صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

«محيط المحيط» للمعلم بطرس البُستاني وانطلاقة المعجمية في العالم العربي / بسام بركة *

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

«محيط المحيط» للمعلم بطرس البُستاني وانطلاقة المعجمية في العالم العربي / بسام بركة *

مُساهمة من طرف izarine في الخميس 29 أكتوبر 2009 - 21:31

يُعدّ بطرس البستاني (1819-1883) من أركان النهضة العربية. كان من
روّاد القرن التاسع عشر الأوائل الذين عملوا من أجل إعادة اللغة العربية
إلى دورها الحضاري، فاستعملوا كل الوسائل المعاصرة في سبيل دفع البلاد في
مسيرة التطوّر العلمي والثقافي والسياسي، واتصلوا بالاكتشافات الحديثة
والمناهج التحليلية الغربية، كل ذلك من أجل الدفاع عن لغة الضاد والوصول
بها إلى مصاف وسائل التعبير المعاصرة.
وللوصول إلى مثل هذه الأهداف، وضع البستاني العديد من المؤلفات
والتصانيف، منها ما كان يتعلق بالأدب والشعر، ومنها ما كان يختص بالمعاجم
اللغوية (محيط المحيط) والموسوعات، كما أنه أسس صحفاً عدة ومجلات
ودوريّات، تُعنى بالأدب أو الفكر أو السياسة.
لكن، لا بد من أن نبدأ ببعض الأدوات التقنية الخاصة بدراسة المعاجم.
وأولها التمييز بين نوعين من المعاجم. المعجم اللغوي والمعجم الموسوعي.
المعجم اللغوي والمعجم الموسوعي
في المعجم اللغوي يُفسَّر المصطلح-المادة بكلمة شاملة (ذات دلالة عامّة
hyperonyme) يصحبها تعريف يخصِّص معناها ويحدّ من شموليتها وذلك بتحديد
السمات الدلالية التي تميِّز هذا المصطلح عن سائر المصطلحات التي تندرج
ضمن الكلمة الشاملة. نأخذ مثالين على ذلك من المعجم الوسيط: «الحِصن:
الموضع المنيع»؛ «الحصى: صِغار الحجارة». هنا كلمة «موضع» هي اسم شامل
لحِصْن، أما «منيع» فقد خَصَّصت الموضع بكونه موضعاً يمتاز فقط بصعوبة
اقتحامه. وبالنسبة للمثال الآخر، كلمة «حجارة» اسم شامل لحصاة، في حين أنّ
«صغير» تحدد الحجارة الصغيرة فقط من بين ما يدل عليه هذا الاسم الشامل.
بالإضافة إلى ذلك، يقدِّم المعجم اللغوي معلومات عن استعمال الكلمة من حيث
النطق (الصوت)، والسياق (النحو)، والاشتقاق (الصرف)، الى ما هنالك من سمات
لغوية بحتة. إذاً، المعجم اللغوي يرتبط بالكفاية اللسانية، ويقف عند حدود
الدال (الصوت) والمدلول (المعنى، الدلالة).
أما المعجم الموسوعي، فإنه لا يلتفت إلى التركيبة اللغوية للكلمة
(دلالة، صوت، نحو، صرف، …)، بل يتوجه إلى تحديد العناصر المعرفية
المتعلّقة بوجود الشيء الذي ترجع إليه. فإذا أخذنا مثال «الحصن» نفسه
لوجدنا أنه يقدّم المعلومات التالية: أنواع الحصون، تطور بنائها، تاريخها،
النماذج التي نعرفها، صورة أو صُور عن بعضها، إلى ما هنالك. إذن، يقدِّم
المعجم الموسوعي مجموعةً من المعلومات التي تهدف إلى تطوير المستوى
الثقافي عند القارئ. وإذا كان المعجم اللغوي يتوجه إلى تنمية كفايته
اللسانية، فإنَّ المعجم الموسوعي يعمل على تنمية كفايته المعرفية، كفايته
الحضارية إذا صح التعبير، وهو يصل بالتالي إلى أبعاد المعرفة والثقافة.
لقد كان المعلم بطرس البستاني يعرف تمام المعرفة هذا الفصل المبدئيّ في
أنواع المعاجم وتأليفها. فهو عندما وضع «دائرة المعارف»، التي تنتمي إلى
النوع الموسوعي بالطبع، ذكر أن كتابه هذا «عامٌّ لكل شيء ما عدا اللغة»،
وهو يميزه بذلك عن «محيط المحيط» الذي خصَّصه فقط للشؤون اللغوية البحتة.
وهكذا، فإن «محيط المحيط» معجم لغوي وحسب، وينبغي مقاربة متنه بالأدوات التحليلية الملائمة له.
من ناحية أخرى، يميز الدارسون للمعاجم مستويين داخل هيكلية المعجم هما:
البنية الكبرى (أو العامة) والبنية الصغرى (أو الخاصة). فالبنية الكبرى
تتعلق بالتنظيم العام للمعجم من حيث ترتيب المداخل وأنواعها وتتابعها، إلى
ما هنالك. فالدارس من هذا المنظور يتطلع إلى ترتيب الكلمات المداخل، هل هو
ألفبائي أم موضوعي، وينظر في تتابعها، هل هي مرتبة حسب الجذر أم حسب لفظ
كلّ كلمة/مدخل. أما البنية الصغرى، فإنها تتعلق بطريقة علاج كلّ كلمة/مدخل
وتنظيم المعلومات المتعلقة بها.
هذه البنية الصغرى تتضمن إجمالاً ثلاثة أنواع من المعلومات: 1) المادة،
وهي الكلمة المدخل وما يتعلّق بها من ملاحظات مفرداتية تخص مصدرها أو
جذرها أو إملاءها، إلخ. مثال على ذلك، في يداية المدخل «ولد» نجد ما يلي:
«وَلَد: لِدةً، ووِلادة، ومولوداً»؛ 2) معنى الكلمة أو معانيها والملاحظات
التي تتعلق بها. المثال: «الولد هو المولود، وهو الابن أو البنت»؛ 3)
العبارات والأمثلة والجمل التي تدخل فيها الكلمة، مع معانيها و/أو
استعمالاتها. مثل «ولَد محارم»، «اعترف بولد».
كان هناك مثالٌ واحد يستحوذ على عقل بطرس البستاني هو العلم والمعرفة،
وكان هناك حبٌّ واحد يملأ قلبه وروحه، هو اللغة العربية. بل إننا يمكننا
القول إن حبه للغة العربية هو الذي قاده إلى شغفه بالعلم والمعرفة. وما
يدلنا على ذلك أمور كثيرة نذكر منها أمرين اثنين:
أولاً، حياته وأقواله: لقد بذل المعلم حياته كلها في سبيل هدف واحد
أراد الوصول إليه، هو تعزيز هذه اللغة التي رضعها العرب مع اللبن، كما
يقول، والتي كان يعتبرها «شامةً في وجه اللغات»، والتي كان يعدها «في
المقام الأول» بين لغات العالم، «وإذا قيس بها غيرها كانت هي كالبحر وهو
كالجدول».
ثانياً، أعماله وتسلسل اهتماماته: فهو ألَّف معجمه في اللغة العربية
قبل معجمه الموسوعي. صحيح أن «دائرة المعارف» جاءت كنتيجة لخبرته الطويلة
في التأليف والترجمة، إلا أنها ظهرت مباشرة بعد «محيط المحيط»، و «قُطر
المحيط» الذي هو تلخيص للمحيط واختصار له. والدليل على ذلك ما يذكره في
مقدمة الكتاب: فهو يقول إنه ذكر، تعميماً للفائدة، أنه يريد أن يُدرج في
آخر كتابه هذا فهرساً مرتباً على حروف المعجم لأسماء ما اشتُهر من الأماكن
والأشخاص والقبائل ولا سيما الواردة في التصانيف العربية. ولكن لم يسمح له
طول الوقت وكبر حجم الكتاب بإدراج ذلك. ولذلك استصوب أن يُفرد لها كتاباً
خاصاً بها، وهذا الكتاب هو «دائرة المعارف».
إذن العمل على التأسيس المعجمي للغة الضاد هو الذي أدى بالبستاني إلى وضع المعجم الموسوعي الذي هو «دائرة المعارف».
لقد أراد المعلم أن يكون «محيط المحيط» – كما يقول - «أهم خدمة للجيل الحاضر والأجيال المستقبلة من أبناء اللغة».
تقنيات التأليف في «محيط المحيط»
هناك تقنية جديدة استعملها المعلم بطرس وقلبت المفاهيم اللغوية العربية في وضع المعاجم وهي ترتيب المواد والمداخل.
في أيامنا هذه، إذا أردنا البحث في معجم اللغة الفرنسية عن معنى كلمة
«langue»، فإننا نذهب إلى ترتيب الكلمات التي تبدأ بالحرف «L»، ثم ضمن
مجموعة الكلمات التي تبدأ بهذا الحرف، تلك التي تبدأ بالحرفين «LA»،
«LAN»، وهكذا دواليك، إلى أن نصل إلى الكلمة المنشودة.
وبالعربية كذلك، للوصول إلى الفعل «كتب»، نبحث عن الكاف، ثم عن الكاف والتاء، لنعثر أخيراً على «كتب».
لقد أصبحت طريقة هذا البحث معهودة في أيامنا هذه، وقد أصبحت شبه عفوية، ويتعلمها التلامذة وهم في ريعان الصبا.
لكن هذه الطريقة في تركيبة المعجم والبحث فيه لم تكن بمثل هذه البساطة في أيام البستاني، ولا بمثل هذه التلقائية والعفوية.
قبل البستاني، في المعاجم العربية التي وضعها ابن منظور،
والفيروزآبادي، والخليل بن أحمد الفراهيدي، وغيرهم، كانت مواد المعجم، في
بنيته الكبرى، تُرتِّب الواحدة بعد الأخرى لا بناءً على الحرف الأول من
جذر الكلمة بل بناءً على الحرف الأخير. أي أنك إذا شئت البحث عن كلمة
«كتب»، تذهب إلى باب الباء، وعن كلمة «بلع» تذهب إلى باب العين.
ولذلك يبدأ المعجم اللغوي الذي وضعه الفراهيدي بالجذر الذي ينتهي بحرف
«العين»، ولذلك سُمّي بـ «كتاب العين». أما لماذا بدأ بالعين ولم يبدأ
بالألف، فلأن الفراهيدي لم يتبع النظام الأبجدي أو الألفبائي، بل أراد أن
يرتب معجمه انطلاقاً من موقع نطق الحرف في الفم والقناة الصوتية، وبدأ
بالحرف الذي يخرج من أعمق مكان في الحلق، وكان يعتقد أن موضع نطق العين هو
أبعد مواضع نطق الحروف العربية في داخل الآلة المصوِّتة، في حين أن موضع
الباء هو أقربها إلى الخارج. فوضع أولاً الكلمات التي ينتهي جذرها بحرف
العين ووضع في نهاية المعجم الكلمات التي تنتهي جذورها بحرف الباء.
الواقع أن الفراهيدي كان مُخطئاً في وصفه لمكان خروج حروف اللغة
العربية. إذ يُعلِّمنا علم الأصوات الحديث أن أعمق مكان تخرج منه الأصوات
العربية، ليس الحلق الذي تخرج فيه العين، بل الحنجرة (مكان وجود الوترين
الصوتيين) حيث يخرج الصوتان: الهاء، والهمزة.
لقد كانت طريقة ترتيب الكلمات هذه معقدّة في نظر المعلم بطرس البستاني،
فاتبع طريقة جديدة في ترتيب مداخل معجمه، وهو الترتيب الألفبائي. يقول
ابنه البكر سليم البستاني في ما يتعلق بهدف والده من وضع المحيط، إن والده
لم يضع هذا القاموس «إلا لتيقُّنه عجزَ العامة عن الاستفادة من قواميس
اللغة الصعبة المراس». كل ذلك في سبيل أن يُعمِّم اللغة العربية، وهذه هي
الكلمات التي استعملها بنفسه.
إذاً كان المعلم يقوم بذلك الترتيب الجديد انطلاقاً من وعي تام بضرورة
أن يكون معجمه سهلَ الاستعمال، قريب المنال. وهو يعبِّر عن هذا الهدف
بوضوح تام في مقدمة «المحيط». يقول: «وقد اخترت في ترتيبه اعتبار أول حرف
من الكلمة دون الأخير منها، بخلاف اصطلاح الجمهور، لأن ذلك أيسر في
التفتيش عليها. ولأجل التسهيل على الطالب، ميّزت بين الأفعال والأسماء،
وبين المجرّد والمزيد من الفريقين – كلِّ نوعٍ على حِدته مندرجاً مع نظيره
من الأبنية».
لكن قد يقول قائل إن البُستاني كان على اطلاع كبير بالمعاجم الفرنسية
والانكليزية وأنه استقى هذا الترتيب الألفبائي المُجدِّد عنها، وأنه كان
مقلداً وليس مُبدعاً. هذا غير صحيح. لسببين اثنين: أولهما أن المعجم ليس
شعراً أو قصة وأنه ليس مكاناً للخلق والإبداع، وبالتالي لا يُمكن أن يكون
الاقتداء بالآخرين عيباً أو نقصاً. والسبب الثاني هو أن البُستاني لم
يقلِّد المعاجم الأجنبية تقليداً أعمى، بل كان يعرف تماماً خصوصية اللغة
العربية. فهو لم يجعل مداخل معجمه على صورة المعاجم الأجنبية، أي أن تكون
كلُّ الكلمات مرتبة حسب الحرف الأول من كل كلمة. بل إنه اعتمد الترتيب
الألفبائي لجذور الكلمات العربية وليس للكلمات نفسها، فالجذر في نظر كل
علماء اللغة العرب هو روح اللغة العربية وهو أساس تكوين المفردات، ولا
يزال حياً حتى يومنا هذا في كفاية المتكلم العربي كما في أدائه التواصلي.
لذلك، نجده يقدم طريقة استعمال معجمه بالكلمات التالية: «إذا شئت كشف
لفظةٍ، فإذا كانت مجرّدة فاطلبها في باب أول حرف منها، وإذا كانت مزيدة،
فجرّدها أولاً من الزوائد ثم اطلبها في باب الحرف الأول مما بقي».
أي إذا كنت تبحث عن «كتب»، تجدها في الباب المخصص لحرف الكاف. أما إذا
كنت تبحث عن «مكتوب» أو «استكتب» فلا تبحث عن الكلمة الأولى في حرف الميم،
ولا عن الثانية في حرف الألف، بل ابحث عنهما في مادة «كتب» أي في باب
الحرف الذي يبدأ به جذر هاتين الكلمتين (وهو «كتب»).
لكن، في هذا المجال حتى، جاء المعلم بإضافات تُعتبر ثورية في أيامه. إذ
إنه فوق اعتماده الجذرَ كأساس لترتيب المواد، عالج بعض الكلمات التي قد
يحار القارئ في التعرّف الى جذرها بطريقة خاصة، فوضعها في الترتيب
الألفبائي للمداخل. وخصوصاً الكلمات التي تتضمن أحرف علة، مثل الياء
والواو. مثلاً:
يحمور، نجدها في باب الياء مع الملاحظة التالية: «ذُكر في ح م ر».
يرمع، نجدها في باب الياء مع الملاحظة التالية: «ذُكر في ر م ع».
يخضور ويخضير، نجدهما متتابعين في باب الياء مع الملاحظة التالية: «ذُكرا في خ ض ر».
أما «يد» فتأتي مباشرة بعد «يخن، ويخنة»، لكن مع الملاحظة التالية: «ستُذكر في ي د ي».
إلى ما هنالك.
تقنيات التعريف في إطار البنية الصغرى
كان بطرس المعلم مجدداً في إطار البنية الصُغرى بقدر ما كان مجدداً في مجال البنية الكُبرى.
ما نقصده هنا هو كيفية معالجة كل كلمة من كلمات المعجم.
لقد استعمل الترادف، أي أن يُعرِّف الكلمة بمرادفها. والمثال على ذلك
«الرفيق»، الذي يُعرّفه بـ «المرافق»، والحصان، الذي هو فرسٌ ذكر، والخزف،
وهو الآجُرّ، والبرهان، وهو الحجة، أو الدليل، أو البيِّنة. كما أنه
استعمل النقيض في تعريف المعنى. مثلاً: المذكّر، هو «نقيض المؤنَّث»،
والذِكرة، هي «نقيض النسيان».
وكما أسلفنا، لم يخش المعلّم من وضع كلماتٍ جديدة لم تذكرها المعاجم القديمة. وهذه الكلمات الجديدة تدخل في أنواع عدة هي:
العامية: لم يتراجع المعلم عن إدخال كلمات جديدة عامية، أو معانٍ عامية
لكلمات قديمة. مثال على ذلك: في مادة «برك»، يقول استعمال «البروك» بمعنى
«الجلوس» عاميّ.
الأجنبية : مثال، الإسكلة والصَّقالة (إيطاليانية)، الميناء.
وكذلك، حاول أن يجد في أصل الكلمة ما يُعلِّل استعمالها في هذا المعنى:
لماذا سُمي الحصان بهذا الاسم؟ يُقول البستاني: سُمي حصاناً «لأن ظهره كالحِصن لراكبه».
ولا بد هنا من إضافة خاصية أخرى مهمة جداً في مجال التأليف المعجمي،
وهي أن المعلم أضاف في ما يتعلق ببعض الكلمات، وفي حال الضرورة، تعريفات
علمية، ترتبط بالبُعد المُعجمي أكثر مما تتعلق بالمضمون الدلالي. أقدم
مثالين على ذلك:
في «عرف»، يذكر البُستاني أن «التعريفات» هو «كتابٌ للسيّد الشريف
الجُرجاني جمع فيه تعريفات واصطلاحات شتى من اصطلاحات العلوم والصوفية».
وفي عين، هناك «المُعيَّن»: «شكل مسطَّح مُتساوي الأضلاع الأربعة
المستقيمة المحيطة به، غير قائم الزوايا ولا بُد أن تكون كلُّ زاويتين
متقابلتين مُتساويتين».
وهناك أمثلة عدة في المعجم نجد فيها تعريفات علميةً موسوعية.
وخير شاهد على ما أراده المعلّم من وضع معجمه، ما ذكره أحد علماء اللغة
حول ما كتبه المعلّم في خاتمة إحدى طبعات المعجم: «أدرجنا فيه كل ما
قدِرنا أن نقف عليه من مفردات اللغة وأصولها وفروعها واصطلاحات العلوم
والفنون وكثيراً من كلام المولَّدين واللغة الدارجة ورصعناه بالشواهد من
القرآن والحديث والشعر وأمثال العرب إلى غير ذلك من الفوائد والنوادر
والشوارد مما لا غنى عنه للمُطالع وكان كلُّ ذلك سببَ تسميته «محيط
المحيط».
صحيح أن هناك من اعترض على «محيط المحيط» وانتقده بشدة وبكلمات لاذعة
في أيام صاحبه. هناك أحمد فارس الشدياق/ وإبراهيم اليازجي/ والأب أنستاس
ماري الكرملي. سنتوقّف سريعاً على ما قاله الكرملي الذي يهاجم «محيط
المحيط» باعتباره أن البستاني في هذا المعجم «حاطب ليل، فهو ينقل عن هذا
وذلك من دون أدنى نقد». كما أنه اعترض على كل ما في هذا المعجم وعدّه:
«بحر ظلمات لا يهتدي السالك فيه إلا وبيده حُقّة المغناطيس لكي لا يتيه
سواء السبيل». ثم اقترح أن يُحرق الكتاب.
في الواقع لا يسعنا أن نوافق على هذا الكلام، فالكرملي نسي عدة أمور أساسية في هذا المجال، وهي:
هذا معجم لغوي، والمعجم اللغوي في المفهوم اللساني الحديث وصفي في
أساسه، المعجم اللغوي لا يبغي النقد ولا التقييم، جُلُّ ما يهدف إليه هو
تقديم استعمالات مفردات اللغة، من حيث النطق، والدلالة، والتركيبة النحوية.
اللغة العربية التي نجد وصفاً لها في المعاجم العربية القديمة لا يُمكن
أن تكون غير اللغة العربية التي يؤلف عنها المعلم في معجمه هذا. الكلمة
«حصان» في «لسان العرب» الذي وضعه ابن منظور قبل المعلم بخمسة قرون، لا
يمكن أن تعني غير ما تعنيه كلمة «حصان» في القرن التاسع عشر أو في القرن
الحادي والعشرين. لكن، لم يضع ابن منظور كلمةً مثل «اسكلة» في معجمه،
ووضعها المعلم في كتابه المحيط، لأن مثل هذه الكلمات كانت تُستعمل في
زمانه، ودخلت في صميم اللغة العربية وأصبحت جُزءاً من متنها.
لقد ألحق المعلم بمعجمه الكثير من مصطلحات العلوم والفنون التي عُرفت حديثاً في عصره.
كما ذكر العديد من الكلمات المولّدة والألفاظ العامية، مع التنبيه على أنها مولدة أو عامية.
لقد نسي الكرملي أن بطرس البستاني كان مجدداً في عمله اللغوي هذا، من
حيث ترتيب مداخل المعجم في بنيته الكبرى، ومن حيث إضافات المفردات المولدة
والمعربة والحديثة.
هذا بالإضافة إلى أن مرور الزمن يؤكّد أهمية هذا العمل ومكانته في حياة
الناطقين باللغة العربية، فقد أعيد نشر هذا المعجم مرات عدة، كما أننا نجد
نسخاً منه على مواقع في الأنترنت، وهو لا يزال يُعتبر من أهم المعاجم
الحديثة.
* أستاذ في الجامعة اللبنانية



izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 57
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى