صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

الـزلــزال

اذهب الى الأسفل

الـزلــزال Empty الـزلــزال

مُساهمة من طرف said في السبت 30 يناير 2010 - 19:17

يَجُرُّ
الشيخُ خُطاهُ في البادية الباردة، ويَبكي. يَضمُّ حفيدَه الرضيعَ إلى
صدره، ويبكي. يُجيلُ بصَرَه في الأمداء الكئيبة، ويَبكي. كلّ شيء تغيّر
مِنْ حَوْله. وحدَه الفجرُ المُشتعل في السماء بقي على حاله. الذكريات هي
أيضاً ظلّت ثابتة في ذهنه، لكنّها أضْحَت مُؤلمة. لأوّل مَرّة تخْدَعُه
الأرضُ. في أقلّ من دقيقة أخذَتْ منه كلّ شيء. لا أحد من الذين عرفهم
سيُنادِيه باسْمِه بَعْد اليوم. جميعهم قَضَوا تحت الأنقاض. هو نفسه كان
سيلقى حتفه معهم لو لم يكن خارج البيت لحظة الزلزال. حفيدُه نجا بأعجوبة.
القريةُ دُمِّرتْ عن آخرها. الجزءُ الأكبرُ منها ابتلعه الترابُ. لا
يتحرّك فيها الآن سوى الفئران وشتات الدخّان المُصْفَرّ برائحة الكبريت
والموت. شيءٌ حادٌّ اخترق أخمص قدمه، فانتبه إلى أنّه كان يمشي حافياً. لم
يكترث للدم الذي ما فتئ يبصم خطواته بعد ذلك. عُواء الذئاب في الغابة
المجاورة دفَعَه إلى البحث عن عصا يحمي بها حفيده. اهتزّ لرُؤية شجرة
صامدة وسط الدمار ؛ الشجرة التي طالما جالَسَها في أيّامه الخوالي. مشى
إليها بلَهْفَة كما لو كان يمشي إلى عشيقته القديمة. جلس إلى جذعها وهو لا
يُصدّق ما جرى. تهيّأ له أنّ حفيده يبكي من الجوع، فراح يُسْكته بلُطْف
وهو يتساءل بِمَ سيُغذّيه. أخذَته هو والرضيع نَوْمة عميقة لم يستفيقا
بعدها إلاّ حينما احتلّت الشمس كبد السماء. غير بعيد عنهما كانت تُطلّ
أطراف أغطية مُتْرَبة، كأنّ يداً غاضبة دسّتها بنَزَق في ثنايا الأرض. نهض
إليها مُهرْولاً وسحبها بقُوّة ثمّ نفضها ولفّ فيها الرضيع الذي نام من
جديد، رغم الجوع والعطش. كان عليه أن يتدبّر أمْر طعامه قبل فوات الأوان.
قصَد الدكّان الوحيد في القرية، أو بالأحرى قصَد بقاياه المنتصبة علّه
يَعْثُر بينها على حليب وماء. مكث يُقلّب بدون جدوى في أنقاضه حتّى سقط
عليه حائط مُتهالك وغطّى جسدَه النحيل بالأحجار. لم يَعُد بعدئذ في مقدوره
ما يفعله سوى الصرخة الغاضبة التي أطلقها بمرارة. كانت في البداية بحجم
السماء، ثمّ صارت تخفت مع الوقت وتتقلّص إلى أنْ باتت بحجم الخيمة التي
استعاد فيها كامل وعيه. لم يلتفت إلى جراحه ولا إلى آلامه، وكان أوّل ما
طلبه من إحدى المُسْعِفات هو أنْ تُطْعم حفيده، فردّتْ عليه باستغراب : »
إنّها مُجرَّد دُمية يا سيّدي ! «... مال الشيخ حينئذ برأسه - قبْل أن
يُغمض عينيه إلى الأبد - وهو يسقي بدموعه الباردة كلّ الذين ضاعوا منه.

الرباط في 18 يناير 2010

كمال الخمليشي - العلم الثقافي
29/1/2010
said
said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4523
العمر : 56
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى