صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

الحفرة

اذهب الى الأسفل

الحفرة Empty الحفرة

مُساهمة من طرف mohamed في الجمعة 16 ديسمبر 2011 - 20:04

لا
يمكن المجئ إلى مدينة «صاد» دون المرور على هذه الحفرة الموبوءة التي توجد
عند نهاية زقاق ضيق ومغلق، في نهايته، جنْب فران لطهْي الخبز وتوزيعه على
سكان مدينة «صاد» الشاطئية. فهي مبتدأنا في الصباح وخبرنا في المساء، بلْ
هي نهايتنا في آخر الليل.
الحفْرة فضاء يومي مفتوح متعدد الشخوص والوجوه المألوفة والعابرة
مثلنا، هذا موظف عمومي، ذاك شرطيّ بئيس يستدين كل شهر لسدّ رمقه، ذاك معلم
مدمن على الخيول، غيره أستاذ مدمن هو الآخر على نفس الخيول المطهّمة، ما
تبقى من الوجوه الكالحة مجرد بحارة وسائقي الشاحنات، عاطلين ومخبرين
يترصّدون خطوات الزائر الغريب مثلي في مدينة «صاد».
خارج الحفرة، ثمة نساء ملتحفات بأُزُر بيضاء جالسات خلف السور القريب
من الميناء على كراس حجرية أو خشبية، منقّبات بثوب أسود يكشف عن عينيْن
سوداوين وعينيْن أخربين عسليتين، هل تريد إحداهنّ ؟ إنها تنظر إليك من طرف
خفيّ، إنها تغمزك، يالله، تشجّع، فهي تبدو سهلة المنال، إذ لا شيء في مدينة
«صاد» يمكن فعله غير ذاك الشيء! لقدْ مات الزوج وترك الزّوجة تجرّ مصيرها
المأساوي فوق الطّرقات والأرصفة، أما الثاني فقد مات غرقا في البحر، وأما
الزّوج الآخر فطريح الفراش، بينما الزوج الرابع فهو مدمن على النبيذ وعلى
الخيول، لذلك فهو يعرف من أين تأتي زوجته بالفْلوس في ظلّ غيابه عن البيت
طوال النهار.
عندما دخلنا، أنا ونونْ، إلي هذه الحفرة، بعد أن امتلأت آذاننا
بالموسيقى الغرناطية، مساء هذا اليوم الممطر بالذات، وقد اشتدت فيه الرّياح
كثيرا إلى درجة أنها أوشكتْ أنْ ترميني إلى صخور الشاطئ الهائج، لولا
مساعدة نون لي بإمساكي من يدي اليسرى حتى لا أسقط، بعد خروجنا من المطعم
زوال نفس اليوم داخل الميناء، عندما دخلنا لفحت وجهينا رائحة الخبز
المنبعثة من الفران القريب ورائحة السجائر الخارجة من الباب وضوضاء المكان،
ثم صوت فيروز الرقيق الشاعري، فصوت أمّ كلثوم المليئ بالآهات والأنين
إللاّ ينقطع، وجع إثر وجع، صدٌّ وهجران، أنين وبكاء، كانت الحفرة ممتلئة عن
آخرها بالرواد، هي نهاية الأسبوع المليئ بسيْر و?جي ... الإدارة، البيت،
الزوجة، الأطفال، المدير المتجبّر، الشّاوش البياع، السكرتيرة المتصابية،
البنك الذي لم يعد يقرضك، لأنك أكثرت من الاقتراض منه إلى درجة أنها أثقلت
كاهلك. في مدينة «صاد» يجب البحث عن اللذة حتى ولو بالرّيق الناشف.
- عندك صاحبتك ؟
- لا.
- وقلّبْ على شي موخيرة!
- دابا نشوفْ
- إيوا عذّب الكاس كما يقول حسن بحراوي
- ما تخافش !
طبعا، لم نرد الذهاب إلى عمق الحفرة لأنه مزدحم وملوث جداً بدخان
السجائر، ولأننا كنا نفترض بأن أحدهم سيتعرف علينا ويبدأ في التردّد على
طاولتنا، حتى إذا طلبنا منه العودة إلى طاولته سيكشف عن أنيابه الحادة
تجاهنا، سيستفسرنا بشكل مباشر، سنطلب تدخل صاحب الحفرة لأنه يعرف هذا
الأحدهم جيدا لكي يبعده عن طاولتنا، وإلا سيحسم نونْ الأمر بسرعة فائقة.
مالنا وهذا البشر المقوّد؟ لذلك اكتفينا بالجلوس إلى طاولة فارغة، موضوعة
على يسار الباب، عند المدخل، لنكون أقرب إليه، ثمّ لنشمّ هواء الزنقة
المعتمة، رغم الطقس البارد طوال اليوم.
- هنا مزيانْ ؟
- مزيانْ.
من هذا المكان، حيث نتواجد، كنا نرى قطرات المطر وهي تسقط خفيفة مُنقرة
مثل دقات البيانو، لعلها نقرات شوبان، أو لعلها نقرات «كيتْ جاريتْ» كانت
نقرات متواصلة، ومهما تجنبنا هذا النوع من المطر الخفيف المستمر، فإنه لا
محالة سيبللنا إلى ما لا نهاية، من الرأس إلى أخمص القدمين. ورغم أنني كنت
أرتدي قبعتي السوداء، إلا أنها، هي الأخرى، أصابها البلل.
- زوينْ هذا المنظر
- بزّاف
ضحكنا حتى النخاع وقلنا يا ليل الصبّ متى غده، سوف لا نمكث هنا كثيرا، فنحن مدعوان إلى عشاء فاخر في أحد المطاعم الشهيرة هنا.
- أيّ على نماذج.
- فظيعْ.
*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*
أجمل ما في هذه الحفرة النادرة هو فضاؤها الداخلي، فهي شبه ممر
زنقاويّ مستطيل يفضي إلى فضاء آخر، والحقيقة أنها كانت كذلك. هم روادها
العاديون وغير العاديين الذين يمرون على مدينة «صاد» للنهل من كأسها وسمكها
ونسائها العاطلات المطلقات المتزوجات المغلوبات على أمرهنّ بالرغم عنهنّ،
إذ ليس لديهن ما يفعلنه غير الخروج في الصباح وفي المساء للبحث عن رزق
اليوم، أليس كذلك أيها الخاوا ؟ بلى ... فاشربْ كأسك ودعْ كأسك يشرب كأسه،
وإلا فأنت فائض عن القيمة المضافة.
قال أحدهم بجانبنا لزميله.
- عندك شي ألفْ فرنك ؟
- كاينة
- يعفو عليك، أنت راجل مزيانْ، آرا واحد البيرّة!

من هنا ستبدأ الحكاية: في هذه اللحظة بالذات، ونحن نترقب انقطاع
المطر عن الهطول وانتظار التاسعة ليلا كي تذهب إلى مطعمنا المقترح علينا،
بفضل الصديق عزيز بوسبينة، لتناول طعام العشاء، دخل خمسة شبان وجلسوا
قبالتنا، كانت ألبستهم عادية وملامحهم سمراء. متقاربون في السنّ والأفكار،
بحثوا عن المقاعد وجلسوا شبه متزاحمين. وبالنسبة إلينا، أنا ونونْ، فقد
اعتقدنا بأنهم مجرّد بحارة باعوا الغلة ليشتروا بها الليلة بنبيدها
ونسائها، ربما كان تخميننا يحتمل الخطأ والصواب، فليس كل نساء «صاد»
مستباحات بسهولة، هكذا يعتقد البعض، ولكنها الجغرافيا.
في البداية، وقد استقروا نهائيا فوق مقاعدهم، جنبا إلى جانب بعضهم،
طلبوا قنينة نبيذ أحمر قان، وعاد كل واحد منهم إلى نفسه، بل إن كل واحد
يتكلم مع كأسه بصمت، هاكْ عذّب الكاسْ ، شكرا، هلْ تعلم ماذا وقع لصاحبنا ؟
لا، شدّوه مع شي وحدة، يا لطيفْ، لقد اعتقلت الشرطة هنا شبكة للدّعارة،
ليس فقط في مدينة «صاد»، بلْ حتى في العاصمة.
بالنسبة إلينا، فإنّ هؤلاء الشبان الخمسة غير طبيعيين بالمرّة، ليس
في خلقتهم الطبيعية مثل جميع البشر، بل بالعكس، في حضورهم وجلستهم
الاستثنائية وصمتهم المريب وطريقة نظراتهم إلى بعضهم، فهذا ينظر إلى زميله
المجاور له بعين واحدة فقط، والآخر يرفع عينيه إلى سقف الحفرة، في حين أنه
يختلس النظر إلى الذي أمامه، بينما الثالث يحدق في الباب متأملا هطول المطر
لكنه يرمق من زاوية عينه اليسرى قريبه الجالس عن يساره، أما الرابع
والخامس فإنهما يتأملان ورقتيْ الخيول، ذلك أنه بمجرد إحضار النادل قنينة
نبيذ ثانية حتى أجهزوا عليها دفعة واحدة، فظيعْ ، سريعْ واد زم!
لا أحد من هؤلاء يتحدث إلى صاحبه، لا أحد، كل واحد يتحدث إلى كأسه
فقط، وأحيانا لا يعير انتباها حتى إلى ما حوله. يستمر المطر في الهطول
ونونْ ينظر إلى ساعته اليدوية، هل نخرج تحت هذا المطر الذي لا يريد أن
ينقطع ؟ سنتبلل حتما، ولكنها ضريبة العشاء الفاخر الذي ينتظرنا هناك في ذلك
المطعم الذي يحمل اسما آسيويا عبارة عن رواية لأمين معلوف، أليس كذلك أيها
الناقد النّحرير ؟ كيف يُقرأ هذا النصّ الروائي المتكوّن من خمسة أشخاص ؟
قلت لنونْ :
- نبْقاوْ شوية ولا نمشيو ؟
- بلاّتي.

لقد أثارتنا هذه الرواية التي تتشخّص أمامنا ونحن، معا، مجرّد
متفرجين لا غير، هلْ نقترح عليهم تغيير الديكور ؟ إنّ هذه الحفرة ديكور
فعلا، يلزم أنْ يأتي إليها مخرج ليضع الشخوص في أماكنها الطبيعية، أنت هنا،
أنت هناك، أنت لهيه، قرعة تابعة قرعة ولا أثر للسكر أو بوادره. كانوا
منشفة تمتصّ كل السوائل ولا أثر للتهْرنيط مثل الحمير! وفي الجانب الآخر،
داخل الحفرة، كان الآخرون يهرنطون، قرعة تابعة قرعة، وفي النهاية احتسى كل
واحد منهم قرعته كما لو كانت وصفة طبية كتبها لهم طبيب مختصّ في شرب النبيذ
الصحّي.
في فرنسا يقدّمون لكل مريض في المستشفى ربْع قنينة نبيذ لكيْ ينتعش
القلب ويسخن الدّم وتنفتح العروق، لقد أثارنا هذا المشهد السينمائي وضحكنا
حتى تمزّقت أشد اثنا وقلنا إنها الحفرة، لا يمكن أن تجد مثل هذا المشهد في
غير الحفرة، هي النقطة المستديرة التي تلتقي عندها كل الطرق المؤدية إلى
المتعة وإلى التيْه والنسيان والتناسي، هي النهار الهادئ والليل الهادر.
- شكونْ أنت ؟
- أنا أستاذ
- ومن بعد ؟
- باغي نتناقش معاكمْ
- سر تناقش مع كاسْكْ!
- أنا كا نعرفك، ماشي أنت هو....
- لا، أنا هو أنت.
ها قد أصبحنا في الهوا سوا ...عجيب، كيف لهؤلاء الأصدقاء أن لا يتكلموا
طيلة مدة جلستهم هذه ؟ كيف لا ينظرون إلى بعضهم إلا من طرف خفيّ.
قال نونْ :
- عظيم هؤلاء، جالسون جنب بعضهم، لكنهم لا يتكلمون إلا مع كؤوسهم الفارغة الواحدة تلو الآخرى.
- ربما خرجوا للتوّ من معطف إميل زولا أو من لوحة لفانْ غوغ.
- ربما.
كان الليل قد بدأ في الزحف تدريجيا على المدينة بينما كانت الإنارة
العمومية جد ضعيفة بفعل المطر غير المنقطع عن الهطول. الأزقة هنا جد ضيقة
هي الأخرى وثمّة برك ماء صغيرة غير مرئية بفعل الظلام، وقد استمر الشبان
الخمسة في التهام الكؤوس بدون كلام، كانت الكأس هي الكلام المباح فيما
بينهم، كانوا ينصتون إلى أنفسهم.
- يالله نمشيوْ
- يالله ، تعطلنا
خرجنا مسرعين كما لو كنا لصوصا سرقوا شيئا ما ثم لاذوا بالفرار. ما
يزال المطر الخفيف يتساقط على رؤوسنا ومعاطفنا وأحذيتنا، نلود بالجدار
الأيْمن، بالجدار الأيسر، نتجنّب البرك المائية المنتشرة هنا وهناك، عنداك،
فين ؟ فهادْ الزنقة.
في مطعم «السمرقند»، الذي يقع من زنقة طويلة مبلله بالماء ومضاءة، كنا
قد دلفنا، استقبلنا النادل بترحاب سياحي، جلسنا ونحن نستعيد فضاء الحفرة،
كان الشبان الخمسة هم جلستنا هذا المساء الممطر، فالحفرة ليست فقط فضاء
عابرا، إنها عمق تاريخي لمدينة «صاد»، عندما تأتي لا تأتي إلا إليها، فيها
نذوب حتى الأذنين ونغرق في بؤرة اللحظات.
المطعم فضاء جميل ومخمليّ، كل الرواد أجانب إلا نحن. جاء الشاب الطيب
الذي دعانا إلى هذا العشاء الفاخر وسألنا عن حاجتنا فقلنا له شكرا، ثم ذهب
ليكمل ما تبقى من خدمته الليلية، وعندما انتهينا من الأكل والشرب خرجنا
لنذهب إلى حفل الموسيقى الأندلسية والعبرية. كان المطر قد بدأ ينقطع.



ادريس الخوري
الملحق الثقافي -الاتحاد الاشتراكي
16122011
mohamed
mohamed

ذكر عدد الرسائل : 1148
العمر : 48
Localisation : kénitra
Emploi : employé
تاريخ التسجيل : 02/09/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى