتماعي به في جدة الزميل عمر السقاف ثم تركني مع جلالته على انفراد. وجئت
إليه مبعوثا من الملك الحسن الثاني في شؤون العلاقات الثنائية مرتين. وفي
كل مرة كان يستقبلني بدون كلفة ويستبقيني عنده لتناول الغداء أو العشاء
وكان يتابع الأخبار العالمية بدقة ويتوقف في تحليلها بنظرة الخبير المحنك،
ولما يحين موعد نشرة الأخبار يقول لي «لنستمع جميعا إلى نشرة الأخبار عسى
أن يكون فيها ما يفيد» فيشعل المذياع ويقطع المباحثات، ويواصلها بعد
انتهاء نشرة الأخبار. وبعدما توالت لقاءاتنا أصبحت بيننا علاقات حميمة
جعلته مرة يقول لي: «اعتبر نفسك واحدا من أبنائي».






















* ما هي أهم المواضيع التي تباحثت فيها مع الملك فيصل آنذاك ؟ـ الملك فيصل لم يكن يقتصر في حواره مع مخاطبه على موضوع واحد. كان يملك
ثقافة سياسية واسعة. كانت الأحاديث شجونا وخاصة عندما انطلقت منظمة
المؤتمر الإسلامي حيث كان منشغلا بتفعيلها، وإعطاء الاهتمام للسند
الإسلامي في دعم القضية العربية. وكان ينتقد اتجاه القومية العربية ويراه
قاصرا عن تحقيق ما يتطلع إليه العالم العربي من تحرير فلسطين والأراضي
العربية المحتلة: أراضي سورية ومصر والأردن. وكان يرى أن العالم الإسلامي
هو الرديف الطبيعي لكفاح العرب. وكان يتحدث مطوَّلا عن أخطاء القوميين
العرب ونظم الانقلاب العسكري العربية ويحملها مسؤولية النكسات العربية،
فقد رفض أن تقوم الشرعية على انقلاب عسكري. وكان يرد أسباب هزيمة الحرب
العربية في حرب 1967 إلى فشل الثورات العسكرية التي سادت المشرق العربي.


























_________________
الخفافيش تخاف نور الشمس !!
****************
لا يجب أن تقول كل ما تعرف ولكن يجب أن تعرف كل ما تقول

بديعة
مشرف (ة)
مشرف (ة)

انثى عدد الرسائل : 6075
العمر : 30
Localisation : الدارالبيضاء
Emploi : موظفة
تاريخ التسجيل : 03/04/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

11-قبل انقلاب الصخيرات أردت أن أفاتح الحسن الثاني بموضوع أوفقير

مُساهمة من طرف بديعة في الجمعة 9 أكتوبر 2009 - 15:47

قال لي شاه إيران: أرجو أن ترفع الجامعة العربية يدها عن ملف الجزر الثلاث لأنه تدخل في شؤوننا
في
هذه الحلقة من حوارات «نصف قرن تحت مجهر السياسة» يتحدث عبد الهادي بوطالب
عن الاسباب التي جعلته يبقى فترة قصيرة على رأس وزارة الخارجية المغربية،
كما يتحدث عن تجربته كرئيس لمجلس النواب (البرلمان) هو الثاني من نوعه في
تاريخ المغرب المستقل.ويروي بوطالب تفاصيل ما دار بينه وبين شاه ايران محمد رضا بهلوي خلال
زيارة قام بها الى طهران، كما يتحدث عن زيادة نظرة الشك والريبة ازاء
الجنرال محمد اوفقير، اضافة الى وصفه لاجواء قصر الصخيرات اثناء المحاولة
الانقلابية الفاشلة التي قادها كل من الجنرال محمد المذبوح والعقيد محمد
عبابو.






















* الملاحظ أنك لم تُمضِ إلا فترة قصيرة في وزارة الخارجية. فما هي ظروف وخلفيات خروجك منها؟ـ كان السبب في خروجي من الخارجية هو تفكير الملك الحسن الثاني في أن
أتولى رئاسة مجلس النواب الجديد. فقد قرر أن يوقف حالة الاستثناء وأدخل
تغييرات على الدستور، وبمقتضاه انتُخِب مجلس النواب الجديد ولم تعد موجودة
الغرفة الثانية كما كان عليه الحال في البرلمان الأول. وأصبح ثلثا المجلس
ينتخبان بالاقتراع العام، أما الثلث الآخر فيتكون مما كان يتألف منه مجلس
المستشارين المُلغَى أي أنه يُنتخب من هيئة ناخبة تتكون من المجالس
البلدية والغرف المهنية والنقابات. وقد أعلنت أحزاب المعارضة أنها غير
راضية عن بنود دستور 1970 الذي اعتبرته تراجعا عن دستور سنة 1962 وتتطلع
إلى دستور أكثر ديمقراطية يُخوِّل اختصاصات أكثر للسلطات التنفيذية
والتشريعية، إلا أن الملك الحسن الثاني أجرى الانتخابات وقاطعتها
المعارضة. ودعاني ليقول لي: «أرجوك أن تخوض الانتخابات، وإني أتلمس فيك إن
شاء الله إذا نجحت أن تكون رئيس مجلس النواب المقبل.






















* في أية دائرة خضتَ الانتخابات ؟






















ترشحت خارج الدار البيضاء وخارج مدينة المحمدية التي ترشحت فيها في انتخابات .1963 لقد ترشحت في مدينة الجديدة (جنوب الدار البيضاء).






















* ترشحتَ باسم أي حزب؟ـ ترشحت مستقلا أي غير منتم لأي حزب. فقانون الانتخابات آنذاك لم ينص على
أن يتقدم المرشح في المكان الذي توجد فيه إقامته أو مكان عمله. كما أن
الاقتراع كان اسميا فرديا. خُضتُ المعركة الانتخابية وزرت الجديدة
وملحقاتها ثلاث مرات طيلة الحملة الانتخابية. ولم تكن مهمتنا صعبة، لأن
أحزاب المعارضة قاطعت الانتخابات ورغم ذلك كان التنافس بين المرشحين
شديدا. إذ كان هناك من ينتمون إلى أحزاب لا يعلنون انتماءهم إليها. كما
تقدم للانتخابات آخرون مستقلون. وأذكر أن المحجوبي أحرضان الأمين العام
للحركة الشعبية لم يترشح هو الآخر للانتخابات باسم حركته، لأن الأمر لم
يكن يتعلق بانتخابات أحزاب، كما لم يكن يتعلق بانتخاب على اللائحة، وإنما
كان الاقتراع اسميا فرديا. فأفسح المجال ليترشح كل من أراد في الجهة التي
يرغب فيها. كان المحجوبي أحرضان نائبا في المجلس، وانتخبتُ من المجلس
رئيسا بإجماع النواب، وكان للرئيس خمسة نواب، كما أن الرئيس والنواب
وأعضاء مكتب المجلس كانوا يُنتخَبون لسنة واحدة يتجدد بعد انقضائها
الانتخاب لمن يرغب فيه. فمارست مهمتي على رأس المجلس الذي نشأ في هذه
الظروف الخاصة. وكنت مؤمنا بما أفعل رغم علمي أن التجربة كان ينقصها
الكمال. ولكني كنت سعيدا بخروج المغرب من حالة الاستثناء التي سبق أن ذكرت
لك موقفي إزاءها. وقلت في نفسي إن التجربة الجديدة رغم نقصانها تشكل عودة
إلى الحياة الديمقراطية وهذا مكسب مهم. ونعيد المغرب إلى وضع دستوري هو
على كل حال أفضل من وضع حالة الاستثناء التي نصحت ألا يدخل المغرب فيها.* أنت كسياسي لامع ومثقف ألمعي قبلتَ رئاسة برلمان قاطعته تقريبا جميع
أحزاب المعارضة. ألم تشعر أن ما فعلته كان سياسيا عديم الفائدة؟ـ لم تكن عودة مجلس النواب إلى العمل من جديد عديمة الفائدة السياسية. لأن
المغرب بذلك خرج من حالة الاستثناء التي طالت وعاد إلى التجربة
الديمقراطية. وأعترف أن العودة لم تكن مكتمِلة كما سبق أن قلتُ لك. وكانت
بها بعض الثغرات وزادتها ضعفا مقاطعة المشاركة فيها من لدن الأحزاب، لكن
مع ذلك كنت أعتقد أنها مرحلة أفضل من مرحلة حالة الاستثناء.كنت أقوم بدوري كرئيس لبرلمان مستقل عن السلطة التنفيذية. وأذكر في هذا
الصدد أنه كانت تقع بيني وبين صديقي وزميلي الدكتور أحمد العراقي الوزير
الأول مساجلات سياسية وقانونية حول سلطات البرلمان وسلطات الحكومة. كنت
أريد أن يقوم البرلمان بدوره الكامل في مساءلة الحكومة ومراقبتها وممارسة
سلطة التشريع. وكنت أطبق مقتضيات القانون الداخلي للمجلس تطبيقا حرفيا
وأضغط على الحكومة لتلتزم بمقتضياته. كان الوزير الأول أحمد العراقي يدافع
عن سلط الجهاز الحكومي الذي يشرف عليه وكنت أدافع عن اختصاصات المجلس.
وكان الملك يتابع هذه المساجلات من بعيد دون أن يتدخل، لأننا كنا نبعث
نسخا من مراسلاتنا للإطلاع إلى السيد إدريس المحمدي المدير العام للديوان
الملكي، فيُطْلِع عليها الملك دون أن يثير الملك مع أي واحد منا شأنها لأن
الأمر يهم السلطتين التنفيذية والتشريعية.وأذكر أنه من بين ما حافظت به على هيبة المجلس أني اتفقت والوزير الأول
على أن يمثل وزيرٌ في كل شهر الحكومة في مجلس النواب ليقوم بدور المنسق
للعلاقات مع البرلمان، لأن الحكومة لم يكن لها وزير مكلف شؤون البرلمان.ومرة هاتفني الصديق أحمد العراقي قبل نصف ساعة من انعقاد جلسة البرلمان
قائلا إنه يتعذر عليه أن يبعث وزيرا إلى البرلمان لأن جلسة البرلمان تصادف
انعقاد مجلس وزاري، وطلب مني ألاّ أعقد الجلسة. فقلت له: «إن المجلس غير
تابع للحكومة وهو الذي يحدد مواعيد جلساته، ومن واجب الحكومة أن يحضر ممثل
عنها جلسات البرلمان في الموعد المحدد. فإن لم تستطيعوا القيام بواجبكم
فعليكم تحمل مسؤوليات غيابكم. أما البرلمان فسينعقد بدون حضور الحكومة».
وكان الأمر كذلك فلما علم الوزير الأول بذلك حتى بعث الوزير لمتابعة وقائع
عمل المجلس. لم تفسد هذه المساجلات القانونية علاقات الود بيننا. وأتذكر
هنا أننا دُعينا مرة إلى القصر الملكي لتناول طعام الغداء على مائدة الملك
الحسن الثاني. وكان يوجد في المائدة الملكية خمسة أو ستة مدعوين كبار إلى
جانب الملك ضمنهم رئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة. وحينما وُضِعت الفاكهة
على المائدة قال الملك الحسن الثاني: «هذه فاكهة جديدة ربما لم يتناولها
أكثركم هذه السنة. وهناك مثل فرنسي يقول إذا همّ شخص أن يتناول فاكهة
جديدة فلْينْوِ طيِّبا ليلقى وراء ذلك طيّبا ولكل واحد منكم أن ينوي ما
شاء». وابتسم الملك الحسن الثاني مضيفا في نكتة لاذعة: «وأرجو أن لا ينوي
كل من رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب أن يغلب كل واحد منهما الآخر في
سجالهما الممتد».وقبل أن تقترب ولايتي الأولى على رأس المجلس من نهايتها بنهاية السنة
الأولى حيث يعاد انتخاب الرئيس لسنة أخرى إذا ترشح، علمت أن الملك الحسن
الثاني بدأ اتصالات مع أحزاب المعارضة، وأنه قد يكون وعدها بتغيير الدستور
إذا هي قبلت المشاركة في الحكومة. وقد يكون هناك وعد بأن تكون الانتخابات
سابقة لأوانها، وأن يحل الملك مجلس النواب طبقا لاختصاصات الملك الدستورية.وقد تلقيت هذه الأنباء باستغراب وبرد فعل مزدوج. فمن جهة سيكون طيبا
وجميلا أن تتعزز الديمقراطية بمكتَسَب عظيم هو العودة إلى إقامة برلمان
تشارك فيه الحركات السياسية كلها، خاصة أن البرلمان الذي كنت أرأسه لم يكن
يشارك فيه إلا المستقلون. ومن جهة أخرى قررت أن أربأ بنفسي ان أكون رئيس
مجلس يتخذ الملك في حقه تدبير الحل، وهو إن كان تدبيرا دستوريا سليما فإنه
سياسيا قاس وصعب. لذا أصبح لزاما عليَّ أن أسبق الأحداث، خاصة أني كنت
دخلت مع الجنرال أوفقير معركة لا أقول ساخنة ولا حامية الوطيس، وإنما كانت
نتيجة دسائس مبيَّتة كان الجنرال يسترها بمظاهر المجاملة والمودة
والاحترام لشخصي، من خلال فتح بيته لأعضاء البرلمان واستضافتهم لاستقطابهم
واحدا واحدا وجماعات جماعات لغاية أجهلها. وقيل لي إنه كان يفكر في أن
يوعز لبعضهم بتأسيس حزب أو حركة سياسية عرض عليهم دعمها ماديا ومعنويا،
وهو ما يعني أن اصطناع الأحزاب بدأ أيام أوفقير، أوفقير الذي قال لي ما
قال بعد اجتماع قمة تلمسان مما تحدثت لك عنه قبل. وفاتحت أوفقير في موضوع
استقباله للنواب وقلت له إن شائعات تروج مؤكدة أن أعضاء البرلمان يقصدون
بيتك ويتوجهون منه إلى المجلس للتصويت بأمر وتوجيه منك. فقال: «لا أبدا:
إنما تربطني فقط ببعضهم صداقة حميمة، لذا أنا أستقبلهم في بيتي بكل حرية
وبدون خوض في السياسة».هكذا وجدت نفسي أمام تجربة برلمانية تُنسَف من تحتها عن طريق استقطاب
النواب لحركة مجهولة لست أدري ما يراد منها، يواكب ذلك وجود اتصالات لم
يُعلَن عنها بين الملك وأحزاب المعارضة لأجل إنهاء التجربة وانتخاب برلمان
جديد.كانت رئاستي للبرلمان ستنتهي في بداية دورة أكتوبر 1971 أي مع اكتمال سنة
على انتخابي رئيسا للمجلس، فقررت ألاَّ أرشح نفسي لرئاسته سنة أخرى
للأسباب التي سبق أن ذكرتُها لك من جهة، وحفظا لكبريائي السياسي من جهة
ثانية. لم أرد ان يكتب التاريخ عني أنني كنت رئيس برلمان طُردت منه بقرار
ملكي بحل البرلمان. لقد نظرت إلى ذلك على أنه سيكون مسا بعملي السياسي
وسيرهن مستقبله. وهكذا صممت بكل إصرار ألاَّ أطلب تمديد رئاستي للمجلس سنة
أخرى وأن أنسحب منه قبل أن تلحقه الإهانة.






















* ألم تستشف من محاولة أوفقير استمالةَ النواب مدلولا سياسيا معيَّنا؟ـ استمالة أوفقير للنواب البرلمانيين واستقطابهم أثارا في نفسي المزيد من
الشكوك حول تصرفات أوفقير. محاولة الاستقطاب سبقت تأليف الكتلة الوطنية
مما جعلني أتساءل بعد تشكيلها ألم يكن أوفقير على علم بمشروع الكتلة
الوطنية (حزب الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية )، وكان يعمل
لتأليف تجمع سياسي مضاد يستقطب فيه أعضاء مجلس النواب الذين كانت أكثريتهم
غير منتمية.وظلت التأويلات تزدحم في ذهني وخلقت لديَّ جوا من الريبة بدأ ينمو منذ
محادثتي في بيتي مع أوفقير التي تحدثت لك عنها. وسأحكي لك الآن كيف تضاعف
جو الريبة عندي لأسباب موضوعية.خلال رئاستي للبرلمان تلقيت دعوة من مجلسي البرلمان الإيراني في عهد الشاه
وشكلت وفدا برلمانيا ليرافقني إلى طهران. وقد طلبتُ من أعضاء الوفد أن
يحضروا صباح يوم السفر إلى منزلي لتناول طعام الفطور لننطلق مباشرة إلى
المطار. وكان موعد إقلاع الطائرة في الساعة العاشرة صباحا. وبينما أنا
أستقبل أعضاء الوفد على الفطور، كان على خط الهاتف النائب في المجلس
المحجوبي أحرضان: «أريد أن أراك باستعجال كبير قبل أن تسافر». فجاءني إلى
البيت ولم يكن عضوا في الوفد المتوجه إلى طهران مع العلم أنه كان عضوا في
المجلس».كان أحرضان قلِقا وطلب مني أن ينفرد بي مفضّلا أن نخرج إلى حديقة المنزل
ربما لأنه كان يخشى من التَّنَصُّت على كلامنا. وقال: «أنت رجل سياسي
وخبير وتفهم الأمور». وقد وقع لي إشكال ليلة أمس مع الجنرال أوفقير أريد
أن أحدثك عنه: لقد فتح الجنرال أوفقير معي مِلَفا يُدين النظام، وأشار إلى
أشياء لا أدري ما إذا كان اختلقها أم هي صحيحة، فقلت له بعدما سمعتُ منه
إنه يتوجب علينا أن نعمل شيئا لإنقاذ الموقف، ونتصل بجلالة الملك لنطلعه
على بعض ما قلتَ ونقوم بحركة تدارك فقال لي أوفقير باللغة الفرنسية: «اترك
السفينة تغرق».لقد كنت كاتما سري مع أوفقير في قرارة نفسي ولم أرد أن أقول لأحرضان إنني
سمعت من أوفقير كلاما شبيها بما قاله له. فاكتفيت بالجواب: «إن الامر يبقى
عندي لغزا فدعني أفكر ولْنتحدث فيه حينما أعود من سفري».






















* كم كان يفصل من الوقت بين ما سمعتَه من أحرضان والمحاولة الانقلابية التي جَرتْ في قصر الصخيرات (ضواحي الرباط)؟






















ـ حوالي شهرين. وطيلة شهر ازداد إحساسي بشعور الريبة والمخاوف، وأصبحت أضع في نفسي تساؤلات عن لغز أوفقير حملتُها معي طول السفر.لقد سافرت إلى إيران وكان في برنامجي ان يستقبلني الشاه في اليوم الثاني
من وصولي على الساعة التاسعة صباحا بالقصر الأمبراطوري. وكان سفيرنا
بطهران هو المهدي بن عبد الجليل. وكان أحد تلامذتي رفيقا لولي العهد
(الملك الحسن الثاني) في المعهد الملكي. فسألني: «هل ترى أن أرافقك في
زيارتك للشاه؟». فقلت له: «طبعا أنت سفير جلالة الملك ولا بد أن تكون
بجانبي».كانت المهمة التي عهد بها إليَّ الملك الحسن الثاني لدى الشاه هي أن أبلغه
رجاءه أن يحل بالحوار والتفاهم مشكلة الجزر الثلاث طنب الصغرى، وطنب
الكبرى، وأبو موسى، موضوع النزاع بين الإمارات العربية المتحدة وإيران.وكان الملك الحسن الثاني قد قال لي أيضا: «عندما تنتهي من طرح موضوع الجزر
قل له كلمتين طيبتين. قل له إنني متحير بين محبتي ومودتي له واحتفاظي
بصداقته، وبين واجباتي كعربي مسؤول في الجامعة العربية متضامن مع دولها
فيما يُنصف العرب في حقوقهم». وكان موضوع الخلاف على الجزر سيُطرح على
جدول أعمال الجامعة العربية بالقاهرة.كان الشاه لَبِقا ودبلوماسيا ومتخلِّقا. استقبلني في الموعد المضبوط
والساعةُ تدق التاسعة صباحا. وكان معروفا عنه ضبطه للمواعيد واستقبال
ضيوفه بعناية فائقة استمع الشاه إليَّ. وكنا نتحدث باللغة الفرنسية في جو
يعكس طبيعة المودة التي كانت تسود علاقة المغرب بإيران وعلاقة الشاه
الحميمة بملك المغرب. وعندما وصلتُ إلى موضوع الإمارات بدت أمارة الغضب
على ملامحه وقال لي متكلِّفا التودّد: «بلِّغ جلالة الملك محبتي ومودتي
وتقديري. وقل له إن هذا شأن إيراني، وأني أرجو أن ترفع الجامعة العربية
يدها عن هذا الملف وتكُفَّ عن تدخلها في شؤون إيران. كما أن الدول
الخليجية لا تساوي عندي شيئا، فهي ليست من دول الأصالة ولا ماضي لها. وأنا
قادر على أن أمحو من الخارطة في ظرف ربع ساعة أكبرها وأعظمها قوة. أي
العراق».ومن خلال ما قاله الشاه أصبحت أفهم مبلغ التناحر القائم تاريخيا بين إيران
والعراق، وأنه لم يكن بسبب قيام الثورة الاسلامية، وإنما يرجع إلى خلفيات
قديمة. (أقول لك هذا وأعود إلى موضوع أوفقير).في ليلة نفس اليوم بعدما حضرنا مأدبة العشاء التي أقامها البرلمان
الإيراني على شرف رئيس مجلس النواب المغربي رافقني إلى الفندق السفير بن
عبد الجليل الذي حضر معي استقبال الشاه. وقال لي: «أستاذي هل يمكنني أن
أنفرد بك بعض الدقائق؟». وكان أول ما قاله لي: «هل تثقون في الجنرال
أوفقير؟». قلت: «لماذا هذا السؤال؟». فردَّ قائلا «لأنني لاحظت أنه عندما
جاء إلى طهران ضيفا على الشاه وعلى جهاز السافاك (المخابرات الإيرانية)
أطال البقاء هنا حوالي 20 يوما. وحمل معه حقائب مملوءة بالهدايا ذات قيمة
مالية خيالية. وأنا الذي أخرجتها من الجمارك وكان عددها يتجاوز مائة
حقيبة. كما أن أوفقير كان يقضي معظم أوقاته يوميا مع رجال المخابرات
الإيرانية (السافاك) ومع الشاه في خلواته». وانتهى بن عبد الجليل إلى وضع
هذا التساؤل: «ألا تدرون ماذا يدبِّر هذا الرجل؟وكانت هذه هي المرة الثالثة التي سمعت فيها ما سمعت عن أوفقير وتردد فيها
السؤال التي كنتُ وضعتُه على نفسي: «ماذا يُدَبِّر الرجل ؟» وفضلت ألاَّ
أبوح بشيء للسفير بن عبد الجليل كما فعلتُ مع أحرضان قبل توجهي إلى إيران.
واكتفيت بنُصحي إياه: «انْسَ هذا الموضوع. ربما يكون أوفقير جاء إلى طهران
في مهمة أُذِن له فيها أن يفعل ما فعل. انْسَ هذا الموضوع وامحه من
ذاكرتك».وغادرت طهران في اليوم التالي. وفي الطائرة كنت أقول في نفسي: «يظهر أنه
حان الوقت لأفاتح جلالة الملك بموضوع أوفقير وأضع عني حمله الثقيل». لكنني
تنبهت إلى أن الملك قد يواجه أوفقير بما قلتُه له، وسأكون بذلك قد عجلت
بنحري. فقد كان أوفقير قادرا على كل شيء.






















وحينما وصلت إلى الرباط حدثت الملك الحسن الثاني عما دار بيني وبين الشاه، إلا أنني لم أُثِرْ معه موضوع أوفقير.وبفعل هذه العوامل مجتمعةً ازدادت عندي الهواجس بأننا نعيش في المغرب على
فوهة بركان أو على كف عفريت. وازداد عندي إحساس بأن شيئا ما يُدَبَّر
سياسيا وربما أخطر من ذلك.* حينما وقعت المحاولة الانقلابية في قصر الصخيرات. كنتَ ما زلتَ رئيسا
للبرلمان وكنتَ موجودا في قصر الصخيرات إلى جانب المدعوين لحفل الاستقبال
بمناسبة عيد ميلاد الملك (42). فهل لك أن تحدثني عن تفاصيل المحاولة
وأجوائها كما عايشتَها؟ـ كان للملك الحسن الثاني حاشية خاصة تنتظم حوله في بعض أوقات الفراغ حيث
يتحلل من الطقوس المراسمية. كانت هذه الحاشية تتناول معه الغداء وأحيانا
العشاء وترافقه في أوقات الرياضة وإلى ملعب الكولف كما ترافقه في الرحلات
والأسفار داخل المغرب وخارجه. وكان لي الشرف أن أكون ضمنها. وكان يوليني
هذه الالتفاتة في أي منصب كنت فيه، وحتى عندما كنت مديرا عاما للمنظمة
الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم (إيسيسكو) في وضعية ديبلوماسي طيلة
أزيد من عشر سنوات كان رحمه الله يعتبرني وزيره أو مستشاره. وكان يحرص على
أن آخذ مكاني قريبا منه مع مستشاري جلالته وليس بين أعضاء السلك
الديبلوماسي.وكان منتظَرا أن تقام ليلة 9يوليو ( تموز)1971حفلة موسيقية ساهرة بمناسبة
عيد الشباب، أي ليلة عيد ميلاد الملك. وجاءتنا الدعوات من التشريفات
(المراسم) الملكية لحضورها بقصر الصخيرات غير بعيد عن القصر الملكي
بالرباط، ودعوة أخرى لحضور حفل الغداء بقصر الصخيرات أيضا في اليوم
الموالي. وكانت جرت العادة في السنوات السابقة أن نأتي إلى مثل هذا الحفل
بلباس خفيف بدون رباطة عنق. ـ فيوم عيد الشباب هو يوم الترفيه والتحلل من
القيود الرسمية ـ وأن يسبق حفلَ الغداء ترفيهُ المدعوّين عن أنفسهم بما
يشاءون من سباحة في بحر الصخيرات أو في مسبح القصر أو دردشة لتزْجِية
الفراغ.وتميزت ليلة 9 يوليو بحفل موسيقي جمع لأول مرة أقطاب الفن والغناء في
العالم العربي وكان من بينهم محمد عبد الوهاب، وعبد الحليم حافظ، وصباح،
وفريد الاطرش، وعفاف راضي وآخرون وأخريات. وكانت ليلة موسيقية انعقدت فيها
قمة الطرب العربي. وللملك مواهب عظيمة في مجالات خاصة لا يعرفها الناس لكن
تعرفها حاشيته الخاصة. كان يعزف على أكثر من آلة موسيقية، وأحيانا يتدخل
ويوجه الجوقة الموسيقية بنفسه ويتحكم في أدائها حتى تتناغم الألحان بدون
أن يكون فيها لحن نَشاز، فيتحول الملك بكل ذلك إلى «مايسترو» عملاق في تلك
الليلة تأخر تقديم العَشاء الى ما بعد الساعة الواحدة والنصف صباحا،
وخرجنا من قصر الصخيرات ما بين الساعة الثانية والنصف والثالثة صباحا.وفي صباح اليوم الموالي توجهت إلى قصر الصخيرات. وبمجرد ما وصلت إليه ذهبت
للسباحة في المسبح، فوجدت محمد الفاسي وأحمد بن سودة وآخرين من رجال
الدولة والمدعوين يسبحون. وعندما حل وقت الغَداء جاءني رئيس التشريفات
الملكية الطيب بنونة الذي أصبح فيما بعد سفيرا للمغرب في سورية، وقال لي
«الأستاذ عبد الهادي لكم مكان محجوز في مائدة جلالة الملك مع الوزير
الأول». ذلك أنه بحكم «البروتوكول» كان رئيس البرلمان هو رابع شخصية في
البلد بعد الملك وولي العهد والوزير الأول. وبما أنني كنت أرتدي لباسا
خفيفا قلت للسيد بنونة: «أظن أنه يُسْتحسَن في هذا اليوم أن لا نتقيد
بالبروتوكول». فقال لي: «لا. هناك سبب آخر يُلزِمكم أن تجلسوا في مائدة
جلالة الملك، إذ يوجد فيها صديقكم الحبيب بورقيبة (الابن) الذي حضر إلى
المغرب خصيصا للمشاركة في عيد الشباب». فقلت له: «مهما كان الحال ـ أرجوك
ـ دعنا اليوم نتخلص من البروتوكول». وبعد لحظات أخذ المدعوون يتناولون
الطعام من «البوفيه» الممتد على ساحة القصر. وقيل إن الملك الحسن الثاني
لم يكن قد فتح رسميا «البوفيه». فكان بعض العاملين في البروتوكول الملكي
يلاحظون على بعض الحضور أنهم تسابقوا إلى الموائد قبل أن يفتتح الملك
الغَداء الرسمي.بعد ذلك تناولت صحنا ووضعت فيه بعض الطعام وتوجهت أبحث عن مائدة فوجدت
بإحدى الموائد صديقين هما أحمد باحنيني الوزير الأول السابق ورئيس المجلس
الأعلى للقضاء، والحبيب الشطي وكان آنذاك سفيرا لتونس في الرباط فأخذت
مكاني بينهما. وقد كان بيني وبين الشطي رحمه الله تقليد أصبح عادة بيننا
أن يقدم لي بعد الأكل ـ كلما التقينا في حفل غَداء ـ سيجارا كوبيا بحكم
أنه كان غاويا للسيجار الجيد.وبينما نحن جالسون لاحظت شخصين يعملان في البرلمان (كانا مُكلفَيْن
المحاسبة) يجلسان أمامي في مائدة على مقربة منا. فقلت للسيدين الشطي
وباحنيني: «دعاني أذهب للسلام عليهما وأعود». وما أن تخطيت المائدة التي
كنت أجلس فيها حتى دخل عدد وفير من الجند وبدأوا في إطلاق الرصاص وطرح
القنابل اليدوية. وفي التوِّ رأيت باحنيني يسقط تحت الرصاص جثة هامدة على
المائدة التي كنت جالسا فيها، بينما نجا الشطي من الموت بأعجوبة.في تلك اللحظة أصابتني شظية خلف ساقي وجرحتني جرحا مؤلما، لكنني لم أهتمَّ
بالجرح لأنني رأيت الكثير من الضحايا يسقطون وتتكاثر أعدادهم بحسب عدد
الطلقات التي كان الجنود يصوّبونها إلى ضحاياهم أو يرسلونها بصفة عشوائية.بعد ذلك أخد الجنود يلاحقوننا برشاشاتهم دون أن يُطلقوا علينا النار، ثم
سحبونا إلى أسفل القصر حتى نزلنا إلى شاطىء البحر، لأن قصر الصخيرات كان
يتكون من الجناح الملكي حيث توجد سكنى الملك، ومن ملحقات كان بها مكتبه
وقاعة الاستقبال ومكاتب الموظفين الذين كانوا ينتقلون من الرباط إلى
الصخيرات كلما حل الملك بالصخيرات. كما كان خلف هذه المباني شاطئ البحر
الخاص بالملك وضيوفه.آنذاك التفتَ إليَّ الأمير الحسن بن المهدي سفير المغرب في لندن والخليفة
السابق للسلطان في المنطقة الشمالية إبان الاستعمار الإسباني، وسألني
بلهجة مشرقية: «أستاذ عبد الهادي حَصَلْ إيه؟» فقلت له: «الخبر ما ترى لا
ما تسمع».كان الجرح يؤلمني لدرجة أن السروال الذي كنت أرتديه تعقَّد عليه الدم الذي
كان يتقاطر من خلف ركبتي المصابة بالشَّظِيّة. فوقعت على الأرض، وكنت أضع
على عيني نظارتين شمسيتين، فسقطت عند سقوطي على الأرض وسط الرمال زجاجة من
زجاجتي النظارة وبقيت نظارتي بزجاجة واحدة وأصبحت شبيها «بموشي دايان» إلا
أن دايان كان يصرع ضحاياه من العرب ويعرف ما يريد، وأنا كنت أصارع قوتي
المنهارة متربصا المجهول وعيناي سليمتان.في تلك الأثناء كنا جماعة شققنا لنا منفذا إلى شاطئ البحر حيث كانت توجد
كومة كبيرة من الرمال فغُصْنا في أعماقها إلى الرأس توقيا من شظايا
القنابل التي كانت تُلقَى عشوائيا. وكان من بين الحاضرين من فروا على
الأقدام عبر شاطىء البحر ليلجؤا إلى فندق «إيمفيتريت» المجاور للقصر. أما
أكثرية الحاضرين في المجزرة فقد ظلوا مطوَّقين وكنت من بين هؤلاء.وعندما جاء الجنود لغزو الشاطئ وأحدقوا بنا من الخلف ونحن في الرمال
مُشهِرين رشاشاتهم في وجوهنا وأعطوا الأمر لنا بالعودة إلى ساحة القصر،
وجدناها مغطاة بجثث الموتى. واضطُرّ بعضنا إلى المشي فوقها. ما أزال أذكر
المنظر الوحشي المريع الذي التقتطته أعيننا: جثة «مَخْزَني» من أعوان
القصر هامدة مطروحة على الأرض وأضراسها تعض على قطعة لحم مشوي لم يتمكن من
ابتلاعها، والعينان جاحظتان. لقد عشنا ساعة وصفها الله بأبلغ بيان في
القرآن عن المجاهدين في غزوة أحد بقوله: «إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل
منكم. وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا».طلب منا الجنود أن ننبطح على الأرض رافعين أذرعنا إلى السماء. ولم تكن
الأرض تَسَعُنا للانبطاح فوقها. فعلونا بعضُنا فوق ظهر بعضنا. ووجدت نفسي
فوق ظهر عبد اللطيف الفيلالي الذي كان بدوره يعلو ظهر محمد الشرقاوي
(لتُركَبُّن طَبَقا عن طَبُق). كانت أنفاسنا مخنوقة ولا نستطيع أن نتهامس
خشية أن نستفز بهمساتنا الجنود. فقد كانت هناك طلقات طائشة، وكان يمكن أن
تتحول في كل لحظة إلى طلقات مصوَّبة هادفة. وما هي إلا لحظات حتى بدأ
الضباط بالنداء على بعض الشخصيات الذي كنا نسمعه عبر مكبّر الصوت ونحن في
وضعنا الغريب. وكان أول المُنادى عليهم هو الجنرال بولْـحِمص عامل (محافظ)
الدار البيضاء، فأردوه في الحين قتيلا، ونادوا على أسماء أخرى فأطلقوا
النار وكان النداء بالاسم والمجيب يرد «حاضر» ويقف لتطلق عليه النار ويسقط
قتيلا. ثم نادوا على العقيد أحمد الدليمي (مدير الأمن العام) إلا أنه لم
يَرُدّ على النداء. ولاحظت أن الضباط لم ينادوا على الجنرال أوفقير. وبحكم
وجودي في أعلى طبقة وقعت عيني خلسة على الجنرال محمد المذبوح الذي سبق لي
أن تحدثت لك عن رفقته إياي عندما توجهنا في مهمة إلى الجزائر أثناء حرب
الرمال عند الرئيس بن بلاّ. فقلت للذين كانوا منبطحين تحتي ولا يرون ما
يجري «يظهر أن قائد هذه العملية هو الجنرال المذبوح». فقد رأيته يعطي
الأوامر للآخرين بعد ذلك قال لي البعض ممن كانوا أقرب مني إلى القيادة
مدبرة الانقلاب إن الشخص الذي كان يتخاطب مع المذبوح هو الكولونيل
(العقيد) محمد عبابو. ويظهر أن عبابو كان عنيدا في موقفه وأنه هو الذي كان
يرأس العملية لذا أطلق الرصاص على المذبوح بعدما ذهب هذا الأخير يفاوض
الملك الحسن الثاني ويخبره أن الانقلابيين لا يطالبونه بالتنازل عن العرش،
وإنما يرغبون في التفاوض معه. وكان جواب الملك أنه لا يرفض ذلك شريطة أن
يتم وقف إطلاق النار وإراقة الدماء في الحين. كما قيل إن المذبوح رجع إلى
عبابو ليخبره أنه نجح في مهمته لدى الملك فاعتبر العقيد عبابو الجنرال
المذبوح خائنا وأطلق عليه النار فأرداه قتيلا.






















* هل رأيتَ الملك بعد بدء إطلاق النار؟ـ لا. لم أَرَه. لقد كنت بعيدا منه وكان في آخر ركن من ساحة القصر.
والضباط الانقلابيون والجنود دخلوا من الباب الرئيسي وأطلقوا النار على من
وجدوهم قريبين من الباب. وأنا لم أجلس في المائدة الملكية كما قلت لك
سالفا وأصابتني الشَّظِية بعيدا عن مجلس الملك.






















* كيف تطورت الأمور؟ـ بقينا منبطحين على الأرض إلى أن طلب منا الجنود أن نخرج رافعين أيدينا
عبر الباب الرئيسية إلى ما وراء القصر. وهناك توالت النداءات على بعض
الأشخاص الذين إما كانوا يُعتقَلون أو يُقتَلون.






















* ما هي طبيعة الأشخاص الذين كان يُنادَى عليهم ؟ـ أغلبهم من قادة الجيش. ولكني كنت أنتظر في كل لحظة أن ينادَى عليَّ إذا
ما نُودي على كبار المسؤولين المدنيين، خاصة وقد كنت الرجل الرابع في
الدولة. كما كنت أنتظر أيضا أن ينادوا على الوزير الأول. فهم إذا ما كانوا
يرغبون في تصفية المخلصين للنظام فأنا وهو لا محالة سنكون في طليعتهم.
فوَّضْتُ أمري لله سبحانه وتعالى وقرأت آيات من الذكر الحكيم. وكان سني
آنذاك 47 سنة. فهجس في نفسي هذا الخاطر: «إن والدي توفي وعمره 83 عاما
وأنا عمري الآن 47 عاما وعشت هذه السنوات أكثر مما عاش والدي سنواته
الثلاث والثمانين لأنه لم يعش ما عشته ولم يعرف ما عرفتُه، ولم يَنْعَم
بخير الحياة أو ذاق من شرها مثلما نَعِمْت بها أو ذقتُ أنا. فماذا يَضيرني
إن مت الآن؟ كما أن أولادي أخذوا يكبَرون وسيشُقُّون بعون الله طريقهم.
وختمت هذه الخواطر بشهادة «لا إلاه إلا اله محمد رسول الله». ووضعت يدي
على قلبي وأصبحت مستعدا لكل شيء وتحولت إلى قطعة من جليد. وفي هذه اللحظة
ازددت إيمانا بالخالق ووثوقا باستجابته دعواتي. ووعيت منذ ذلك ما يعطيه
الله لعباده من نعمة سابغة إذا ألهمهم قوة الإيمان.كان بجانبي لما خرجنا إلى الساحة الخارجية للقصر القاضي محمد الفاسي الذي
عمل معي كاتبا عاما (وكيلا للوزارة) ومديرا لديواني لما كنت وزيرا للعدل
حينما سمعنا صوتا يقول باللغة الفرنسية: «نحن ذاهبون إلى الرباط لنحتلّ
الإذاعة والتلفزيون. وعلى جميع الضباط والجنود أن يبقوا في مكانهم هنا.
فإذا لم نرجع في الساعة السابعة مساء أطلقوا الرصاص على كل الراكعين».
وقال أحدهم باللغة الفرنسية أيضا: «ليس لدينا ما يكفي من الذخيرة لقتل
هؤلاء جميعا». فجاء الأمر العسكري يقول: «دوسوهم واسحقوهم جميعا
بالشاحنات».بقينا على هذا الوضع مُتَرَبِّصِين أن نُقتل بالرصاص أو نُداس بالشاحنات
إلى أن سمعنا من بعيد ـ بعد مرور ما يقرب من ساعة ـ مجموعة من الناس
يقرأون سورة «الفاتحة» وآخرين يهتفون: «عاش الملك». فسألت جاري محمد
الفاسي: «تُرى من بايعوا ؟». فما جاء في بالي أن يـُحيّوا الملك الحسن
الثاني وهم الذين عملوا للانقلاب عليه. فقال الفاسي: «لاشك أنهم بايعوا
أحدا ما». كانت أصوات الضباط والجنود ترتفع مردِّدة: «يحيا الملك. عاش
الملك». وبعد ذلك عرفنا أن الملك كانت له الجرأة ليخرج إلى ساحة القصر
وبرفقته الجنرال أوفقير لأنه كان بجانبه على مائدة الغداء وبقي إلى جانبه
حينما بدأ إطلاق النار. ويبدو أن الضباط والجنود الذين كانوا يطلقون النار
بدَوْا عندما شاهدوا الملك الحسن الثاني وكأنهم استيقظوا من كابوس مخيف.
فقال لهم الملك كلمة مهدِّئة وطلب منهم أن يقرؤا الفاتحة معه. ولما انتهوا
من قراءتها بدؤوا يصيحون: «يحيا الملك».






















* كيف تفسر هذا التغير في موقف الضباط والجنود المهاجمين لقصر الصخيرات حينما رأوا الملك؟ـ تقول جميع الروايات إن الجنود والضباط الذين جاؤوا إلى قصر الصخيرات
قادمين من معسكر هُرْمُومُّو (رباط الخيل حاليا) قيل لهم إن الملك في خطر،
وأنه تعرض لمؤامرة، وأن عليهم أن يذهبوا إلى قصره للقضاء على المتمردين
الذين احتلوا قصره. وقيل أيضا إنهم أُعطُوا مخُدِّرا قبل أن يتوجهوا
للقصر. وفعلا كنت ألاحظ ـ كلما سرقتُ نظرة إليهم ـ احمرارا غير عادي في
عيون بعض الضباط والجنود. ولما رأوا الملك تبين لهم أنه ليس في خطر. وإذ
ذاك أعطى الملك السلطات كاملة للجنرال أوفقير الذي انصرف إلى الرباط
«ليسهر على سلامتها».






















* في نفس اللحظة؟ـ نعم في نفس اللحظة. وفيها نفسها ارتدى الجنرال أوفقير لباس الميدان بعد
أن جاء إلى القصر ببذلة عادية مثل جميع الحاضرين. ولما توضحت الصورة وقفتُ
بصعوبة وأخذت أمشي بخطوات غير ثابتة من أثر جرح الركبة فإذا بالدكتور
كوسوفار (وكان طبيبا مشهورا بالرباط) يأخذني إلى سيارته وأنا مُتَّكِئ
عليه في اتجاه مستشفى ابن سيناء في الرباط حيث كان الجرحى بالمئات. وهناك
قدَّم إليَّ الأطباء إسعافات لإيقاف النزيف ووضعوا على الجرح ضمادة.
وتولىَّ إسعافي خاصة صديقي الدكتور عبد اللطيف بربيش (أمين سر أكاديمية
المملكة المغربية) وكان يعمل بالمستشفى أستاذا بكلية الطب. وعلمت إذ ذاك
أن محمد بن الحسن الوزاني زعيم حزب الشورى والاستقلال كان في غرفة أخرى
وأن عضده قد بتُر بشظايا أصابته، فذهبت لعيادته ووجدته متجلدا صبورا
محتسبا إلى الله أمره.ومن باب الاحتياط نصحني أحد أعضاء ديواني في رئاسة البرلمان ألا أبيت في
منزلي تلك الليلة. وطلب مني أن أنام عنده في بيته الذي يوجد في حي شعبي لا
يُلفِت النظر لتواضعه لأن الأمور لم تنته بعد، والمتمردين قد يهجمون على
بيتي.لم تكن أسرتي على علم بمكان وجودي طيلة الليلة إذ اكتفيْتُ بالاتصال بها
هاتفيا دون أن تعلم أين أُوجَد. فزوجتي وأولادي كانوا في حالة من الذعر
والرعب كان جميع ما حدث يُبرِّرها.

























_________________
الخفافيش تخاف نور الشمس !!
****************
لا يجب أن تقول كل ما تعرف ولكن يجب أن تعرف كل ما تقول

بديعة
مشرف (ة)
مشرف (ة)

انثى عدد الرسائل : 6075
العمر : 30
Localisation : الدارالبيضاء
Emploi : موظفة
تاريخ التسجيل : 03/04/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

12-زودت أوفقير بملف حول العلاقات بين الرباط وباريس وقال للملك إنه حصل عليه من عملاء له في المخابرات الفرنسية

مُساهمة من طرف بديعة في الجمعة 9 أكتوبر 2009 - 15:48

اقنعت الحسن
الثاني بعدم الرد على مقال هيكل حول الضباط الأحرار المغاربة لأن ما كتبه
كان مجرد حلم وخيال يواصل عبد الهادي بوطالب الوزير والسياسي المغربي
المعروف في هذه الحلقة من حوارات «نصف قرن تحت مجهر السياسة» الحديث عن
المحاولة الانقلابية الفاشلة في قصر الصخيرات ، ويروي تفاصيل قصة الصحافي
المصري مع من اسماهم هذا الاخير بالضباط الاحرار المغاربة.ويتحدث بوطالب ايضا عن فحوى لقائه بالملك الحسن الثاني وسؤاله حول ما اذا
كان يثق بالجنرال محمد اوفقير ، لكن ثقة الملك في الجنرال كانت كبيرة.ويروي بوطالب كذلك اسباب عدم ترشيح نفسه لولاية ثانية على رأس البرلمان
واعتزاله الحياة السياسية الى ان وقعت المحاولة الانقلابية الثانية التي
هدفت الى اسقاط الطائرة الملكية القادمة من فرنسا ، وهي المحاولة التي
نفذها الجنرال رجل ثقة الملك. * ما هي تفاصيل قصة الصحافي المصري محمد حسنين هيكل وصحيفة الأهرام مع
المحاولة الانقلابية ؟ أقصد القصة التي أشار إليها الحسن الثاني في كتابه
«ذاكرة ملك»؟ـ بعدما تبين أنه تم القضاء على المتآمرين لازمتُ البيت يومين أو ثلاثة إذ
كنتُ ما أزال أعاني من آثار الجرح. وفي صباح اليوم الرابع زارني أحمد
العراقي الوزير الأول مبعوثا من الملك الحسن الثاني وأعطاني لفافة أوراق
وردت من القاهرة عبر «التلكس» إلى وزارة الخارجية تتضمن أخبارا عما
تناقلته الصحف المصرية حول محاولة انقلاب الصخيرات. وكان من بينها مقال
لمحمد حسنين هيكل عنوانه: «قِصَّتي مع الضباط الأحرار المغاربة»، أي
مُدَبِّري انقلاب الصخيرات الفاشل. وقال لي العراقي إن الملك الحسن الثاني
يرجوك أن تردَّ على مقال هيكل على أن يُقرأ هذا الرد هذه الليلة بالإذاعة
والتلفزيون، مشيرا إلى أن هيكل قال في حق الملك كلاما سَيّئا، وأن لدى
الصحافي المصري تصورا غريبا عن الملك الحسن الثاني وعن المؤامرة، مُدَّعيا
أنه كان يعلم بها قبل وقوعها ويتوقع قرب حدوثها لأن ضباطا مغاربة شبابا
زاروه خلال وجوده في الرباط وأخبروه بها قبل وقوعها. قلت للوزير الأول:
«دعني أولا أقرأ هذا المقال». وقد وجدتُ أنه تضمن بعض الوقائع التي قال
هيكل إنه شهدها بنفسه عندما كان بالرباط وكان صادقا في بعضها، لكنه أضاف
إليها ما لا يثبت عند النقد والتحليل لأنه من صنع الخيال.تحدث حسنين هيكل عن حياة الملك الخاصة وعن شكل لباسه عندما يقضي وقته
الثالث مرتاحا من أعباء المسؤولية، وقال عنه إنه أساء معاملته للرئيس عبد
الناصر عندما جاء في زيارة إلى المغرب وتحدَّدَ موعدٌ للقائهما لكن الملك
تركه ينتظر. وقصَّ في مقاله حكايته مع مجموعة ضباط من المغاربة لم
يُسمِّهم ولم يَصِفْهم قائلا إنه أثناء انعقاد القمة العربية في الرباط في
أواخر سنة 1965، وبينما هو نائم في غرفته بفندق هلتون، طرق بابه في الساعة
الواحدة صباحا ضابط شاب مغربي وطلب منه أن يخرج معه خارج الفندق للتحدث
إليه، وأن الضابط أضاف أن مجموعة من الضباط الأحرار يريدون أن يتحدثوا معه
على انفراد حتى يُطلِعوه على أمرٍ مُهِمّ وخطير يجب أن يعرفه، وأنه قد
يستفيد من معرفته لهذا الأمر الهام في الوقت المناسب. ووصف حسنين هيكل كيف
ذهب مع الضابط من الرباط إلى مكان مجهول تحت جنح الظلام بتدقيقات وتفصيلات
خيالية، وكيف قطع عددا من الكيلومترات متنقلا من جهة كذا إلى جهة كذا.
وكان وصفه مليئا بالأخطاء والتناقضات التي تدل على أن القصة مُفتعَلَة
صنعها خيال خصب. وفي قصه هذا بدت مدينة الرباط من خلال ما كَتب عنها
وكأنها قرية صغيرة منعزلة خالية من السكان، وأنه يمكن أن يقطع فيها الماشي
على قدميه مسافة كبرى دون أن يحسَّ به أحد أو يَلْقى على طريقه أحدا. وقال
إنه عندما اجتمع بالضباط قالوا له: «نحن الضباط الأحرار في المغرب وستسمع
عنا قريبا لأننا اعتزمنا أن نقوم بنفس ما قام به العقيد معمر القذافي في
ليبيا وجمال عبد الناصر في مصر. وإننا أردنا أن نؤثرك بهذا النبأ العظيم
حتى يمكنك أن تتحدث عنا عندما تدُقُّ ساعة الحسم ونعلن ثورتنا. وتبيَّن لي
وأنا أتابع قراءة المقال أن أغلب ما كتبه هيكل مجرد حلم من أحلام الساعة
الواحدة ليلا رآه وهو على سريره في غرفته.فقلت لأحمد العراقي : «هل اطَّلع جلالة الملك على مقال هيكل؟». فكان جوابه
«لا». وأضاف قائلا: «إن جلالة الملك عَلِم أن هذا المقال فيه إساءة له وهو
لا يريد أن يطَّلِع على مثل هذه المقالات لأنه لا يستفيد من قراءتها وإنما
تُسبِّب له إزعاجا لا يرغب فيه. وجلالته يطلب منك أن تَرُدَّ عليه. فقلت
له: «أنا غير متفق على الرد على هذه السفاسف ولا فائدة لنا في الدخول في
مهاترات كلامية عقيمة الجدوى مع صاحب المقال، وتلفزيون المغرب لا يُسمَع
إلا في المغرب بينما إعلام مصر أقوى وأكثر انتشارا. وكل رد على هيكل
سيستغِلُّه لتلميع صورته ولن يفيد المغرب شيئا». فقال: «لِـمَ لا تقول
رأيك هذا بصراحة؟». وأسرعت إلى التلفون وطلبت الملك وقلت له: «إنني تلقيت
من الوزير الأول مقال هيكل وأخبرني أن جلالتكم لم تَطَّلِع للأسف على ما
جاء في المقال. وأرى أنه لا فائدة من أن نفتح هذه المعركة الكلامية مع
إذاعة «صوت العرب» التي تُسمَع في كل جهة، وأن يُنشر الردّ من جانبنا في
المغرب عبر التلفزيون والإذاعة وهما لا يُسمعان في الخارج. وفي هذه الحالة
ستكون النتيجة أننا أَطْلَعْنا المغاربة فقط على أكاذيب هيكل. فكان جواب
جلالته: «إذا كنت ترى ذلك فلا بأس». وأضاف: و«بالمناسبة أود أن تحضر في
الساعة الرابعة بعد الظهر اجتماعا خاصا دعوت إليه في قصر الضيافة وقد
كلفتُ في هذه اللحظة إدارة التشريفات الملكية لتستدعيكَ». وبالفعل حضرت
ذلك الاجتماع المغلق الذي حضره الملك الحسن الثاني، والجنرال أوفقير،
وأحمد العراقي الوزير الأول، ويوسف بن العباس وزير الخارجية، ومولاي أحمد
العلوي وزير التجارة والصناعة، والجنرال مولاي حفيظ العلوي وزير التشريفات
والأوسمة والقصور الملكية والأوسمة.وخلال الاجتماع كان الملك مرتاحا لا يبدو عليه أن الأحداث قد تركت عليه
أثرها فقد جاء الاجتماع إثر تنفيذ الإعدام في حق الضباط المتآمرين الذين
حاكمهم أوفقير وأشرف بنفسه على إعدامهم في عملية سريعة بدون دفاع. وكان من
بينهم جنرال سُمع صوتُه في التسجيل الإذاعي وهو يقول : يحيا جلالة الملك
الحسن الثاني. أي أنه كان يعلن عن براءته وولائه للملك. وقال الملك مخاطبا
لنا: «أريد أن أعرف بالضبط كيف جرت الأمور في الصخيرات دقيقةً بدقيقة».
فقال أوفقير: «نعم سيدي. ليس لنا في ذلك أية صعوبة». لقد قيل عنهم (يعني
مديري الانقلاب) إنهم كانوا يرتدون لباسا أصفر ليعرف بعضُهم بعضا. وكما
تعلمون أنا بقيت مع جلالتكم ليلة اليوم السابق للمؤامرة في الحفل الذي
أقمتمُوه حتى تناولنا العشاء بالقصر في ساعة متأخرة من الليل ثم انصرفت
إلى بيتي لأنام. وما أن نطق بهذه الكلمات حتى رجَّت في أذني لأني كنت
لاحظت أنه غادر قصر الصخيرات ساعة تقديم العشاء الذي رأسه الملك.صحيح أنه كان حاضرا في بداية الحفل الموسيقي حتى حوالي الساعة الواحدة
لكنه لم يأخذ مكانه في موائد العشاء. وكان المفروض أن يكون بجانبي حسب
ترتيبات البروطوكول لكنه تسلَّل لِواذا ولم يعُدْ.وأضاف الجنرال: «وذهبت بعد ذلك إلى منزلي للنوم واستيقظت متأخرا. وكنت
أعلم أن موعد الحضور إلى القصر الملكي هو العاشرة صباحا فحلَقْتُ ذقَني
بسرعة وكانت خُدُوش موسَى الحلاقة ما تزال ماثلة على وجهي والدم لم
يـَجِفَّ بعد. ثم لبست صَدْرية صفراء فقالت لي زوجتي فاطمة: «إن هذه
الصدرية الصفراء لا يليق بك لباسها اليوم إذ يعلو وجهَك اصفرارٌ من فعل
السهر، وستزيدك الصدرية اصفرارا على اصفرار. البس بدلها شيئا آخر»،
فغيرتها وارتديت قميصا رياضيا من لون آخر. وإني يا سيدنا لأحمد الله على
أنني غيرت تلك الصدرية فلو أنني جئت بها إلى القصر لقال الناس عني إنني
كنت بين المتآمرين».وما أن أكمل أوفقير الجملة الأخيرة حتى سمعتُ لها في أذني صوت الصاعقة
وعاد إلى ذهني الهاجس الأسود الذي لازمني منذ أن ألقى إليَّ أوفقير
بكلماته التي أشرتُ إليها. قال الملك مخاطبا الجنرال: «مهمٌّ جدا ما
قلتَه، وسيفتح لنا الأبواب لمعرفة الحقيقة لكن كيف يمكننا أن نعرف الحقيقة
كاملة؟». فكان جواب أوفقير «التشريفات الملكية تعطينا ـ أعز الله أمرك ـ
قائمة المدعُوِّين، ونحن ندعوهم جميعا للحضور عندنا لسؤال كل واحد منهم
عما شاهده، ونقوم بواسطة الجمع والتوفيق بين الحكايات باستخلاص وقائع
الهجوم على الصخيرات بكامل فصولها دقيقة فدقيقة كما تريد جلالتكم».وبعد أن أنهى أوفقير كلامه قلت له والملك يستمع: «كيف تدعو حوالي 1400 شخص
فيهم سفراء ووزراء وشخصيات مدعوة من الخارج، وفيهم ضيوف مرموقون لجلالة
الملك للحضور لاستنطاقهم؟». فقال الملك الحسن الثاني «هذا كلام معقول».
فعقَّب أوفقير قائلا: «ليكن جلالتكم مطمئنا، فلنا من الوسائل ما يجعلنا
نتعرف على الحقيقة بكامل تفاصيلها».






















* وماذا تم بعد هذا الاجتماع؟ـ بعد مرور أسبوع على المحاولة الانقلابية دُعِينا إلى بيت الأمير مولاي
علي الذي ازدادت له بنته للاّ جُمانة وحضر الملك الحفل فنادى الملك عليَّ
وعلى إدريس السلاوي وأحمد العراقي وقال لي: «الأمور كلها انتهت. وما وقع
في الصخيرات هو مجرد حادث سير لا قيمة له. لذا ينبغي أن تستدعي أعضاء مجلس
النواب لتزيل عنهم الصدمة (pour les dechoquer) ويستأنف مجلس النواب
أعماله. وقد حضر هذا الجزء من الحديث كل من المدير العام للديوان الملكي
إدريس السلاوي، والوزير الأول أحمد العراقي. فقلت له: «أريد أن أختلي بك
لأحدثك عن أشياء مهمة».وما أن سمع إدريس السلاوي هذه الكلمات حتى انسحب ليترك الملك في راحته معي
على انفراد. أما أحمد العراقي فتردد، إلا أن الملك قال له «اتركني بانفراد
مع فلان». ومن آداب المراسيم الملكية بالمغرب أن لا ينصرف أحد من مجلس
الملك إلا بأمره، وأن لا يحضر مجلسَهُ إلا بإذنه وآنذاك قلت لجلالته:
«اريد أن أتحدث إليك في أمور خطيرة الشأن بالغة الأهمية». فقال : تفضل
فسألته: «كم تتفضلون به عليَّ من وقتكم؟». فرد قائلا: «إذا كان ما تريد
قوله خطيرا ويتطلب وقتا طويلا فمن الأحسن ألاّ نتحدث هنا».وسألني الملك: «كم تحتاج من الوقت ؟» قلت: «حوالي ساعة من الزمن». فقال
لي: «أنا الآن ذاهب لتناول الغداء في الصخيرات فالْتحِقْ بي». وكان الملك
قد حرص على الإسراع بعودته إلى نفس القصر الذي جرت به الأحداث، وكأن شيئا
لم يكن.






















* معنى ذلك ان الملك لم يُصَب بعُقدة الصخيرات؟ـ لا. لقد كان حريصا على تبديد هواجس الأحداث وإشعار حاشيته وخاصته من
حوله بأنه وضعها بين قوسين. والمهم أنه عاد إلى قصر الصخيرات آمنا مطمئنا.
وقد اختار عن قصد فرنسيا يعمل بالمطبخ الملكي لتقديم الطعام لنا لأنه لم
يكن يحسن العربية حرصا من جلالته على ألا يَتسَرَّب شيء من حديثنا. وكان
اسمه «بوريو» وقد أصبح فيما بعدُ مديرا لفندق المامونية بمراكش.طيلة الغداء الذي استمر ساعة صارحتُ الملك ببعض الحقائق. منها أن حادث
الصخيرات المؤلم الذي كان مؤامرة فاشلة يستدعي إعادة النظر في عدد من
الأمور ويفرض تغيير المسؤولين في الأعلى فلكل عهد دولة ورجال. وأخبرته أني
سأنسحب من رئاسة البرلمان لأُفسِح المجال لمن هو أفضل وأصلح. فردَّ عليّ
قائلا: «لن أُغيِّر من أجل التغيير. ولن يشمل التغييرُ الصالحَ والطَّالح.
وأنت شخصيا لا أقبل منك بأي حال الانسحاب من موقعك». وكنت أُجري الحديث
معه وأنا أمشي على الأشواك مختارا تغليف الكلام في قوالب شكلية أحيانا
وأحيانا أخرى أتحدث صراحة بوضع النقط على الحروف متوخيا دائما أن لا ينفر
من أحاديثي وأن يتقبلها قبولا حسنا. وأخيرا تحاملت على نفسي وقررت أن
أُسِرّ إليه بمخاوفي مما أصبحت أومن به من أن أوفقير ربما يدبر شيئا.....
فتوجهت إليه قائلا: «إني ـ يا جلالة الملك ـ أحمل في صدري سرّا يُؤرِّقني.
عفوا ليس سرا، بل هاجسا قد أكون مخطئا فيه وقد أكون مُصيبا. وهو هاجس
لازمني عدة شهور وقذف بي في جو من الريبة والشك في شخص مُقرَّبٍ إليك. لا
أريد أن أقول لك ولا يمكنني أن أقول لك كيف تكوّن هذا الهاجس عندي؟ ولكنْ
عندي ظنون وشكوك في هذا الشخص أخذت تقْوَى وتتنامى». وأضفت : «لا تلحّ علي
يا مولاي لأشرح لجلالتكم الأسباب، فأنا أريد أن أبقى حيا وأبا لثلاثة
أولاد....». فقال الملك: «ألهذه الدرجة وصل بك الأمر؟».فقلت له: «أود أن أبتدئ بسؤالكم : هل تثقون بالجنرال أوفقير؟» فقال: «كيف؟
ماذا تقول؟» قلت « أنا أتكلم عن مجرد هواجس داخلية. ولن أُفصِح لجلالتكم
عن أسباب وضع هذا السؤال». فردّ الملك: «ما هذا الكلام؟ إن أوفقير لا يقول
فيك إلا خيرا. وأنت بقيتَ متوقفا عند فترة انتهت عندما كنتَ وزيرا للعدل
وهو وزير للداخلية واختلفتما أين ينعقد الاجتماع بين العمال من جهة
والقضاة ووكلاء الدولة من جهة، وفرضتَ على أوفقير أن ينعقد الجمع عندك
بوزارة العدل ليكون الاجتماع تحت رئاستك». قلت له : «الأمر يا مولاي أعظم
بكثير من ذلك، أرجو من الله أن أكون مخطئا وأرجوه أن يَثْبُتَ لي أن هاجسي
من وحي الشيطان، وأن يغفر الله لي». فقال الملك: «أنت لا تعلم أن زوجته
فاطمة جاءت إلى القصر الملكي و«تَحَرْبَلَتْ» (انبطحت على الأرض باكية)
وتَلَمْلَمت نادبة وجهها وهي تصرخ: «كاد يضيع لنا عزنا ومجدنا. الحمد لله
على نعمته. كيف كنا سنبقى بعد سيدنا؟ ماذا سيؤول إليه مصيرنا أنا والجنرال
وأولادنا الصغار لو نجحت المؤامرة ؟». وأضاف الملك قائلا: «يا سّي بوطالب
هذه عائلة مخلصة. لا تفكرْ في مثل هذا، ادفع عنك هذه الأوهام ولا تُفْضِ
بهاجسك هذا لأحد».






















* وماذا وقع بعد هذه المناجاة الصريحة التي تعتبر من أهم محطات حياتك السياسية؟ـ لقد قلتُ لك إنني علمت أن الملك الحسن الثاني بدأ ينفتح على المعارضة،
وأن اتجاها أخذ يتبلور عنده لتعديل الدستور وحلّ مجلس النواب وإجراءِ
انتخابات تشريعية جديدة. هنا كنت أود لو أن جلالة الملك أخبرني ـ على
الأقل ـ بذلك، أنا الذي لم أوضَع في سر المباحثات الجزائرية ـ المغربية
إلى أن فوجئتُ بالأمر الواقع، لذا ليس من المعقول أن أظل على رأس هذا
البرلمان إلى أن أفاجَأ بالأمر الواقع في شكل آخر ويُسجّل في تاريخي أنني
ترأست برلمانا عرف جلالة الملك أنه لا يؤدي مهمته فحله وجاء بالوطنيين
إليه. وبما أنني انتُخبت لرئاسة البرلمان ولم أعيَّن في هذا المنصب بظهير
(مرسوم) ملكي ، قررت أن أسحب ترشيحي لرئاسة البرلمان للسنة الموالية.
أبلغتُ الملك الحسن الثاني ـ دون أن أذكر له الأسباب ـ أنني لا أنوي أن
أجدد رئاستي للبرلمان، وأن هناك خمسة من نوابي منهم السيد المهدي بن بوشتى
النائب الأول لرئيس البرلمان ، وأنني أراه أهلا لتولي هذه المهمة أما أنا
فسأنسحب.لم يقبل الملك انسحابي من رئاسة البرلمان مثلما سبق له أن رفض الاستقالة
التي قدمتها له بعد اجتماع تلمسان وأنا وزير الخارجية. وبعث إليَّ الجنرال
مولاي حفيظ العلوي الذي قال لي: «جلالة الملك يريد أن يرأس افتتاح
البرلمان بمقتضى الدستور، وهو لا يريد أن يأتي إلى البرلمان وأنت تهدد
بانسحابك منه». فقلت لمولاي حفيظ: «أنا آسف أن يعطي جلالته انسحابي من
رئاسة البرلمان أكثر من دلالته، لكن لن أتراجع عن قراري» فأخذ مولاي حفيظ
يناقشني في الموضوع. وطلبت منه أن يُبَلِّغَ الملك الحسن الثاني ولائي
وتعلقي بشخصه، ويقول له: «هناك طريقتان في تعامل الملوك ورؤساء الدول مع
البرلمانات. هناك الطريقة البريطانية، وهناك الطريقة الإيرانية. أما
الطريقة البريطانية فتتمثل في أن الملك (أو الملكة) إذا أراد أن يأتيا إلى
البرلمان فإن هذا الأخير يجتمع في جلسة مغلقة، ويتم إبلاغه من لدن رئيسه
أن الملك (أو الملكة) يريد أن يشرف البرلمان بحضوره. فهل يوافق النواب على
ذلك؟». فيُرحِّب النواب بالإجماع ويصيحون: حفظ الله الملك (أو الملكة).
أما في مملكة إيران فإن شاهنشاه يأتي للمجلس بدون إعلام ولا استئذان
ويتوجه إلى مكتبه المحتفَظ به له داخل البرلمان. وفي المغرب وحيث أن
لجلالته مكتبا خاصا في البرلمان فإنه لا يحتاج لا إلى إعلام لأنه في بيته،
وحتى ليس في حاجة إلى أن أستقبله ما دام يشترط في ذلك أن أتراجع عن
قراري». وأضفت قائلا: إن جلالته يفكر في حل البرلمان والأحسن أن يترك لي
في هذه الحالة حريتي. فرد «بأن حل البرلمان غير وارد». لكنني لم أطمئنَّ
لذلك.وكان مُبرمجَا أن يحضر إلى مجلس النواب الرئيس الروماني آنذاك نيكولاي
تشاوسيسكو الذي كان في زيارة رسمية للمغرب وكان أول رئيس دولة أجنبي يزور
البرلمان المغربي ويلقي خطابا فيه بعد أن يقدمه إلى النواب رئيس المجلس.
وكان مبرمجَا أن يفتتح جلالة الملك البرلمان يوم الجمعة الثانية من أكتوبر
كما ينص على ذلك الدستور، ويَنتخِب البرلمانُ يومي السبت والأحد المكتبَ
الجديد ورئيسَ المجلس أو يمدِّد له ولايته سنة أخرى، على أن يتم استقبال
الرئيس الروماني من لدن الرئيس في المجلس يوم الاثنين.وعندما جاء الملك الحسن الثاني إلى المجلس يوم الجمعة لرئاسة افتتاح
الدورة استقبلتُه بمدخل المجلس وكان مرفوقا بولي العهد سيدي محمد ثم توجهت
إلى مكتبه وسألني: «هل قمتَ بالترتيبات لاستقبالك الرئيس تشاوسيسكو يوم
الاثنين؟». فأجبته «لا. سيتولى هذا من سينتخبه البرلمان غدا أو بعد غد».
فقال الملك الحسن الثاني وقد بدا عليه الغضب دون أن ينطق بكلمة جارحة «إذن
ما زلتَ مصمما على انسحابك».ثم خرجت من مكتبه بالمجلس وتركته يسجل بعض الملاحظات في مذكرة كانت موضوعة
أمامه لَعَلَّه كان يريد أن يتضمنها خطابه. وبعد ذلك التحق بقاعة اجتماع
المجلس لإلقاء خطاب افتتاح الدورة التشريعية الذي بدا فيه متوترا وكان من
ضمن ما لَوَّح إليه فيه أن على من يجلس على كرسي رئاسة البرلمان أن يلزم
حدود مسؤوليته، مضيفا إلى ذلك إعطاء نصائح في كيفية إدارة رئاسة البرلمان.وبالفعل لم أتقدم لترشيح نفسي لولاية جديدة. وانتخب المجلس بترشيح مني
نائبي الأول المهدي بن بوشتى رئيسا. وبعد ذلك انقطعتُ عن الحضور إلى
البرلمان. وكان الأمر كما توقعتُه إذ أصدر الملك ظهيرا (مرسوم ملكي)
يَحُلُّ مجلس النواب يوم 10 مارس (اذار) 1972 طبقا لاختصاصاته الدستورية.* بعد خروجك من البرلمان ماذا أصبحتَ تعمل؟ ـ بعد خروجي من رئاسة البرلمان
ذهبت للاستقرار في الدار البيضاء، وأذكر أنني في تلك السنة زوجت ابنتي
فوجهت الدعوة إلى جلالة الملك راجيا منه فيها أن يشرِّفني بحضور أنجاله
أميرا وأميرات في حفلة أقيمها خِصِّيصا لتكريمهم. فأرسل جلالته ولي العهد
الأمير سيدي محمد وبعض أعضاء الأسرة، وهدية ثمينة لابنتي وهي تاج من ذهب
مرصع بأحجار ثمينة لتضعه العروس على رأسها يوم زفافها. كما أن الملك اتصل
بي هاتفيا وهنأني بالمناسبة. وبقيت مبتعدا عن الحياة العامة حتى نهاية سنة
1970.






















* ومتى عدتَ إلى الحياة العامة؟ـ في يوم 16 اغسطس (آب) 1972 كنتُ في منزلي بالدار البيضاء مع أسرتي،
وفتحت التلفزيون فإذا بي أشاهد الدكتور محمد بنهيمة وزير الداخلية يقول
إنه وقعت محاولة فاشلة لإسقاط الطائرة الملكية وهي قادمة من فرنسا، وأن
الجنرال أوفقير قد انتحر، وأن زمام الأمن في يد جلالة الملك وحكومته، وكل
شيء تـَمَّ على ما يرام».عند ذاك بادرت إلى الاتصال هاتفيا بالوزير مولاي حفيظ العلوي وقلت له:
«سلِّم على جلالة الملك وقل له الحمد لله على سلامته. قلبي معه ودعائي له».وبعد مرور 24 ساعة نادى عليّ مولاي حفيظ وزير التشريفات والقصور الملكية
وقال لي: «سيُشَرِّف الرئيس الحبيب بورقيبة الرباط مهنئا سيدنا نصره الله
على سلامته. وجلالته يريدك أن تكون جالسا في مائدته في الغداء مع صديقك
الكبير».فهمتُ من ذلك أن الملك تذَكَّر الحديث الذي سبق أن أجريته معه بشأن أوفقير
بعد فشل محاولة المؤامرة العسكرية بالصخيرات وقصد أن يدعوني تكريما لي
وليتركني أفهم أنه قد أدرك أنني كنت على حق، دون أن يقول لي هذا، ودون أن
يثير الموضوع صراحة معي. وفعلا فإننا لم نُثِرْ موضوع أوفقير قط ولم نعد
إليه طول حياته رحمه الله.






















* هل كنتَ أنتَ هو الشخص المقصود في كتاب «ذاكرة ملك». الذي تحدث عنه الحسن الثاني قائلا إن بعض مستشاريه حذَّروه من الجنرال أوفقير؟ـ أنا لم أحذّره من أوفقير بصيغة الإيجاب وإنما سألته هل يثق به؟. وكان
ردُّه أنه يثق به تمام الثقة. ومنذ ذلك ظل يفتعل في نفسي هاجس الريبة الذي
جعلني أعتزل العمل الحكومي وزادني اقتناعا بضرورة مغادرة رئاسة مجلس
النواب، إذ ما معنى أن يقول لي أوفقير: «لا تضع رأسك بين فَكَّي الذئب.
البلاد محتاجة إليك» كما حدثتك بتفاصيل ذلك فيما سلف. وقد قيل عنه إثر
وفاته أنه تم اكتشاف قائمة بلائحة الوزراء الذين كان يريد أن يَسْتَوْزرهم
بعد نجاح مؤامرته.






















* هل كنتَ أنتَ ضمن تلك الائحة؟ـ بعد ما وقع بيننا من خلافات أصبحت علاقتنا يطبعها الجفاء، خاصة بعدما
وقعت بيني وبينه المشادَّة التي حدثتك عنها إثر ذكرى أحداث 23 مارس وأنا
وزير التربية والتعليم، وبالأخص عندما طلبت منه وأنا رئيس مجلس النواب أن
يبتعد عن البرلمان ويكُفَّ عن استقطاب النواب.






















* هل لك ان تحدثنا عن الاسماء التي وردت في اللائحة؟






















ـ لا اعلم شيئا عن تلك الاسماء.






















* بالنسبة لانقلاب الصخيرات. هل كنت تشك أن يقوم الجنرال المذبوح مدير الضباط المرافقين للملك الحسن الثاني بما قام به في الصخيرات؟ـ أبدا. لم يكن لي احتكاك بالمذبوح حتى أتوقع ما كان يُدَبِّره، لكن ذكرت
بعض التقارير التي توصل بها الملك الحسن الثاني من مخابرات أجنبية قبل
وقوع حادث الصخيرات أنه ربما كانت له علاقة ببعض من يُشْتَبَه في أنهم
يدبرون مؤامرة على النظام. وأن الملك قال له بعد اطّلاعه على التقرير
الخطير «أعلمتَ ما يقولون عنك؟ يقال إنك ....».






















* يعني أن الملك كان يتكلم بحسن نية؟ـ الملك كان إذا وصلته وِشاية بشخص مُقرَّب إليه سارع إلى مصارحته بها
ليحمله بذلك على إصلاح سلوكه، ويبقى المعني بالأمر ممنونا له لأنه لم
يعاقبه ويخلق له الفرصة لمراجعة نفسه فيكسب بذلك ولاءه وإخلاصه.






















* بعد انقلاب الصخيرات ما هو التغيير الذي طرأ على تفكير الملك الحسن الثاني بخصوص منهج الحكم؟ـ كان الحسن الثاني يملك إرادة حديدية، إذا ما صمَّم على فعل شيء مضى فيه
لا يلْوي على شيء حتى النهاية. ومن المؤكد أنه لم يكن يريد أن يُحدِث أي
تغيير حتى لا يقال إنه تحرك تحت ضغط المؤامرة، بل ترك المؤامرة حتى مرت
وسجل انتصاره الكبير على المتآمرين بإعدامهم وإعطاء درس من خلالهم لكل من
تُسَوِّل له نفسه أن يفعل ما فعلوا. وآنذاك أخذ ينفتح ويُجري الإصلاحات
التي ارتآها ضرورية. كان لا يعمل تحت ضغط الأحداث. كان يصارعها ولا
تصْرَعه، ثم يستخلص العِبَر ويمضي قُدُما للتدارك تلقائيا من ذات نفسه.* لكنه في 4 أغسطس (اب) 1972 تحدث في خطاب له عن النقد الذاتي. وفي نهاية
نوفمبر 1972 بدأ مفاوضات مع الكتلة الوطنية. ـ لم أعايش تلك المفاوضات عن
قرب، لأنني كنت قد غادرت رئاسة البرلمان. وكان الأمر كما توقعت، إذ غيَّر
الدستور وحل البرلمان في 10 مارس ( اذار) 1972.






















* قلتَ إن الملك أعدم المتآمرين. ألم تَجْرِ محاكمتُهُمْ قضائيا؟ـ لقد حوكموا من محكمة عسكرية لم يُعلَن عنها. وتولى أوفقير إدانتهم وأشرف
بنفسه على إعدامهم بعد أيام معدودات من اعتقالهم. وربما سارع أوفقير إلى
ذلك بحكم أنه كان وراء انقلابهم الفاشل، وأنه أراد أن يدفن سره مع
جُثَثهم. وربما كان من بينهم أبرياء أو مغرر بهم فقد سمع الناس بعضهم على
أمواج الإذاعة التي سجلت وقائع إعدامهم وهو يهتف بحياة الملك الحسن الثاني
قبل أن يصيبه رصاص الإعدام.






















* بعد انقلاب الصخيرات تمت إحالة أربعة وزراء الى محكمة العدل الخاصة . فما هي خلفية هذه المحاكمة ؟ـ ربما كان وراء ذلك من سعوا للانقضاض على النظام في الصخيرات ولم ينكشف
تورطهم فيها (أعني الجنرال أوفقير) ليبرروا عملهم الإجرامي. وكان من جملة
ما كانوا يروجونه قبل حادث الصخيرات أنه يجب أن يسود في البلاد الحكم
النظيف والقضاء على المحسوبية وتشديد المراقبة على مرافق الحكم حتى يكون
أداؤها سليما وغير مشْبوه. وقد وصل إلى علم الملك ما كان يروج في الشارع
عن هذه الاتهامات والإشارة إلى أن بعض الوزراء يُخِلُّون بواجبهم، وأن
التعفن والفساد يعشّشّ في الحكومة، وذُكِر وزراء كانت بيدهم وزارات
اقتصادية.ومع ذلك فإن الملك بعد انتهاء محاكمتهم ووَضْعِهِم في السجن عاد فوضعهم
تحت الحراسة في «فيلا» وأكرمهم. وهو أمر جرت العادة على القيام به مع
سجناء القصر الذين كانوا يُعرفون في تاريخ المخزن باسم «مسجوني السلطان»،
وعاملهم الملك معاملة طيبة ومحترمة، وأطلق سراحهم فيما بعدُ حيث تأكد له
أن المحاكمة لم تُثْبِت إدانتهم . لقد تمت محاكمة الوزراء الأربعة وأنا
رئيس للبرلمان. وحضرت اجتماعا دعا إليه الملكُ الحسن الثاني الذي كان يريد
أن يعرف الحقيقة، الوزيرَ الأول أحمد العراقي وبعض الوزراء. وقال لنا إنه
إذا ثبت أن ما يقال عن بعض أعضاء الحكومة فلا بد من وضع حد له . كان
الاجتماع قبل محاولة الصخيرات. والمحاكمة تمت بعدها.* بعد محاولة إسقاط طائرة الملك عام 1972 مات أوفقير. فهل انتهت بموته
الأوفقيرية كمدرسة سياسية أمنية ؟ ـ مما لا شك فيه أن الثقة في الأوفقيرية
انتهت. فالملك الحسن الثاني تبين له أن التقارير التي كان يقدمها له
أوفقير لم تكن صادقة دائما. وقد قال هو نفسُه في إحدى خطبه: «أنا رجل أثق
بمُعاوني وأُخطئ أحيانا». والخطأ الذي أشار إليه ليس خطأ في الأشخاص فقط،
بل خطأ في تقييم عمل الأجهزة أيضا. ولذلك تقسَّمت الأجهزة الأمنية بعد
رحيل أوفقير، وأصبح جهاز الأمن الوطني تابعا مباشرة للملك. ولا شك أن
الملك حينما أقدم على ذلك أخذ العبرة من خيانة أوفقير له، وهو الذي كان
يعتبره رَجُله الوفي الذي لا يمكن الشك في وفائه وإخلاصه للعرش وشخص
الملك. ربما بقيت بعد الأوفقيرية بعض أفكاره وممارساته. لكنها بعد رحيل
أوفقير لم تَعُدْ هي المسيطرة على الدولة، بل أصبحت جزءا من أجهزة الدولة
مندمجةً فيها ولكن موزَّعة.واستفاد الملك الحسن الثاني من هذا التوزيع الذي قصده لأنه كان يطَّلع من
خلاله على الرأي والرأي الآخر وعلى الخبر والخبر الـمُضادّ. فهو كان يوازن
بين ما يصله من معلومات من مراكز أجهزة الأمن التي أصبحت متعددة لاستخلاص
ما يجب أن يكون السياسة الحقة، والنصيحة الحقة، والرأي الصحيح. وأصبحت هذه
الأجهزة يراقب بعضُها بعضا ويخشى بعضُها بعضا وتَتحرَّى جميعُها في
الإخبار بما هو صحيح.وبما أنك تتحدث عن المدرسة الأوفقيرية فإني أقْتبس من تعبيرك لأقول إنها
تركت لها تلاميذ ربما أخذ البعض منهم من نهاية أوفقير درسا خاصا فانكمش
على نفسه. لكن لم تَتخلَّ المدرسة عن جميع ما تعلمتْه على يد «المعلّم» من
مختلف التصورات والممارسات وأحيانا مخالفات القانون.وعلى كل حال فإن
التلاميذ لم يعودوا يشكِّلون قوة بعد سقوط أبي الهول أوفقير، بل أصبحوا
مجرد شتاتٍ، خاصة وقد أصبح الملك حذِرا أكثر من ذي قبل.وكما تعلمون فإن
الملك الحسن الثاني كان ذا ذكاء وقَّاد يسمح له بسبر الأغوار. ولا شك أنه
استخلص أن لا يكون الأمن في قبضة يد واحدة أو مسؤول أعلى وحيد. ومن هنا
يمكن القول إن الأوفقيرية انتهت ولم تنتهِ، لكنها لم تَعُدْ تمارس السلطة
الأقوى بصلاحيات واسعة. فالأوفقيرية كانت سلطةً عاتية بلا قيود ولا حدود.* هل لديك أمثلة عن نوع التصرفات التي كانت تنفرد بها الأوفقيرية وانتهت
برحيل أوفقير؟ ـ تصرفات أوفقير لم تُعرَفْ كلها لحد الآن وإن كان افتضح
الكثيرُ منها من لدن من بقُوا على قيد الحياة من ضحاياها وحَكَوا أو كتبوا
عنها، وهي تلتقي على استعمال جميع الوسائل لفرض سلطة أجهزة أوفقير
الأمنية، ولفرض شخصه بوصفه الرجل الأقوى في النظام. دعني أذكر لك قصة
غريبة حصلت لي معه وأنا وزير للخارجية. وهي قصة تُظهر لك أسلوب عمله وكيف
كان يتآمر على من لا يتفق معهم، وكيف كان يحشر أنفه في كل مجال من مجالات
الحكم ليبدو أمام الملك شخصا مسؤولا لا غنى عنه ولا يُعوَّض. قبيل قيام
الملك الحسن الثاني بزيارة رسمية إلى فرنسا بدعوة من الرئيس الراحل جورج
بومبيدو، وكان رئيس الحكومة آنذاك جاك شابان دِلْماس (توفي قبل اسابيع)
الذي أصبح فيما بعدُ رئيس الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) قمت ـ
بصفتي وزيرا للخارجية ـ بإعداد ملَفّ عن وضع العلاقات المغربية الفرنسية
في جميع مجالاتها، وهو ملف ضخم أُعِدَّ بعناية ووُزِّع على الوزراء
المرافقين للملك إلى باريس.وكان الملك الحسن الثاني يقيم في فندق كْرِيّون، بباريس ونزل في نفس
الفندق جميع أعضاء الوفد المغربي إلا أنا. نظرا لأنني كنت مُرفَقا بزوجتي
فارتأيت أن أُبعِدها عن الأجواء الرسمية فنزلنا في فندق برانس دوغال.
وكانت تلازمني حقيبة يدوية فيها مستندات ووثائق من بينها الملف سابق
الذكر. وانتهت الزيارة الرسمية وعُدنا إلى المغرب. وبعد مرور ثلاثة أيام
على عودتنا دعانا الملك الحسن الثاني لتناول العشاء عنده في منزله الخاص
في حي السويسي بالرباط، الذي كان يقطن فيه أيام كان وليا للعهد. ولاحظت أن
الحاضرين في العشاء كانوا هم أعضاء الوفد الذي رافق الملك إلى باريس
يتقدمهم الأمير مولاي عبد الله إضافة إلى الجنرال محمد أوفقير الذي كان
آنذاك محكوما عليه في قضية بن بركة وممنوعا من الدخول إلى فرنسا فبقي في
المغرب. فأخذ الملك يتحدث عن فرنسا وظروف الرحلة، ويسأل الحاضرين عن
انطباعاتهم عن زيارة فرنسا. ثم انطلق يقول: «لكني ألاحظ عليكم أنكم كنتم
تفرِّطون وتجهلون أنه كانت عليكم مراقبة مُحكَمة من المخابرات الفرنسية.
وكان بعضكم يُهمِل ملفاته السرية ويتركها في الفندق فَسَطَتْ على بعضها
المخابرات الفرنسية واطَّلعتْ على أسرار المغرب». وأضاف قائلا: «إن ملفا
كبيرا من الملفات الأساسية في المفاوضات تركها أحدكم في غرفته بفندق كريون
وخرج. لكن الجنرال أوفقير الذي لم يرافقنا الى فرنسا أمكنه الحصول بوسائله
الخاصة على هذا الملف الذي استحوذت عليه المخابرات الفرنسية التي يوجد له
فيها أعوان يعملون معه سلموا له الملف المذكور».فكرت كثيرا في ما قاله الملك. وقلت في نفسي أنا لم أكن مقيما في فندق
كريون. إذن أنا لست مَعْنِيّا. لذا بادرت إلى القول: «أنا يا مولاي لم أكن
مقيما في فندق كريون». فكان جواب الملك: «أنت الوحيد المعنيَّ بما قلتُه.
أنت الذي تركت الملف الكبير الخطير في الفندق». وأضاف: «على كل حال سُرِق
منك الملف». وبدا الملك وكأنه يقول لي بأنني ساذج تَضحك عليه المخابرات
لتفريطه في المسؤولية. ولما خرجنا من العشاء، أخذت بيد الجنرال أوفقير بكل
حسن نية وقلت له: «إن جلالة الملك قال إن الملف وصله بواسطتك. وأنا لم أكن
مقيما في فندق كريون. والملف كان عندي في حقيبة يدوية كنت أحملها معي
أينما ذهبت. وكنت حين أعود إلى الفندق أضعها في غرفة نومي جنب فراشي بحيث
لا يمكن أن يتسرب ملف من الحقيبة». فكان جواب أوفقير «آه: هناك الآن وسائل
متعددة متقدمة ودقيقة تستعملها الجاسوسية العالمية هي آلة تصوير توضع على
غشاء الحقيبة فتلتقط صور وثائقها بكل دقة. قلت له: «لكن الحقيبة لم
تغادرني». فقال: «فكِّر، ألم تغادرها أنت قط؟». قلت: «عفوا مرة واحدة
عندما كنا في شارع الشانزليزيه وأرادت زوجتي أن تشتري شيئا من احد المحلات
التجارية، فتركت الحقيبة مع سائق سيارة السفارة المغربية». فقال: «الآن
ومما ذكرت سنعرف كيف تسربت الوثائق الموجودة فيها إلى المخابرات الفرنسية.
فهلاَّ أعطيتَني اسم السائق؟». وللتوّ تذكرت اسمه (بومدين) لأنه كان نفس
اسم الرئيس الجزائري هواري بومدين. فأضاف أوفقير «الآن أعطيتَني المفتاح.
سنتصل به وسنستنطقه لنعرف كيف استطاع أن يفتح حقيبتك ويأخذ منها الوثائق
التي تحدث عنها جلالة الملك ونكشف السر. وسأحيطك علما بكل شيء». وبقيت
مُنْذَهِلا ولم أنم طول الليلة. وفي اليوم التالي سألت رفيق الحداوي مدير
ديواني، (وهو الآن المدير العام لصندوق الضمان الاجتماعي): «هل تتذكر
الوثائق التي كانت عندي في الحقيبة التي حملتُها معي إلى باريس». فقال:
«حملتم معكم وثيقة واحدة عن العلاقات المغربية ـ الفرنسية، وآفاق تطويرها
والمشاكل التي تعترضها والحلول المطروحة». فقلت له: «على من وزعناها؟».
فقال: «على أعضاء الوفد المرافق لجلالة الملك وبعثنا نسخة منها بأمر منكم
خِصّيصا للجنرال أوفقير الذي بقي في المغرب». هكذا إذن أخذ أوفقير الوثيقة
التي بعثت بها وزارة الخارجية إليه وتحدث للملك الحسن الثاني على أنها
اكتشاف للجاسوسية المغربية المضادة، وانتشال متقن لها من قبضة المخابرات
الفرنسية.






















لم أقل آنذاك للملك الحسن الثاني شيئا حول الموضوع. ولم أعاتب الجنرال أوفقير. ولكنني وضعت الرجل في مكانه حيث ينبغي أن يكون.* يقول محمد حسنين هيكل في كتابه «كلام في السياسة»: «إن الحسن الثاني منذ
خيانة أوفقير له لم يعد إلى حالته الطبيعية التي كان عليها من قبل». فماذا
تقول في هذا الشأن؟ـ لا. لَـم يُصَب الملك الحسن الثاني بمرض نفساني يجعله يتوجس خيفة ويخرج
به عن حالته الطبيعية. لقد أصبح حَذِرا محتاطا. وهناك فرق بين الحذَر وبين
الخوف واتهام الكل بالتآمر عليه. ظل يثق في عدد كبير من الناس وظل الأصل
عنده هو الثقة، بل إنه أحيانا كان يبالغ في تخويل هذه الثقة لمن يتعامل
معه بمظاهر الطاعة والاحترام والتقيد بالمراسم المخزنية. إلا أنه بعد تآمر
أوفقير، لا شك أنه أصبح يَزِن كل فرد من أفراد حاشيته بميزان الحَذَر.
إنني ما لاحظت قط أنه أصبح متحفظا أو حذِرا مني أو من رضا جديرة أو باقي
المستشارين. و بطبيعة الحال فإنه ـ وهو الرجل الذكي ـ استخلص العِبَر من
محاولة انقلاب الصخيرات وحادث اعتراض الطائرة الملكية.إن القول إن الملك غيَّر طبيعته غير صحيح على الإطلاق. إنه لم يصبح
مكتئِبا منْكَفِئا على نفسه لا ينفتح على أحد ولا يرى أحدا. وإذا كان هذا
هو قصد هيكل فقد أخطأ. ونحن الذين كنا بجانب الملك لم نلاحظ أن طبيعته
تغيرت أو أنه غيَّر عاداته وتخلى عن نمط حياته الخاصة. لكنه أصبح حذرا
ينوع مصادر معلوماته حتى يمكنه أن يقارن بين الصادق والكاذب والصحيح
والزائف.* الملك الحسن الثاني أسرَّ لكثيرين أنه بعد مؤامرة الجنرال أوفقير لم يعد
يثق في أحد. لكنه وضع الثقة في ما بعد في الجنرال أحمد الدليمي مدير
الضباط المرافقين له، وإدريس البصري وزير الداخلية. وأود هنا أن أسألك كيف
تُفَسِّر اعتماده وثقته الكبيرة في البصري؟ـ ثقة الملك الحسن الثاني في إدريس البصري لم تأت بين عشية وضحاها.
فالبصري تَدرَّج عبْر السُّلَّم الإداري من مجرد شرطي تابع لأجهزة الأمن
إلى درجة رجل أمن كبير، ثم انتهى إلى توليه أم الوزارات كما كان هو
يسميها. وقد عرفتُ البصري وأنا وزير عندما كان لا يزال في درجته الدنيا
يتسلّق سُلَّم السلطة. وكان الجنرال أوفقير يُصدِر نشرة يومية لأهم
الأخبار السرية، وكان ينشر فيها ما كان ممكنا أن يعرفه الجميع، لكن بعضها
كان من السر الـمُشاع. وكان يطبع منها حوالي 50 نسخة في اليوم ويوزعها على
عدد محدود من الوزراء كنت أنا من بينهم. وكان البصري يعمل كساعي بريد
لتوزيع نشرة أوفقير يحملها إلى الوزراء في مكاتبهم في ظرف مكتوب عليه «سري
للغاية». وكان يقول لموظفي الوزارة التي كنتُ على رأسها إنه لن يُسلِّم
الظَّرْف إلا للوزير شخصيا. ولم يكن يتصرف هكذا فقط معي بل مع جميع
الوزراء. وحتى إذا وجد أحدَ الوزراء في اجتماع فإنه يقول لكتابته
(سكرتارية) إنه غير مستعجل، وأنه مأمور بأن يسلِّم الظَّرْف لصاحبه يدا في
يد وينتظر إلى أن يتسع وقت الوزير لاستقباله لِيُسَلِّم الظرف المختوم
وينصرف. البصري أيضا كان ـ على طريقة أوفقير ـ يجامل من هو أكبر منه قدرا
ورتبة، لكنه كان كأوفقير أيضا، يدس بمهارة مكتسَبة من معلِّمه. كان يعلم
خلال فترة وجوده الطويلة على رأس وزارة الداخلية أنني غير متفق مع
توجهاته، ويعلم أنني خاطبت الملك الحسن الثاني مرارا في هذا الشأن. وظل
البصري حاقدا عليَّ دون أن يبدي لي أية إشارة إلى أنه يعلم ما قلتُه للملك
بشأنه. وأحيانا كان يتحمل بصعوبة أن يكون مجاملا لي أقصى المجاملة فيسلم
عليّ ببرودة، وأحيانا كان يتقَمَّص شخصية الرجل المشغول جدا حتى يتفادى
مجاملتي ومصافحتي بحرارة، لكن أحيانا كان يبشُّ في وجهي ويهلِّل ويقول:
«سيدي الهادي سيد الزّين». لقد كنا دائما في حرب لم يعلنها بعضُنا على
بعض، لكن مناوشاتنا كانت متلاحقة من دون أن تكشفها الأضواء. والملك الحسن
الثاني أصبح على علم بجفواتنا في السنوات الأخيرة من عمره خاصة بعد أن
صارحتُه بذلك.

























_________________
الخفافيش تخاف نور الشمس !!
****************
لا يجب أن تقول كل ما تعرف ولكن يجب أن تعرف كل ما تقول

بديعة
مشرف (ة)
مشرف (ة)

انثى عدد الرسائل : 6075
العمر : 30
Localisation : الدارالبيضاء
Emploi : موظفة
تاريخ التسجيل : 03/04/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

13-في قمة الرباط كان الملك حسين يرى أن الضفة الغربية من يده خرجت وإليها يجب أن تعود ليتفق بشأنها مع الفلسطينيين

مُساهمة من طرف بديعة في الجمعة 9 أكتوبر 2009 - 15:49

يواصل عبد الهادي
بوطالب السياسي المغربي المعروف في هذه الحلقة الحديث عن المسيرة الخضراء
والموقف الاميركي منها. كما يكشف عن معلومات تخص اللوازم اللوجيستيكية
التي تطلبتها المسيرة.ويعود بوطالب الى سنة 1974 للحديث عن احتضان الرباط لمؤتمر القمة العربي
الذي تميز بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل وحيد وشرعي للشعب
الفلسطيني. كما يتحدث بوطالب عن تكوين الملك لمؤسسة «المستشارية» التي ضمت
اربعة مستشارين كان بوطالب واحداً منهم.






















* بعد تنظيم المسيرة الخضراء كيف مضت الأمور مع الأميركيين؟






















ـ أصبحت عادية. ولم يكن لهم أي اعتراض وانتهى عندهم هاجس التخوف على حليفتهم إسبانيا بعد أن وقعت على اتفاقية مدريد.* عام 1974 زار هنري كيسنجر وزير الخارجية الاميركي الرباط. فماذا كان
الهدف من تلك الزيارة؟ وكيف كانت علاقتك معه أثناء ممارستك مهام السفير في
واشنطن؟ـ كيسنجر كان يمارس الدبلوماسية المتحركة. ومن الصعب أن يُحصى له كم مرة
ذهب الى المشرق لتسوية النزاع العربي ـ الإسرائيلي وتَنقَّل بين عواصم
المنطقة. لقد كان طاقة حية من العمل الدؤوب المتواصل. وزيارته للمغرب
آنذاك كانت تدخل ضمن هذه التحركات. وكان يهمه أن يطَّلع على رأي الملك
الحسن الثاني حول تعاطيه مع مشكلة النزاع العربي ـ الإسرائيلي ويتزود
بنصائحه.وكان كيسنجر قد زار الملك الحسن الثاني خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني)
1974 حيث كان المغرب أثناءها قد قدم طلب اعتمادي سفيرا بواشنطن، ووصل الرد
الأميركي بالقبول على طلب الاعتماد إلى الخارجية بعد يومين أو ثلاثة قبيل
زيارته فدعاني الملك للحضور إلى القصر الملكي يوم زيارته. وبعد مباحثات
جرت بينهما على انفراد قدَّمني الملك له بكلمات ثناء وتنويه. فكان رد
كيسنجر: «أنا في انتظار وصوله إلى واشنطن». وكان تقديمي من لدن الملك إلى
كيسنجر مفتاح نجاحي لأن الملك الحسن الثاني كان كريما بحقي ومؤكدا عليه
لمساعدتي وتسهيل مهمتي.






















* بعد انتهاء المسيرة الخضراء، أصبحت قضية الصحراء متنازَعا فيها في الأمم المتحدة فكيف تعامل المغرب مع هذا الـمُسْتَجَدّ؟ـ كان توجه الموقف الجزائري بشأن الصحراء مفاجئا ومخيبا للآمال حيث أصبحت
الجزائر تؤيد جبهة البوليساريو، وتعتبر أن مشكلة الصحراء لم تحل
بالاتفاقية الثلاثية في مدريد. وقدِم عبد العزيز بوتفليقة وزير خارجية
الجزائر آنذاك إلى نيويورك ليتصل بالسلك الدبلوماسي العربي المعتمَد لدى
الأمم المتحدة ويُطلعه على موقف الجزائر. ولما علم الملك الحسن الثاني
بقرب انعقاد هذا الاجتماع طلب أن يكون المغرب حاضرا فيه حتى يعرض أيضا
وجهة نظره. وبدت رغبة الملك وكأنها طلب للتحكيم لكن لم يكن ذلك من طبيعة
هذا الاجتماع فقرر الملك أن أواجه في هذا الاجتماع الوزير الجزائري.كنت ما أزال سفيرا في واشنطن في حين كان الدكتور أحمد العراقي وزير
الخارجية المغربي موجودا في نيويورك هو وإدريس السلاوي مندوب المغرب لدى
الأمم المتحدة. وحسب معلوماتي فإن الملك الحسن الثاني قال: «لا يمكن أن
يقابل بوتفليقة في هذه المناظرة الجدلية التي ستجري أمام ممثلي الدول
العربية بنيويورك إلا عبد الهادي بوطالب». وحضرت اللقاء، وكان قريبا
بجانبي كل من السيدين العراقي والسلاوي. وكانت المساجلة مع بوتفليقة من
أكبر المساجلات السياسية التي قمت بها في حياتي، إذ أخذت الكلمة بعد
الوزير الجزائري لأرد عليه وشرحت خلالها تأصل مغربية الصحراء في جذور
التاريخ والمراحل التاريخية التي مرت بها قضية تحريرها من الاستعمار
الاسباني بدءا من قرار محكمة العدل الدولية بلاهاي المعترِف بحق المغرب في
الصحراء، وتقديم الصحراويين البيعةَ للملك، وتنظيم المسيرة الخضراء
واتفاقية مدريد.وكان بوتفليقة قد تقدمني للحديث فدافع عن وجهة نظر بلاده، ثم عقَّب على
مداخلتي وكان مجاملا ومتودِّدا إلي وتحدث عن ذكرياتنا المشتركة عندما كنت
وزيرا لخارجية المغرب.






















* قيل الكثير عن المسيرة الخضراء وعن تنظيمها وبدايتها. فهل هناك أشياء تتعلق بها ظلت طي الكتمان؟ـ أريد أن أضيف بعض الأشياء غير المعروفة من الكثيرين. فقد اشتغلت على هذا
الملف للإطلاع على حقيقة ماجريات المسيرة الخضراء، واطَّلعت على وثائق لم
يُكشَف عنها أعدتها القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية عن تنظيمها لها
وجاءت فيها تفاصيل عن أعداد من ساروا في المسيرة وتفاصيل أخرى عن
تنظيماتها ووقائعها.لقد قيل عنها إنها كانت مسيرة 350 ألف شخص، وعرفت أن الذين شاركوا فيها
بلغ عددهم 524 ألف شخص. وفي البداية تـمَّ فتح باب التطوع ووصل عدد
المتطوعين إلى ما يناهز 3 ملايين متطوع ثم وقع التفكير في اختصارها إلى
مليون وأخيرا إلى حصرها في 524 ألفا. وكان الملك الحسن الثاني أمر أن
يشارك في المسيرة جميع فصائل الشعب المغربي من مختلف مدنه وقراه. كما فُتح
الباب لمساهمة الوفود التي تأتي من البلدان الشقيقة والصديقة. فكان هناك
متطوعون من السعودية والعراق وقطر والكويت والأردن ولبنان والسودان وسلطنة
عمان والغابون. ومتطوعون من الولايات المتحدة لا ينتمون إلى هيئة حكومية.
وكانوا ضد الاستعمار ومن أنصار التحرير. وكان الكل يرفع علم بلاده.هذا التأطير البشري كان يتطلب أيضا تنظيما ماديا مُحْكَما. فالملك الذي
استوحى تنظيم المسيرة من عبقريته وتفكيره فكر في مساهمة الجيش الملكي في
تنظيمها واختار ثلاثة ضباط هم المقدَّم عبد العزيز بناني، (الآن جنرال
قائد المنطقة العسكرية المغربية الجنوبية) والمقدَّم محمد الزَيَّاتي،
والمقدَّم محمد أَشَهْبار (كان أمينا عاما لوزارة الدفاع إلى أن تقاعد منذ
سنوات). وهؤلاء الثلاثة كانوا عضد الملك الذين سهروا على تنظيم المسيرة.
وسهر على تأطير المشاركين في كل عمالة (محافظة) عون من أعوان وزارة
الداخلية (قواد وباشوات). وتألفت المسيرة من وحدات كانت كل واحدة منها
تتوفر على ما هي في حاجة إليه لتسير باستقلال عن الوحدات الأخرى لكن في
التحام كامل بينها. وقام تأطير المسيرة على ثلاث ركائز هي:






















1 ـ وُضِع على رأس كل قبيلة رئيس فيها يعرف أعضاء قبيلته.2 ـ وُضِع قائد (حاكم قرية أو مقاطعة في المدينة) ومعه 5 شيوخ (مخاتير)
للإشراف على تأطير 2500 مشارك لا أكثر. وبلغ عدد هؤلاء المؤطِّرين 165
قائدا و592 شيخا.3 ـ عُهد إلى 150 ضابطا و5 نواب ضباط بأن يتولوا الإشراف على كل وحدة من
وحدات الجيش. كما فكر الملك في أخذ كافة الاحتياطات فوضع حول المسيرة
سياجا بشريا يتكوَّن من رجال الأمن المدنيين حتى لا يتسرب إليها من ليس
مسجلا في لوائحها وحتى لا تقع فوضى داخلها. وكان أفراد الأمن يُؤطِّرون
المشاركين من دون أن يحس بهم أحد. كان عددهم قليلا إلا أن حضورهم كان
ضروريا.وقبل انطلاق المسيرة وخلال الأيام التي فصلت بينها وبين دعوة الملك إلى
فتح باب التسجيل تلقى المؤَطِّرون تكوينا سريعا لُقِّنوا فيه دروسا في
التوعية التربوية السياسية وكيفية المخاطبة والتعامل مع المشاركين في
المسيرة، ودُرِّبوا على تقنية استعمال الكثير من الأدوات التي سيحتاجونها.
كما كان في المسيرة فقهاء وحفظة القرآن وكلهم تلقوا تكوينا روحيا وخلقيا
من لدن أئمة مساجد المغرب المؤهَّلين.وحمل المشاركون في المسيرة المصاحف في إشارة إلى السِّلْم، وأن المغرب ليس
بصدد القيام بغزوة من الغزوات. وتم طبع 500 ألف نسخة ووُزِّعت على
المشاركين. وجميع هذه الاستعدادات تمت في ظرف 18 يوما لا غير. وبوشر تعبيد
طريقين: الأول يمتد من طان طان إلى طرفاية والثاني من طرفاية إلى آخر نقطة
متاخِمة لحدود الصحراء المستعمَرة من طرف إسبانيا وتسمّى «طاح». وبلغت
مساحة هذين الطريقَيْن 100 كلم تم تعبيدهما في ظرف 18 يوما فقط.ومن حيث اللوازم السَّوْقية «اللوجيستيكية»، كانت هناك 12 ألف شاحنة و113
قطارا تنقل المتطوعين من جهاتهم التي يقطنون فيها إلى مراكش، ومنها
يُنقَلون إلى طرفاية على متن الشاحنات.وحُدِّدت ثلاث وجبات يومية لإطعام كل واحد من المشاركين والمشاركات. وحرص
الملك الحسن الثاني على أن تتكوَّن هذه الوجبات في مجموعها من 3200 وحدة
حرارية، أي بمعدَّل أكثر من 1000 وحدة حرارية في كل وجبة، و10 لترات من
الماء الصالح للشرب لكل فرد. وبلغ مجموع المياه التي زُوِّدت بها المسيرة
خمسة ملايين من اللترات، كما زُوّدت المسيرة بــ 400 ألف بطَّانية و 400
ألف من أدوات الأكل (معالق وسكاكين وصحون ومناديل) و20 ألف براد للشاي
ومثلها للقهوة، وعشرات الآلاف من مختلف القُدور التي يُطبخ فيها الأكل، و
10 آلاف مفتاح للقوارير المستعملة في الشرب، وصينيات للشاي من مختلف
الأحجام والأشكال. وأُتِي من كل جهة من جهات المغرب بطباخين يتقنون الطبخ
المعروف في النواحي التي يقطُن بها المشاركون حتى لا يُحسَّ أحد بأنه خرج
من بيته وتغير عليه لون الطعام الذي تَعَوَّد عليه. كانت المسيرة تتوفر
على 15 طنا من الشموع، و 15 طنا من الصابون، و4500 طن من «الفرينا»
المشحونة في أكياسها، و9 ملايين من عُلَب الحليب، و2500 طن من قوالب
السكر، و2500 طن من الزيت، و1500 طن من سمك التونة (الطون)، و1500 طن من
سمك السردين المعلَّب، و900 طن من التمور، و1500 طن من عُلب الدخان،
(السجائر) و17 مليون ليترا من المحروقات. وزُوِّدت المسيرة بوحدات طبية
على أساس وحدة طبية لكل 5 آلاف متطوِّع، و200 سيارة إسعاف ومستشفيات
متنقلة بحيث يستقبل كلُّ مستشفى 4500 مريض.لقد حقق الملك الحسن الثاني في المسيرة الخضراء جميع مقاصده. وكان يريد أن
يضغط بها ضغطا معنويا شعبيا على إسبانيا لتدخل معه في مفاوضات. ولما كان
الملك الحسن الثاني يتقن فن التوفيق بين المتناقضات أو الخيارات التي لا
يمكن لغيره التوفيق بينها فإنه بمجرد ما وجد الاستعداد من إسبانيا بوعد
قطعته على نفسها لإرجاع الصحراء وضع ثقته في ذلك الوعد وطلب من المسيرة أن
ترجع، وتم التوقيع على معاهدة مدريد الثلاثية.* في عام 1974 انعقد مؤتمر القمة العربية في الرباط وفيه تم الاعتراف
بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني فماذا تذكرون
عن هذه القمة؟ـ حينما انعقدت هذه القمة كنت خارج العمل الحكومي وكان ذلك قبل ذهابي
سفيرا إلى واشنطن. لكنني علمت أن هذه الفترة كانت فترة تعاون بين الدولتين
وكانت الجزائر هي التي كانت تسعى إلى التقرب للمغرب وكان ذلك قبل تنظيم
المسيرة الخضراء. * التقرب على أي أساس؟ ـ في هذه الفترة لم تعد الجزائر تعتقد بجدوى
استمرار تجربة المغرب العربي. وكانت تريد أن تستقطب إلى جانبها كبرى الدول
في مجموعة المغرب العربي أي المغرب، خاصة بعد أن تمت لصالحها تسوية الحدود
(التي سبق لي الحديث عنها). وهذه الفترة يمكن أن نسميها شهور العسل بين
الرئيس بومدين والملك الحسن الثاني، فمنذ أن انتهت قضية الحدود أخذت
العلاقات بينهما تتقوَّى والمشاورات تجري عبر الاتصال الهاتفي المباشر أو
عبر مبعوثين خاصين. وقد راهنت الجزائر على أن تضع يدها في يد المغرب
لإقامة المغرب الثنائي في انتظار إقامة المغرب الخماسي.وعندما انعقدت القمة كانت هناك مشكلة الفلسطينيين الذين طلبوا من الملك
الحسن الثاني أن يتدخل لدى الملك حسين ليرفع يده عن الضفة الغربية. وكانت
للملك حسين وجهة نظر خاصة. كان يرى أن قرار مجلس الأمن 242 يتحدث عن
انسحاب إسرائيل من الأراضي التي كانت احتلتها بعد 1967 ومن بينها الضفة
الغربية والقدس، وكان يفهم من القرار أن الأمر يتعلق باحتلال أراضي دول
أعضاء في الأمم المتحدة: مصر والأردن وسورية كانت الأراضي العربية المحتلة
تحت سلطتها عند قيام حرب 1967 . الملك حسين كان يقول بعدم إثارة هذا
الموضوع في القمة، ويرى أن يبقى هو المخاطَب والمفاوِض مع إسرائيل
والمجتمع الدولي إلى أن تنسحب إسرائيل من الضفة الغربية والقدس الشرقية.
لم يلتزم الملك حسين رسميا بأن الأرض ستعود إلى الفلسطينيين، لكنه كان
يبدي كل استعداد للنظر في هذا الموضوع بعد أن يكون هو الذي أنهاه. فهذه
الأرض من يده خرجت وإلى يده يجب أن تعود ليُتفق بشأنها مع الفلسطينيين في
ما بعد. كانت للملك حسين وجهة نظر يمكن فهمها، هي أن المفاوضات كان يمكن
أن تكون لو جرت حول استرجاع أراضي دول وليست على أراضي شعب لم يكن يحكمها
قبل حرب 1967 بل كانت تحت سلطة الأردن. وفعلا فإن إسرائيل لوَّحت مرارا
إلى أن من حقها ألاّ تُرجِع هذه الأراضي كلها إلى فلسطين لأنها استولت
عليها وهي تحت حكم الأردن، وأن القرار 242 لا ينطبق عليها.إلا أن الملك الحسن الثاني بما كان له من تعلق كبير وإيمان بعدالة القضية
الفلسطينية وبتحرير الشعب الفلسطيني وبحقه في أن تكون له دولته المستقلة،
أخذ بوجهة نظر منظمة التحرير الفلسطينية ووضع ثقله كاملا ليحمل الملك حسين
على تغيير موقفه. والمغرب هو الذي هيأ مشروع القرار الذي جاء فيه النص على
أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الوحيد والشرعي للشعب الفلسطيني.
كما أن غالبية الدول العربية كانت تؤيد منظمة التحرير لأنها كانت تدافع عن
قضية عادلة وكانت المنظمة مهيبة الجانب بل كانت بعض دول المنطقة تخشى من
شعبيتها على نظمها. ولاحظ الملك حسين أن التيار السائد لم يكن مع أطروحته.
وإرضاء لأخيه الملك الحسن الثاني وبعد تشاور بينهما بادر إلى الموافقة على
قرار الاعتراف بمنظمة التحرير الممثل الوحيد والشرعي للشعب الفلسطيني.
وكان في ذلك شهما كريما كعادته. وأريد أن أضيف أنه قبل إثارة هذا الموضوع
في القمة كان هناك تنسيق بين الملك الحسن الثاني والرئيس بومدين الذي كان
متحمسا للوصول في هذه القمة إلى وضوح الرؤية حول الأراضي المحتلة. * في السياق نفسه، يقول محمد حسنين هيكل إنه سمع معارضة هذا المشروع من
الرئيس محمد أنور السادات وهنري كيسنجر، الأمر الذي جعل قرار الملك الحسن
الثاني لغزا غير مفهوم في حينه، باعتبار أن المعارضين للمشروع هي الأطراف
التي كان ينبغي للملك الحسن الثاني التنسيق معها؟ـ ما يمكن أن أقوله في هذا الصدد انه عندما طُرح الموضوع لم تتحفظ عليه
مصر ولم تعارضه ولم يبرز في هذا المؤتمر هذا الصدى الذي يردده السيد هيكل.
وربما كان ما قاله الكاتب المصري واردا في السياسة المصرية قبل عقد القمة
وتغير موقف مصر أثناءها.






















* إذن كيف تفسر حماس الملك الحسن الثاني لهذا المشروع لدرجة أنه هدد بمغادرة قاعة المؤتمر؟ـ كان الملك الحسن الثاني متحمسا للقضية الفلسطينية فوضع يده في يد منظمة
التحرير الفلسطينية بإخلاص وساعدها بقوة. وكان يعرف أن الأراضي الفلسطينية
ضُمّت إلى المملكة الأردنية يوم 24 أبريل ( نيسان) 1950 في عهد الملك عبد
الله المؤسس للمملكة الأردنية. وكان يريد أن يصحح الوضع ويُرجِع عقارب
ساعة التاريخ إلى الوراء. ولا يمكن القول إن الملك الحسن الثاني هدد
بمغادرة القاعة وهو رئيس القمة ومُضيفها. فهذا تصرف لا يقوم به رئيس القمة
وخاصة في بلاده. والحسن الثاني كان دائما حريصا على إنجاح القِمم التي
تعقد في المغرب. وكان يدير جلسات القمم بأعصاب هادئة ويتودد إلى الحاضرين
بأسلوبه الخاص.* بعد المسيرة الخضراء بدا الملك الحسن الثاني في أوج قوَّته في الحكم.
إلى أي مدى ساهمت المسيرة في ترسيخ هذا الوصف؟ ـ مما لا شك فيه أن صورة
الملك بعد المسيرة أصبحت أكثر إشراقا، ذلك أن الشعوب دائما تلتف حول
قادتها الناجحين ولا تغفر للفاشلين كما يقول الشاعر العربي: والناس من
يلْقَ خيرا قائلون له ما يشتهي ولأم المخطئ الـهَـبَل مما لا شك فيه أن
انتصار المسيرة الخضراء كان انتصار الملك الشخصي مثلما كان انتصار المغرب،
وأن صفاته «الكاريسماتية» ازدادت تألقا. فقد أصبح يُذكَر باسم الملك
محرِّر الصحراء، أو الملك المحرِّر. والملك الحسن الثاني كان يعلم أنه لو
انهزم في المسيرة الخضراء أو أثبت عنه أنه قام بحركة طائشة أو انتحارية
لكان من واجبه أن يتنازل عن العرش. وقد قال لنا ذلك مرارا. لكن أكاليل
الظفر حَفَّت به من كل جانب، واستطاع أن يحل المشكلة بالطريقة التي خطط
لها وانتهت إلى النهاية التي كان يرجوها. وبذلك أصبح مثار إعجاب وتقدير في
الداخل والخارج.كان المغاربة يحبون الملكية لكنهم أصبحوا بعد تحرير الصحراء أكثر حبا لها
وتعلقا بها. خصوصا وقد كان يقال إن الملك الحسن الثاني استشار بعض كبار
الوطنيين في موضوع المسيرة الخضراء قبل أن يُعلِن عنها وأنهم نصحوه بألاّ
يغامر، وتوقعوا الفشل لهذه المغامرة. وهؤلاء الذين كانوا يشكُّون في قدرته
على تحقيق هذه المعجزة هم أنفسهم أقروا بعد بلوغها قصدها بأن المسيرة لم
تكن فقط نحو الصحراء بل كانت مسيرة عظمى في تاريخ أمجاد المغرب. إذ لا
يعرف في تاريخ التحرير من الاستعمار أن أرضا تحررت بأسلوب المسيرة الخضراء
وبالسرعة التي تمت بها.وقد أعطى ذلك كله للملك من جهة أخرى المزيد من الاطمئنان على تعلق شعبه
بشخصه وبمؤسسة الملكية التي أصبح الشعب أكثر من كل وقت مضى يقدر رسالتها
ويُجمِع على أنها تؤدي دورا تاريخيا لا يمكن الاستغناء عنه لكن المسيرة لم
تكن نهاية فقد راهن الملك على توفير مستقبل زاهر للصحراء حافل بالرفاهية
والتقدم. وأنفق المغرب على صحرائه بدون حساب، وتحولت أرض الصحراء من رَبْع
خال إلى مدن تغيرت فيها ظروف العيش، وأصبحت بعض مدنها مجهزة بما لا تتوفر
عليه الأقاليم المغربية الأخرى. لقد راهن الملك على تحقيق إنجاز واقع جديد
وسعيد للصحراويين ونجح في رهانه.* أكدتَ في حديثك الآن ما كان نُسب إلى الملك من أنه قال لو فشلت المسيرة
لاعتزلت الحكم. فهل سبق أن فكر الملك في اعتزال الحكم في ظروف أخرى لا
يعرفها الناس؟ ـ لا أعلم شيئا عن هذا ولا أعتقد أنه حصل. وحينما تحدث عن
اعتزال الحكم لو فشلت المسيرة فليس لأنه كان يفكر فيه بل ربما قال ذلك
مُتأسِّيا بالحكمة القائلة «إن الفاشلين لا يستحقون أن يحكموا». وعندما
حقق النجاح كان في منتهى الراحة والسعادة.* بعد عودتك من واشنطن، عـُـيّنتَ مستشارا للملك الحسن الثاني، وبقيتَ في
هذا المنصب حتى عام .1978 فهل لك أن تحدثنا عن مؤسسة «المستشارية» في
القصر الملكي المغربي؟ ـ عندما استُدْعِيت من لدن جلالة الملك لأكون أحد
مستشاريه الأربعة: أحمد رضا كديرة، وإدريس السلاوي، وأحمد بن سودة، وعبد
الهادي بوطالب لم أكن أعرف طبيعة المهمة الجديدة فقال لنا الملك: «ستكونون
مستشارين لي بالديوان الملكي. ودعوني أشرح لكم شروط اختيار المستشار
والمؤهلات التي يجب أن تتوفر له ليشغل عن جدارة هذا المنصب الكبير. أنا لا
أختار مستشارا لي إلا من تقلب في وظائف وزارية كبرى ونجح فيها، وإلا من
يتوفر على التكوين السياسي لرجل الدولة. والمستشارون هم خُلَصائي وجلسائي
المقرَّبون إليَّ، فلا أختارهم إلا من بين الذين يعرفونني ويعرفون توجهاتي
وممن لا يضايقني أن أستقبلهم ولو في غرفة نومي وحتى من دون أن أكون قد
غادرت الفراش». وأفاض الملك في شرح المهمات التي تنتظرنا.وبعد أن انتهى من كلامه، سأله كديرة: «نحن يا جلالة الملك مستشارون لكم أم
مستشارون في الديوان الملكي؟». فكان جواب الملك: «الأمر عندي سيّان». فعلق
كديرة قائلا: «لا يا جلالة الملك، إذا كنا مستشارين في الديوان الملكي
فإننا لا نعرف العمل الذي سنقوم به، لأن بالديوان الملكي موظفين سامين
يقومون بمهامه، بل يوجد به حتى من هم في رتبة وزراء». فحسم الملك وقطع
حديث كديرة قائلا: «أقصد مستشار الملك».الملك الحسن الثاني حين يتحدث في مجلسه الخاص لم يكن يقول عن نفسه جلالة
الملك، بل يقتصر على كلمة مستشار الملك. وأذكر مرة أنني نعَيـْت إليه
بالهاتف صديقي المرحوم علي الكتاني يوم وفاته وهو رجل أعمال بالدار
البيضاء، ولي معه علاقة مصاهرة، فقلت لجلالته: «إني أخبر جلالتكم بوفاته
لما أعلمه من قرب الراحل منكم وتعلقه بكم. ولما قدمه للبلاد من خدمات من
موقعه كرجل أعمال». فقال الملك : «أحسنت في ما فعلت». وسألني: «متى
سيُدفَن؟». فقلت له: «اليوم عند صلاة الظهر». فقال: «سأبعث لكم ولي العهد
ليحضر الجنازة، وصلوا على الراحل في المسجد الأعظم». قلت له: «يا جلالة
الملك، ماذا تعنون بالمسجد الأعظم؟». فقال «يا أستاذ أتنتظر مني أن أقول
لك مسجد الحسن الثاني؟ إن المساجد لله». لقد كان الملك يتجنب الحديث عن
نفسه باسم جلالة الملك. وفي هذه المرة تجنب أن يقول عن المسجد العظيم الذي
بناه تحفة رائعة «إنه مسجد الحسن الثاني».وأعود للحديث عن وظيفة المستشار لأقول إن الملك عندما أعلن للمراسم
(التشريفات) الملكية عن تسميتنا أكد على أننا مستشارو جلالته لا مستشارون
بالديوان الملكي. والظهائر (المراسم) الملكية التي تَوصَّل بها كل واحد
منا جاء فيها وصفنا «بمستشار جلالتنا» رعيا للتقاليد المخزنية. * وما هي الاختصاصات التي أُنيطت بكل واحد من المستشارين؟ ـ عندما
عيَّنَنا جلالته مستشارين عقد جلسة عمل معنا لتحديد اختصاص كل واحد منا.
وقال: «مهمتكم أن تتابعوا عمل الوزراء، وتكونوا واسطة بيني وبينهم في ما
يبعثونه إلى الديوان الملكي، وتقدموه إليّ مع ملاحظاتكم عليه، وتقترحون
عليّ أفكاركم بشأنه لأتخذ القرار على ضوء ذلك». وأردف قائلا: «وليس معنى
هذا أنكم ستكوِّنون حِجابا فاصلا بيني وبين الوزراء. وأرجوكم أن تجتمعوا
في ما بينكم وتستعرضوا الوزارات التي مرَّ كل واحد منكم بها فيتخصص كلٌّ
منكم في الوزارات التي كان على رأسها. وهكذا كان كديرة يشرف على وزارتي
الخارجية والداخلية. وإدريس السلاوي على وزارات المالية والاقتصاد
والتجارة والصناعة، وأحمد بن سودة على وزارتي الشبيبة والرياضة، والأوقاف
والشؤون الإسلامية، وعبد الهادي بوطالب على وزارات العدل والإعلام
والتعليم وشؤون البرلمان. وكان أول اجتماع عقده الملك بمحضرنا عندما
استقبل الدكتور عز الدين العراقي وزير التربية الوطنية وجاء إليه ببرنامج
طموح عن تجهيز مرافق التعليم بوسائل التقنية التكنولوجية الحديثة. فأصدرتُ
باسم القصر الملكي أول بيان يتعلق بهذا الموضوع. وأصبحت أكتب البيانات عن
نشاطات الملك وألقيها أحيانا في الإذاعة والتلفزيون. كما أصبحت هذه
البيانات تتضمن خلاصة ما راج في الاستقبالات الملكية ولا تقتصر على خبر
الاستقبال وأسماء الحاضرين. بقي أن أقول إن أول مستشار حُصرت مهمته في
قطاع واحد كان هو أندريه أزولاي الذي سماه جلالته «مستشارا مكلفا بالشؤون
الاقتصادية». وبعد ذلك أصبح الملك يتجه إلى إحداث رتبة وظيفية باسم مستشار
في الديوان لكن لم يخرج ذلك إلى حيز الوجود إلا أنه عندما كان يطلب حضور
المستشارين إليه كان يقول للمراسم «نادوا على المستشارين في الديوان» حتى
لا يقول نادوا على مستشاري جلالة الملك». * ماذا يعني مستشار الملك بالضبط؟ ـ لقد سُئلت مرة في برنامج تلفزيوني
بالمغرب: «ما معنى المستشار؟» فكان جوابي: «لا يعني المستشار الملكي أن
الملك في حاجة إلى أن يستفسر المستشار في كل ما يتخذه من قرارات وتدابير،
وأن يطلب منه أن يقول رأيه في الشاذَّة والفاذَّة، أو أن يعمل برأيه في كل
شيء. المستشار وظيفة لها معنى لغوي وآخر اصطلاحي. المعنى اللغوي يفهم منه
طلب المشورة. أما المعنى الاصطلاحي فهو يعني رجل دولة تتوفر فيه كفاءات
وتكون خلفه تجارب واسعة ويستعمله الملك حين يشاء في المهمة التي يراها
بتقديره الخاص». وكان جوابي هذا يهدف إلى تصويب ما كان أُشيع ـ وخاصة في
عهد حكومة أحمد عصمان الثانية ـ من أن المستشارين الأربعة أصبحوا يؤلفون
الحكومة الأرفع قدرا والأكثر اختصاصا والتي تعلو على الحكومة.كان الوزراء يحضرون إلى مكتب المستشار المختص بوزارتهم ليتناقشوا معه من
دون أن يخاطبوا الملك مباشرة. ولكن لم يكن هناك ما يمنعهم من الاتصال
بالملك. وكان الملك يطرح مواضيع للنقاش مع المستشارين ويستمع لكل واحد
منهم. وكان يأخذ برأي واحد منهم تارة أو يوفق بين الآراء تارة أخرى،
وأحيانا كان يبتدع قرارا آخر لا ارتباط له بآراء المستشارين. لذا كنا نقول
ـ نحن المستشارين الأربعة ـ إننا لا نمارس الحكم، لأننا لا نمتلك سلطة
القرار التي يملكها الوزراء الذين يمضون على القرارات أو بالعطف على
المراسيم. كنا بجانب أعلى سلطة في الحكم. وكما كان يقول إدريس المحمدي
رحمه الله: «أفضل أن أكون مديرا للديوان الملكي حتى أتكلم في أذن الحكم».* يقال في العالم العربي: «إن المستشار لا يُستشار. وإذا استُشير فإن رأيه
لا يؤخذ بالاعتبار». إلى أي مدى ينطبق ذلك على تجربتكم مع الملك الحسن
الثاني؟ـ هذه القاعدة لو دخلتها النسبية لكانت صالحة بالنسبة لمستشاري الملك:
القولُ إن المستشارين لا يُستشارون غير صحيح، والقولُ إنهم إذا استُشيروا
لا يُعمل برأيهم غير صحيح كذلك. لأن الملك كان يعمل أحيانا برأيهم ولكن لم
يكن المستشارون يُستشارون دائما ولا كان يُعمل برأيهم دائما. وهو ما يخالف
القاعدة أو المقولة التي قلتَها. هذه المقولة ربما كانت صالحة في نظم
سياسية استبدادية دكتاتورية علما بأن سلطات الاستبداد لا تضع بقربها
مستشارين.






















* كيف كان الملك الحسن الثاني يتعامل مع الآراء التي لا تُعجبه أو لا تَرُوقه؟ـ الآراء التي لم تكن تروقه لم يكن يعمل بها. ولكن لم يكن يغضب أو يلوم من
يشير إليه بها إلا في السنوات الأخيرة من عمره حيث أصبح يتضايق ممن يخالفه
لأنه كان يعاني من مرضه الذي توفي على إثره رحمه الله.وبخلاف ذلك لم يسبق له أن نهر مستشارا لأنه تقدم إليه برأي مخالف أو عَتَب
على مستشار لأنه لم يُقدّم له الرأي الذي يرتأيه هو. وكانت طريقة تقديم
الرأي عنده أهم من الرأي نفسه. وإذا كان لأحد مستشاريه مخالفة لسياسة ما
فإن القوالب والأشكال التي تُقدَّم بها النصيحة أو الاعتراض تكون هي
الحاسمة. لكن في جميع الأحوال لم يكن مقبولا أن يُخِل المستشار بالحُرمة
وواجبات التوقير والاحترام. والمفروض في مستشار الملك أن يحسن فن مخاطبة
الملك وأن يتحدث إليه بما لا يُحرِجه ولا يُزعِجه، وأن يحسن اختيار الظرف
الصالح للتوجه إليه بالرأي الصالح. وإذا كان الملك يثق الثقـــــة الكاملة
في المستشار فإنه يتساهل في ما قد يبدو على نصــــح المستشار من خطـــــأ
في تقديم رأيه أو في شكل الصيغة التي يخاطبه بها.






















* وكيف كانت آنذاك العلاقة بينك وبين المستشارين الآخرين وهم كديرة والسلاوي وبن سودة؟ـ علاقتنا كانت ممتازة وخاصة في السنوات الأولى. ولكن رغم أننا كنا
متساوين في المسؤولية فإن رضا كديرة كان حريصا على أن يتميز عن سائر
المستشارين بالاستئثار بكبريات الرتب وبتوسيع دائرة اختصاصاته. لقد كان له
حنين إلى أن تعود له سلطته الواسعة عندما كان يجمع بين وظيفة المدير العام
للديوان الملكي (أكبر رتبة في الدولة) وبين وزارات السيادة كما أصبحت
تُعرَف بهذا الاسم في ما بعد.






















* كيف ذلك؟ـ كان كديرة يطمح إلى أن يكون المستشار الأول أو الخاص للملك. وبعض الصحف
الفرنسية أشارت إليه على أنه مستشار الملك الخاص. وهذا ليس صحيحا ولم
يقبله الملك قط.حسب الوثائق القانونية المحدِّدة لاختصاصات كل مستشار. كان المستشارون
الأربعة الأولون على قدم المساواة في المسؤولية. لقد كان يحدث أن نتفق على
رأي واحد من دون تنسيق سابق أو اتفاق بيننا على موقف واحد قبل أن نجتمع
بالملك الحسن الثاني. كلٌّ كان يعمل في مكتبه باستقلالية، لكن كان الملك
يخلو أحيانا بصديقيه: كديرة والسلاوي أكثر مما كان يخلو بنا أنا وبن سودة.
ويَخصُّهما بالتشاور في بعض قضايا الأمن أو تشكيل الحكومات. بينما كان
يخصنا ـ بن سودة وأنا ـ بقضايا العالمين العربي والإسلامي التي أصبحتُ
المسؤول الوحيد عنها بعد مرض الأخ بن سودة (شافاه الله)، بالإضافة إلى
تحرير رسائل الملك وتوجيهي موفَدا منه أو حاملا رسائله إلى مختلف الملوك
والرؤساء. لقد رفضت أن يتكرس التمييز بين المستشارين. وطلبت من الملك أن
يسند إليَّ مهمة سامية أخرى أفيد فيها أكثر. وسألني الملك عن سبب ذلك.
فقلت له بكل وضوح: «لديك يا جلالة الملك أربعة مستشارين ولكنك تعتمد أكثر
على مستشار واحد». ففهم جلالته ما أعني خاصة وقد أضفت: «إنني لا أريد أن
أدخل مع أي مستشار في منافسة»، فكان جوابه رحمه الله: «سأسند إليكم منصب
الحلُّوفة (الخنزيرة) (وصفها بذلك لصعوبة تسييرها) التي عملتَ فيها سنوات
بنجاح وتستطيع أن تقهرها. سأعهد إليك بوزارة الإعلام لكن برتبة وزير
الدولة (وزير الدولة في المغرب أكثر درجة من وزير). وبصفتي وزير الدولة
أصبحت في رتبة البروتوكول أتقدم المستشارين وآخذ رتبتي بعد الوزير الأول
ورئيس مجلس النواب.عينني الملك وزير دولة في الإعلام وظل يعهد إليّ بنفس المهام التي كنت
أقوم بها لما كنت مستشارا له، بل أصبحت لي صلات به أكثر توثقا إذ كان
استقباله لي يتم بدون حضور أي مستشار. وبصفتي وزير الدولة في الإعلام
رافقت الملك الحسن الثاني في زيارته إلى الولايات المتحدة تلبية لدعوة
الرئيس الأميركي آنذاك جيمي كارتر. وكان برفقته أيضا المستشاران كديرة
والسلاوي.






















* بعد تعيينك على رأس وزارة الدولة في الاعلام يوم 8 نوفمبر (تشرين الثاني). 1978 كيف أصبحت علاقتك بكديرة؟ـ كنت أعامله كمستشار للملك. لم يكن أي مستشار يتدخل في شؤون وزارة
الإعلام. لأن علاقتي بالملك كانت مباشرة. التحقت بصفتي الجديدة بالحكومة
التي كان يرأسها أحمد عصمان الذي كان يفهم دوره الذي حدده الملك للوزير
الأول. فهو المنسِّق بين الوزراء وليس رئيسا للحكومة. لقد كان الملك يقول
بالنسبة لجميع من أولاهم منصب الوزير الأول: «أنا ليس عندي رئيس حكومة.
أنا عندي الوزير الأول، أي الرقم الأول في البروتوكول الذي يأخذه في لائحة
زملائه الوزراء».






















* وكيف كانت علاقتك بعصمان؟ـ أحمد عصمان رجل دولة مُحـنَّـك لا يمكن إلا أن يُحتَرم لما يتمتع به من
دماثة الخلق وحسن العشرة. وعلاقتي به كانت طيبة جدا طيلة المدة التي عملنا
فيها معا بمودة واحترام متبادلين. وكنا ـ وهو على رأس الحكومة ـ لا نفترق
وننسق بيننا ونلتقي على وجهة النظر الواحدة إلى أن استغنى الملك عن خدماتي
في وزارة الدولة للإعلام للأسباب التي سأذكرها لاحقا. وفي نفس الوقت طلب
الملك إلى عصمان أن يقدم استقالته.

























_________________
الخفافيش تخاف نور الشمس !!
****************
لا يجب أن تقول كل ما تعرف ولكن يجب أن تعرف كل ما تقول

بديعة
مشرف (ة)
مشرف (ة)

انثى عدد الرسائل : 6075
العمر : 30
Localisation : الدارالبيضاء
Emploi : موظفة
تاريخ التسجيل : 03/04/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

14-حال العراقيون دون لقائي بالخميني أثناء وجوده في النجف فكلفني الحسن الثاني بوساطة بين شاه إيران وشريعتمداري

مُساهمة من طرف بديعة في الجمعة 9 أكتوبر 2009 - 15:50

في هذه الحلقة
يروي عبد الهادي بوطالب السياسي المغربي المعروف قصة اعفائه من وزارة
الاعلام، بينما كان في مهمة رسمية بالسعودية. كما يتناول بالحديث مهمة
الوساطة التي قام بها باسم الملك الحسن الثاني بين شاه ايران والمعارضة
الايرانية. وكيف حال العراقيون دون لقائه بالخميني في النجف.ويكشف بوطالب أيضا انه بعد اعفائه من وزارة الاعلام أبلغه الملك رسالة عبر
وزير القصور الملكية مفادها انه اذا قبل العودة مستشارا للملك من جديد،
فانه (أي الملك) اذن للوزير باصدار بيان للاعلان عن تعيينه في منصب
المستشار.* المعروف أنك تلقيت خبر الاستغناء عنك في وزارة الاعلام وأنت في مهمة عهد
بها إليك الملك الحسن الثاني لدى العاهل السعودي الراحل الملك خالد بن عبد
العزيز. فما هي الأسباب التي كانت وراء ذلك؟ ولماذا تم ذلك وأنت غائب عن
المغرب وفي مهمة رسمية؟ـ وقعت أحداث في المغرب اتخذت منها الحكومة مواقف معينة. وتعامل الوزير
الأول احمد عصمان بشجاعة وشهامة مع تلك الأحداث بصراحته المعهودة وقال
محتدّا: «إن المغرب غير محكوم وأنه يجب أن تأخذ الحكومة سلطتها» وبلغ هذا
إلى علم الملك فلم يقبل هذا الأسلوب من وزيره الأول وهنا بدأ يفكر في
الاستغناء عنه والبحث له عن خلف.وكان معلوما لدى الملك أنني وعصمان متفقان: فقد كان الحاج محمد باحنيني
الكاتب العام (الامين العام) للحكومة يبعث للملك بتفاصيل ما يجري في
المجالس الحكومية، مما جعل الملك يضعني موضع التساؤل: ألا ينبغي أن أترك
الحكومة إذا ما تغير أحمد عصمان؟ وزاد تساؤل الملك في ما يخصني إثر اتخاذي
مواقف بوزارة الإعلام اتسمت بالجرأة ولم يرض عنها وخاصة بعض برامج
التلفزيون. وقد حصل مرة إجماع في مجلس الحكومة الذي كان يرأسه أحمد عصمان
بخصوص عدم إقامة سُنَّة ذبح أضحية العيد بعد أن قدم وزير المالية تقريرا
يقول إن المغرب يخسر رصيده من العملة الصعبة باستيراده فائضا من الأغنام
من الخارج لتمكين المغاربة من إقامة سنة الأضحية. فقلت رأيي ـ كعالم من
علماء الشريعة ـ «إنه لا داعي لهذا. ويمكن لجلالة الملك أن يتخذ قرارا بأن
لا تقام سنة الأضحية هذا العام، وأن ينوب هو عن الأمة بذبح كبشين كما
يفعل. وبذلك نُوفِّر مبالغ العملة الصعبة». وذكَّرت بالحديث النبوي
الشريف: «ضحى رسول الله بكبشين أمْلحين أقْرنين وقال هذا عن نفسي وهذا عن
أمتي». وذهبتُ بعد ذلك رفقة الوزير الأول أحمد عصمان إلى الملك الحسن
الثاني لنبلغه أن مجلس الحكومة أخذ بهذا الاقتراح. وكان وصل إلى علم الملك
الذي كان يعلم ما جرى في مجلس الحكومة أنني وراء اتخاذ هذا الموقف. فتوجه
إلي متشنجا: «أنا بصفتي أميرا للمؤمنين أحافظ على إقامة المغرب لجميع
السنن والواجبات التي يفرضها الله على المسلمين. وأنا لا أقبل ما اقترحته
وأفتيت به في المجلس الحكومي». ولمست من كلام الملك أنه أخذ يتوجه إلي
بنوع من الجفوة لم أعتدها منه. انضاف الى ذلك قيام التلفزيون المغربي بعرض
تمثيلية كان بطلها الممثل حمادي عمور. وكانت المسرحية التمثيلية في شكل
رواية هزلية ومفعمة بروح النكتة والدعابة وتُصوِّر بلقطات وحوار بديع حال
من يتعصبون لذبح الأضحية من فقراء المغرب أو محدودي الدخل، ويعطي مشهدا
مسرحيا عن الرجل المتزوج بأربع زوجات الساكنات مع زوجهن في بيت واحد، الذي
بدا في الرواية وهو يحاول أن يقسِّم كبشا واحدا بين زوجاته الأربع، وكل
واحدة تريد أن يتم ذبح الأضحية في غرفتها. وبينما التلفزيون يعرض
التمثيلية هاتفني الملك الحسن الثاني غاضبا وقال: «مع أنني قلت لك إنني لا
أتفق معك بشأن فتواك عن الأضحية ها أنت تعرض هذه التمثيلية في التلفزيون».
فقلت له: «إنني لم أر التلفزيون ولا أعلم في هذه الساعة ما يجري فيه»
(وكنت صادقا في ما قلت). فقال: «لا أقبل منك هذا. أعرف أنك لا تترك شاذة
ولا فاذة في وزارة الإعلام إلا راقبتها بنفسك. وهذه التمثيلية خطابٌ موجه
اليَّ». فقلت له: «حاشى الله يا جلالة الملك أن تكون موجهة اليكم. وصدقوني
أنني لم أطلع على المسرحية فهذا عمل مدير التلفزيون وليس عمل الوزير».
وبعدما انتهت المكالمة هرعت لمشاهدة التلفزيون فوجدت التمثيلية متواصلة
وأخذت أتابعها وأدركت ما كان فيها مما أشرت إليه. وما هي إلا لحظات حتى
انقطع التيار وتوقف البث التلفزيوني نهائيا.






















* كيف مضت الامور بعد ذلك؟ـ في ثالث ايام عيد الأضحى رافقت الملك الحسن الثاني في زيارته الرسمية
إلى واشنطن التي أشرت إليها في الحلقة السابقة وأثناء وجودنا بواشطن بلغ
إلى علم وزارة الدولة في الإعلام أن حمادي عمور قد اعتُقِل واقتادته
الشرطة من منزله بعدما عصبت عينيه وأنه لم يبلغها خبره منذ ذلك. فأبلغت
جلالة الملك بما حصل مستنكِرا متأثِرا فبادر جلالته إلى إعطاء أمره بإطلاق
سراحه واستقبله بالقصر الملكي ونفحه نفحةً ماليةً جبر بها كسْره وخفَّف من
كرْبه.هذا الحدث كان بداية دخول علاقتي مع جلالة الملك في توتر لكن لم تنقطع
بيني وبينه صلة الاحترام. وتبدد هذا التوتر بسرعة عندما بدت من جلالته
نحوي التفاتة كريمة باختياري لمهمة عظمى أعدُّها من أكبر مهماتي
الدبلوماسية.فعندما توالت الأحداث السياسية في إيران واندلعت الثورة الشعبية على نظام
الشاه طلب شاهن شاه (ملك الملوك) من الملك الحسن الثاني القيام بالوساطة
بينه وبين الخميني وقيادة الثورة. واختارني جلالة الملك مبعوثا له إلى
الإمام آية الله الخميني الذي كان موجودا بالعراق. وعلمت في ما بعد أن عبد
الهادي التازي (زميلي في الأكاديمية اليوم) كان وراء اختيار الملك لشخصي
إذ قال له إن اسم «أبو طالب» محبوب عند الشيعة. وأنه عرف ذلك أثناء عمله
سفيرا بالعراق حيث كان اسم زوجته التي تنتمي إلى عائلة «بوطالب» يُسهِّل
له مهمته لدى أوساط الشيعة، لما للشيعة من تعلق بالإمام علي بن أبي طالب
وعشيرته. وهذا التعلق والمحبة لآل البيت جزء من عقيدتهم. والتازي متزوج من
بنت عمي. فوقع اختيار الملك علي لأني كما قال جلالته لي «شريف النسب من
سلالة فاطمة بنت الرسول وزوجة علي بن أبي طالب وعالم من علماء القرويين»
وأضاف أن علي أن أقول هذا عن نفسي حين ألقى الخميني.






















* هذه فعلا مهمة دبلوماسية تاريخية فكيف أنجزتموها؟ـ حينما كلفني الملك بهذه المهمة السرية كان آية الله الخميني ما زال في
العراق، فوجهني الملك إلى بغداد للاتصال بالرئيس العراقي حسن البكر
والإعراب له عن رجاء جلالته تسهيل مهمة لقائي بالسيد الخميني. وزودني
الملك بتعليماته وطلب مني التركيز أثناء لقائي بالرئيس البكر على إثارة
انتباهه إلى أن مصلحة العراق العليا مرتبطة بالاستقرار في إيران، وأن
المطلوب من العراق أن تعمل على إنجاح مهمتي حتى لا تتطور الأمور إلى ما لا
تحمد عقباه. وكان الشاه وقتذاك قد انفتح على العراق عندما وافق على اتفاق
الجزائر بين طهران وبغداد الذي قدمت فيه إيران للعراق تنازلات مهمة. وقال
لي جلالته أيضا: «اطلب من الرئيس البكر أن يؤَمِّن لك الوصول إلى إقامة
الخميني بالنجف». وكان سفيرنا في بغداد آنذاك هو عبد الواحد بلقزيز
(الأمين العام الحالي لمنظمة المؤتمر الاسلامي)، فرتب لي لقائي كمبعوث من
ملك المغرب لدى الرئيس البكر الذي استقبلني وقد جلس بجانبه خليفته صدام
حسين وكان يقال عنه آنذاك إنه هو الذي يمسك بمقاليد السلطة في العراق.
وحضر الاستقبالَ السفير بلقزيز. وكانت تلك هي المرة الأولى التي أرى فيها
الرئيس البكر ونائبه صدام، فأبلغتهما أن الملك الحسن الثاني يريد أن يقع
بينه وبين الخميني اتصال وأنه يفكر في إنهاء المشاكل القائمة بينه وبين
الشاه.






















* وماذا كان رد الرئيس العراقي؟ـ كان جواب الرئيس البكر: «إنه لا فائدة في الاتصال بالسيد الخميني لأنه
سيغادر العراق بطلب منا. وسيذهب عما قريب إلى حيث يشاء. وأنه لم يبق على
موعد مغادرته سوى أيام معدودات». وهكذا لم أتمكن من لقاء الخميني.رجعت إلى المغرب وأخبرت الملك الحسن الثاني بفحوى لقائي بالرئيس البكر
ونائبه صدام. وكنت أظن أن العراق كذب علينا وأنه لم يرد أن ينجح المغرب في
هذه المهمة التاريخية، لكن بعد أسبوع فقط خرج الخميني من العراق وتوجه إلى
فرنسا للإقامة في ضاحية «نوفيل لو شاتو» الباريسية. وأخبر الملكُ الحسن
الثاني الشاهَ بأن المحاولة التي قام بها المغرب للاتصال بالخميني لم
تنجح. واتفق من جديد مع الشاه على توجيه محاولة الصلح نحو من يوجدون في
إيران من المعارضين المعتدلين لنظام الشاه ممن ليسوا على اتفاق تام مع
الخميني. وكان زعيمهم آنذاك هو آية الله العظمى كاظم شريعتمداري. فسافرت
إلى طهران ولم يُعلَن عن مهمتي. ونزلت في فندق هيلتون لكن السفير المغربي
الغالي بنهيمة الذي كان يسهر على توفير شروط مهمتي أخبرني أن التوجه إلى
مدينة «قُمْ» سيكون ليلا على الساعة العاشرة، وأن الحراس الذين سيرافقونني
هم حراس الحكومة الإيرانية لكنهم سيرافقونني بوصفهم حراس السفارة المغربية
في طهران حيث ألحَّ ثوار «قم» على أن لا يكون برفقتي حراس من أمن الشاه.
وكان السفير بنهيمة قد أخبر قبل وصولي إلى إيران الحوزة الدينية في «قم»
بمهمتي، وأنني مبعوث خاص من الملك الحسن الثاني وأن مهمتي لا تعلم بها
حكومة إيران. وسألوه عمن سيرافقني؟ فقال لهم: «حراس السفارة المغربية لا
غير».






















* وكيف وجدتم الاجواء في قم؟ـ لقد كانت مغامرة صعبة: إيران كلها كانت خاضعة لنظام منع التجول ليلا.
ووصلنا إلى «قم» بعد ثلاث ساعات. كانت تستوقفنا حواجز أمنية طول الطريق
المؤدي اليها. وكلما أُوقِفت سيارة السفارة المغربية التي كانت تُقلُّني
وعليها العلم المغربي إلا ويسأل رجال الأمن الإيراني عن هُويتنا. فالسفير
المغربي لم يرافقني إلى «قم» والحراس الذين يرافقونني لا أعرفهم ولا
يعرفونني. ولم يكونوا يدلون إلا بورقة تعريف من السفارة المغربية. وكانت
مدينة «قم» تمارس حكما ذاتيا في ظل الثورة، بل أصبحت معه منطقة مستقلة عن
حكم الشاه. ولما توجهنا إلى مسجد مدينة «قم» الذي بدا لي ـ وأنا أجتاز
الخطوات على فنِائه الواسع ـ زاوية أو رباطا للمجاهدين الثائرين على
النظام من مختلف الأعمار. وكان من بينهم من يقرؤون القرآن، ومن تحلَّقوا
على صحن طعام وجلسوا على الأرض لتناول الأكل باليد، ومن يُصلُّون أو
يذكرون وهم يحملون السبحة أو يتوضأون للصلاة. ومشينا قليلا إلى أن وصلنا
إلى مدخل المسجد الذي يوجد فيه آية الله العظمى شريعتمداري. وهناك طُلب
مني أن أخلع حذائي. ووجدته جالسا على الأرض فوق سجادة إيرانية (زربية) من
النوع الغليظ إضافة إلى السجاد الإيراني الممتاز الذي كان مبسوطا على أرض
المسجد كله. وقبل بدء الحديث عن الموضوع الذي جئت من أجله سألني
شريعتمداري: «قيل لي إنك سيد (شريف) من آل البيت ؟». فقلت: «إن الملك
الحسن الثاني الشريف العلوي أمير المؤمنين يحبكم ويعطف عليكم ويتابع
حركتكم. وهو يريد أن يُصلح ذاتَ البين بينكم وبين الشاه». وكان حوارنا
باللغة العربية التي كان يجيدها وينطق بكلماتها مفخَّمة كما ينطق
الإيرانيون. كان المحراب قريبا منه والساعة تشير إلى الواحدة ليلا. وربما
كان يقوم الليل، فقد كان مستقبلا القبلة وبجانبه مصحف كبير.






















* هل لكم أن تحدثوني عن تفاصيل لقائكم مع شريعتمداري؟ـ أخبرني أنه ليس متفقا مع أسلوب الخميني لتفجير الثورة. وأضاف: «إني
والقيادات الموجودة معي هنا نعارض الشاه ولكن نتخوف من قيام ثورة إن كنا
نعرف بدايتها فلن نستطيع توقع نهايتها. ويمكن أن نقوم مع الشاه بتجربة
جديدة يبقى فيها الشاه على رأس الدولة بشرط أن يُدخِل على النظام تغييرات
جوهرية. وأنا على استعداد لتلبية رغبة جلالة الملك الحسن الثاني إذا كان
يضمن لنا النجاح فيها على أن يدخل الشاهُ إيرانَ في عهد آخر من منطلقات
شروطنا». فاستأذنته أن آخذ قلما لأسجل ما سيقوله. وبدأ آية الله العظمى
شريعتمداري في ذكر شروطه وقال: ـ أولا: الرجوع إلى العمل بدستور 1906 الذي
قامت من أجله ثورة شعبية كبرى، ولم يطبق الشاه أي بند من بنوده.ـ ثانيا: ألاَّ يحكم الشاهُ بالأقلية بل بالغالبية. (والأقلية هنا هم
جماعة البهائيين الذين وضعهم الشاه بجانبه لإدارة الحكم وآثرهم على
المسلمين وأصبح يحكم بهم ضد الأغلبية الإسلامية. فيما البهائيون لا
يشكِّلون في أقصى التقديرات إلا نسبة 5%).






















ـ ثالثا: أن ينحي الشاه الأميرات وأعضاء أسرته من الحكم لأن الفساد جاء من الشاه وخاصة من تصرفات أفراد أسرته.






















ـ رابعا: أن يفتح الشاه أبواب السجون ليحرر المظلومين المستضعفين.وأضاف شريعتمداري قائلا: «إذا قبل الشاه هذه الشروط، فليتفق معنا على
إعلان دستور جديد وإلى حين الاتفاق عليه يعود إلى الدستور القديم ويطبقه
بنزاهة وصدق. وإذا قبل تنحية البهائيين وتحييد الأمراء والأميرات عن
السلطة فأنا ومن هم حولي مستعدون أن نضع يدنا في يده ونفتح معه صفحة
جديدة».عدت إلى طهران عند طلوع الفجر ووجدت السفير بنهيمة في انتظاري. فقال لي:
«إن وزير خارجية إيران عباس علي خَلْعَتْبَري (الذي كان قبل أمينا عاما
لحلف السانتو) يدعوك لتناول طعام الفطور بمنزله». كان الوزير ينتظر ـ لا
محالة ـ أن أفاتحه في موضوع مهمتي فلم أتطرق للحديث عنها ولو بالإشارة.
وظل الوزير يحوم منتظرا مني أن أتحدث إليه عنها فتجنبت الخوض فيها لأنني
مكلف بمهمة ممن يعنيه الأمر (الملك الحسن الثاني) الذي عليَّ أن أحيطه
علما ولا أشرك في السر غيره. ورن جرس الهاتف ونحن ما زلنا على مائدة
الفطور فسارع الوزير وبدأ يتحدث مع مخاطبه باللغة الإيرانية، فأسرَّ
إلـيَّ السفير بنهيمة وكان يفهم اللغة الإيرانية أنه يتحدث مع الشاه. قال
لي الوزير بعد نهاية المكالمة: «كلمني جلالة الشاه وهو يسأل عنكم فهل
تريدون أن يستقبلكم؟». فطلبت منه أن ينوب عني في تبليغ الشاه مشاعر الشكر
والامتنان وأضفت: «لأني جئت مكلفا من جلالة الملك الحسن الثاني بالمهمة
التي يعلمها جلالة الشاه وقد أنهيتها هذا الصباح، أصبح لِزاما عليَّ أن
أبادر بالرجوع ليكون ملك المغرب أول من يطلع على ما سمعته بمدينة «قم»
فتوجه الوزير مرة أخرى إلى التلفون وأخبر الشاه بجوابي. ثم قال لي: «جلالة
الشاه يتمنى لكم العودة بالسلامة ويرجو أن تبلغوا مشاعر مودته لجلالة
الملك». رجعت إلى المغرب وأخبرت الملك الحسن الثاني بنتائج مهمتي في «قم»
وكتبت له تقريرا حول الموضوع. فحرر الملك بخط يده باللغة الفرنسية مختصر
فحوى مقابلتي مع شريعتمداري، والشروط التي وضعها هذا الأخير لفتح عهد جديد
مع نظام الشاه. وقال لي الملك معلقا: «إنني أعتبر أن المشكلة قد حُلَّت
فليس في هذه الشروط ما لا يمكن قبوله وسأنصح الشاه بقبولها».






















* وكيف تلقى الشاه رسالة الحسن الثاني؟ـ أخبرني الملك الحسن الثاني في ما بعدُ أنه أرسل هذه الرسالة الخطية إلى
الشاه مع الجنرال مولاي حفيظ العلوي وزير القصور الملكية والتشريفات
والأوسمة. ولم تطل مهمة مولاي حفيظ في إيران إلا يومين، فاستقبله جلالة
الملك بحضوري إثر عودته. وقال الجنرال للملك: «لقد قرأ الشاه الرسالة وقال
إنه سيُمعِن النظر فيها. ولم يزد على ذلك كلمة واحدة» وزاد الجنرال قائلا:
«لم أجد أمامي الشاه الذي كنت أعرفه بل وجدت أمامي جثة هامدة (قال
بالفرنسية ما يفيد ذلك)». وكان مولاي حفيظ قد ذهب إلى الشاه العديد من
المرات في مهمات خاصة مبعوثا من الملك الحسن الثاني. فسأله الملك: «ألم
يعلِّق على الرسالة ؟». فقال له: «لا يا جلالة الملك، بل اكتفى بالقول:
سأفكر. ولْيترك لي جلالة الملك بعض الوقت». عندما تحدث مولاي حفيظ عن
التغيير الذي طرأ على الشاه، لم يكن الملك ولا غيره يعلم أن الشاه قد أصيب
بالسرطان وأنه كان يخفيه.






















*المعروف أن الأوضاع في ايران سرعان ما تدهورت. فهل استمر المغرب في عملية اصلاح ذات البين بين الشاه والمعارضة؟ـ مرت أيام قليلة، واستدعانا الملك الحسن الثاني نحن المستشارين الأربعة
وقال : «سترافقوني إلى المطار لاستقبال ضيف قادم عندي» من دون أن نعرف من
هو هذا الضيف. ولما وصلنا الى المطار أخبرنا جلالته أن الشاه هو الضيف.
وكانت الأخبار تتحدث عن اشتداد الثورة الشعبية في إيران، وأن الشاه خرج من
إيران ولا تُعلَم وِجْهته. ففي مكتبي بوزارة الإعلام كنت أتابع عبر
«التلكس» آخر أخبار الثورة. ولما استقبل الملك الشاه اجتمع به بالمطار
رأسا لرأس ثم ركبا معا سيارة ساقها الملك شخصيا والتحقنا بهما.وبعد أيام دعاني الملك الحسن الثاني للحضور بقصر الرباط، ووجدت عنده أحمد
عصمان الوزير الاول والمستشار أحمد رضا كديرة. وقال لي: «الشاه يعتزم عقد
مؤتمر صحافي في تمام الساعة الرابعة بعد الظهر». كانت الساعة تشير إلى
الواحدة ظهرا فقلت له: «أرجو من جلالتكم ألاَّ يعقد الشاه المؤتمر الصحافي
بالمغرب، فالثورة الشعبية بإيران على أبواب نجاحها. والجمهورية ستُعلَن
قريبا، وجلالتكم استقبلتموه كضيف. ويحسن ألاَّ يصبح المغرب مقر نشاطه
السياسي وتتورط بلادنا بذلك إزاء القادمين الجدُد إلى السلطة في إيران.
لقد استضافته جلالتكم معزَّزا مكرَّما، ولا بأس في ذلك، لكن أرجو ألاَّ
تسمح جلالتكم له بأن يقوم بتحويل نشاطه إلى المغرب». وقاطعني الملك
متسائلا: «هل تظن أنه سيقول ما يُغضِب خصومه؟». فقلت: «القضية مبدئية في
حد ذاتها بصرف النظر عما قد يقول» فقال: «الشاه طلب مني ذلك ولا أستطيع أن
أرفض طلبه وهو ضيفي». فقلت: «بإمكان جلالتكم أن تنصحوه بالعدول عن عقد
المؤتمر الصحافي أو تأجيله». فقال: «أنا لا أستطيع مواجهته بذلك. أنا رجل
أُكْرِم الضيف. ثم ان الصحافة قد أُخبِرت بميعاد مؤتمره الصحافي صباح هذا
اليوم». فعلقت قائلا: «هل تسمح لي جلالتكم أن أتولى مخاطبة الشاه في
ذلك؟». فقال مستعظِما تطاولي: «تقوم بهذه المهمة أنت؟ إني أريد أن أشاهد
كيف ستقوم بها بمحضري». وضغط الملك على زرّ، وقال: «اطلبوا من الشاه أن
يحضر عندي الآن». (هكذا، بهذه الصيغة الآمرة). ولم يمض من الوقت إلا 25
دقيقة حتى كان الشاه حاضرا معنا. كان يبدو منهارا خائر القوى ومتواضعا إلى
أقصى الحدود..وكانت وكالات الأنباء العالمية تناقلت في غضون ذلك اليوم خبر تجمهر أنصار
الشاه في شوارع طهران وأنهم هتفوا باسمه ولم يكن عددهم كبيرا. فكان هذا
النبأ هو مدخلي للحديث مع الشاه. وقلت له باللغة الفرنسية بحضور الملك
الحسن الثاني وعصمان وكديرة: «جلالة الشاه. يظهر أن الأمور في إيران لم
تستقر بعدُ على حال وأنها تتطور ما بين لحظة وأخرى. ولديَّ قصاصة إخبارية
تقول إن أنصاركم تظاهروا وهتفوا باسمكم. وجلالتكم تريدون عقد مؤتمر صحافي
فلماذا لا تنتظرون حتى تتوضَّح الأمور أكثر؟ ويبدو لي شخصيا أنها أصبحت
تسير الآن باتجاه الوضوح. انتظروا إلى أن تتوفر لجلالتكم معلومات دقيقة،
فربما وإلى ذلك الحين قد تُجهض هذه الثورة. وعندما تعقدون المؤتمر الصحافي
تكون الأمور قد استقرت على حال سلبا أو إيجابا». فرد الشاه عليَّ قائلا:
«هذا أمر وجيه، لا بأس. يمكنني أن أنتظر». ثم تساءل: «ولكن ماذا ستقولون
للصحافيين؟» (كانت الصحافة قد أُطْلِعت على عقد المؤتمر الصحافي من لدن
حاشية الشاه بمكالمة من قصرالضيافة). فقلت له: «يمكن أن تقولوا له إن
جلالتكم أصيبت بنزلة برد أو زُكام، واضْطُرِرْتم إلى إرجاء المؤتمر
الصحافي إلى موعد لاحق يُعلَن عنه في ما بعد». فخاطبني الشاه قائلا:
«معالي الوزير تقصد «مرض دبلوماسي» فقلت له: «لا أنا لا أسمي ذلك مرضا
دبلوماسيا بل اعتذارا لبِقا» فالتفت الشاه الى الملك الحسن الثاني قائلا:
«فليكن الأمر كذلك يا جلالة الملك». وخرجت من القصر الملكي لأعلن لوكالات
الأنباء والصحافيين أن الشاه أصيب بنزلة برد خفيفة، وأنه سيحدد موعدا
لاحقا لمؤتمره الصحافي».وبعد انصراف الشاه توجه إليَّ الملك الحسن الثاني وقال لي بمحضر عصمان
وكديرة: «ما أكثر جرأتك، كنتُ مُشفِقا عليك أن لا تحسن التوجه إليه بما
قُلْته لكنك وُفِّقتَ وأحسنتَ». بعد ذلك بأيام قليلة أُعلِنت الجمهورية في
إيران، وحل عيد الأضحى، ودُعِيت الهيأة الوزارية إلى القصر الملكي لتقديم
التهاني والولاء للملك الحسن الثاني كما جرت العادة. وكانت التشريفات
الملكية قد وزعت علينا برنامج استقبال جلالة الملك للمدعوين المهنئين وجاء
فيه أن استقبال الوزراء من لدن الملكَيْن سيتم حسب الترتيب البروتوكولي.
ولما بدأ الوزراء يسلمون على الملك والشاه بقيت بعيدا خارج الصف ولم
أُسلِّم لأنني لم أكن على استعداد لتقديم الولاء بمناسبة العيد لملك غير
ملك المغرب. وهذا هو ما قلته بالحرف للملك في ما بعد.بمجرد ما انتهى حفل تقديم التهاني والولاء تقدمت للسلام على جلالة الملك
وتقديم التهنئة بالعيد لكنه نهَرني بقوة قائلا: «لماذا لم تفعل مثل ما فعل
باقي الوزراء ولم تسلِّم عليَّ ؟». فقلت له: «لأنني يا جلالة الملك لا
أعرف في المغرب إلا ملكا واحدا، والبروتوكول وزع علينا دعوات تتحدث عن
ملِكَين». ووجدت في ذلك مخرجا فكظم الملك غضبه. ولعله في هذه اللحظة قرر
الاستغناء عني وزيرا للدولة في الإعلام.لقد كان لي مع الشاه حساب لم أنسَه. فهو لم يساعد المغرب على الحصول على
صفقة طائرات «الفانتوم» الأميركية وسبق أن حدثك عنها. وهو عندما ذهبت إليه
مبعوثا من جلالة الملك بخصوص قضية الجزر الإماراتية الثلاث كان أجابني
جوابه الفجّ الغليظ الذي كنت تحدثت لك عنه أيضا وكنت أعرف أن نظامه
ديكتاتوري وأنه يحكم إيران بالطغيان والجبروت.






















* وماذا عن مهمتك في السعودية؟ـ بعد ذلك نادى الملك على عصمان، وطلب منه أن يقدم استقالته من رئاسة
الحكومة. وبما أنني كنت الرجل الثاني في الحكومة، ونظرا لما سبق أن اتخذته
من مواقف جريئة كنا فيها أنا وعصمان متضامنَيْن، أصبح خروجي من الحكومة
لزاما. واستدعاني الملك في يوم تقديم عصمان استقالته وكان يلعب الكولف في
ملعب دار السلام بالرباط وقال لي: «سأكلفك بمهمة دقيقة في المملكة العربية
السعودية، وقد حجزت لك مقعدا في الطائرة السعودية المتجهة هذا اليوم إلى
جدة في الساعة الخامسة مساء. وستذهب عند الملك خالد وتلح عليه في تلبية
دعوتي التي وجهتها إليه للقيام بزيارة رسمية للمغرب، وتعمل على أن تحدد
معه موعد الزيارة وتتفق معه على ترتيباتها. عُدْ عاجلا إلى بيتك لتحضير
حقيبتك بسرعة، وارجع إليَّ هنا لتنقلك طائرة مروحية إلى مطار الدار
البيضاء حتى لا تفوتك الطائرة السعودية التي ستقْلِع في الساعة الخامسة».استقبلني الملك خالد بقصره في جدة في الساعة السابعة مساء من اليوم الثاني
لوصولي إلى السعودية. وكان ولي العهد الأمير فهد غائبا وحضر الاستقبال
الأمير عبد الله بن عبد العزيز. وكانت بيني وبين الأمير عبد الله دائما
علاقة مودة وتعاطف، مثلما كان عليه الأمر بيني وبين الملك فهد بن عبد
العزيز أيام كان وليا للعهد واستمرت متوثقة بيني وبينه حتى أصبح خادم
الحرمين ملك المملكة. ولما علم الأمير عبد الله أني سأغادر في الساعة
الواحدة ليلا إلى الدار البيضاء عرض علي أن أتناول طعام العشاء عنده ولم
يكن معنا أحد في العشاء، فرنَّ الهاتف ونحن على المائدة وسمعت الأمير يقول
لمحدثه: «هذا غير ممكن، الرجل موجود عندي هنا. كيف تقول ذلك؟» والتفت إلى
جهتي بيده قائلا دون أن يقطع المكالمة: «السيد بوطالب ألـَمْ تعودوا وزيرا
في الحكومة؟». فأجبت في الحين: «نعم». فسألني: «كيف؟ أكنتَ على علم
بذلك؟». فقلت له: «نعم سمو الأمير. لقد طلب مني جلالة الملك أن تكون مهمتي
لديكم آخر مهامي داخل الحكومة». فقال لي: «إن معي على الخط وزير الإعلام
محمد عبده يماني». فهل تريدون أن تسمعوا منه صيغة الخبر؟». فأخبرني الوزير
أن الخبر جاء فيه «أن المعطي بوعبيد تولى رئاسة الحكومة بدلا من أحمد
عصمان، وأن محمد بوسته ثُبِّت في منصبه على رأس وزارة الخارجية، وأخذ مكان
عبد الهادي بوطالب على رأس وزارة الإعلام بلعزيز». وشكرت الوزير. وعلمت في
ما بعد أن الوزير الذي خلفني هو عبد الواحد بلقزيز الذي كان سفيرا في
العراق وليس بلعزيز كما ورد في نص الخبر خطأ.وقبل أن أودع الأمير عبد الله ولي العهد التمست منه أن يُسهِّل لي التوجه
إلى الكعبة الشريفة حيث كان ميعاد الطائرة السعودية التي كنت سأرجع إلى
الرباط على متنها هو الواحدة صباحا (أو ليلا)، أي أنه كان لي مُتَّسع من
الوقت لأداء صلاة الشكر لله والطواف بالبيت الحرام.






















* هل التقيت الملك الحسن الثاني بعد عودتك من السعودية، واقالتك من وزارة الاعلام؟ـ رجعت إلى المغرب فوجدت أعضاء ديواني في وزارة الدولة في الإعلام
يستقبلونني في المطار بوجوه غشيتها الكآبة، متألمين، متسائلين عن سبب ما
حصل؟ فقلت لهم «إن الامر هيـِّن وبسيط، لا أحد في الحكومة بخالد».ذهبت إلى منزلي في الدار البيضاء، وفي صباح الغد الموالي فتحت التلفون إلى
جلالة الملك. وقلت له: «أريد أن أقْدَم للسلام على جلالتكم وأخبركم
بتفاصيل مهمتي». فقال: «تعالَ عندي اليوم على الساعة الرابعة بعد الظهر في
ملعب الكولف». وقلت لجلالته: «استقبلني الملك خالد كما يُستقبَل به عادةً
مبعوثُ جلالتكم. وبخصوص تحديد موعد الزيارة قال لي الملك خالد: إني وجهتُ
لأخي جلالة الملك الحسن الثاني عدة دعوات لزيارة السعودية ولم يلبِّ أية
واحدة منها. وألاحظ أنه كلما جاءكم ضيف تحسنون ضيافته وتكريمه حتى أنه
يطمع في البقاء عندكم طول حياته». (ولم يكن الملك خالد متعاطفا مع الشاه)
فتساءل الملك: «ماذا يقصد الملك خالد بذلك؟». فقلت له: «يقصد الشاه يا
جلالة الملك». فانتفض الملك قائلا: «تعود بكل عزم وتصميم إلى موضوع الشاه
مرة أخرى؟ طيب أسِّي بوطالب، الشاه الذي تتحدث عنه سيغادر المغرب غدا.
والجنرال مولاي حفيظ والجنرال القباج هما بصدد تحضير برنامج رحلته إلى
خارج المغرب فاسترح وانس الشاه». فقلت لجلالته: «أنا جئت لأودع جلالتكم
لأنني سأنتقل اليوم الى بيتي في الدار البيضاء». فقال لي: «أريد أن أطرح
عليك سؤالا: لماذا لم تسألني عن سبب عدم احتفاظي بك في الحكومة؟». فقلت
له: «أنا بدوري يا مولاي أريد أن اسألكم هذا السؤال: «عندما تنادي جلالتكم
على أي شخص وتعينه وزيرا هل يقول لجلالتكم لماذا؟». قال الملك: «لا». فقلت
له: «كذلك هو الأمر عندما يتم إعفاؤه من الوزارة. فلا ينبغي أن يسألكم
لماذا». فقال الملك: «على كل حال، اذهب عند الجنرال مولاي حفيظ الآن فهو
ينتظرك ليبلغك رسالة مني».






















* ماهي طبيعة الرسالة التي أبلغها لك الجنرال مولاي حفيظ العلوي؟ـ وجدت الجنرال مولاي حفيظ مجتمعا في مكتبه بالجنرال القباج وهما يهيئان
مخطط رحلة طائرة الشاه إلى جزر الباهاماس. وقال لي الجنرال مولاي حفيظ:
«صاحبك ذاهب إلى حال سبيله» فقلت له: «لقد أبلغني جلالة الملك ذلك».
وانتقل الجنرال مولاي حفيظ للحديث عن التغيير الحكومي الأخير وقال: «لقد
سلمني جلالة الملك قائمة تضم أسماء الوزراء في آخر ساعة. وعندما قرأتها لم
اجد اسمك بين الوزراء فاستغربت وظننت أنه وقع خطأ، خاصة أنك كنت في مهمة
رسمية، فهاتفت جلالة الملك وقلت له إن اسم الأستاذ بوطالب سقط من القائمة.
فكان جوابه: «القائمة هي ما عندك». وعبر لي مولاي حفيظ عن أسفه لذلك. ثم
أضاف: «إن جلالة الملك كلفني بتبليغك أنك إذا ما قبلت أن تعود مستشارا
لجلالته كما كنتَ قبل دخولك الحكومة وزيرا للدولة في الإعلام فإنه أذن لي
أن أصدر ـ دون العودة إليه ـ بيانا من التشريفات الملكية للإعلان عن
تعيينه لك مستشارا لجلالته». فقلت لمولاي حفيظ: «الأسباب التي من أجلها
خرجت من المستشارية لأتقلد منصب وزير الدولة في الإعلام يعرفها جلالته ولا
تزال قائمة. وأنا لا أريد أن أعود إلى نفس الوضع الذي كنت فيه، فاعتذر
لجلالة الملك باسمي وقدِّم له ولائي واحترامي، وقل له إنني محتاج إلى فترة
راحة واستجمام أريد أن اعتزل خلالها العمل الحكومي». هكذا إذن كانت قصة
خروجي من وزارة الاعلام، وانقطاعي للمرة الثانية عن العمل الحكومي بالقصر
الملكي. وفي هذه الفترة كنت أستاذا بالمعهد الملكي لسمو الأمير ولي العهد
سيدي محمد فبقيتُ أتابع هذه الدروس رغم مغادرتي للقصر الملكي.


























_________________
الخفافيش تخاف نور الشمس !!
****************
لا يجب أن تقول كل ما تعرف ولكن يجب أن تعرف كل ما تقول

بديعة
مشرف (ة)
مشرف (ة)

انثى عدد الرسائل : 6075
العمر : 30
Localisation : الدارالبيضاء
Emploi : موظفة
تاريخ التسجيل : 03/04/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

15- تركيا رفضت الانخراط في «الايسيسكو» لأن أحد برامج المنظمة ينص على جعل الثقافة الإسلامية محور مناهج التعليم في العالم الإسلامي

مُساهمة من طرف بديعة في الجمعة 9 أكتوبر 2009 - 15:52

يتحدث عبد الهادي
بوطالب في هذه الحلقة من حوارات «نصف قرن تحت مجهر السياسة» عن انطلاق
المسلسل الديمقراطي عام 1976 وقيام الوزير الاول آنذاك احمد عصمان بتأسيس
حزب «التجمع الوطني للاحرار». كما يتناول بوطالب بالحديث الفترة التي درس
فيها ولي العهد آنذاك (الملك محمد السادس) في المرحلة الثانوية بالمعهد
الملكي.






















بالاضافة الى ظروف تأسيس المنظمة الاسلامية للتربية والثقافة والعلوم (ايسيسكو).* بعد قيام المسيرة الخضراء انطلق المسلسل الديمقراطي وجرت عام 1976
الانتخابات البلدية. وفي عام 1977 جرت الانتخابات التشريعية، وتأسس حزب
التجمع الوطني للأحرار. فكيف نظرتَ آنذاك إلى تأسيس هذا الحزب الجديد ؟
وهل كان نسخة معدَّلة من «جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية» التي أنشئت
في الستينات ؟ـ التجمع الوطني للأحرار كما يدل عليه اسمه ليس تجمعا بين أحزاب كالكتلة
الوطنية أو «جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية»، بل هو تجمع بين شخصيات
أكثريتها سبق لها أن لعبت دورا في الحياة السياسية أو تقلدت مناصب وزارية
أو إدارية. كان المراد من تأسيس هذا الحزب هو أن يُشكِّل حزب الوسط الذي
يتموقع عادة بين اليمين واليسار. لكن تكاثر الأحزاب المغربية إلى حد
بلوغها 14 حزبا ممثلا في البرلمان وتشابه برامجها لا يساعدان على قيام
حدود فاصلة بينها. وكل حزب يريد أن يكون برنامجه مستجيبا لجميع تطلعات
الشعب. وتطلعات الشعب لا تتموقع في اليمين ولا في اليسار ولا في الوسط.
والأحرار المستقلون هم الذين ليس لهم حزب معين. وقد تطور التجمع الوطني
للأحرار فيما بعدُ إلى حزب جماهير، ولكن ليس حزب ائتلاف بين نزعات مختلفة.
وهو يطمح إلى أن يكون حزب الوسط إذا ما أصبح في المغرب تياران سياسيان
كبيران يتموقع أحدهما في اليمين والآخر في اليسار فيصبح التجمع الوطني
يلعب دور الحزب الليبرالي الديمقراطي في بريطانيا. * كان تأسيس التجمع بداية لتأسيس مجموعة من الأحزاب التي اصطُلح على
تسميتها بـ«الأحزاب الإدارية». هل تعتقد أن الاتجاه نحو تأسيس هذه الأحزاب
كان اتجاها صائبا ؟ـ يصعب عليَّ الحكم على الأحزاب التي تأسست في تلك الفترة بأنها جميعا من
صنع الإدارة أو بمساعدة منها. فالمغرب بطبيعته متنوع الفصائل، وتتطلع
قياداته السياسية إلى الحكم. وقد تبين أن الوصول إلى الحكم لا يتم إلا عن
طريق التكتلات الشعبية. ولذلك ظهرت نخب حزبية وسياسية جديدة قد يكون من
بينها ما هو مصطنع، وما هو مستقل وغير خاضع للإدارة. والحزب السياسي
المتعارَف عليه اليوم لا ينشأ إلا للمشاركة في الحكم حتى لقد أدخل علم
السياسة في صلب تعريف الحزب غاية مشاركته في الحكم.* لكن المفارقة هي أنه في الوقت الذي كان يُنشِئ فيه السَّاسَةُ الأحزابَ
للوصول إلى الحكم تم تأسيس التجمع الوطني للأحرار في وقت كان فيه رئيسه
أحمد عصمان وزيرا أول. كيف تفسر ذلك ؟ ـ هذه الظاهرة دُشنت فعلا في عهد
الرئيس عصمان. ويقول البعض إن الذي شنها هو رضا كديرة، وتكرر الأمر مع
المعطي بوعبيد حين أنشأ الاتحاد الدستوري بعد أن أصبح الوزير الأول. وقد
يكون رؤساء الحكومات أرادوا أن يُضْفوا الشرعية الشعبية على اختيارهم في
مناصب الحكم عن طريق تأسيس حزب سياسي قوي يستطيعون به وبواسطة الاقتراع
الشعبي ولوج الحكم من بابه الواسع وهذا شيء مشروع ولا ضير فيه.* لكن الملاحَظ أنه لم تمر سوى سنوات قليلة وحدث انشقاق في صفوف التجمع.
فكيف كانت آنذاك نظرة القصر الملكي إلى مسألة التعددية الحزبية في سياق
الانشقاقات الحزبية المتوالية ؟ـ أعتقد شخصيا أن القصر حينما ساعد على أن تكون التعددية الحزبية منطلقا
للعمل السياسي بالمغرب كان منطقيا مع نفسه. لكن جاء وقت شعر فيه الملك
الحسن الثاني أن كثرة الأحزاب وتناسلها بوتيرة مذهلة يحتم «تحديد نسل»
الأحزاب أو «تنظيم الأسرة» الحزبية. وقد قال في إحدى خطبه: «إن المغرب في
حاجة إلى حزبين أو تيارين سياسيين كبيرين يتناوبان على الحكم». ومعنى ذلك
أنه تبين له أن هذه التعددية المبالَغ فيها أصبحت تفسد الحياة السياسية
أكثر مما تفيدها.






















* أين استقر بك الحال بعد خروجك من الحكومة كوزير دولة في الإعلام ؟ـ اعتزلت «السياسة السياسية» وانصرفت إلى شؤون الثقافة والفكر والبحث
العلمي وتابعت تأليف الكتب والدراسات والتوجه إلى خارج المغرب للمشاركة في
الندوات العلمية والفكرية التي كنت أُدْعى لها.






















* لكن المعروف آنذاك أنك كنتَ تدرِّس ولي العهد الأمير سيدي محمد؟ـ نعم كنت أدرِّس مادة النصوص الأدبية لولي العهد الذي كان آنذاك في
المرحلة الثانوية بالمعهد الملكي. كنا نقرأ النص أوّلا ثم نتوقف عند كل
فقرة من فقراته لنحللها ونفحص صياغتها وسبكها اللغوي الأدبي لننتقل إلى
قواعد اللغة العربية بالنظر في ما في النص من تطبيق القواعد النحوية
والصرفية واللغوية والبلاغية عليه. وكان النص الذي يحتل صفحتين من الكتاب
مثلا يتطلب مني أن أخصص له سلسلة دروس كنت أوزعها على شهر كامل. وكنت أنهج
هذه الطريقة لأنني كنت أعتبرها الأصلح لتذكير التلاميذ بالقواعد ولشدهم
دائما إلى اللغة العربية والتعمق في آدابها وما يسمى بعلوم اللغة العربية
من نحو وصرف وبيان وبلاغة وغير ذلك. وطبعا كنا نتحدث عن ترجمة الكاتب
ونتناول بالبحث محيطه وبيئته وحتى بعض الأحداث التاريخية التي عاصرها.
فالأمر كان يتعلق بكشكول من البحوث وليس بدرس محدّد. كنت أنطلق في شرح
النص بدون أن أعود إلى مرجع معين، وكان تلاميذي ـ وفي طليعتهم ولي العهد ـ
يمارسون معي هذا النوع من الرياضة الفكرية التي يُفترَض فيها أن تكون صعبة
الـمِراس.






















* هل كان ولي العهد الأمير سيدي محمد شَغوفا ـ مثل والده ـ بالشعر والأدب؟ـ نعم كان كذلك. وفي هذه الفترة كلفني الملك الحسن الثاني بأن أشرف على
دروس هامشية أو تكوين إضافي خارج حصص دروس المعهد الملكي للأمير سيدي
محمد. وكنت أنظّم حلقات خاصة في إقامته بالصابلون بالرباط خلال شهر رمضان،
وأختار أساتذة محاضرين ليتحدثوا أمامه هو وزملاؤه في مختلف مشارب المعرفة،
ثم يتقدم الطلبة بالأسئلة إلى المحاضر ويجري نقاش. وكان الأمير سيدي محمد
يبدي الاهتمام الكبير بهذا النقاش ويُدلي فيه بدلوه. وكان هذا نوعا من
التدريب الخاص الذي أعتقد أن التلاميذ يحتاجونه في جميع مدارس التعليم
ومعاهده، ولكن هذا كان يُخَصُّ به ولي العهد ورفقاؤه بتعليمات من الملك
الحسن الثاني الذي كنت أطلعه على وقائع الدروس ويباركها.وهذه الدروس والمحاضرات الجامعية التي كنت أشرف على تنظيمها جعلتني قريبا
من ولي العهد، ومكَّنتني من التعرف عليه وإعجابي بسلوكه، ومحبتي لشخصه.
وكان يستحق المحبة فعلا لأنه طيب وذو خلق كريم ومجامل إلى إقصى حدود
المجاملة.بعد ذلك كان ولي العهد يغْشَى لِـماما دروسي في السنة الرابعة من كلية
الحقوق بالرباط حيث كنت أدرس لطلبة الإجازة مادة النظم السياسية العالمية.
وكانت لديه عزيمة التحصيل في مختلف شُعَب المعرفة.* إذا طلبتُ منك مقارنة بين الحسن الثاني الطالب، ومحمد السادس الطالب. هل
هناك شيء محدد يجمعهما ويقرِّب بينهما؟ ـ الأب الملك الحسن الثاني كان
شعلة ذكاء متوقدة سريع الحركة في كل ما يعمل. والأمير سيدي محمد كان هادئا
رزينا يوظف ذكاءه لاكتساب المعرفة دون تسرع ولا تَراخ.






















* في سنة 1982 أصبحتَ مديرا عاما للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) فما هي ظروف تَبَوُّئك لهذا المنصب؟ـ بعد إعفائي من وزارة الدولة في الإعلام اعتزلت العمل الحكومي وبقيت كما
قلت لك سالفا أدرّس في المعهد المولوي (الملكي)، وكليتي الحقوق بالدار
البيضاء والرباط. وفي بداية سنة 1982 جاءني إلى بيتي بالدار البيضاء صديقي
أحمد بن سودة الذي كان آنذاك مديرا للديوان الملكي ومن أقرب أعوان الملك
إليه ليقول لي: «إن منظمة المؤتمر الإسلامي تفكر في إنشاء منظمة دولية
منبثقة عنها تُعنَى بالتربية والثقافة والعلوم». وأضاف قائلا: «سأصارحك
بالحقيقة بدون التواء لما بيني وبينك من علاقة صداقة ومصاهرة. إنني أتيتك
مبعوثا من جلالة الملك لأتحدث إليك في موضوع هذه المنظمة رغم أنه ألـحَّ
عليّ في ألا أقول هذا لك وقال لي جلالته: «لا تقل لبوطالب إنك مبعوث مني
للقيام لديه بمبادرة بل قل إنك جئته بمبادرة شخصية منك لتستمزج رأيه في
ترشيحك له لديّ مديرا عاما للمنظمة الجديدة، فإذا قبِل فقل له آنذاك إنك
جئت مبعوثا مني، وإن قال لا فلا تذكر اسمي عنده». فكرت مليا ثم قلت: «أقبل
بدون تردد». وآنذاك سارع بن سودة إلى الاتصال بالهاتف من منزلي لمكالمة
الملك الحسن الثاني وأبلغه أنني قبلت العرض». فقال له: «قل لبوطالب أن
يأتي عندي غدا».






















* وكيف كان اللقاء مع الملك؟ـ شكرت له كَرَم التفاتته إليَّ وأبلغته قبول ترشيح المغرب إياي لإدارة
المنظمة، ومما قلته له في هذا اللقاء: «يا جلالة الملك كلما كنتُ بعيدا عن
القصر لا تكون بيني وبين جلالتكم قطيعة وإنما مجرد انقطاع». وبدا لي أنه
استطاب كثيرا هذه العبارة. وكان في أسلوبه المتميز يستعمل أمثالها وأجمل
منها بحكمة ومهارة. فقال لي الملك الحسن الثاني: «السيد الحبيب الشطي
الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي زارني وأخبرني بالقرار الذي كنت
أعلم أنه اتُّخِد بشأن إنشاء المنظمة، وقال إن مقرها سيكون بالمغرب لأنه
بلد نعتبره بلد علم وإشعاع ومعرفة وحضارة تاريخية». واقترح عليَّ أن يكون
مقر المنظمة في فاس حيث جامعة القرويين، وطلب مني أن أرشح لإدارتها مغربيا
قائلا لي بالفرنسية: «نريد من جلالتكم أن ترشحوا لها «ما هُو المغربي».
فقلت له سأرشح «الماهو المغربي» وفكرت فيك. فأنت مثقف وتحسن اللغتين
العربية والفرنسية وسبق لك أن كنت وزير التربية والتعليم كما كان «ماهو»
الفرنسي وزيرا للتربية والتعليم وأصبح مديرا عاما «لليونيسكو» وأضاف الملك
قائلا: «إنك بقبولك المنصب أدخلت عليّ السرور. وأنت تعلم ما يخامرني من
رغبة في تدفق إشعاع المغرب على الخارج في المجالات الفكرية والثقافية.
وأرجو أن تكون إن شاء الله موفقا في أعمالك ويمكنك أن تعتمد عليَّ
لمساعدتك في هذه المهمة العظمى : مهمة إنشاء المنظمة ورفعها إلى المنزلة
التي يُنتظر منها أن تأخذها بين المنظمات العالمية الكبرى». وبعد ذلك
اقترح عليَّ محمد بوستة الذي كان آنذاك وزيرا لخارجية المغرب أن أشارك في
أعمال لجنة تجتمع في وزارة الخارجية المغربية لإعداد مشروع النظام الأساسي
للمنظمة. ولم يكن أحد من أعضاء اللجنة يعلم أن المغرب قد رشحني لمنصب مدير
عام للمنظمة الإسلامية رغم أن ملف ترشيحي كان قد أرسل إلى منظمة المؤتمر
الإسلامي. ثم انتُخِبتُ مديرا عاما للإيسيسكو بالإجماع من لدن مجلس وزراء
التربية والتعليم والثقافة في الدول الإسلامية التأسيسي الذي عُقِد في فاس
يوم 4 مايو (أيار) 1982. وألقيت خطابي وأعطيت فيه تصوراتي عما أطمح إلى أن
تحققه المنظمة من برامج. وحضر الملك الحسن الثاني الجلسة الختامية
للاجتماع، وأشاد في خطابه بشخصي المتواضع. وقال: «لقد أعطيناكم أفضل ما
عندنا، وهو أهل للقيام بهذه المهمة».






















وطرح الملك في خطاب ارتجله عدة أفكار لِتُـصاغ في برامج المنظمة ومن بينها برنامج «التقريب بين المذاهب الإسلامية».وعندما بدأت عملي على رأس المنظمة لاحظت أن إقامة مقرها بفاس ستجعلها
منعزلة فحولت مقرها إلى الرباط. وتفضل الدكتور عز الدين العراقي وزير
التربية والتعليم فأعطاني بوزارته مكتبا لائقا كان هو نواة مقر المنظمة.
ولاقيت في البداية عدة صعوبات من أهمها مشكلة التوقيع على النظام الأساسي
للمنظمة من طرف بعض وفود الدول التي حضرت للمؤتمر التأسيسي ولم تكن تملك
التعليمات ولا التفويض من حكوماتها بشأن انخراطها في المنظمة. بل إن عددا
من الدول الإسلامية كانت تتساءل عن جدوى هذه المنظمة وترى أن منظمة
المؤتمر الإسلامي يمكن أن تقوم بالعمل في الميدان السياسي وفي الميدان
الفكري والثقافي والتربوي معا. بل كان البعض يجزم أن لا فائدة ترجى من
ورائها وأنها تَرَفٌ زائد. وأكثرية الدول لم ترسل إلى المؤتمر التأسيسي
لوزراء التربية والتعليم مبعوثيها من الوزراء، فالسعودية مثلا مثَّلها
سفيرها في الرباط، ولم تكن عنده تعليمات محددة بشأن المنظمة الجديدة.كان لدى الدول الأعضاء تخوف من تعدد المساعدات المالية وعدم قدرة الدول
على الوفاء بالتزاماتها نظرا لأنها مُرهَقة بتكاليف حيال منظمات عالمية
أخرى. ولذلك أخذت عصا التسيار وشرعت في جولة عبر العالم العربي والإسلامي
لإقناع الوزراء بمساندة المنظمة التي أنشأوها. وعن هذا قلت مرة «استلمت
منظمة أقوم فيها بدور المبشّر لأنبيائها الذين كفروا بها». وكنت قبل هذا
وعند انتخابي مديرا عاما للمنظمة قلت للأمين العام لمنظمة المؤتمر
الإسلامي الحبيب الشطي: «كيف ستسير هذه المنظمة وقد انطلقت بدون أن يكون
في صندوقها مليم واحد؟ وسألته: «هل أُعِدّ لها صندوق مالي مخصص لمرحلة
التأسيس؟» فقال: «لا يوجد عندنا في منظمة المؤتمر الإسلامي أي مبلغ
مرصود». وأضاف: «اسمح لي أن أنصحك أن تطير بجناحيك، وألاَّ تنتظر من منظمة
المؤتمر الإسلامي أن تساعدك بأية مساعدة كيفما كان نوعها. فنحن في منظمة
المؤتمر الإسلامي نشكو من ندرة الموارد المالية، والدول الأعضاء تتباطأ في
أدائها رسوم انخراطاتها السنوية، ووضعية المنظمة صعبة جدا». كان هاجسي
بالإضافة إلى ما سبق ذكره هو أن أضع خطة عمل للمنظمة، فعقدت ندوة علمية
شارك فيها مفكرون وباحثون من مختلف أنحاء العالم العربي الإسلامي هم الذين
وضعوا معالم خطة العمل الأولى للمنظمة. بعد ذلك أخذت -كما قلت لك- أطوف من
عاصمة إلى أخرى. ولا أخفيك أنني بحكم عملي السياسي في عدة وزارات وعملي
مستشارا لجلالة الملك راهنت على توظيف علاقاتي مع عدد من رؤساء الدول
العربية الإسلامية في خدمة المنظمة واستفدت فعلا من تلك العلاقات أثناء
وجودي على رأس الإيسيسكو. وكنت أضغط عليهم بجميع أنواع الضغوط الأدبية
وباسم العلاقات الأخوية لأستميلهم إلى تقدير عمل الإيسيسكو ومساندته ماديا
ومعنويا. وكنت أنبه إلى ما يستفيده العالم العربي من رافد العالم الإسلامي.ولقد كان في طليعة برامج الإيسيسكو برنامج «جعل الثقافة الإسلامية محور
مناهج التربية والتعليم في العالم الاسلامي»، لأن ذلك هو الطريق السالك
إلى تضامن العالم الإسلامي وبناء وحدته. والوحدة بين الدول والشعوب تبتدئ
من وحدة الفكر والإيمان بها. وكنت دائما وما أزال مؤمنا بأن رابطة الإسلام
ورابطة العروبة ملتحمتان التحاما عضويا ومن المستحيل تفكيكهما والفصل
بينهما.ومن البرامج التي تحمست لها أيضا «برنامج نشر اللغة العربية داخل العالم
الإسلامي». ولما كنت أدرك أن هذا الموضوع حساس، فقد وجدت له صيغة كانت
مقبولة ومحببة إلى الجميع ذلك أني اكتشفت منذ البداية ما يثيره هذا
البرنامج من حساسية عند غير العرب، وذلك في المؤتمر الأول الذي انعقد بعد
المؤتمر التأسيسي في المغرب وأناب الملك الحسن الثاني عنه ولي العهد
الأمير سيدي محمد (الملك محمد السادس حاليا) لرئاسة جلسته الافتتاحية. وقد
حضر هذا المؤتمر وزراء التعليم والتربية في الدول العربية الإسلامية.
وأذكر أننا لما عرضنا المشروع المتعلق بنشر اللغة العربية وأخذ الكلمة
وزير التعليم العراقي تحمس لهذا البرنامج وانطلق في سورة حماسية ليقول:
«لا بد أن يتعلم المسلمون في كل مكان اللغة العربية، فهو واجب عليهم لا
يكمل إسلامهم إلا به. فالقرآن عربي، والنبي محمد عربي، ولا يدخل الجنة إلا
عربي»، فثارت ضجة بين صفوف الأفارقة والآسيويين «(الأعاجم)» على كلمة
الوزير العراقي. وتساءلوا عما إذا كانت الجنة حُكْرا على المسلمين العرب
دون غيرهم. وقالوا هذا لا نعرفه في القرآن الكريم. وكاد المؤتمر يتفرق
وتتكسر المنظمة الوليدة على صخرة هذا الخلاف.






















* وكيف تصرفتم آنذاك للحيلولة دون تزايد الخلاف؟ـ تدخلت وحاولت التوفيق بين الأطراف المختلفة ودافعت عن الوزير العراقي
بأنه تكلم عن حسن نية، واقترحت أن يتغير البرنامج من «نشر اللغة العربية»
في العالم الإسلامي إلى «نشر لغة القرآن في العالم الإسلامي». وكان هذا
موضع اتفاق الجميع لأن المسلمين لهم في كل مكان ـ كما قلت للوفود ـ
يُصَلُّون باللغة العربية، وينطقون بالشهادتين باللغة العربية وإن كانوا
لا يعرفونها، ويكتفون بحفظ بعض السور والآيات القرآنية، ويدعون الله
ويسبِّحونه ويحمدونه باللغة العربية. وانتهت مرافعتي بعودة الطمأنينة
والهدوء إلى المؤتمر وأصبح البرنامج يحمل الصيغة التي اقترحتها.






















* وماذا عن المال عصب الحياة هل توفر لكم منه شيء؟ـ سارع الملك الحسن الثاني إلى الوفاء بوعده لي عندما قال لي ـ كما ذكرتُ
لك قبل ـ : «يمكنك أن تعتمد عليّ لمساعدتك» فبعث إليَّ حوالة بنكية باسمي
الخاص أمضى عليها بتوقيعه وكان مبلغها ثلاثة ملايين درهم ومعها بطاقة كتب
عليها: «هذه مساعدة مني لك شخصيا فاصرف منها على المنظمة واصرف بعضها
لحاجاتك كما تشاء». فرجعت إليه وألححت عليه أن يغير الحوالة ويكتب عليها
اسم المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، وليس اسم عبد الهادي
بوطالب. ووضعتها بعد تغيير اسم المستفيد منها رصيدا أول في صندوق المنظمة
وسُجِّلت في حسابها. وأَعلنتُ عنها ببلاغ وجهته إلى الصحف فاستغرب الملك
الحسن الثاني لذلك وقال لي: «ربما كان الأحسن لو تركتَ مبلغا منها في
حسابك الخاص للمصاريف غير المتوقعة» فقلت له: «إن الإعلان عن عطاء جلالتكم
الكريم للمنظمة سيحث رؤساء الدول الأعضاء على التنافس في دعم المنظمة
ماديا ويوفر لها ذلك وسائل عملها» وكذلك كان الأمر.






















* هل كانت أمامك صعوبات أخرى يمكن ذكرها؟ـ إحدى الصعوبات الكبرى التي اعترضتني هي أنني كنت أسعى إلى أن تضم
«الإيسيسكو» جميع الدول الإسلامية المنخرطة في منظمة المؤتمر الإسلامي.
وكان هذا يتوقف على قبول الدول أعضاء هذا المؤتمر الانخراط في ميثاق
المنظمة «الإيسيسكو» والإمضاء عليه، لأن الإيسيسكو لم تكن تابعة للمؤتمر
الإسلامي ولكن منظمة مستقلة منبثقة عنه. ومن بين دول المؤتمر الإسلامي
جمهورية تركيا التي رفضت الانخراط في منظمة «الإيسيسكو» لأن أحد برامجها
ينص على «جعل الثقافة الإسلامية محور مناهج التربية والتعليم في العالم
الإسلامي». وهي كما قال لي وزير التعليم التركي «دولة عَلْمانية يتنافى
انخراطها في هذا البرنامج مع مقتضيات دستورها». وقد توجهت إلى تركيا أربع
مرات للتفاوض مع المسؤولين الأتراك لأوضح لهم أنهم لا يفهمون حق الفهم
طبيعة هذا البرنامج الذي ليس فيه ما يتنافى مع علْمانيتهم، إذ أنه لا يعني
جعل التربية الدينية محور مناهج التعليم بل يشير تعبير «الثقافة
الإسلامية» إلى حضارة فكرية إنسانية عالمية قدمها العالم الإسلامي إلى
سائر العالم وما تزال إلى الآن هي حضارة الأتراك وإن كانوا أصبحوا
علْمانيين أي لا دينيين. ورغم هذا الشرح لم تنخرط تركيا في «الإيسيسكو»
إلى هذه اللحظة التي أتحدث إليك فيها.ترأس تركيا في منظمة المؤتمر الإسلامي إحدى لجانها الكبرى «اللجنة
الاقتصادية»، وتفضل أن تقتصر في مجال تعاونها مع دول المؤتمر الإسلامي على
الجانب الاقتصادي أي الاستفادة من أسواق العالم الإسلامي.إن تجربتي في الإيسيسكو كانت ملحمة أخرى من الصراع بشكل آخر. فقد بقيت على
رأسها من سنة 1982 إلى عام 1992 وتم خلالها تجديد ولايتي أربع مرات،
بإجماع وزراء التربية والتعليم في الدول العربية والإسلامية. وكان ميثاق
المنظمة في بدايتها يحدد ولاية المدير العام في مدة سنتين لا تقبل
التمديد، واجتمع المؤتمر وعدَّل وحذف كلمة «لا تقبل التمديد»، وأصبحت
الولاية قابلة للتمديد وذلك لتمكيني من متابعة عملي على رأس المنظمة لعدة
ولايات غير محدودة.وكان من الممكن أن أظل على رأس المنظمة لأنه لا دولة إسلامية كانت مرتاحة
لمغادرتي، بل كان بإمكاني أن أجدد ولايتي ما دامت ثقة الوزراء في شخصي
قائمة والميثاق لم يحدد لهذه الولاية أجلا. بيد أنني أخبرت نوابي الثلاثة
وكان أحدهم من السينغال والثاني من باكستان والثالث من السعودية هو
الدكتور عبد العزيز التويجري (النائب المكلف الثقافة) بأنني لن أرشح نفسي
مرة أخرى. وكان هذا باتفاق مع جلالة الملك الحسن الثاني. ذلك أنني رافقته
في رحلته إلى ليبيا عام 1992 على متن باخرة «مراكش». وسألني أثناء الرحلة:
«ماذا تنوي أن تفعل في ارتباطك بالإيسيسكو؟». فكان جوابي «إنني مستمر فيها
ولا شيء يفرض عليّ مغادرتها». فقال لي: «دارك محتاجة إليك» يعني دار
المخزن أي (القصر الملكي). وأبلغني قراره تعييني مستشارا له وأمر أن أتخذ
التدابير اللازمة لذلك. (الصورة التي نشرناها في الإعلان الأول عن هذه
الحوارات أخذت لبوطالب مع الملك على متن الباخرة).ولقد كنت سعيدا أن يخلفني الدكتور عبد العزيز التويجري الذي قضى بجانبي
مدة بوصفه نائب المدير العام في قطاع الثقافة. وكم أنا مرتاح لما حققه
بعدي على رأس المنظمة من منجزات.* الملاحَظ أنه خلال ترؤسك للإيسيسكو وهي ـ منظمة دولية ـ كنتَ دائما
حاضرا إلى جانب مستشاري الملك الحسن الثاني وتأخذ مكانك بين وزرائه في
المناسبات الرسمية، بل إنه كان يبعثك في مهام خاصة إلى الملوك والرؤساء.
كيف تفسر ذلك؟ ـ بعد مرحلة الاعتزال والانقطاع التي تلت خروجي من وزارة
الدولة في الإعلام، والتحاقي بالإيسيسكو، أصرَّ الملك عند اضطلاعي بشؤونها
على أن أكون حاضرا في جميع الاحتفالات الرسمية. وكان يكلفني ـ كما سبق
ذكره ـ بمهمات لدى رؤساء وملوك عدد كبير من الدول العربية والإسلامية.
وكنت أمزج بين مهمتي هذه وعملي في الإيسيسكو. وقد استفدت كثيرا من هذه
الاتصالات للحصول على دعم الملوك والرؤساء لمنظمة الإيسيسكو.وأذكر أن موظفي التشريفات في القصر الملكي اختاروا لي أول ما التحقت
بالإيسيسكو مكانا بين الدبلوماسيين الأجانب لحضور الدروس الحسنية (وهو
إجراء معقول وعادي)، وهي الدروس الدينية التي تُلْقى في حضرة الملك الحسن
الثاني خلال شهر رمضان، فتدخل الجنرال مولاي حفيظ العلوي وزير القصور
الملكية والتشريفات والأوسمة قائلا: «إن جلالة الملك أمر أن يكون السيد
بوطالب بين الحكومة والمستشارين. وجلالته لا يعتبر أن موظفا دبلوماسيا
مغربيا يصبح مندمجا في السلك الديبلوماسي الأجنبي داخل بلاده». ووجه كلامه
إليّ قائلا: «إن جلالة الملك لا يرغب أبدا في أن يراك واقفا أو جالسا بين
الدبلوماسيين، فأنت لست أجنبيا وأنت من أقرب الأقرباء إلى جلالته. أرجو أن
تأخذ مكانك الذي تستحقه بين أعضاء الحكومة. وجلالته هو الذي حدد مكانك
بنفسه». ومع مرور الأيام كان الملك الحسن الثاني يُقدِّمني شيئا فشيئا في
البروتوكول حتى أصبحت أقف بجانب المستشارين. ولم يكن هذا التوجه مفهوما من
لدن عدد من الدول الأعضاء في «الإيسيسكو» بل حتى من لدن بعض رؤساء الدول
الذين كانوا عندما كنت أفِد عليهم من جلالته لا يذكرون وظيفتي بالمنظمة
الإسلامية وإنما يوصف المبعوث الخاص لملك المغرب أو مستشار ملك المغرب






















* وما هي أصعب مهمة كلفك بها الملك في هذه الفترة؟ـ كلفني رحمه الله بالكثير من المهام. منها حضور المؤتمرات، ونقل رسائله
الخاصة للملوك والرؤساء، وبعض شؤونه الخاصة ككتابة بعض خطبه وتحرير بعض
الوثائق الخاصة ومن بينها تحرير رسائله التي كان يحرص على أن تكون
بالأسلوب المخزني القديم. وأذكر أنني وردت في تلك الفترة على الملك فهد بن
عبد العزيز أربع أو خمس مرات بالوصفين. وكان يستقبلني دائما باسم المبعوث
الخاص للملك الحسن الثاني. وكان الأمر كذلك مع الملك حسين بن طلال،
والرئيس حافظ الأسد، والرئيس صدام حسين، والقادة العرب الآخرين. كما بعثني
إلى رؤساء دول من العالم الإسلامي في آسيا كالباكستان وماليزيا وأندونيسيا
وبنغلادش. وكانت المهمات كثيرة ومتنوعة ولا أريد أن أتوقف عندها بالتفصيل.
الـمُـهِم هو أن الملك الحسن الثاني كان يزاوج فيما يخصني بين مهتمي
الدولية كمدير عام للإيسيسكو، ومهمتي كمبعوث خاص منه. وكان يقول : «إن
المغربي يمكنه أن يأخذ جنسية أجنبية ولكنه لا يفقد أبدا جنسيته المغربية.
لأن المغاربة مرتبطون ببلدهم بالولاء الدائم لشخص الملك». وهذه من الأسس
التي يقوم عليها نظام الجنسية في المغرب. فهو نظام يجيز للمغربي أن يحصل
على جنسية أخرى لكن يبقى مغربيا. وعندما يعود إلى بلاده لا يصرح بأنه
متجنس بجنسية أجنبية. فالقانون المغربي لا يعترف مثلا بالمغربي الأميركي
أو المغربي الكَندي. القانون يقول إن المغاربة منضبطون بالقانون المغربي
الذي يجعل من ارتباط المواطن ببلده رابطة دائمة ويقبل أن يتمتع المواطن
المغربي بجنسية أخرى ولكن خارج بلاده. ومن هنا كان الملك الحسن الثاني
يقول لي: «أنت موظف دولي سام ولكنك مغربي قبل كل شيء ومن أعواني المرتبطين
بالولاء الدائم للملك». * في بداية الثمانينات عُقِد مؤتمر القمة الإفريقية في نيروبي وفيه أعلن
الملك عن استعداده إجراء استفتاء في الصحراء. كيف نظرتَ إلى هذا الموقف
المفاجئ؟ـ هذا المؤتمر انعقد في فترة اعتزالي وانقطاعي عن العمل الحكومي، أي في
عام 1981. لكن الذي أعلمه هو أن قضية الصحراء دخلت في هذه الفترة أحرج
منعطفاتها صعوبة وتعقيدا. كانت هناك حرب قائمة بين المغرب والانفصاليين من
جبهة البوليساريو. ولم يكن الملك في هذا الموضوع يقبل المساومة. ويظهر أنه
كانت له اتصالات مع بعض قادة الدول الصديقة الذين نصحوه بأن يتخذ أية
مبادرة ليحقق جو الانفراج. وعلى عادته كان يبحث عن التجديد والإبداع ففكر
في إنهاء هذه المشكلة بإجراء استفتاء شعبي عندما كان سنة 1981 في قمة
كينيا الإفريقية.وحسب ما علمته فيما بعدُ من بعض أعضاء الوفد المرافق له فإن الملك لم
يُطلِع أحدا على توجهه إلى أن وقف خطيبا في مؤتمر نيروبي وقال إنه: نزولا
عند رغبة بعض أصدقائنا فإننا نقبل تنظيم استفتاء تأكيدي لمغربية الصحراء.
لقد كان الملك يبرَع في إيجاد الحل الوسط. كان يراهن على أن الصحراء ستقول
بطريق الاقتراع إنها مغربية وبذلك يُقطَع دابرُ كل جدال. وفي الوقت نفسه
كان لا يريد أن يتقيد بنتائج الاستفتاء إذا ما جاء غير مؤكد لمغربية
الصحراء وهو الاحتمال الأضعف، وذلك من خلال وصفه الاستفتاء بنعت
«التأكيدي». ومع ذلك لم يطرح وصف التأكيدي على أنه شرط. طبعا كلمة
«التأكيدي» تعني إقصاء الانفصاليين المتمردين على الشرعية المغربية (أي
عناصر جبهة البوليساريو). وقد ردد أمامنا مرارا قوله: «نحن في الصحراء ولن
نخرج منها. وأنا على يقين من أن الاستفتاء سيعطينا شرعية البقاء ويؤكد
ويعزز شرعيتنا التاريخية التي اعترفت بها محكمة العدل الدولية».وبالفعل فإنه إذا ما تم تسجيل جميع الصحراويين المغاربة في لوائح
الاستفتاء فلن يكون الاستفتاء إلا تأكيديا لمغربية الصحراء، ولكن إذا كانت
انطلاقة الإحصاء فاسدة، أي مقتصرة على بعض الصحراويين دون البعض الآخر
وبالأحرى إذا اقتصرت على السكان الصحراويين الذين توجد أسماؤهم في قوائم
الإحصاء الإسباني لعام 1974، ويقدر عددهم بـ74 ألف صحراوي فقط، فإن
النتائج ستكون فاسدة. لذا حرص الانفصاليون على إقصاء أغلبية الصحراويين من
التسجيل ليخوضوا في الماء العِكر. والمعروف أن الـ 74 الف صحراوي الذين
قيل إنه تم إحصاؤهم لم يكونوا جميعهم موجودين آنذاك في الصحراء، بل كان
العدد أقل من ذلك. كما أن عددا كبيرا من الصحراويين التحقوا بالمناطق
الشمالية المغربية خوفا من بطش الاستعمار الإسباني. وهجرتهم هذه لا تمنعهم
من التسجيل لأنهم صحراويون مغاربة أقحاح.* لكن القبول بالاستفتاء لقي على الصعيد الداخلي اعتراضا، خاصة من قبل حزب
الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المعارض آنذاك، وتم اعتقال أمينه العام
عبد الرحيم بوعبيد وعدد من قياداته. فما هي قراءتك لذلك الاعتقال؟ـ هؤلاء القادة الوطنيون كانت لهم وجهة نظر أخرى عبر عنها بعضهم بقوله :
إنه لا يجوز إجراء استفتاء على التراب الوطني، وإن قبول مبدأ الاستفتاء
على مصير الصحراء يشكل تعارضا مع مبدأ وحدتها وانتمائها التاريخي إلى
المغرب. كما إن إجراء الاستفتاء فيها يطرح التساؤل عما إذا كان المغرب
يقبل أن يقع الاستفتاء على مراكش وفاس مثل، وأن قبول المبدأ بالنسبة
للصحراء يعني أن المغرب غير مؤمن كل الإيمان بمغربيتها. وهذه وجهة نظر لها
مبرراتها لكن الملك قَبِلَ الاستفتاء فقط ليقطع دابر الخلاف للخروج من
المأزق الذي دخلت فيه القضية، أي حالة اللاَّسلم واللاَّحرب، وليطوي هذا
الملف نهائيا في الأمم المتحدة لصالح مغربية الصحراء.لقد راهن الملك الحسن الثاني على الزمن. والصحراء بقيت جزءا من المغرب بعد
قبول الاستفتاء كما كانت قبله. والبوادر الآن كلها تؤشر إلى أن القضية
تقترب من نهايتها. ويبقى أن الأمر يتعلق بورقة واحدة إذا سقطت من لعبة
الصحراء تصبح مشكلتها متجاوَزة ومنتهية.






















* ما هي هذه الورقة؟ـ أن تتخلى الجزائر عن البوليساريو ودعم قضيته الفاسدة التي شلت حركة بناء
المغرب العربي. فبمجرد ما يقع هذا تنتهي قضية الصحراء. هذه القضية التي
كان الرئيس هواري بومدين قال عنها في القمة العربية في الرباط عام 1974:
«نحن لسنا من الصحراء لا في العِير ولا في النفير. القضية قضيتكم أنتم
المغاربة والموريتانيون. ولا نتدخل فيها وليس لنا طمع فيها. ونؤيد المغرب
فيها كما نؤيده في استرجاع مدينتي سبتة ومليلية والجزُر».* في سنة 1981 أيضا شهد المغرب إضرابا عاما أو ما يُعرَف بأحداث يونيو
(حزيران) 1981 بسبب الزيادة في أسعار المواد الاستهلاكية. فما هو تقييمك
لهذه الأحداث؟ـ الاضطرابات التي أشرتم إليها كان وراءها تدخل البنك العالمي وصندوق
النقد الدولي في عمل صندوق المقاصة المغربي الذي كانت الحكومة تأخذ منه ما
تُعوِّض به ارتفاع أسعار المواد الغذائية الاستهلاكية التي وصلت إلى أثمان
غالية لا يتحملها المستهلك المغربي. وقد وقعت لها نظائر في دول العالم
الثالث وفي دول عربية وأخرى من المغرب العربي. وعرفت عواصم شتى حوادث
واضطرابات كان بعضها داميا.


























_________________
الخفافيش تخاف نور الشمس !!
****************
لا يجب أن تقول كل ما تعرف ولكن يجب أن تعرف كل ما تقول

بديعة
مشرف (ة)
مشرف (ة)

انثى عدد الرسائل : 6075
العمر : 30
Localisation : الدارالبيضاء
Emploi : موظفة
تاريخ التسجيل : 03/04/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

16-السادات اقترح في كامب ديفيد رفع العلم المغربي في القدس تشخيصا للسيادة العربية عليها

مُساهمة من طرف بديعة في الجمعة 9 أكتوبر 2009 - 15:53

يتناول عبد
الهادي بوطالب في هذه الحلقة بالحديث، ادريس البصري وزير الداخلية السابق،
واحتضان المغرب عام 1984 للمؤتمر اليهودي العالمي في الرباط. ويتوقف عند
زيارة الرئيس المصري الراحل محمد انور السادات الى المغرب بعد توقيع
اتفاقية كامب ديفيد، وايضا عند لقاء افران الذي تم بين الملك الحسن الثاني
وشمعون بيريز رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق عام 1986.* بعد أحداث 1981 هدَّد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بالانسحاب
من البرلمان.كما أن الملك في أول نوفمبر (تشرين الثاني) لوَّح بحل الحزب.
فهل لك ان تحدثني عن نظرة الحسن الثاني إلى الأحزاب، وخاصة المعارضة؟ ـ
الملك الحسن الثاني لم يسبق له أن حل حزبا سياسيا ولم يحُلّ الاتحاد
الاشتراكي رغم هذا التلويح الذي جاء في سياق حدة الصراع السياسي الذي كان
قائما آنذاك بين الحكم والمعارضة. وكان الملك يعمل بأسلوب واضح ومباشر
فيدخل أحيانا حلبة الصراع بنفسه دون أن يَتستَّـر بغيره كما تفعله نظم
أخرى. كانت له شجاعة تحمل مسؤولياته. وهذا تم أثناء الأزمة التي كانت هي
الأخيرة وأعقبها الانفراج في العلاقة بين الحكم والمعارضة بعد أن آمنت قوى
الصراع في النهاية أن لا طرف يمكن أن يَغْلِب ويُنزل الهزيمة بخصمه. وأصبح
البديل الاقتناع بضرورة فتح عهد جديد للتفاهم بين الحكم والمعارضة. * لقد انسحب نواب الاتحاد الاشتراكي آنذاك باستثناء نائب واحد من البرلمان
وكلف الملك الحسن الثاني التجمع الوطني للأحرار بالقيام بدور المعارضة.هل
تعتقد أن التجمع نجح في القيام بدور المعارضة في وقت ظل فيه بعض وزرائه
(الطيب بن الشيخ ومولاي أحمد العلوي) في الحكومة؟ـ أنا أشك في أن مولاي أحمد العلوي كان عضوا ملتزما داخل التجمع. كما أن
بن الشيخ كان في علمي في هذه المرحلة غير منتظِم داخل هذا التجمع. وكنت
سمعت من أحمد عصمان رئيس التجمع أنه لا يعتبر أن حزبه مشارك في الحكومة،
وأن الشخصيتين المذكورتين لا تمثلانه داخلها. وكل حزب لا يشارك في حكومة
ما يتموقع فعلا وإن لم يكن قانونا في المعارضة.* في اواخر يناير (كانون الثاني) 1983 قام فرانسوا ميتران الرئيس الفرنسي
بأول زيارة رسمية للمغرب. وقبل يوم أو يومين من زيارته أُعلِن عن وفاة
الجنرال أحمد الدليمي مدير الضباط المرافقين للملك في حادثة سير. فما هي
حقيقة وفاة الدليمي خاصة أنه راجت عدة روايات حولها؟ وهل لزيارة ميتران
علاقة بذلك؟ ـ الروايات التي تشير إليها كثيرة. وكل ما أعلمه أنه أُعلِن
أن الجنرال الدليمي تُوفّي على إثر حادثة سير، وقد استُدْعيت كما استدْعِي
غيري من المسؤولين من قبل التشريفات الملكية لحضور جنازته التي حضرها كبار
رجال الدولة ومن بينهم الجنرال مولاي حفيظ العلوي وزير التشريفات والقصور
الملكية والأوسمة. ولا أرى علاقة بين موت الدليمي وزيارة الرئيس الفرنسي.* بعد وفاة الجنرال الدليمي رأى كثير من المراقبين أن الطريق أصبحت
معبَّدة أمام إدريس البصري وزير الداخلية ليكون رجل الحسن الثاني القوي
ولِيصعَد نجمه. فما حقيقة ذلك في نظرك؟ـ صعود نجم البصري لم يبدأ بعد وفاة الجنرال الدليمي بل سبق ذلك. ابتدأ
عندما وقَّع المغرب وموريتانيا على المعاهدة الثلاثية الخاصة بالصحراء في
مدريد وعيَّن الملك الحسن الثاني أحمد بن سودة عاملا (محافظا) على الصحراء
وكان آنذاك يشغل منصب مدير الديوان الملكي. وهو الذي رفع العلم المغربي
رسميا على الصحراء واستلم سلطتها من المسؤول الإسباني. وكان رفيقه إلى
مدينة العيون هو إدريس البصري الذي كان آنذاك كاتب الدولة (وزير الدولة)
في الداخلية. وأعتقد أنه منذ تلك اللحظة أخذ البصري يعمل للاستفراد بقضية
الصحراء ويرشح نفسه ليقفز منها إلى وزارة الداخلية.وأود الإشارة هنا إلى أن الجنرال الدليمي بحكم وظيفته العسكرية لم يكن له
مطمح إلى تولي الوزارة لأنه كان يعلم أن عهد تولي الضباط مقاليد الوزارات
قد انتهى بموت أوفقير. أما البصري فقد نما طموحه إلى تقلد مهام وزير
الداخلية بعد أن أصبح يأخذ فيها رتبة الوزير المساعد للدكتور محمد بنهيمة.قد يقول قائل إن الملك عوَّض بالبصري الفراغ الذي تركه الجنرال الدليمي.
إلا أنني لا أعتقد ذلك. الدليمي كان له مجاله، والبصري كانت له مجالات
أخرى وأصبح مقربا إلى الملك ليس بسبب موت الدليمي أو فراغ مقعد الدليمي بل
لأنه كان يتدرج على سُلَّـم المسؤولية وأخذ يقارب قمتها.






















* في عام 1984 احتضن المغرب المؤتمر اليهودي العالمي في الرباط. فما هي خلفيات وأسباب عقد ذلك المؤتمر الذي أثار الكثير من اللغط؟ـ ابتداء من الثمانينات أصبح الملك الحسن الثاني على اتصال دائم بالحركة
الفلسطينية، وبالقادة العرب بشأن القضية الفلسطينية. وبالمقابل كان هناك
اليهود المغاربة الإسرائيليون الذين يقولون انهم مدينون للملك محمد الخامس
بالموقف التاريخي الشجاع الذي وقفه أمام النازيين لحمايتهم من المطاردة
والمصادرة والإقصاء بصفتهم رعايا مغاربة. كما أصبحت لليهود نظرة إعجاب
بالملك الحسن الثاني بوصفه رجل الانفتاح وقطب الدبلوماسية الواقعية
الناجحة.وكان الملك يراهن على أن يقوم بدور التقريب بين الإسرائيليين والفلسطينيين
لإنهاء الصراع بالتفاوض المؤدي إلى إعطاء شعب فلسطين حقوقه في السيادة
والاستقلال.في هذا الجو انعقد هذا المؤتمر في الرباط وكان المغرب البلد الوحيد الذي
كان يمكن أن يستقبل في ذلك الوقت هذا المؤتمر. وكان اليهودي «جولدمان»
رئيس المؤتمر اليهودي العالمي آنذاك يتميز بالاعتدال وحسن التفهم للمشكلة
الفلسطينية، إذ كان يدعو إلى أن تأخذ إسرائيل مكانها بين دول المنطقة
وتتعايش مع العرب في إطار احترام حقوقهم وسيادتهم على أرضهم بمن فيهم
الفلسطينيون.* كان الملك من مؤيدي العملية السلمية منذ بدايتها، وأشرف عليها إلى أن تم
توقيع اتفاقية كامب ديفيد. وقبلها وقف الملك موقفا منتقدا للرئيس السادات
حينما زار القدس المحتلة. ما خلفيات هذه المواقف؟ ـ ما تقوله يحتاج الى
بعض تصحيح حتى يكون مطابقا للواقع الذي عشتُه بجانب الملك خلال الفترة
التي أشرتَ إليها. فالمفاوضات بين أنور السادات وإسرائيل رعاها الرئيس
الأميريكي «جيمي كارترْ» بنفسه وتُوِّجت بالتوقيع الثلاثي على اتفاقية
كامب ديفيد مساء يوم 17 سبتمبر (أيلول) 1978 وكانت أول اختراق عربي لجدار
تل أبيب. وبعد انتهاء مراسيم التوقيع عليها قرر الرئيس السادات أن يزور
الرباط قبل العودة إلى القاهرة ليُطْلِع الملك الحسن الثاني على ما راج في
كامب ديفيد، وذلك وسط الضجة الصاخبة التي أثارها التوقيع على الأوفاق في
العالم العربي وحتى في أجزاء من العالم الإسلامي. وقُدّر لي أن أحضر لقاء
الرئيس السادات والملك الحسن الثاني الذي تم يوم 22 سبتمبر (أيلول) 1978
في قصر الصخيرات (ضواحي الرباط). وبادرت إثر بدء الاجتماع وبأمر من الملك
الحسن الثاني إلى تسجيل محضره في وثيقة خاصة، حتى يُرجَع إليها عند
الحاجة. وكان من جملة ما حررته في الوثيقة: «في هذا اليوم 22 سبتمبر
(أيلول) انعقدت جلسة بين جلالة الملك الحسن الثاني والرئيس المصري محمد
أنور السادات بالقصر الملكي بالصخيرات.






















كان الملك محاطا بالوزير الأول وبعض الوزراء ومستشاري جلالته، (وحضرت الاجتماع ضمن مستشاري الملك الأربعة).كان الرئيس السادات محاطا بحسن تهامي مستشاره، وحسن كامل رئيس ديوان
الجمهورية، وبطرس غالي وزير الدولة للشؤون الخارجية، وأسامة الباز الوكيل
الأول بوزارة الخارجية، وسعد مرتضى سفير مصر في الرباط.وقدم الرئيس لجلالة الملك عرضا مفصلا عن الاتفاق الذي أُبرم في كامب ديفيد
بينه وبين الوزير الأول الإسرائيلي مناحيم بيغين بحضور الرئيس الأميركي
جيمي كارتر.كان يبدو على الرئيس السادات إجهاد بالغ، فالمفاوضات كما قال هو: «كانت
معاناة صعبة ومرت بمراحل تَهَدَّدَتْ فيها بالتعثر والانقطاع». ولكن كان
يظهر مرتاحا كامل الارتياح.بدأ الرئيس السادات عرضه شارحا السبب الذي حدا به للتوقف بالرباط في طريقه
إلى مصر فأشاد بكفاح المغرب إلى جانب مصر في حرب أكتوبر (تشرين الأول)
1973 الظافرة. ونَوَّه «بجلالة الأخ الحسن الذي لم يدخر أي جهد ولا بخل
بأية تضحية في نصرة القضية العربية ونصرة مصر بالذات، مذَكِّرا بأن الدم
المغربي الـمُرَاق في سيناء في أكتوبر 1973 امتزج بالدم المصري ومعهما
ترسخت أخوة مغربية ـ مصرية لا تنفصم عُراها».وقال السادات: «لقد جئت هنا مدفوعا بما أشعر به من امتنان نحو جلالة الأخ
وبلاده وشعبه. وأتيت أيضا لأنه هنا قررنا عدة مقررات التزمنا بها في القمة
العربية وهي معروفة بمقررات الرباط لسنة 1974».ومضى يقول: «والاتفاق الذي أبرمته في واشنطن يتطابق مع روح مقررات الرباط.
فهنا في قمة الرباط تغير الخط السلبي الذي ابتدأ من قمة الخرطوم على أساس
لا مفاوضة ولا اعتراف ولا صلح، وأخذنا بقرار أول سري هو العمل بجميع
الوسائل والطرق لإعادة الأرض العربية التي احتلتها إسرائيل منذ حرب .1967
ومن هذا كان منطلقي فيما قمت به من مساع سلمية وبطريق التفاوض المباشر.
وهو إحدى الوسائل والطرق الموصلة إلى الغاية التي حددتها قمة الرباط».
ورجع الرئيس السادات بعد هذه المقدمة ليضع سياسة انفتاحه على إسرائيل في
سياق الظروف والاعتبارات التي أملت عليه تلك السياسة قائلا: «إن تجربة
المواجهة العربية ـ الإسرائيلية المسلحة المتكررة أبانت حقائق لا يمكن
إغفالها:أولاها: أنه كلما دخل العرب في مواجهة مسلحة ضد إسرائيل خسروا المزيد من
الأراضي العربية نتيجة التفوق العسكري الإسرائيلي ورفض العرب التفاوَض
المباشر. وبذلك ظلت إسرائيل تظهر أمام الرأي العام الدولي بمظهر الدولة
التي تحرص على التعايش مع جيرانها ويرفضها هؤلاء ويهددون أمنها.وثانيتها: أن إسرائيل تظفر بهذه الوسيلة بمكتسبات إضافية تشجعها على
مواصلة تحقيق طموحاتها في التوسع على حساب الأراضي العربية المجاورة.
وثالثتها: أن إسرائيل التي حققت دائما الانتصارات في جولاتها العسكرية
أصبح لديها مركب استعلاء ضاعف عندها الإيمان بأنها القوة القاهرة أو
الدولة التي لا تُقْهَر في المنطقة. ورابعتها: أن دولة إسرائيل هي الدولة
الوحيدة في العالم التي لا يعرف العالم ـ بما فيه منظمة الأمم المتحدة ـ
حقيقة حدودها الترابية طالما أنها تطالب بحدود آمنة غير واضحة، وتخفي من
وراء ذلك طموحا متزايدا إلى التوسع على حساب جيرانها.وخامسة الحقائق: أنه تبين لي أن كل حرب ضد إسرائيل هي مواجهة بالوساطة
وحتى بالمباشر مع الولايات المتحدة طالما أنها تُموِّن إسرائيل بجميع
حاجاتها بدءا من الزبدة وانتهاء إلى طائرات الفانتوم».وأضاف السادات: «لقد آمنت أيضا أنه أخطر من الحرب أن أظل مكتوف الأيدي
سجينا في حالة لا حرب ولا سلم. ولذلك خطَّطت لحرب أكتوبر. ولم يكن في
إمكاني أن تكون حربا شاملة، ولم أنتظر منها أن تحل المشكلة بحد السلاح،
وإنما أردتُها لإفهام إسرائيل أنها ليست الدولة التي لا تُقْهر، ولأنطلق
من مركز شرف للتفاوض لإرجاع أرضنا. ومن أجل ذلك قبلتُ وقف إطلاق النار
عندما ألقت الولايات المتحدة الأميركية بثقلها الكامل لمناصرة إسرائيل.
كانت هناك عرقلة أخرى كان لا بد من التغلب عليها، هي تعلُّل إسرائيل بعقدة
الخوف التي ظلت تبديها أمام تهديدات العرب لها بالتدمير، فكان ذلك هو
السبب الذي دعاني إلى الذهاب إلى إسرائيل والتحدث إلى «الكنيست» عن الموقف
العربي. ونجحت في ذلك دون أن أُخِلَّ في خطابي بمقررات الرباط». وزاد
الرئيس السادات يقول: «وقد أصبحت مؤمنا أن سلوك سبيل السلام مع إسرائيل
وحملها على قبوله يحققان أهدافنا أكثر مما تحققه حرب لا نملك الانتصار
فيها. ومن أجل ذلك أيضا حرصت على أن تكون الولايات المتحدة التي تساند
إسرائيل شريكا كاملا في عملية السلام، وعلى أن تحمِل اتفاقية السلام توقيع
الرئيس كارتر حتى تكون هناك التزامات بالسلام من الدولتين بضمانة الولايات
المتحدة، وحتى تصبح إسرائيل مسؤولة عن التزامها أمام الولايات المتحدة
كذلك. وخلاصة ما فعلناه إلى الآن وخلال مدة ثلاثة أشهر أننا أنجزنا
وثيقتين: الأولى معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل وتستهدف استرجاع أراضينا
المحتلة في سيناء. والثانية تُقِرُّ مبدأ الحل الشامل للنزاع العربي ـ
الإسرائيلي وتَهُمُّ جميع الأطراف العربية المشتركة في هذا النزاع،
وبالتحديد سورية والأردن ولبنان. وهذه الوثيقة تشكل إطارا للبدء في حل
المشكلة الفلسطينية. وهكذا فإن الهدف هو التسوية الشاملة لمشكلة النزاع
العربي الإسرائيلي ككل وليس تسوية مقتصرة على مشكلة سيناء. وإلى هذه
الساعة لم نتفق إلا على إطار للعمل، إذ أن الاتفاقيتين المبرمتين مجرد
إطار». وهنا نطق الرئيس بكلمة frame work الإنجليزية، وكان كلما عاد لهذا
الموضوع يستعمل نفس التعبير الإنجليزي للدلالة على ذلك، مؤكدا بالخصوص على
ورود هذا اللفظ في صلب الاتفاقية، ومستنتجا أن كل شيء قابل للتفاوض للوصول
إلى تسوية شاملة.وقال الرئيس: «إننا اتفقنا على جدول زمني للمباحثات إذ سيكون علينا أن
ننتهي ـ حسب الاتفاقية الأولى ـ إلى إبرام معاهدة سلام بين مصر وإسرائيل
في بحر ثلاثة أشهر، وإلى الدخول في مفاوضات لدراسة تقرير مصير شعب فلسطين
في أجل سنتين، على أمل أن يكون الجو قد تغير خلال هذه المدة لتَطْمئِّن
إسرائيل إلى حسن نوايانا، ولتتأكد من أننا لا نريد إبرام هدنة مؤقتة أو
تسوية مرحلية، وإنما نريد سلما كاملا شاملا لنا ولها، ثم يرتفع الاحتلال
نهائيا عن غزة والضفة الغربية في أجل أقصاه خمس سنوات».وأضاف: «إنني كما ترون لم أقرر أي شيء بصفة نهائية حتى في ما يخص سيناء،
فبالأحرى أن أكون أبرمت أي اتفاق باسم الأردن أو سورية أو لبنان. نعم
بالإضافة إلى ما سلف تبادلنا رسائل أعرب فيها كل طرف عن خططه ومواقفه. وقد
وَضعتُ بكل وضوح النقط على الحروف في موضوع احتلال الضفة الغربية وقطاع
غزة والقدس والجولان، وتحفظت إسرائيل بدورها حيال بعض النقط، فهي تقول
مثلا إنها تخشى على أمنها من منظمة التحرير الفلسطينية، وما يزال مناحيم
بيغين يقول عن الضفة الغربية وقطاع غزة إنهما «يهودا» و«السامرة»، ونحن
نسميهما الضفة الغربية وقطاع غزة. واختلاف التسمية لا يهم، إذ المهم أننا
اتفقنا على أن كل شيء قابل للتفاوض، وعلى أن الفلسطينيين سيمارسون ـ وهذا
مكتوب في الاتفاقية ـ الحكم الذاتي كاملا وينشئون قوات البوليس الخاصة بهم
ويتولون بأنفسهم أمور أنفسهم».وأضاف: «المهم عندي أن أرفع عن الشعب في الضفة الغربية وقطاع غزة
المعاناة». (وكان الرئيس يكرر ويعيد كلمة المعاناة كلما تحدث عن موضوع
الضفة الغربية وقطاع غزة). مشيرا إلى أن «رفع المعاناة يعني أولا إنهاء
الحكم العسكري فورا وبَدْء الانسحاب إلى نقط معينة يستجيب تحديدها
لمتطلَّبات الأمن ويتم الاتفاق عليها. وثانيا، انسحاب القوات الإسرائيلية
من الضفة الغربية وغزة إلى حدود آمنة نتفق عليها في ما بعد. وثالثا، إجراء
انتخابات تُسفِر عن اختيار ممثلين فلسطينيين لممارسة الحكم الذاتي في
الفترة الانتقالية. ويفرض ذلك كله أن يلتحق الملك حسين بنا لتتحمل مصر
والأردن والممثلون الفلسطينيون المنتخَبون من قطاع غزة ومن الضفة الغربية
مسؤولية مشتركة مع إسرائيل».وبخصوص الجولان قال الرئيس السادات: «في المقترح المصري الذي قدمتُه لكامب
ديفيد وضعتُ الجولان وسيناء في مستوى واحد لتشابه ظروفهما، ولكن مصير
الجولان لا تقرره إلا سوريا وحدها. ولا أملك أنا التفاوض أو التحدث في
شأنه باسمها. ولكن إذا قبل الرئيس حافظ الأسد الالتحاق بعملية السلام
والتفاوض حول ضمانات الأمن مع إسرائيل ـ كما فعلنا نحن ـ فسيتم بينه وبين
إسرائيل اتفاق على نحو ما تحَدَّد لسيناء، وإسرائيل لا تمانع في ذلك». وفي
موضوع القدس قال الرئيس: «وجدت تأييدا كاملا من الرئيس كارتر للموقف
العربي، بحيث نحن معا متفقون على أن القدس العربية جزء من الضفة الغربية،
وأنه يجري عليها ما يجري على الضفة الغربية سواء بسواء».وزاد قائلا: «لقد أثَـرْنا أيضا موضوع السيادة وممارسة الحكم في القدس،
وتبادلنا آراء في موضوع إدارتها. ومما قلته: إنه تشخيصا للسيادة العربية
عليها يمكن أن يرتفع عليها خلال مرحلة انتقالية علم عربي واحد كرمز،
وأشرتُ إلى أن المغرب يمكن أن يحظى بذلك نيابة عن بقية الدول العربية. ولا
أعتقد أن دولة عربية تمانع في ذلك». مشيرا إلى أنه فعل ذلك تكريما للجهود
التي قدمها المغرب لحل المشكلة القائمة بين العرب وإسرائيل.وتجدر الإشارة إلى أنني أثناء كتابتي لمحضر اللقاء بدا لي أن الرئيس
السادات كان بادي الصدق في ما حكى، وأنه كان مطمئنا إلى أن الأطراف
العربية الأخرى لن تلبث أن تزكي خطواته وتلتحق به.وبعد أن أنهى الرئيس المصري عرضه كنت أنتظر من الملك الحسن الثاني أن يرد
لكنه لم يقل للسادات: إنني أؤيدك تأييدا مطلقا. ولم يقدِّم له أي وعد
بذلك، مكتفيا بشكره على العرض المستفيض الذي أتاح له فيه فرصة التعرف على
حقيقة الاتفاق، ومتمنيا له التوفيق في مهامه وفي أن تكون المفاوضات
مُوَصِّلة له إلى ما يريد. وكنت أيضا أنتظر من السادات أن يطلب من الملك
الحسن الثاني تأييده ولكنه لم يُشِر إلى ذلك إطلاقا. وعندما خرج الرئيس
السادات من قصر الصخيرات وودعناه عاد الملك إلى الاجتماع بنا وسألني: «هل
تمكنت من أخذ جميع النقط التي راجت في الاجتماع؟». فقلت له: «لقد أخذت
جميع النقط ولكن بالاختزال وسأحرر المحضر الكامل في ما بعد وأقدمه
لجلالتكمُ». ومضى الملك قائلا: «موقف المغرب الآن هو أن نتريث ولا نتسابق
إلى تأييد مبادرة الرئيس السادات. نحن نتعاطف معه ونتمنى له النجاح
والتوفيق، لكن يجب أن نَتَريَّث إلى أن نستوفي جميع التفاصيل ونعرف الردود
العربية وتنضج الأمور وتتضح». الرئيس السادات بدوره لم يستغِلَّ وجوده في
المغرب واجتماعه بالملك ليقول إن موقفه يلقى تأييد المغرب. ففي المؤتمر
الصحافي الذي عقده بالرباط إثر اللقاء سأله مراسل إحدى شبكات التلفزيون
الأميركي هذا السؤال: «هل بإمكانكم القول إن الملك الحسن الثاني قد تقبل
بارتياح الإيضاحات التي قدمتموها له حول كامب ديفيد؟ وهل يعتزم مساعدتكم
لدى دول عربية أخرى؟» فكان جواب الرئيس: «إن صاحب الجلالة يفضل كعادته
تلقي الأخبار من جميع الجهات المعنية مباشرة قبل اتخاد أي قرار. وقد زودته
بالشروح الوافية، ولا يوجد بيني وبينه أي شيء يمكن إخفاؤه. وسوف يتخذ هو
وأعضاء حكومته القرارات التي يرونها». وعندما وقف العرب ضد اتفاقية كامب
ديفيد وكان الإجماع يتجه نحو رفضها وقف المغرب موقفه الطبيعي بين الدول
العربية الأخرى إزاء ذلك.قـُبَـيْل مؤتمر بغداد الذي رفض فيه العرب مبادرة السادات، بعثني الملك
الحسن إلى الرئيس السادات الذي استقبلني في إقامته بالقناطر الخيرية بمصر.
وكان اليوم يوم عيد شَمّ النسيم وهو يوم عطلة في مصر. وكان بجانبه مجموعة
من الروايات والقصص الإنجليزية. فقال لي في بداية الحديث بشوشا متلطِّفا
ومعانفا: «هذا النوع من الروايات هو الذي يُسلِّيني كلما أُصِبتُ بالملل،
أنا لا أقرأ الكتب الدَّسِمة، بل أقرأ مثل هذه الروايات». ثم أخبرته أن
الملك الحسن الثاني يحِسُّ أن هناك اتجاها عربيا موحدا يتشكل لرفض اتفاق
كامب ديفيد، وكان مؤتمر بغداد على الأبواب. وأبلغته: «أمرني جلالة الملك
أن أقول لفخامتكم إنه لا يتمالك إلا أن يكون بجانب الأغلبية في مؤتمر
بغداد، ولكن هذا لا يغير شيئا من علاقة الصداقة والمودة بكم وباستمرار هذه
العلاقة في أحسن حال، كما أن هذا لا يغير شيئا في العلاقة الثنائية بين
البلدين». وأبلغته أيضا أن الملك الحسن الثاني يؤكد له أن وفد المغرب إلى
مؤتمر بغداد سينصح باستبعاد مقاطعة مصر، (وكان الإعلام العربي يروِّج لها)
ولكن المغرب سيضطر إلى الالتزام بما يتخذه مؤتمر بغداد من قرار.






















* وماذا كان رد السادات ؟ـ تفَهَّم وقال لي: «على كل حال أنا اتخذت مسؤوليتي وأنا قادر على تحملها
وحدي مهما كانت التكاليف. وأعتقد أن هذه هي الطريقة الوحيدة للعمل. وسيكون
العرب قد ضيعوا الفرصة السانحة لحل مشكل النزاع العربي الإسرائيلي إذ هم
قرروا في مؤتمر بغداد رفضهم اتفاقية كامب ديفيد أو مقاطعة مصر.* كيف تفسرون حماس الملك للاتصال بين العرب والإسرائيليين خاصة بين مصر
وإسرائيل، واتخاذه في نفس الوقت الموقف الذي أبلغته للرئيس السادات؟ هل
ذلك راجع إلى ضغط معين؟ـ أود أن أعود إلى مؤتمر القمة العربي الذي انعقد بالرباط بعد انعقاد
القمة الإسلامية بها وحضرته وجلست في مقعد المغرب بصفتي وزير الخارجية
(كما تحدثت إليك بذلك) قال الملك الحسن الثاني رئيس القمة في جلسة مغلقة
للزعماء العرب: «أنا رجل لا أعمل في السر. أريد أن أخبركم أني أتلقى من
حين لآخر إشارات من بعض يهود إسرائيل المـيَّالين إلى السلام مع العرب
(وليس من حكومة إسرائيل) يطلبون مني فيها أن أتدخل من أجل أن يوجد للمشكلة
حل. وأنا متصل بهذه النزعة التي تميل للسلم بواسطة قنوات غير رسمية (فهمت
أنها قنوات المخابرات المغربية) لكن أنا على استعداد لإيقاف هذه الاتصالات
اذا طلبتم مني ذلك. وإن كنتم ترون فيها فائدة فأرجو أن تقولوا لي رأيكم
فيها بكل صراحة». ولم يعترض أحد على ما قاله الملك. وآنذاك صمم على المضي
في محاولة التوفيق بين أطراف النزاع في إطار الالتزام بالمقررات العربية.
لقد كان الحسن الثاني رجل الحوار، ولم يكن يخفي مبادراته بينما كانت تجري
بين إسرائيل وبعض قادة الدول العربية اتصالات لم يُعلَن عنها. والمعروف
أنه حينما جاء شمعون بيريز رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق إلى المغرب
عام 1986 استقبله الملك الحسن الثاني في إفران وأعلن رسميا عن هذا
الاستقبال. * وماذا تحتفظ به في ذاكرتك عن لقاء إفران؟ ـ لقد وجه الملك الحسن الثاني
خطابا إلى الشعب المغربي إثر لقاء إفران قال فيه: «إنني التقيت بشمعون
بيريز وتذاكرنا في إطار مخطط قمة فاس معتبرا أنه ليس هناك ما يمنعني من
لقائه، لأن الجامعة العربية لم تُصدِر منذ تأسيسها إلى اليوم قرارا يمنع
اتصال أي مسؤول عربي بمسؤول إسرائيلي».وأضاف «إنني لم ألتق به في الخفاء كما فعل البعض»، وذلك في إشارة إلى ما
كان يتسرب من أخبار من حين لآخر عن اتصالات عربية ـ إسرائيلية على مستويات
مختلفة بعضها على مستوى القمة.ثم زاد يقول: «لقد تحركت بكل حرية، ولم أعتقد مطلقا أن حريتي مقيدة أو
أنني في حاجة إلى استئذان القادة العرب مع احترامي لهم جميعا ما دمت لم
أُضِرّ بمصلحتهم المباشرة وغير المباشرة، وما دمت واقفا في صفهم، وما دام
المغرب عضوا كامل العضوية في الجامعة العربية يحترم ميثاقها ويتقيد بما
التزمت به». ودعني أقول لك ما توفر لي آنذاك من هذا الموضوع: لقد كانت
للملك الحسن الثاني بواعث لاتخاد قرار الاستجابة لاقتراح شمعون بيريز
الاجتماعَ به. منها أنه شرَط مقدَّما على زائره الإسرائيلي أنه لن يُجري
معه مفاوضة لأنه لا يملك حق المفاوضة على حقوق الغير، وأن «بيريز» فهم ذلك
وتقبَّـله. ومنها أنه كان يريد أن يحمل القادة العرب على المسارعة
بالتلاقي على صعيد القمة التي استحال عقدها حتى يطَّلعوا على الأقل على
نتائج اتصالاته بالمسؤول الإسرائيلي. ومنها أنه كان يسعى من وراء اللقاء ـ
الذي أطلق من جديد حديث العالم عن مشكلة الشرق الأوسط ـ أن يقوم بتحرك
عَلَني لصالح التسوية يتسم بالمفاجأة التي قد تُحدث صدمة مضادة في الأذهان
التي دخلت في غفوة تُنوسِي معها لا مخطط فاس وحده ولكن مشكلة العرب
وفلسطين نفسها، أو كما قال الملك الحسن الثاني في مؤتمر صحافي: «إن هذا
اللقاء لم يُضعِف الموقف العربي بل من شأنه أن يُقوِّيه، إذ يخُشَى إن لم
يقع تحريك مخطط فاس أن يصبح مجرد وثيقة يُحتفَظ بها في مستندات التاريخ».وقد أصرَّ الملك الحسن الثاني على أن يكون لقاؤه برئيس الحكومة
الإسرائيلية بإفران (أرض المغرب)، ولم يتم تحت مظلة الرئيس الأميركي
رونالد ريغان الذي اقترح أن يكون اللقاء بحضوره في واشنطن. وكان للِّقاء
صبغة استطلاعية لا أكثر. وجرى فيه الحوار المباشر الصريح بدون الشاهد
الأميركي ـ الذي لا شيء يؤهله وحده ليقوم بهذا الدور ـ، وكان هذا الخيار
في رأي الملك الحسن الثاني أفيد وأجدى، خصوصا وقد تركه بيريز يفهم أنه
سيحضر للمغرب حاملا معه خطة التسوية الإسرائيلية التي يـَحْسُن أن لا
يُعلنَ عنها إلا عندما يكون الجانب العربي قد اطَّلع عليها. ودخول طرف
ثالث وفي واشنطن التي لا يُحفظ فيها سر قد يحول دون سير تحرك الاستطلاع
نحو وجهته. وقد يُفهَم على أنها تفاوض ثلاثي ويخرج بالاجتماع من الغرض
المراد منه الذي هو الإنصات لما يعرضه بيريز. وفي نهاية اللقاء سارع الملك
الحسن الثاني إلى الإعلان صراحة وتفصيلا عما راج فيه معرِّيا إسرائيل
وكاشفا عن تقوقعها فيما تسميه مغالطة وتضليلا مبادرة السلام، موضحا أن
بيريز لم يأت بجديد، وأن اللقاء أكد بما لا يدع مجالا للشك أن حزب العمل
الإسرائيلي الذي يحرص على الظهور أمام العالم مرتديا حلة الاعتدال لا
يختلف عن نظيره حزب الليكود إلا في المظهر والأسلوب، وربما لا يختلف
بعضهما عن بعض إلا في توزيع الادوار والمهام حتى تستمر مغالطة إسرائيل
للمجتمع الدولي. وقد تأكدت فراسة الملك الحسن الثاني من خلال تعثر
المفاوضات بين فلسطين وإسرائيل سواء في عهد تجمع الليكود بقيادة
«نيتانياه» أو حزب العمل بقيادة «إيهود باراك» وقال الملك الحسن الثاني في
خطابه الموجه إلى الشعب المغربي والعالم كله: «وجهت سؤالا مباشرا لبيريز
عن موقفه من خطة السلام العربية، وعن استعداده للتفاوض مع منظمة التحرير
الفلسطينية، وعما يعتزم أن يقوم به لإنهاء احتلال إسرائيل للأراضي
العربية، فكان الجواب على هذه الأسئلة المباشرة تملصات وتَعِـلأَّت، بل
وحتى أحيانا رفضا صريحا». إن بيريز ما كان ينوي الاعتراف بمنظمة التحرير
الفلسطينية ولا يقبل أن تكون المفاوض باسم شعب فلسطين متذرعا بأن الحركة
الفلسطينية شتات من الفصائل الموزعة بين العواصم العربية دمشق وعمان
وتونس. ومع ذلك فقد أَسرَّ بيريز للملك أثناء المحادثات أن إسرائيل لا
ترغب في الاحتفاظ بالأراضي العربية المحتلة لأنها لا تملك طاقة استيعابها،
وأنها ترغب صادقة في الوصول إلى تسوية، إلا أنها تخشى أن تقوم على حدودها
دولة فلسطينية تعكر أمنها. ومن ثم يجب البحث عن صيغة توفيقية للجمع بين
الهدفين. ولم يتجاوز حديثه هذه الومضة التي لم تضئ إلا لتنطفئ. اتضح بذلك
أن بيريز لا يتوفر ـ خلافا لما ادعاه ولوَّح به ـ على خطة واضحة للتسوية
العادلة، وتبين أن الحوار ـ إن أطلقنا تجاوزا على ما راج في اللقاء اسم
الحوار ـ كان حوارا أصم.






















* ماذا كان الرد العربي على لقاء إفران ؟ـ لقد كان رد فعل سوريا على لقاء إفران هو قطع علاقاتها مع المغرب، متهمة
اللقاء المغربي ـ الإسرائيلي بأنه يكرر المبادرة الساداتية. ولم تنتظر أن
يعلن الملك الحسن الثاني عن دواعي اللقاء مع بيريز ونتائجه، بينما لازمت
بقية الدول العربية الصَّمت وأبقت على علاقاتها الأخوية مع المغرب، وأبدت
طائفة منها تفهمها واعتبرت أن اللقاء كان مفيدا في كشف المغالطة
الإسرائيلية.لقد قال الملك في نهاية خطابه إلى شعبه مستخلصا عبرة لقاء إفران بهذه
الكلمات: «شعبي العزيز خذ درسا من هذا. ليس من الجبن ولا من العار ولا من
الخذلان أن يتوجه الإنسان من حين لآخر الى خصمه وعدوه لاستطلاع موقفه
ونواياه».وإلى جانب هذا الدرس الذي قدمه الملك الحسن الثاني للمغاربة استخلص لنفسه
درسا آخر هو أن الضجة التي أثارتها أطراف عربية حول هذا اللقاء ربما
سيستغلها بعض العرب للامتناع عن حضور أي اجتماع ما دام هو على رأس القمة،
فآثر أن يتخلى عن رئاسة القمة طواعية ـ ودون أن يطلب منه أحد ذلك ـ تسهيلا
لجمع الشمل العربي.* زعم محمد حسنين هيكل في كتابه «كلام في السياسة»: إن علاقة الملك الحسن
الثاني باليهود بدأت أثناء وجوده بالمنفى في مدغشقر، وزعم ايضا أن صفقة
تهجير اليهود المغاربة إلى إسرائيل كانت نتيجة صفقة بين ولي العهد آنذاك
والإسرائيليين مقابل أن يقوم الإسرائيليون بالضغط على فرنسا لعودة محمد
الخامس إلى المغرب؟ـ أنا أعرف تاريخ بلادي وعايشت المرحلة. ولم أسمع ممن يعرفون الخبايا أي
شيء عما ذكره هيكل. فما قاله يرجع إلى ولوعه بالهرولة إلى السبق الصحفي.
وأتمنى أن يكون السيد هيكل في أواخر عمره أكثر اتزانا مما كان عليه. إن
شخصيته صحفيا كاتبا مرموقا تأكَّدت بما لا يحتاج معه إلى أن يلفق بين
القضايا المتضاربة التي يسمعها أو يصنعها ليكتب على ضوئها (أو ظلامها)
تاريخا يمليه الخيال. مثل هذه الأشياء التي لا توجد بشأنها مستندات
تاريخية أو لم يعشها المؤرخ بنفسه لا ينبغي التحدث فيها من منطلق الخيال
الذي يتسع مجاله لأكثر من مشهد وأكثر من لوحة تصنعها ريشة رسام ولا تأتي
على قلم مؤرخ يحترم ما يكتب ويحترم التاريخ. * في منتصف الثمانينات تم اعتقال عبد السلام ياسين مرشد جماعة العدل
والإحسان الأصولية المحظورة. وأود لو تحدثني عن ياسين وكيف كان الملك
الحسن الثاني ينظر إلى الرجل؟ـ لم أُثِرْ قط مع الملك نظرته إلى ياسين ولم أسمع عنه قط حكمه عليه. وكل
ما أذكره عن عبد السلام ياسين هو أنني تعرفت عليه عندما كان مفتشا للتعليم
الابتدائي وأنا وزير للتربية والتعليم. وقَدِم عندي إلى الوزارة مرة أو
مرتين. كان وقتذاك شابا في نفس سني أو قريبا من ذلك. ولم يكن معروفا بأن
له نزعة أصولية سياسية. ثم أصبح يُتحدَّث عنه كمُريد لإحدى الطرق الصوفية
. ولم يكن عبد السلام ياسين آنذاك ملتحيا أو يرتدي حتى جلابية مغربية بل
جاءني يرتدي بذلة أوروبية ويحمل ربطة عنق. وكان طيبا مجاملا يبرز الخجل
على وجهه. وكنت اطَّلعت على بعض التقارير التي كان يكتبها بصفته مفتشا
للتعليم. وكان تقييمه فيها لسلوك المعلمين البيداغوجي بالمدارس التي كان
يزورها للتفتيش موضوعيا وسليما ويمكن لي أن أقول إنه كان إطارا جيدا في
وزارة التعليم.وعلمت أنه عندما توغل في الصوفية وجه إلى الملك الحسن الثاني رسالة بعنوان
«الإسلام أو الطُّوفان». ولم يكن ياسين في رسالته متقيدا باللباقة
والأعراف التي يجب أن يتقيد بها مواطن مغربي إزاء ملكه، فأثار سخط الملك
عليه سواء من حيث محتوى الرسالة أو شكلها.وقد أعطته الممارسة الظالمة ـ التي أجرتها عليه سلطات الأمن المغربي بوضعه
تحت الإقامة الإجبارية ما يناهز 17 سنة ـ هالة من التقدير والتضامن معه
حيث أصبح في موقع الضحية. لكن الإفراج عنه من لدن جلالة الملك محمد السادس
وتمتيعه بالحرية أسقط هذه الهالة إذ أصبح مواطنا عاديا وعلى الأكثر زعيما
بين زعماء الأحزاب السياسية و«بشرا يأكل الطعام ويمشي في الأسواق».






















* حينما كنتَ مستشارا للملك ألم يبعثك الملك في مهمة إليه ؟ـ لم يحصل ذلك. وأود القول إنني حتى الآن عندما أقارن بين صورته لما حضر
إلى مكتبي في وزارة التربية والتعليم وصورته الآن بعد أن رُفعت عنه
الحراسة على إقامته الجبرية وسلط عليه الإعلام أضواءه، لا أجد تلك الصورة
التي رأيته عليها لأول مرة. فالصورتان ضاع الخيط بينهما بتراكم السنين.


























_________________
الخفافيش تخاف نور الشمس !!
****************
لا يجب أن تقول كل ما تعرف ولكن يجب أن تعرف كل ما تقول

بديعة
مشرف (ة)
مشرف (ة)

انثى عدد الرسائل : 6075
العمر : 30
Localisation : الدارالبيضاء
Emploi : موظفة
تاريخ التسجيل : 03/04/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

17-نشرت «الشرق الأوسط» خبر قرب تعييني رئيسا للوزراء فغير الملك الحسن الثاني رأيه

مُساهمة من طرف بديعة في الجمعة 9 أكتوبر 2009 - 15:54

في هذه الحلقة
يتحدث عبد الهادي بوطالب عن الاتحاد العربي ـ الافريقي الذي أبرمه المغرب
مع ليبيا وهو الاتحاد الذي لقي معارضة الجميع. كما يتناول بوطالب بالحديث
ملتمس الرقابة (سحب الثقة) الذي تقدمت به المعارضة عام 1989 ضد حكومة
الدكتور عز الدين العراقي، والاحداث الدموية التي عرفتها مجموعة من المدن
المغربية عام 1990.ويتناول بوطالب بالحديث ايضا صدى غزو العراق للكويت في القصر الملكي
المغربي ودوره في الوساطة التي كلفه بها الملك الحسن الثاني لايجاد حل
لقضية الأسرى الكويتيين.* في سنة 1984 وقَّع المغرب وليبيا على اتفاقية إنشاء الاتحاد العربي ـ
الافريقي. فما هي الأسباب التي دفعت الملك الحسن الثاني إلى إبرام هذا
الاتحاد؟ـ ما تم بين المغرب وليبيا لم يكن وحدة بل اتحادا. ومعنى ذلك أن العقيد
القذافي استنتج بعد محاولاته ومشاريعه الوحدوية السابقة مع تونس ومصر أنه
لا بد أن يرضى ويقنع بالاتحاد الذي أصبح في ذهنه واقعا لا بد منه.كان الحسن الثاني يريد أن يتقيد القذافي بمقتضيات الاتحاد العربي الافريقي
الذي يجعل بين المغرب وليبيا ترابطا وعلاقة تفضيلية لا يمكن لليبيا من
خلالها أن تبقى مساندة لخصوم وحدة تراب المغرب والمتمردين على الشرعية
المغربية التاريخية.وكل اتفاق من هذا النوع يكون فيه طرف مستفيد وآخر أكثر استفادة. فالقذافي
حقق لأول مرة من الاتحاد إنجاح واحد من مشاريعه وإن كان أدنى من مطمحه في
الوحدة الاندماجية، والملك الحسن الثاني بـيَّـن أنه رجل الحلول الـمَرنة
والنظرة الواسعة، إذ تمكن من تحييد ليبيا بشأن قضية الصحراء عن طريق
الاتحاد معها. إلا أن الاتحاد العربي الافريقي لم يكتب له أن يُعمِّر
طويلا وحدث له ما حدث للمشاريع الوحدوية السابقة التي ركض وراءها العقيد
القذافي من دون جدوى. وها نحن نراه اليوم يراهن على وحدة القارة الافريقية
ولن يتحقق له ذلك لأن مشروع الوحدة الافريقية أكثر تعقيدا من مشروع الوحدة
العربية.






















* معروف أن الولايات المتحدة وقفت موقفا معارضا لذلك الاتحاد. فماذا بشأن دول المغرب العربي الأخرى؟ـ الاتحاد بين ليبيا والمغرب لم يقبل به أحد، مثلما لم يقبل أحد بالوحدة
بين ليبيا وتونس. والمغرب العربي بكل أسف تعثر لأن الجزائر كانت تريد عند
إنشائه أن يعكس توازن القوى وأن تكون هي دولته العظمى وقاطرته الكبرى.لقد كان غير مقبول أن يدخل المغرب في اتحاد مع نظام العقيد القذافي الذي
يقول بقيادة ليبيا لثورة شعبية عالمية. ولم يكن منطقيا أن تتحد الملكية
المغربية المحافظة مع الذين قوَّضوا عرش ملكية أخرى في المغرب العربي. لكن
الملك الحسن الثاني كانت له قدرة نادرة على التوفيق بين المتناقضات.
وانتهى اتحاد المغرب وليبيا عندما استوفى غرض وجوده.* في عام 1989 تم تقديم ملتمس رقابة (سحب الثقة) ضد حكومة الدكتور عز
الدين العراقي. وبما أنك كنت الفارس المغوار في ملتمس الرقابة الذي قُدِّم
ضد حكومة أحمد باحنيني عام 1964 فكيف نظرتَ إلى الملتمس الثاني؟ وما هي
قراءتك السياسية له؟ ـ لم يخطر في بالي قط أن أقارن بين الحدثين، لأنني في
الحدث الأول كنت طرفا معنيا بشأنه مباشرة إذ كنت وزيرا في الحكومة التي
يراد سحب الثقة منها والناطق باسمها، مما فرض عليَّ أن أقف موقف الدفاع عن
الحكومة. أما بالنسبة لملتمس الرقابة الذي كان يهدف إلى سحب الثقة من
حكومة الدكتور عز الدين العراقي فإنني لم أكن فيه طرفا بل كنت على رأس
منظمة الإيسيسكو وتابعته عن بعد. ولاحظت أنه لم يكن في مثل حرارة أو حدة
ملتمس الرقابة المقدم ضد الحكومة عام .1964 الفرق كبير بينهما. فملتمس
1989 مر بسرعة، إذ بمجرد ما ألقى الوزير الأول خطابه ورد على تساؤلات
المعارضة وانتقاداتها فازت الحكومة بالثقة.* يقال إنه بعد ملتمس الرقابة ضد حكومة عز الدين العراقي بدأ الملك يفكر
في إدخال تعديلات دستورية، وإقامة تجربة التناوب. ما صحة ذلك؟ ـ كنت بعيدا
آنذاك عن أسرار السياسة الداخلية للملك الحسن الثاني إذ لم أكن قد أصبحت
آنذاك مستشارا له للمرة الثانية. لكن يبدو لي أنه ـ منذ ذلك الحين ـ بدأ
يختمر في ذهنه التفكير في تغيير عدد من الأمور وإدخال إصلاحات دستورية
وتغيير بعض الوجوه. وأصبح يفكر في أن أحسن أساليب الحكم وأقدرها على
الاستمرار هو حكم يتقاسم فيه الملك سلطاته مع المؤسسات الدستورية الأخرى
طبقا للدستور. وكانت عيناه على المعارضة لأنه كان يتمنى أن يكون في المغرب
ما يشبه النظام البرلماني البريطاني الذي يقوم فيه الحكم على التناوب بين
الحزبين الرئيسيين، مع العلم أنه لم يكن يقبل أن تكون اختصاصات الملكية في
المغرب هي نفس اختصاصات الملكية في بريطانيا. كان يرى أن نظام الملك الذي
يسود ولا يحكم يصلح للإنجليز لأنهم دأبوا على ممارسته عبر تاريخ طويل، لكن
المغاربة دأبوا على اعتبار أن الملك يسود ويحكم وله السلطة الأولى عبر
تاريخ طويل كذلك.ورغم ذلك كان الحسن الثاني منفتحا على أسلوب التغيير محدود المدى
والمشروط، إذ الملاحَظ في التعديلات الدستورية التي أجراها على الدساتير
أنها كانت تَنتقِص كل مرة وبالتدرُّج من سلطات المؤسسة الملكية لفائدة
السلطات التشريعية والتنفيذية من دون أن تنتقص من دور الملك التاريخي.
فالملك كان يتابع التطور الذي عرفه رأيه العام الداخلي بحرص وعناية، مثلما
كان يتابع ما يجري من تطورات على الساحة السياسية الخارجية، وكان يعرف أن
المستقبل للديمقراطية والحكم يكون فيه الملك ملتحما مع الشعب في مشاركة
الحكم ولكن يؤدِّي هو في هذا النظام دور القائد الرائد أو رُبَّـان
السفينة.كان له اليقين بأن نظامه (وحتى طريقته في الحكم) مقبول من غالبية الشعب،
وأن حب الملكية وحبه هو شخصيا شعور متأصل في قلوب المغاربة جميعا لدرجة
أنه قال مرة لنا: «لو افترضنا أن هذه البلاد أرادت أن تتحول إلى جمهورية
وتقدمتُ إلى الانتخابات لمنصب رئيس الجمهورية لفزتُ بالأغلبية». أقول هذا
وأنا أعلم من جهة أخرى أنه لم يكن يقبل أن يقع المساس بالملكية أو بحرمتها
أو النيل منها لا بالتصريح ولا بالتلويح. والدستور ـ كما هو معلوم ـ يمنع
ذلك ويحرِّمه مثلما يُحرِّم الدستور الفرنسي أن يقع المساس بالنظام
الجمهوري بأي شكل من الأشكال.* يقال إن الأحداث الدموية التي تزامنت مع الإضراب العام الذي عرفه المغرب
في ديسمبر (كانون الاول) 1990 أجهضت التغييرات التي كان يعتزم الملك
القيام بها. فهل تعتقد أن تلك الأحداث كانت مصطَنَعة ومفتَعَلة للدفع
بالملك إلى العدول عن القيام بالتغييرات المرتقَبة؟ ـ لا أستطيع أن أجيب
على هذا السؤال بدقة ونزاهة وموضوعية لأن ذلك يتطلب مني الاطلاع على ما
ورائيات الأحداث. ولكن الذي أعلمه من سلوك الرجل الذي عاشرته أنه كان لا
يقبل أن يعمل أو يبدع أو يغير تحت ضغط الأحداث، بل كان يحب أن يعطي هو من
ذاته لشعبه ما يريد. ولم يسبق له أن أعطى شيئا تحت إجبار أو ضغط الظروف أو
تحت هيجان المظاهرات أو ضغط المعارضة. وبقي متقيدا بهذا السلوك ولا أعلم
أنه حاد عنه.كان الملك إذا قرر أن يسند إلى أحد منصبا ما ونشرت الصحف الخبر يرجع عن
قراره في الحين حتى لا يقال عنه إنه استوحى قراره من الصحافة وكم كان يلذ
له أن يسبك في تعابير إبداعية صورا بلاغية جَمالية منها ما كان يردده:
«أنا لا يعجبني أن يُفرَض عليَّ أكل طعام واحد يقدَّم إليَّ على قائمة
واحدة menu بل أحب أن تُقدَّم إليَّ لوائح الطعام بأشكال متنوعة لأنتقي
منها ما أرغب في تناوله ويلذ لي». لم يكن يحب أن يحبس نفسه في خيار واحد،
بل كان يتيح الفرصة لتعدد الخيارات لينتقي أحسنها وأليقها مما يتلاءم مع
الظروف ويرضى عنه هو.وأعتقد أن أحزاب المعارضة لم تكن تعرف طبيعته هذه، ولو كانت عرفتها لتقربت
إليه وأدركت منه أكثر مما كانت تريد. وقد فهمت المعارضة ذلك مؤخرا مما
ساعد على قيام حكومة التناوب برئاسة عبد الرحمن اليوسفي.كان الحسن الثاني يرفض الضغط ويقاومه ويعطي الكثير ويُجزِل العطاء تلقائيا
إذا أحسن مخاطِـبُه التوجُّهَ إليه بلطف ولباقة. وكثيرا ما أعطى الملك
الحسن الثاني قبل أن يأخذ إذا ما وثق في مخاطَـبه واطمأن إلى صدقه
وإخلاصه. وكم زرع في أرض غير مُنبتة .






















* هل سبق للملك أن اعتزم تعيينك في منصب ونشر خبر ذلك في الصحف وتراجع عن التعيين؟ـ أنت دائما تسألني في هذه الحوارات وأنا الذي أجيب. دعني أن أكون السائل
وأنت المجيب هذه المرة: «لماذا وضعتَ علي هذا السؤال بهذا الضبط؟ هل عندك
معلومات عن هذا الموضوع وترغب في معرفة الحقيقة؟ * موجب هذا السؤال هو ما تردد في بعض الأوساط من أنه حصل ذلك بينك وبين
الملك الحسن الثاني وأنه كان يعتزم تسميتك وزيرا أول وغير رأيه بعد أن
تسرَّب الخبر إلى بعض الصحف وأعلنته.ـ نعم وقع هذا مرتين إلا أنه لم يصارحني بالموضوع وإنما أسرَّ به ـ في ما
علمت ـ إلى بعض خاصته وغيّر رأيه بعدما نشرت مرة جريدة «الأسبوع الصحافي»
المغربية الخبر، ثم غير رأيه مرة ثانية عندما نشرته في فترة لاحقة جريدة
«الشرق الأوسط».






















* هل مرت الأمور في الحالتين بكيفية عادية أم كانت وراء تغيير الملك رأيه دسيسة من بعض خصومك السياسيين؟ـ في المرة الأولى لاحظت أن الملك أصبح يتعامل معي بفتور بمجرد ما نشرت
جريدة «الأسبوع الصحافي» الخبر وورد عليَّ من أخبرني أن وزير الداخلية
السابق إدريس البصري حمل إلى جلالة الملك عدد الأسبوع الصحافي الذي نُشِر
فيه خبر قرب اختياري وزيرا أول. ومع العدد حمل إليه البصري صورة شمسية
لقرار تعييني لمصطفى العلوي (مدير الأسبوع) ملحقا صحافيا بديواني عندما
كنت وزير الدولة في الإعلام، ليلفت نظره إلى أني وراء نشر الخبر بحكم
الصلة التي بيني وبين العلوي. والتزمت الصمت ولم أقم بأية مبادرة لدى
جلالة الملك للتوضيح وكابدت نفسي وأرجعت ما وقع إلى ما يُعرف في العالم
كله بدسائس القصور. وتعنى تاريخيا قيام بعض المقرَّبين إلى القصور بالدس
لدى الملوك بخصومهم ومنافسيهم.






















وكفتني الأيام مؤونة التصحيح والتوضيح، فلم يستمر فتور جلالة الملك إلا شهرا وعادت علاقتي بجلالته إلى صفائها.لكن تكرر الأمر مرة ثانية عندما كان المغرب سيدخل في عهد تغييرات جذرية
يصبح فيها الوزير الأول يلعب دوره الدستوري ويواجه المعارضة في البرلمان.
فذكر الملك لبعض خاصته ـ وكان إدريس البصري من بينهم ـ أنه يفكر في تعييني
وزيرا أول، وسُرِّب الخبر هذه المرة إلى جريدة «الشرق الأوسط». وعندما
فوجئت بنشر الخبر قلت في نفسي: سيعيد البصري سيرته الأولى وسيقول للملك
إني وراء نشر الخبر لما لي من صلات بـ«الشرق الأوسط» التي أكتب فيها لعدة
سنوات.وكان جلالة الملك مقيما بإفران، وقبل توجهه إليها طلب أن لا يلتحق به أي
واحد من المستشارين ليُخْلِد بضعة أيام للراحة. فأخذت العدد معي ووصلت إلى
إفران فاستغرب جلالته حضوري وسألني: «هل جئت تحمل معك أمرا مهما تقطع به
فترة راحتي واستجمامي؟». فقلت له: «هو أمر مهم لكن ليس فيه ما يعكر صفو
راحة جلالتكم» ولأول مرة تركني جلالته أفهم أني نزلت عليه ضيفا ثقيلا إذ
جئته بدون سابق استئذان فقال: «سأرى معك ما جئت من أجله. ولكن ستبقى معي
بإفران حتى أجد لك وقتا».تفهمت وضع جلالته واعتزمت البقاء في ضيافته بإفران إلى أن يأذن لي
بمشافهته. وبينما أنا جالس مع خاصة جلالة الملك بالقصر في نفس يوم وصولي
في انتظار عودة جلالته إلينا وقبل أن تمر ساعة على حديثنا عن «الأمر
المهم» جاء عون من أعوان جلالته مبعوثا منه إليَّ: «سيدنا نصره الله
ينتظرك في القاعة المجاورة».بادرني جلالة الملك يقوله: «أعلم أنك لا تُطْلِق الكلام على عواهنه، وأنك
تتصرف معي بكامل اللياقة. إنني لم أستطع الانتظار لأطَّلع على هذا الأمر
الهام الذي تحركتَ من أجله من الرباط إلى إفران وأنا في فترة الاستجمام.
فماذا عندك؟» ودار بيننا الحوار الذي كنت سجلته على ورقة واحتفظت به وها
أنا أعلنه للمرة الأولى، وابتدأ بسؤالي لجلالته:






















س ـ هل تعرف جلالتكم أني أعرفكم كامل المعرفة؟






















ج ـ بطبيعة الحال فالعلاقة بيننا امتدت طويلا لتجعل كلاً منا يعرف الآخر.






















س ـ جلالتكم قلتم عني مرارا إنني ذكي. فهل ما تزالون تصفونني بهذا الوصف؟






















ج ـ لا أشك في ذلك لحظة.س ـ أنا أعلم أن من عادة جلالتكم إذا ما نشرت صحيفةٌ خبرَ قرار تتخذونه
لتعيين شخص ما في منصب ما فإن جلالتكم تغير قرارها حتى لا تعمل بما جاء في
الصحف وما روَّجه الإعلام.






















ج ـ أفعل ذلك. لكن لماذا هذه الأسئلة؟وهنا أخرجت عدد «الشرق الأوسط» الذي تضمن الخبر. وعلقت هكذا: «الذين
سرَّبوا الخبر في ما مضى إلى جريدة «الأسبوع الصحافي» هم ولا شك وراء هذا
التسريب الثاني إلى «الشرق الأوسط»، لأنهم لا يريدون أن أكون وزيركم الأول
وسرَّبوا الخبر لتعدلوا عن قراركم. وعلى ذلك فلا يعقل ان اكون انا وراء
فضح قرار جلالتكم للصحف».وقد بدا على جلالة الملك أنه اقتنع بما أقول ولكنه قال: «أهذا هو الأمر
الهام الذي قدمت عليَّ من أجله؟». فقلت: «الأمر الهام هو ما وراء الحدث.
إني أريد أن تتأكد جلالتكم من أني لا أطمع في تسلُّم أي منصب حكومي كيفما
كان ومهما علا قدره بعد أن وصلت أعلى درجات المسؤولية بفضل جلالتكم. وماذا
يزيدني أن أكون الوزير الأول وأنا الآن مستشار جلالتكم وهو منصب أعتبره
أسمى وأخطر؟ وقد يطمع غيري في اقتعاد قمة الوزراء ليستفيد ويحقق لنفسه
الاستغناء غير المشروع وليخوض في صفقات مالية يكسب بها مالا حراما. وأنا
اشتغلت مع جلالتكم وبجانبكم في عدة قطاعات للحكم فهل علمتم عني أنه كان لي
هذا التوجه في أية وزارة أو منصب مررت به؟ وأرجوكم أن تواجهوني في هذا
الموضوع بصراحتكم المعهودة، فقال جلالته متلطفا بَشوشا: «أنا أعلم الناس
بك ولا أحد يقول عنك هذا».فقلت لجلالته وقد غالبتني الدموع: «إني سأشافهكم بهواجس نفسي في هذه
اللحظة التاريخية التي أنفرد بكم فيها وأنا في حالة انفعال. إني لست طامعا
ولا متطلعا إلى أي منصب مهما علا شأنه أو سمت رتبتُه. وسِيّان عندي أن
أكون بجانبكم أو أكون قابعا ببيتي بعيدا عن دسائس المفسدين». وانطلقت لوضع
السؤال مرة أخرى: «هل أعطتني جلالتكم امتيازات وترخيصات أستفيد منها كما
فعل غيري في مجال الصيد البحري، أو النقل العمومي، أو الملكيات العمومية،
أو المزارع الفلاحية المسترجَعة، أو رخصة اقتلاع الرمال؟ فقاطعني جلالته:
«لم تطلب مني قط شيئا من ذلك» فقلت: «لأني لا أريد شيئا من ذلك. وما آخذه
بفضل جلالتكم من مرتَّب يكفيني ويُغنيني» ثم اغتنمت الفرصة لأنبهه إلى
خطورة أعمال بعض المقربين إليه ممن يسعون إليه بالوشاية لإفساد علاقته
بالمخلصين لشخصه. ورفع جلالته الجلسة ورجعنا لتناول طعام الغداء.
فاستأذنته في العودة إلى الرباط فاستبقاني للحضور في العَشاء مع خاصته
وقضاء الليلة بإفران.في المساء كان عدد من أعضاء الحاشية حاضرين في العَشاء. وأذكر من بينهم
عبد الوهاب بنمنصور (مؤرخ المملكة)، والمنصوري بنعلي (مكلف مهمة في
الديوان الملكي)، وعبد الكريم الحلو (صديق مقرب إلى جلالته)، والحاجب
الملكي إبراهيم فْرَجْ وآخرين، لكن أقتصـر على ذكـر هؤلاء الأربعة
ليشهـدوا ـ شهادة أربعة عدول ـ بأن ما سأقصه عليك صدق وواقع، لأنهم شهدوه
وسمعوه وهم جميعا أحياء أمد الله في عمرهم.خرج علينا جلالة الملك بلباس خفيف كعادته في فترات الاستجمام فوقفنا
للسلام عليه. وقبل أن يأخذ مقعده سارع يقول: «سأحكي لكم ما قاله لي اليوم
عبد الهادي بوطالب: قال عن نفسه إنه أصبح زاهدا وإنه يتساوى عنده في درجة
واحدة أن يكون بجانبي أو قاعدا ببيته، وأنه لم يعد راغبا في منصب كيفما
كان. ولكنه قال لي أيضا إنه لم يطلب مني أن أعطيه امتيازات أو ترخيصات
يستفيد منـها وهـذا كله صـحـيح. لكنني أقسـم الآن أمامـكم جميعا ـ وأنتم
عليَّ شهود ـ أن أعطيه ما يشاء إذا طلب ذلك مني في هذه اللحظة ولو كلَّفني
ذلك ما كلف». وكـرر جلالـته مرتـين القسـم. فأخـذ بـعض الحاضرين ـ
وأغلبيتهم كانت من أحبَّائي ـ يُهيبون بي أن أجهر بطلباتي لجلالة الملك.
وبعضهم قال لي والملك يسمع: «هذه فرصة ثمينة أتاحها لك سيدنا نصره الله
فلا تضيعها».ولم أجدْني قط مُحْرَجا كما كنت في تلك اللحظة. وبعد أن ساد الصمت قليلا
قلت لجلالة الملك: «إن لي طلبا واحدا هو رضاك عليَّ». فكان رد الملك سريعا
وقال: «هذه شقشقة الفقهاء ، ... أنت لا تطلب إلا رضاي عليك ...غريب ، لننه
هذا الموضوع».






















* في 2 أغسطس (آب) 1990 غزا العراق الكويت. فكيف تقبل الملك الحسن الثاني الغزو؟ـ كنت ما أزال المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة
عندما عقد الملك باستعجال مجلسا وزاريا يوم الغزو. وقيل لي إن الملك في
هذه الجلسة كان مهتما بالحدث العربي الكبير وقلِقا ومُشْفقا من تطوراته.
وكان يرى في غزو العراق للكويت بداية زعزعة النظم العربية. وصدر بيان صريح
من مجلس الوزراء المغربي يحدد موقف المغرب من الغزو العراقي ويسْتنْكره.
اختار الملك من بين مستشاريه أحمد بن سودة ليذهب مبعوثا منه إلى السعودية،
حيث تناقلت الأخبار أن أمير الكويت وأعضاء حكومته وصلوا إلى السعودية.
وبلَّغ ابن سودة أمير الكويت أن الملك الحسن الثاني يدعوه لضيافته هو
ووزراؤه وأعوانه بالمغرب ـ بدون أن يحدد عددا ـ إلى أن تنتهي الأزمة.هذا مع العلم أن الملك الحسن الثاني كان عاب مرة على الكويت بخلها حينما
كان المغرب في حاجة إلى مساعدة البلد الشقيق. ففي مؤتمر صحافي كان الملك
أشار إلى هذا، ولكنه أثناء محنة الكويت ارتقى إلى مستوى الملك الشهم ولم
يَشُدَّ نفسه مدى عمره إلى مرحلة يمكن أن تكون فيها للكويت مبرِّرات
وأعذار.والمعروف أن الملك تدخل لدى العراق والكويت ليُصفِّي ما بينهما من خلافات.
وفي هذا السياق لعب شخصي المتواضع دورا كبيرا، إذ ترددت زياراتي للبلدين
عدة مرات لا أحصيها، بصفتي مستشارا لجلالة الملك ومبعوثا خاصا وذلك بعد
نهاية الحرب. واحتضنتُ مدة تزيد على ستة أشهر ملف الأسرى الكويتيين الذين
قالت عنهم الكويت إنهم موجودون في العراق وتريد أن تعلم مصيرهم. وأذكر
أنني في إحدى رحلاتي إلى المنطقة توقفت مرة في عَمَّان واستضافني الملك
حسين رحمه الله لأول مرة في قصره ولم يَدَعْني أقيم في فندق. ووضع رهن
إشارتي طائرة من نوع «هرقل س 130» التي حملتني إلى نقطة الحدود الأردنية ـ
العراقية. ومنها استقبلني العراقيون وتوجهت معهم برا على متن السيارات إلى
بغداد. واستُقْبِلت في اليوم التالي من طرف الرئيس صدام حسين، وكان مقيما
في تكريت. ففتحت معه الحديث عن أسرى الكويت وقلت له إن عدد الأسرى في
العراق يتجاوز ـ حسب قول الكويت ـ بقليل 900 أسير. فنفى الرئيس العراقي
وجود أي أسير كويتي لديه. وقال إن سجونه مفتوحة لمن أراد معرفة الحقيقة.وذهبت مرة أخرى إلى الكويت وأخبرني الوزير الشيخ سالم الصباح المكلف ملف
الأسرى أنه «تم إحصاء عدد الأسرى الكويتيين الموجودين بالعراق وأنهم
يتجاوزون 900 أسير ووُضع لهم ملف كامل هو بين يدي الصليب الأحمر الدولي.
وسلمني الملف كاملا وكان نظيرَ الملف الذي سلمته الكويت إلى المنظمة
الدولية وحملته معي إلى بغداد. والتقيت الرئيس صدام وتركت الملف بين يديه
ووعد بإعطاء المغرب جوابا عليه في أقرب الآجال. وبعد مدة جاء السفير
الكويتي بالمغرب إلى مكتبي بالديوان الملكي وقال إنه طرأ جديد بشأن ملف
الأسرى وأن العراق أخذ يعترف بوجود بعضهم لديه. وبناء على ذلك بعثني جلالة
الملك إلى الكويت للاستماع إلى ما عند الكويت وبعده إلى العراق لمعرفة
واقع الأمر.قابلت بالكويت أمير دولة الكويت وأصدقائي الوزراء وكبار المسؤولين الذين
قالوا: «إن الجديد في موضوع الأسرى هو اعتراف العراق بوجود 120 أسيرا
لديه، وأنه يتابع البحث عن الباقي، وأن هذا الاعتراف أبلغه إلى منظمة
الصليب الأحمر الدولي السفير العراقي بالخارجية رياض القيسي».ومن الكويت اتجهت لبغداد وقابلت الرئيس صدام حسين الذي قال لي بعد أن نقلت
له ما قيل لي في الكويت: «إن الملفات التي كنتم حملتموها إلينا من الكويت
ـ كما حملها إلينا الصليب الأحمر الدولي ـ أخذنا ندرسها الواحد تلو الآخر،
ووصلنا إلى دراسة ما يزيد على 120 حالة». وأضاف: «لم يعترف السفير القيسي
بوجود أي واحد من الأسرى لدينا، وإنما أبْلَغْنا منظمة الصليب الأحمر أننا
بصدد دراسة جميع الملفات، وقدمنا لها رقم 120 على أنه رقم الملفات التي تم
درسها».وأذكر أنني في زياراتي لبغداد كنت أقيم في دار الضيافة التي يقيم بها كبار
المدعُوِّين، فأقيمت لي بها مأدبة عشاء على شرفي حضرها الوزراء. وكان
مرافقي في رحلتي مرة هو نائب رئيس الحكومة طارق عزيز الذي أبلغني أن
الرئيس سيستقبلني في نفس الليلة. وانتظرت ساهرا حتى الساعة الواحدة صباحا،
فأُبلِغت أن الموعد تأجل إلى صباح الغد، حيث جاءني طارق عزيز وركبنا سيارة
في اتجاه القصر. وعند مدخل القصر أقيمت حـواجز صـخرية فتركنا سيارتنا في
الخارج ومشينا بضع خطوات إلى القصر على الأقدام. وبعد ساعة من الانتظار
جاءنا أحد الأعوان وسألني: «هل رسالة الملك للرئيس خطية أم شفوية؟» وكانت
من نوع الرسائل المكتوبة الممضاة من جلالة الملك والمختومة منه بالطابع
الصغير وتقول: «يفد عليكم مستشارنا السيد عبد الهادي بوطالب ليتابع معكم
موضوع ملفات الأسرى الكويتيين. وأرجو أن تستقبلوه ... إلى آخره (إمضاء:
الحسن الثاني ملك المغرب). فأخذ ذلك العون الرسالة مني بعدما سألتُ الوزير
طارق عزيز هل لا بد من تسليمها؟».وبعد نصف ساعة من الزمن أرجع الشخصُ نفسُه الرسالة إلـيَّ وهي مغلقة لم
تفتح ليقول لي: «أعيد لمعاليكم الرسالة لتسلموها أنتم إلى السيد الرئيس».
سألت الوزير طارق عزيز عن سبب ذلك؟ فقال: «الأصول تقتضي أن تمر الرسائل في
آلة استكشاف للتأكد من أنها لا تحمل مفرقعات أو أي شيء من هذا القبيل.
وهذه عادة متبعة للاحتياط».






















* وماذا عن الموعد مع الرئيس صدام؟ـ بعد نصف ساعة نودي علينا لنركب السيارة من جديد وقيل لنا إننا سنذهب من
قصر رئيس الجمهورية في بغداد إلى لقائه حيث يوجد. وعندما لاحظت أن السيارة
قطعت بنا مسافة طويلة وأن عَدَّادها يشير إلى أكثر من 100 كيلومتر قلت
لطارق عزيز: لقد قطعنا مسافة شاسعة فكان جوابه: «نعم لم يبق أمامنا سوى
حوالي 30 كيلومترا».كان مقر إقامة الرئيس يقع في مكان معزول ليس بجواره مبنى ولا سكن. ولما
دخلنا القصر وجدنا الرئيس صدام في انتظارنا واستقبلني كعادته بالأعناق
والقُبَل.لم أتوصل مع الرئيس العراقي إلى أية نتيجة بخصوص ملف الأسرى الكويتيين
لأنه ظل متشبثا بأنه لا يوجد أسير واحد من بين الأسرى الذين ذُكروا في ملف
الكويت. وبعد انتهاء لقائي معه اسْتَفْسَرني عن برنامجي. فقلت له: «أنا
مغادر الآن والطيارة التي وضعها جلالة الملك حسين رهن إشارتي ما زالت
تنتظرني عند الحدود الأردنية العراقية». فقال لي: «الطريق إلى الحدود
بعيد. سأضع رهن إشارتكم طائرتي المروحية الخاصة». قبلت الفكرة بسرعة شاكرا
بينما كان يجب عليَّ أن أفكر ألف مرة ومرة قبل أن أقبل عرض الرئيس:
الطيران العراقي مراقب ومرصود تحركه من لدن أعداء العراق. لكنني وجدت نفسي
على متن طائرة (مروحية) الرئيس صدام التي تتوفر على جميع مؤَمِّنات الراحة
من صالون وسرير ومقاعد وثيرة. ورافقني في الرحلة ضابطان عراقيان.وما كدنا نصل إلى المطار العراقي قرب الحدود حتى سمعت قائد الطائرة يقول
للضابطين: «هذا المطار مغلق منذ زمان ولا يمكننا أن ننزل فيه» وأردفه
الضابط الثاني وقال نحن مضطرون إلى العودة إلى بغداد. فكان أول سؤال خطر
ببالي وطرحته عليه: «هل في الطائرة بنزين كاف للعودة؟». فقيل لي: «كل شيء
متوفر فاطمئنوا». ورجعنا إلى بغداد ومنها توجهت إلى الحدود العراقية ـ
الأردنية على متن سيارة مخفورة من رجال الأمن العراقي.وعندما رجعت إلى المغرب رويت للملك الحسن الثاني ما حدث لي في رحلتي
الأخيرة، فقال لي: «العراق هذا سيقتلك. لن أبعثك بعد الآن في مهمة إلى
العراق أو الكويت. فكفى ما عانيتَ في هذه المهمة». كان ذلك تلطفا من
جلالته. وكانت هذه آخر مرة بعثني فيها للبلدين. وأضاف يقول: «إنك لا شك
كنت تتـصَوّر ـ وأنت على متن الطيارة ـ ماذا كان سيحيق بك لو تعرضت طائرة
الرئيس للقصف. إنها صيد ثمين».* في عام 1992 أصبحتَ من جديد مستشارا للعاهل المغربي، وغادرتَ منظمة
الإيسيسكو. وكنت قد أخبرتَني من قبلُ أن الملك طلب منك أثناء مرافقتك له
إلى ليبيا ـ وأنتما على ظهر الباخرة ـ عدم ترشيح نفسك لرئاسة المنظمة وأنه
يحتاجك مستشارا لجلالته. فما هي أبرز ملامح هذه الفترة؟ ـ كنت قد صح مني
العزم على عدم تجديد ولايتي للمرة الرابعة على رأس الإيسيسكو، إيمانا مني
بضرورة تغير القيادات، إضافة إلى أنني استخلصت من تجربتي على رأسها أزيد
من سنوات أني عاجز عن أن أجعل منها «اليونيسكو الإسلامية» كما كنت أتمنى
لها. وكان تأكد لي من تجربتي أن الإيسيسكو لا تستطيع أن تقفز هذه القفزة
لأن الدول الأعضاء لم تكن على استعداد لرفع حجم ميزانيتها أو إعطائها
الوسائل اللازمة لعملها. وظهرت أيضا مشكلة طارئة هي أن المنظمة العالمية
الأخرى (اليونيسكو) أصبحت بدورها تشكو من الأزمات المالية، نتيجة تخلف
الكثير من الدول عن دفع واجب انخراطها. وعندما كنت أشكو لبعض وزراء الدول
الإسلامية من المعاناة المادية كان بعض الوزراء يقولون لي: «هذه مشكلة
عامة تعاني منها جميع المنظمات الدولية».وقد قال لي مرة أحد الوزراء العرب في دولة بترولية: «إن ما تطمحون إليه من
جعل المنظمة في مستوى اليونيسكو لم يكن واردا عند أية دولة عند تأسيس
المنظمة. لقد قيل لنا إننا سنساعد قليلا بتأسيس هذه المنظمة إخواننا
«الغَلاَبَى» (هكذا) أي الفقراء من أفارقة وآسيويين. ورصدنا واجب انخراطنا
فيها في موازنتنا كل سنة طبقا لذلك. ولا نستطيع أن نعطي أكثر». فكان
جوابي: «ألا تفكرون معالي الوزير في أن تعطوا هؤلاء «الغَلاَبى» من
زكواتكم فهي والحمد لله كثيرة؟».ولذلك عندما سألني الملك: «ألا تريد العودة إلى دارك. دار المخزن؟» أجبت
بالقبول. ومن هناك ابتدأت السلسلة الثالثة والأخيرة لعملي كمستشار للملك
الراحل.


























_________________
الخفافيش تخاف نور الشمس !!
****************
لا يجب أن تقول كل ما تعرف ولكن يجب أن تعرف كل ما تقول

بديعة
مشرف (ة)
مشرف (ة)

انثى عدد الرسائل : 6075
العمر : 30
Localisation : الدارالبيضاء
Emploi : موظفة
تاريخ التسجيل : 03/04/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

18-أبلغت إدريس البصري أنني لا أضرب خصومي ضربات متسترة وحينما أعزم على مواجهته فسأصوب له ضربة مباشرة في غير تستر

مُساهمة من طرف بديعة في الجمعة 9 أكتوبر 2009 - 15:56

في هذه الحلقة
يتحدث عبد الهادي بوطالب عن مستشاري الملك الحسن الثاني (كديرة، السلاوي،
بن سودة، ازولاي) وطبيعة علاقته معهم وتقييمه لهم. كما يتناول بالحديث
الظروف التي أدت إلى انتهاء مهامه في الديوان الملكي كمستشار للملك الراحل.
ويتحدث بوطالب ايضا عن تجربته بعد خروجه من القصر الملكي ووقع خبر وفاة الملك الحسن الثاني عليه.
* ما هي أهم المهام التي كلفك بها الملك الحسن الثاني إضافة إلى مسألة التوفيق بين العراق والكويت؟ـ عندما أصبحت مستشارا للملك للمرة الثالثة كان حامد الغابد هو الأمين
العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي وكان في نهاية ولايته. وهو افريقي من دولة
النيجر ورئيس حكومتها الأسبق. وفي هذه الأثناء أبلغ عبد اللطيف الفيلالي
الوزيرُ الأول ووزيرُ خارجية المغرب الملك الحسن الثاني بوجود اتجاه في
أوساط منظمة المؤتمر الإسلامي لاختيار مغربي لشغل منصب الأمين العام عند
نهاية ولاية الغابد، وأن اسم عبد الهادي بوطالب يُذكر، بل أكثر من هذا ـ
يقول الفيلالي ـ: «اتصل بي الأخضر الإبراهيمي وزير خارجية الجزائر وقال لي
إذا كنتم سترشحون «بوطالب» فالجزائر تؤيد ترشيحه».نادى عليَّ الملك الحسن وقال لي بمحضر عبد اللطيف الفيلالي: «لن أستغني
عنك بجانبي حيث أنت». وأصدر تعليماته لعبد اللطيف الفيلالي ليبلغ المنظمة
أن المغرب سيرشح شخصية أخرى لمنصب الأمين العام.وبعد مدة خاطبني جلالته قائلا: «علينا أن نرشح أحدا إلى منصب الأمين العام
لمنظمة المؤتمر الإسلامي فمن تراه مؤَهَّلا لذلك؟». فكرت ثم اقترحت عليه
اسم الدكتور عز الدين العراقي وزير التربية الأسبق والوزير الأول الأسبق
لما أعرفه فيه من مؤهلات ثقافية وخلقية ولأنه مزدوج الثقافتين. يتقن
العربية ارتجالا وكتابة مثل إتقانه اللغة الفرنسية. وكان الدكتور العراقي
تَتَلْمَذ عليَّ وأنا ما أزال دون العشرين من عمري في مدرسة أستاذنا
المشترك الفقيه محمد بن عبد الله بفاس.وبعد أن أصبح الملك الحسن الثاني رئيسا للقمة الإسلامية طمحت إلى أن تكون
السنوات الثلاث التي سيمضيها جلالته على رأس منظمة المؤتمر الإسلامي حافلة
بالعطاء. فأخبرته بذلك واستأذنته في أن أحدث بجانبي خلية تفكير وعمل، وأن
أتقدم إليه بمشروع خطة تمكِّنه من الإشراف على شؤون المنظمة بفعالية. اتفق
الملك معي على تركيب هذه الخلية من عبد الكبير العلوي المدغري وزير
الأوقاف والشؤون الإسلامية بحكم الصفة، ومن مندوب عن وزارة الخارجية، ومن
الجنرال عبد الحق القادري مدير مكتب الدراسات والمستندات، ومنير العلوي
الذي كان يعمل بجانبي مكلفا بمهمة في الديوان الملكي وما يزال إلى اليوم
يمارس عمله. وقد عملت مع الأمين العام على أن تصبح المنظمة في عهد رئاسة
الملك للقمة الإسلامية تقوم بمبادرات جديدة وبأساليب تساعد على تطورها.
ومن ذلك النظر في إمكانية إحداث مكتب دائم للأمانة العامة (أو فرع) في
الدار البيضاء على غرار مكاتب منظمة الأمم المتحدة في نيويورك وجنيف.
ومشينا سَويّا خطوات على تطبيق المخطط الذي أعددناه لجعل سنوات رئاسة
القمة من لدن الملك الحسن الثاني سنوات متميزة.* هل نفهم من ذلك أن الأسباب التي بموجبها كنتم طلبتم في وقت سابق ترك
المستشارية وعينكم الملك وزيرا للدولة للإعلام لم تعد قائمة في تلك
المرحلة بحكم الاختصاصات الكثيرة التي أخذتم تمارسونها؟ـ نعم. لم تبق الأمور كما كانت. المستشار رضا كديرة أُعطي له مقامه كأحد
المستشارين. ولم يكن بيني وبينه أي خلاف. كان كل منا يعمل في نطاق ما اختص
به أو ما أسنده إليه الملك من اختصاصات.* هل تم توزيع الاختصاصات هذه المرة من طرف الملك أم باتفاق في ما بينكم
مثل المرة السابقة؟ ـ التخصصات تم تحديدها من قِبَل الملك نفسه. وفي هذه
الفترة كان كديرة يحس بالمرض ثم انتقل للعلاج خارج المغرب إلى أن وافاه
الأجل رحمه الله.* أود معرفة تقييمك لزملائك المستشارين، وطبيعة علاقتك معهم؟ ـ كانت
العلاقات بين المستشارين عندما أنشأ الملك الحسن الثاني بجانبه هذه
الوظيفة يسودها الانسجام. وعلاقة رضا كديرة مع زملائه مرت بمرحلة تشَوُّفه
إلى الاستفراد بوظيفة المستشار أو تبوّئه أعلى رتبة بين المستشارين، إلى
مرحلة قبوله العمل كواحد منهم. وقبل وفاته تغير تعامله مع زملائه بل تغير
طبعه فأصبح بشوشا متعاطفا مع الجميع. كان كديرة ذا ثقافة قانونية أغناها
عمله محاميا بالرباط. وكان تحرُّرِي الاتجاه ومؤمنا بالشفافية وصريحا
مجاهرا بموقفه. كان يصارح الملك بما يراه الصواب لكن علاقته بالملك
اعتراها بعض الفتور في السنوات الأخيرة من عمره.
* وماذا عن إدريس السلاوي؟ـ إدريس السلاوي كان رجل الثقة الكبرى لدى الملك الحسن الثاني الذي كان
يعطف عليه عطفا كبيرا. لكن السلاوي كان دائم الصمت. وكان يقول إنه يفضل أن
يتكلم مع الملك رأسا لرأس. لا أعلم أنه اتخذ أي موقف متعارض مع توجهات
الملك أو جاهر بنصيحة أو تقدم بمشورة فيها إحراج للملك. هذا على الأقل ما
كنا نلاحظه عندما يكون بحضرة الملك. لكن لا أعلم كيف كانت تجري الأمور
بينه وبين الملك عندما يخلو إليه على انفراد.لم يكن السلاوي اجتماعيا بل كان منكفئا على نفسه حتى لكأنه قُفل مغلق. لم
يكن له صديق ولكن كان يمر بفترات يكون فيها بشوشا ولطيفا مهذبا وتنتابه
أحيانا أزمات ينفجر فيها على من يعملون معه فيعاملهم بشدة.
* وأحمد بن سودة؟ـ انخرط مبكرا في الكفاح الوطني من أجل الاستقلال وعرف السجن والمنفى في
بداية شبابه. وكان مكتبه في الديوان الملكي مفتوحا في وجه الوافدين عليه
لعرض تظلماتهم وسماع شكاواهم. تأثر بن سودة بالتوجه الديني منذ صباه وكان
يصرف وقتا كبيرا للعمل على إنصاف من يلجأون إلى حمى القصر ويتابع بنفسه مع
مختلف الإدارات طلباتهم. اشتغل كثيرا في العلاقات العربية ـ المغربية.
وكان له اتصال وثيق استمر طويلا بالرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لدرجة أنه
أقام في بيته غرفة خاصة كان يستضيف فيها الرئيس عرفات كلما جاء إلى
الرباط. واشتغل مع الفلسطينيين منذ أن كان سفيرا في لبنان وخلال عمله
مديرا للديوان الملكي ثم مستشارا.
* لقد أضيف إلى المستشارين الأربعة مستشار آخر هو السيد أندريه أزولاي. فما حقيقة ما قيل إن علاقتك به لم تكن على ما يرام؟ـ لم تقع بيني وبينه أية مشادَّة ولا دخلنا قط في خصومة. ولم تمر علاقتنا
بخلاف أو قطيعة لأن كل واحد منا كان له عمله الخاص. كنا نعمل كزميلين يسود
الاحترام المتبادَل علاقتنا من بعيد، لكن «دسائس القصور» كانت تُبلِّغ
جلالة الملك أن بيننا علاقة تشاكس وخصام، وأنني لم أقبل أن يكون يهودي بين
مستشاريه. وقد صارحني الملك مرة بأنه بلغ إلى علمه ذلك. وكان جوابي:
«الذين بلغوك ذلك يا جلالة الملك كذبوا عليك. ويمكنكم أن تسألوا السيد
أزولاي لتتأكدوا أنه لم يقع بيننا أي نزاع». وأضفت قائلا: «لست متصلا به
اتصال الصديق ولكني أعامله معاملة الزميل. واختيار مستشاركم أو وزيركم هو
ضمن اختصاصاتكم ولا أتطاول عليها فأناهض أو أعادي من يتمتع بثقتكم». وفي
هذا الصدد أود أن أوضح أنني لست معاديا لليهود، لأني مسلم منفتح على
الديانات الأخرى وأؤمن بتعايش الإسلام مع اليهودية، وأؤمن أكثر بوحدة
المواطنة المغربية بدون تمييز بين دين وآخر. واليهودي المغربي الذي ينتمي
بالولاء إلى ملكه وبلاده ويخدم بلاده بأمانة وصدق أعتبره مواطنا ووطنيا.
وإذا أخلص لبلاده ولم يلعب على الحبلين بين المغرب وإسرائيل أضيف إلى
أوصافه نعت المخلص.* فوجئت أوساط الديوان الملكي بترككم بَغْتةً مهامكم كمستشار للملك في صيف
سنة 1996 ولم تعودوا إلى مكتبكم ولم تودّعوا زملاءكم ولم يصدر بيان من
القصر الملكي عن سبب مغادرتكم. وشاع الخبر وتضاربت بشأنه التأويلات. ولحد
الآن لم تتحدثوا عن أسباب مغادرتكم وظيفة مهمتكم السامية. ألا ترون أنه آن
الأوان لتقولوا كلمة في الموضوع؟ـ مَهَّدتْ لمغادرتي مهمتي في شهر اغسطس (آب) سنة 1996 ظروف صعبة عانيت
منها بصبر واستمرت قُرابة سنة. ولا تنتظر مني أن أكشف عن تفاصيلها فلا
فائدة في ذلك ولا جدوى. لكني أستطيع أن أختصرها في أن صنع تلك الظروف كان
من عمل «دسائس القصور» التي سبق لي أن أشرت إليها. وكان صاحبها يملك أجهزة
إخبار جلالة الملك بأنباء مُختلَقة أو بالسَّطْو على حدث وإعطائه تأويلا
كاذبا بقصد الوشاية لغاية استفراده بجلالته وتنحية من عداه ممن لا يركع
له، أو من يربأ بنفسه عن السير في ركابه، أو يمتنع عن غَشَيَان بيته الذي
أصبح كعبة القُصَّاد يحج إليه مختلف الفعاليات السياسية.ولقد سبق أن قلت لك إني صارحت جلالة الملك بالحقيقة في لقائنا بإفران بعد
اتهامي من لدن «دسائس القصور» بتسريبي للصحافة خبر تعييني وزيرا أول، وهو
كذب محض.وفي هذه الظروف فقد الديوان الملكي مجهود مستشارَيْن انتابهما مرض صعب هما
أحمد رضا كديرة وأحمد بن سودة. وكان عليَّ أن أملأ هذا الفراغ وخاصة في
مجال التقدم إلى جلالة الملك بالمشورة النافعة والنصيحة المخلصة. وقد مارس
عليَّ الكثيرون ـ من المتعلقين بشخص جلالته والمخلصين للعرش ـ ضغوطا حيث
قالوا إن الرأي العام يقول: «لم يبق بالديوان الملكي إلا فلان، فهو القادر
على مصارحة جلالة الملك بالحقائق خاصة لما له من علاقة وطيدة به» بل قال
لي البعض إني أُعتبَر مسؤولا عن صمتي في وقت يوجد فيه الملك بحاجة إلى أن
يسمع أصداء مختلفة، وليس صدى «دسائس القصور» وحدها. وعلى ذلك أخذت أُلـحّ
في الطلب إلى جلالة الملك أن يسمح لي بالتحدث إليه على انفراد لأتقدم إليه
برأي أو نصيحة أو اقتراح أو تصحيح للزائف الذي تقدمه له «دسائس القصور»
على أنه الحقيقة.كنت ألاحظ أن الملك لم يعد يتقبل مني جميع ما أقوله أو أنصح به لأنه يأتي
متناقضا مع ما سبق له أن تلَقَّاه من «دسائس القصور». فعندما نصحته مرة
بإدخال تغييرات جذرية على طريقة الحكم، واختيار الرجال، وبعدم إدخال أي
تعديل على الدستور يعيد النظام السياسي إلى السنوات التي استنفدت أغراضها،
كان رده عليّ: «إنك تردد كلام المعارضة» وعندما نصحته مرة أخرى بتخويل ولي
العهد الأمير سيدي محمد سلطات تمكّنه ممارستها من مساعدة والده على غرار
ما فعل والده محمد الخامس معه رد علي: «أرجوك أن لا تتدخل في شؤوني
الخاصة». وفي اجتماع عقده جلالته بالقصر الملكي للبحث في موضوع حركة
التطهير المشهورة التي كان يريد منها الضرب على أيدي المهربين للمخدرات،
والحشيش، والعُملة، وتطهير البلاد والعباد من المتلاعبين بالمال العمومي،
فقبض وزير الداخلية على بعضهم وأدمج بينهم أبرياء انتقاما منهم لتصفية
حسابات شخصية وكان من بينهم مدير الجمارك (مدير صرف العملة سابقا) قلت
لجلالته بمحضر الوزيرين محمد القباج وزير المالية آنذاك وحسن أبو أيوب
وزير الفلاحة: «نِعْمَ ما فعلته جلالتكم. فالتطهير مطلب شعبي مشروع.
والمغرب كله يؤيد جلالتكم ولكن ينبغي أن يتولى التطهيرَ من يداه طاهرتان».
وكان حاضرا في هذا الاجتماع أيضا وزير الداخلية إدريس البصري ووزير العدل
عبد الرحمن أمالو ففهم جلالته أني أقصدهما وكان يشرفان على اعتقال
المتهمين في عملية تداخل السلط بين القضاء والأمن أصبح فيها الأمن موجِّها
للقضاء ومهيمنا عليه. وكانت هناك حوارات أخرى بيني وبين جلالته في موضوعات
شتى تبين لي فيها أن خيط التفاهم الذي كان موصولا بيننا قد أصبح غير متين،
لأن «دسائس القصور» كانت تُحكِم ضرباتها في الخفاء. وتسبب على كل ذلك قيام
فجوة بيني وبين جلالته لم أتحملها وعرفت أخيرا أن من بين الأسباب ما كان
ما يعانيه من مرض لم يُعْلَن عنه إلى أن تُوَفّي بسببه على وفق وقضاء الله
وقدره. رحمه الله وأثابه في دار الخلد.
* نشرت بعض الصحف المغربية أن مشاجرة وقعت بينك وبين إدريس البصري وقلتَ له إنك قادر على «خَنْفَرته» أي ضربه على أنفه. هل هذا صحيح؟ـ قلتُ له ما يُشبه ذلك. وذلك إثر خلاف جرى بيني وبينه كان سببه إعداد
وزارة الداخلية مشروع القانون الانتخابي المغربي عندما أُعِد مشروع دستور
سنة 1996 للاستفتاء. وكان مشروع القانون الانتخابي الذي أعَدَّه خبراء
وزارة الداخلية محررا باللغة الفرنسية فقدمه إدريس البصري إلى جلالة الملك
في جلسة عقدها مع المستشارين أحمد رضا كديرة، وإدريس السلاوي، وعبد الهادي
بوطالب، وحضرها مولاي أحمد العلوي وزير الدولة آنذاك. وبعد أن ألقى جلالة
الملك على المشروع نظرة سريعة سلَّمه إليّ ووجَّهني بالنظر فيه وترجمته
إلى اللغة العربية (وهي اللغة الرسمية للمغرب بمقتضى الدستور).لاحظت أنه تردد في نص المشروع الإحالة في بعض مقتضياته على وزير الداخلية
بهذا الاسم. كمثل: «واختصاص ذلك يرجع إلى وزير الداخلية» أو «وإذا وقع كذا
فإن وزير الداخلية يَحْسِم أو يفعل كذا أو كذا» فراجعت جلالة الملك في
الموضوع وقلت إن هذه الصيغة فيها تشخيص يتجنبه عادة من يصوغون القانون.
واقترحت أن تُعوَّض صيغة «وزير الداخلية» بعبارة «السلطة ذات الاختصاص»
وهو ما يَرِد في القوانين فوافق الملك على ذلك.وسلَّمتُ النص العربي إلى جلالة الملك وتضمن تغييرات شكلية رأيتها
ضرورية.. فدعا الملك إلى اجتماع حضره الوزراء والمستشارون الذين تحدثت
عنهم من قبل. وكنت بعثت النص العربي لجلالة الملك في نسخ متعددة فوزعها
علينا معلنا للبصري أن هذا النص هو النهائي.أخذ إدريس البصري يتصفح بسرعة نسخته ثم توجه إلى الملك: «لست أدري ما الذي
دفع بـ«سيد الهادي» إلى أن يغير في النص العربي اسم وزير الداخلية كما كان
في النص الفرنسي؟ وماذا بيني وبينه ليتصرف على هذا الشكل؟ «فلم يتولَّ
جلالة الملك الجواب على هذا السؤال وكرر القول: «هذا النص العربي هو
المعتمَد».وبعدما خرجنا من مجلس الملك توجه البصري نحو المستشارَين جديرة والسلاوي
وكنتُ وراءهما فسمعت البصري يؤنّبهما على التزامهما الصمت بحضرة الملك
و«على أنهما لم يسانداه في مؤاخذة «بوطالب» على ما فعل». وتردد على لسانه
اسمي عندما قال لهما: «ما فعل «بوطالب» غير مقبول» وكان إدريس البصري يأخذ
على المستشارَيْن خذلانهما له وهو الذي لم يفتأ يناصرهما» (هكذا).وكان يتحدث باللغة الفرنسية كعادته إذ ما كان يريد أو يستطيع الحديث
بالعربية فتقدمت إليه وقلت له: «لقد سمعت جميع ما قلتَه. أتجهل أن ما
غيرتُه في النص كان مأذونا لي به؟» ثم أمسكته بين يديّ وقلت له باللغة
الفرنسية: «أنا لا أضرب خصومي ضربات واطئة coups bas (أي من أسفل)
مُتستِّـرة. وحينما أعزم على مواجهتك فسأصوّب لك ضربتي مباشرة وفي غير
تستر».
* وما هو الحادث الحاسم الذي جعلك تغادر وظيفتك بصفة نهائية؟ـ مدة سنتين وأنا أمر مع جلالة الملك بجو صفاء وجو غيم. وتجمعت خلال
السنتين تراكمات أصبح معها جلالة الملك ـ كما قلت لك ـ يتضايق مما أتقدم
به إليه من رأي أو اقتراح أو نصح. وكانت رحى «دسائس القصر» لا تتوقف عن
الطحين، وتعطي عني للملك أخبارا مختلَقة أو «مخدومة» (كما وصفها به الأمين
العام الأسبق لحزب الاستقلال محمد بوستة ذات مرة واشتهرت على الألسنة).
على كل حال وبدون زيادة في التفاصيل تغيرت معاملة جلالته تحت هذه الضغوط
عما اعتدته منه طيلة أربعين سنة. وذات مساء جرى بيننا نقاش حاد ارتفع فيه
صوته لأول مرة مستنكِرا ما أقول، فقلت له: «أستسمح جلالتكم لأقول إني هنا
وبجانب جلالتكم ما دمتم تشملونني بكريم عنايتكم وتحافظون على كرامتي وإلا
فلا داعي لأن أبقى هنا». فتلطف جلالته لينزع الفتيل الساخن وقال لي: «لا
تتضايقْ من لهجتي هذه. فإني قد أستعملها مع أحد أبنائي عند الاقتضاء»
فأردفت قائلا: «أرجو أن تحترموني احترامَ والدكم».
وعلى هذا قطع جلالته الحديث وهجرني شهرا كاملا لأنه ربما فهم أني تطاولت عليه إذ قارنت شخصي بشخص والده. وهذا لم يكن مرادي مطلقا.ثم أرسل لي عبد الوهاب بنمنصور مؤرخ المملكة إلى بيتي خلال شهر غشت ويوم
عيد المولد النبوي، ليخيِّرني بين أن أتقدم إلى جلالته «برسالة توبة» أو
أعتبر نفسي معفى من مهمتي. فلم أقبل صيغة الخيار الأول. (ولو أنه قال لي
رسالة اعتذار لفكرت في الأمر)، لكنه لم يُبقِ لي إلا الخيار الثاني.وعندما أمر جلالته بتحرير الظهير (المرسوم) الملكي الذي يستغني بمقتضاه عن
خدماتي أَمْلَى هو نفسُه صيغة الظهير وجاء فيه: «بتاريخ كذا انتهت مهمة
السيد عبد الهادي بوطالب بالديوان الملكي مستشارا لجلالتنا». ولم يستعمل
لا لفظ «العزل» من الوظيفة ولا لفظ «الإعفاء» منها. وكانت التفاتة كريمة
من جلالته قدرتها حق قدرها
* وماذا فعلت بعد ذلك؟
ـ استحضرت البيت الشعري العربي الحكيم القائل:ولا بدَّ من شكوى إلى ذي مُروءة يُواسيكَ أوْ يُسْلِيك أوْ يَتوجَّعُ
فطلبت موعدا مع الأمير الفاضل النبيل ولي العهد سيدي محمد (الملك محمد
السادس) الذي بادر إلى استقبالي في إقامته بـ«الصابلون» بالرباط وحكيت له
تفاصيل ما جرى وكنت منفعلا فواساني وسلاَّني ونصحني بالصبر وقال هذه: مجرد
سحابة صيف لن تطول. وقد كان دفء حرارة استقباله لي ذخيرة تزودت منها
للتسلح بالصبر الذي نصحني به حفظه الله.
* وهنا بدأت التأويلات تغمر الشارع وتروج على الألسنة ممن لم يكونوا يعرفون ما جرى لإعطاء الحادث تأويلات وشروحا وتعاليق؟ـ سأجيب على هذا السؤال بما رواه لي بعض أعضاء الحاشية الملكية الخاصة عن
جلالة الملك أنه قال لهم: «ما أكثر ما سمعتُه عن سبب انتهاء مهمة الأستاذ
بوطالب من تأويلات لا واحد منها بصحيح أو مطابق للواقع وذلك لسبب وحيد: هو
أن كل ما جرى تـمَّ بيننا منفردَيْن. فلا أنا أخرجت سرَّ ما جرى ولا هو
أخرج سرَّ ما جرى».ولم تستمر الجفوة بيني وبين جلالة الملك الحسن الثاني إلا بضعة أشهر حتى
استقبلني بالقصر الملكي متلطفا بشوشا وأمام أضواء الإعلام يوم عيد ميلاده
في تاسع يوليوز يوم عيد الشباب حيث قدمت له نسخة مهداة من كتابي «حقيقة
الإسلام» الذي أصدرته في بحر سنة 1997 وعلق عليه جلالته وشجعني على مواصلة
التأليف. وقال لي أعضاء التشريفات الملكية عند وصولي للقصر: «إن جلالته
أمر أن أكون أول من يستقبله لتقديم كتابي» حيث جاء بعدي زملاء قدموا ـ
كلٌّ منهم على حدة ـ كتبهم لجلالته. ثم تفضل فأمر وزير التعليم العالي
إدريس خليل مرتين أن يتصل بي في التفاتتين كريمتين ليخبرني بأن جلالته
يطلب مني أن ألقي في جامعة الملك محمد الخامس بالرباط محاضرة عن جلالة
والده والجامعة في مفتتح الاحتفال بمرور أربعين سنة على تأسيس الجامعة
التي تحمل اسم محمد الخامس وقال لي الوزير: اختارك جلالة الملك وأمرني أن
أبلِّغك ـ كما قال جلالته ذلك بالحرف ـ «لأنك أعرف الأساتذة الجامعيين
بوالده وأكثرهم اتصالا به».وفعلا ألقيت هذه المحاضرة التي دشنت الاحتفال بتاريخ 24 فبراير (شباط)
1998 وكان عنوانها: «مكانة الجامعة في العمل التحرري لجلالة الملك محمد
الخامس» وفهمت من تكرم جلالته باختياري لأن أكون المحاضر الأول في جلسة
الافتتاح أنه بعث لي رسالة يخبرني فيها أنه لم يعد عاتبا على الكلمة التي
نطقت بها أمامه عندما قلت له «أرجو من جلالتكم أن تحترموني احترام والدكم».ثم اتصل بي وزير التعليم العالي إدريس خليل مرة ثانية ليخبرني أن جلالة
الملك كلفني بأن أساهم في ندوة علمية يعقدها المغرب بالرباط بمشاركة منظمة
«اليونيسكو» وكان محورها: «الحوار بين الديانات الثلاث الموحِّدة». وأنه
أمر أن أكون أول المتحدثين لأنه يعلم أنني ساهمت في عدة ندوات علمية
عالمية عالجت فيها هذا الموضوع.وبذلك طوى جلالته قبل وفاته رحمه الله صفحة هذه الجفوة التي يمكن أن
ألخصها في تعبير سوء تفاهم أو في كلمة «مخاض» بين الأسرة الواحدة كما يقول
التعبير الفرنسي لا أكثر ولا أقل.وبعد انقطاعي عن العمل مستشارا لجلالته لم يفكر جلالته قط في إعفائي من
عضوية مؤسستين تابعتين له مباشرة. فأنا ما أزال عضوا في أكاديمية المملكة
المغربية، وعضوا في المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان. ويستدعيني القصر
الملكي للحضور في الاحتفالات الكبرى التي كانت تقام تحت رئاسة الملك الحسن
الثاني رحمه الله واليوم تحت رئاسة الملك محمد السادس أعانه الله وسدد
خطاه.* حينما وقعت الجفوة بينك وبين الملك الحسن الثاني وخرجتَ من القصر
الملكي، ألم تُحسّ أن شيئا ينقصك؟ ألم تحِنَّ للعودة إلى السلطة أو إلى
جانب الحكم حسب تعبيركم؟ـ لست الرجل الذي يحرص على أن يظل في المسؤولية إلى أن يلقى الله أو
يتقاعد. واسمحوا لي هنا أن أقول لكم ما كنت أقوله لأصدقائي عن تقاعد
الموظف من أن عبارة التقاعد في المغرب وفي عالمنا العربي تُفهم على غير
معناها العام. ولا يُعجبني هذا التعبير لأن كلمة التقاعد مشتقة من القعود
الذي قد يعني العجز عن الحركة بسبب المرض أو الشيخوخة والهرم، مما يصبح
معه الشخص معوَّقا لا يتحرك وغير قادر على الإنتاج والعطاء، بينما في
اللغتين الفرنسية والإنجليزية تفيد عبارات se retirer وretraite
بالفرنسية، وكلمة retireو retired بالإنجليزية حصول تغير في الاتجاه،
واستبدال عمل ونشاط بعمل ونشاط آخر. فالكلمتان ـ وإن كانتا تشيران إلى
الانعزال ـ فإن الانعزال لا يعني أكثر من الابتعاد عن شأن معين للانصراف
إلى آخر. وبهذا المعنى لست متقاعدا الآن، لأنني أعمل في ميادين أخرى أرحب
وأوسع، أنشط فيها وأؤمن بفعاليتها، وأسخر قلمي لخدمة القضايا العادلة.
وأكتب ما يلَدُّ لي أن أكتب في «الشرق الأوسط» التي تشدني إليها كل أسبوع
ليس فقط لأنني أكتب فيها منذ عهد بعيد، ولكن لأنها لا رقابة لها على ما
أكتب ولا أعلم أنها تمارس الرقابة على من يكتبون فيها.وفي فترة الأربع سنوات التي مضت على اعتزال مهمتي أنتجت الكثير الذي ساهمت
به في الندوات العلمية العالمية مما لم يكن في وسعي إنتاجه لو بقيت
مُطوَّقا بالمسؤوليات الحكومية. إن التجارب التي مررت بها بجانب الحكم كان
فيها الإيجابي والسلبي. ولكن في اختصار أقول إنني مارست الحكم وكنت قريبا
منه طيلة عقود من الزمن، لكن لم أكن الرجل الذي يفكر في أن يعمل كل شيء
ليبقى خالدا في الحكم، بل أحيانا كنت أقوم بمبادرات كنت أعلم أنها قد
تبعدني عن الحكم، وكنت مع ذلك أقتحمها لأنها كانت تتوافق مع ما أفكر فيه
وأؤمن به. وخلال العقود التي قضيتها على رأس المسؤوليات كنت أعمل بمقولة
«قُـلْ كلمتَـكَ وامْشِ». وما أقوله لك الآن كنتُ أربي عليه أولادي في
البيت. كنت أقول لهم: «إن أباكم يوجد الآن في المسؤولية، ولكن تأكدوا أنني
ذات يوم لن أبقى فيها. فإياكم أن تَغترُّوا أو تعتـزُّوا بسلطة أبيكم أو
مقامه، فهذا شأن عابر». وأستطيع أن أقول لك إنه حينما كانت توزَّع على
الوزراء «فيلات» للسكن فيها ما داموا في مناصبهم كنت أختار السكن المتواضع
وأُفضِّله على السكن الفخم، وأقول لزوجتي: «ينبغي أن يسكن أبنائي معي وأنا
وزير أو مستشار في مثل المكان الذي أستطيع أن أُسكِنهم فيه بعد خروجي من
المسؤولية حتى لا تتغير الأحوال عليهم». ولذلك لم أكن أتأثر مطلقا عندما
أخرج من الحكم أو عندما أحس أني على وشك الخروج منه. كنت أمارس الحكم
كمناضل أو كهاو للرياضة وبإيمان بما أفعل وأدَر. وما كان يهمني أن يمتد
وجودي في الحكم أو أن أنصرف عنه. وقد قلت لجلالة الملك ما سبق أن تحدثت لك
به: «إنه سيان على ذلك أن أكون مستشارا أو أكون منعزلا في بيتي» (وكان هذا
من جملة ما عتبه علي). كنت أُخَلِّق نفسي حتى لا أصبح عبدا للحكم وأُصاب
فيه بما يصاب به المنبطحون عليه حين يفقدون السلطة فيعانون من فقدها كما
لو تخطَّفهم الموت.
* كيف تفسر قدرتك على إنتاج الكثير في الوقت القصير؟ـ إن الحكم لم يشغلني أبدا عن مرافقة الكتاب، ومتابعة الأحداث، وإلقاء
دروسي في الجامعة، وتأليف الكتب لدرجة أن الكثيرين سألوني: «ما سبب تقلبك
في عدة مهام كبرى، من دون أن يضيق وقتك عن القيام بأشياء كثيرة أخرى؟».
فكنت أجيب: «إنني رجل أُخضِع حياتي لنظام دقيق: قبل أن أدخل في المساء إلى
غرفة النوم أضع بذلتي اللائقة على المشجب بقميصها وربطة العنق لتكون جاهزة
في الصباح. وعندما كنت أستقبل أحدا كنت أحدد المدة التي سأستقبله فيها
وأطلب منه أن يدخل مباشرة إلى الموضوع دون مقدِّمات. وكنت أحضر إلى مكتبي
ومعي لائحة كنت أكتب فيها أسماء الأشخاص الذين أريد أن أهاتفهم، وأسلمها
للعامل في مركز هاتف المكتب ليمرِّر المكالمات واحدة تلو الأخرى بدون
تضييع دقيقة واحدة بين المكالمتين. وحينما أهاتف لا أطيل الكلام في السؤال
عن أخبار الصحة وأحوال الأسرة وأجواء الطقس. وكنت إذا ما أحسست أن شخصا
يريد أن يزورني في مكتبي أو بيتي وأخشى أن يقعد عندي وقتا طويلا أقول له
انتظرني أنا قادم إليك لأزورك. وبذلك كله كنت أتحكم في الوقت بعناية
وأتصرف فيه كما أريد، وأعمل وأنتج أكثر ولا أؤخر عمل اليوم إلى الغد. كنت
أحافظ على المواعيد. ولا أعلم أنني تأخرت عن موعدي بدقائق معدودة إلا لعذر
قاهر. كنت دائم التوقع ولا أترك شيئا للصدفة. فالحكم هو فن التوقع».علمتني الأيام (أو أيام الحكم على الأصح) أن أضغط على نفسي لأتعايش ولو
مُكرَها مع من ليسوا من فصيلتي، وأن ألتقي مع من تجمعني بهم مودة وقُربى
ومن بيني وبينهم جفاء أو خصومة. ولم يكن لي خيار إلا أن أكون بينهم. وكنت
أجامل (ولا أقول أنافق) من كانوا يُظهِرون لي المودة ويضمرون لي العداوة.
ولم أكن أتزلَّف لأمِدَّ في عمر الوظيفة، ولا أسعى لإدامتها بالانبطاح
واحتقار الذات. وحتى بالنسبة لجلالة الملك الحسن الثاني رغم ما كنت أعامله
به من واجبات التوقير والاحترام نحو ملكي ورئيسي، فإنني لم أكن من الذين
يتذرَّعون بأية وسيلة للوصول إلى رضاه. وكان الملك يلاحظ هذا السلوك
ويقبله مني.آمنت أيضا بأن إرادة التغيير يجب أن تكون اللبنة الأولى في صرح الحكم،
وأنه لا ينبغي للحاكم أن يُخلِد إلى الراحة متكلا على أن أموره تمضي على
ما يرام، مادامت لا تطِنُّ ذبابةٌ في أذنه. يجب على الحاكم أن يقوم
بالتغيير حتى عندما تجري رياحه بما تشتهي سفينته وخاصة في هذا الوقت
بالذات، فالشعب دائما يريد التغيير ولا يقبل الرضى بالقليل، ولا يغفر
لحكامه التساهل في تدبير الشأن العام والتماطل في أدائه ودائما يقول هل من
مزيد.وأخيرا لست آسفا على ما فعلتُ. ولا أحس بأن فقدت شيئا وأنا خارج السلطة.
وصدِّقني إذا قلت لك إنني أجدني خارج السلطة أكثر راحة وسعادة.
* ماذا كان وقْع خبر وفاة الملك الحسن الثاني عليكم؟ وماذا خطر ببالكم عند تلقيكم هذا النبأ؟ـ كان طبيعيا أن يكون وقعه عليَّ مؤلما وقاسيا إذ ارتبطتُ به طيلة ما
يناهز نصف قرن. وكانت وفاته مفاجأة لم أكن أتوقعها لأنه لم يلازم الفراش
مدة قبل وفاته، وإن كان معروفا أنه كان يعاني من مرض لم يكن يفكر أحد أنه
مرض الموت.لقد أحسست بما أحس به المغاربة من فقدان قائدهم العظيم الذي ملأ الدنيا
وشغل الناس، لكن عدت إلى تفهم آيات «إنا لله وإنا إليه راجعون»، «ولكل أجل
كتاب»، «إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقْدِمون»، والحديث النبوي
الشريف «لا تموت نفس حتى تستوفي أجلها».ومر بذاكرتي هاجس استشراف المستقبل. وكنت مطمئنا إلى أن انتقال السلطة إلى
ابنه جلالة الملك محمد السادس سيجري بدون مشاكل ولا صعوبات. وأنا كنت
دائما مطمئنا إلى أن سيدي محمد سيكون في مستوى المسؤولية التي أُسندت
إليه. لذلك لم يخامرني أي قلق على مصير المغرب ولا خوف على مستقبله.
******



حوارات مع عبد الهادي بوطالب



اجرى الحوارات: حاتم البطيوي

الشرق الاوسط 2000/2001























_________________
الخفافيش تخاف نور الشمس !!
****************
لا يجب أن تقول كل ما تعرف ولكن يجب أن تعرف كل ما تقول

بديعة
مشرف (ة)
مشرف (ة)

انثى عدد الرسائل : 6075
العمر : 30
Localisation : الدارالبيضاء
Emploi : موظفة
تاريخ التسجيل : 03/04/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى