صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

شاهِدةُ غريب

اذهب الى الأسفل

 شاهِدةُ غريب Empty شاهِدةُ غريب

مُساهمة من طرف عبدالله في السبت 14 أبريل 2012 - 15:01

كتبها نيابة عن الراحل المختار الزياني:

« لقد كان في أهل الغضى لو دنا الغضى/
مزارٌ، ولكن الغضى ليس دانيا»
مالك بن الريب

للغربة أوقات، وأشكال، وألوان. لها روائح، ومنازل، ومضاجع. مدارج ومسرّات، ولها أهدي كل ما أصاب قلبي من مواجع، لها...
* * *
للغربة ما كنتُ فيه. ولستُ ُ فيه. ولم تعُد له. تركتَه، أم تركك. وارتحلتَ عنه، اعتمرتَ جُبَّته طويلا، حتى هلكتَ أو استرحت.!
* * *
للغربة شدٌّ، دفعٌ، أخذٌ، ردُّ، ردمٌ، هدٌّ، مدٌّ، قيظٌ، فيضٌ، قُربٌ،
بُعدٌ، لن تغرف منه. كأسٌ نحسوه. يتلون من حرقة العمر دِنّ. أنا الذي ما
يقيني لا حرٌّ ولا بردُ. ها أنذا سأثوي، أثوي أخيرا، إلى الرَّدى قلبي
محترق. صهدٌ. كأسي الأخيرة، موتي، ما أحلاها، دَِنٌّ!
* * *
غربتي لا تُسمى إلا في أقل ما يقال. فيها ومنها وجهي. بقية ظلي. ما فات، وأنا مات. وكل ما لم نحُزه في بلاد الوهم، ما لا يُطال.
* * *
غربتي القممُ الشاهقات تطل عليها. والدّوالي الباكيات، المعلّقات، مثل
السوالف.أمي، زوجي، ولدي،أعرف أنهن الآن شاهقات بالبكا تارة، وأخرى أحسبهن
يُطفن برمْسي، ينعيْن في العلى أمسي، بينا أنا طليق، في «أصيلة» وُلدت،
وقبري، كما تعلمون، سابح في»بحر الظلمات».
* * *
وعلى ذكر»أصيلة»، تلك البلاد، من حيث نَبتُ الربى كنت، ومن قطر الندى رشفت
حليبي، مع أحلى القدود، وأرقّ الأغنيات، فقرُها لي حنين، غناها مثل غُناها
لجفنيّ سهاد. أصيلة التي هي زايلة، كانت وستبقى لي الملاذ.
* * *
«كلما [جئتها] راجعت الصِّبا/ فأبتْ أيامه أن ترجعا/ قد يهون العمر إلا ساعة/ وتهون الآرض إلا [أصيلة] موضعا».
* * *
سيدي غيلان.
أنا سليلك سيدي غيلان.
الشفاعةَ أطلب ممن أنت نسلُه،أصلُه وفرعُه،
فصلُه، متلفعا بُردَه، قارئا بُردتََه، مرتجفا خشعتََه.
سيدي غيلان.
أنا منك حتى احتويتني، فصرتُ فيك؛ ويحي، أأُجدِّف ؟!
* * *
قهرتني الخبزة،
ولكم طوّفتُ هنا فلم أجد .
وأنا فحل، كما تعلم، لا بد ألِد.
والحُرّ يا الأعلم يفهم بالغمزة.
* * *
لم تغرني أفروديت في «قرقيرية»
ولا استهواني ما يستهوي كل الخلق.
في مقهى ازريرق،واحدٌ عينُه على رأس سبارتال،
منه يهفو إلى «الجزيرة الخضراء»،
بينا ثالث مشدود كالمسحور إلى طريفة.
* * *
سيدي غيلان.
قهرتنا في البلد الأزرق الخبزة.
والحَر، كما علمنا الدهر، والقهر،
كما قبسنا من قبتك ألتُشعشِعُ بالأخضر،
أجل، الحُر يا سيدي يفهم بالغمزة!
* * *
سيدي.
«سيدي اليماني» مهْرُ الطريق.
عبرتُه، هو خيرٌ لي من أفق يضيق.
كأن أصيلة، وهي الحبيبة والعشيرة،
كانت وظلت الأليفة والصديق.
صرتُ بها غِرّا، يا لها، ضيّعتني،
كأني، أنا ابنها، ما عدت لها أليق!

(.......................................)
حتى وصلت إلى الرباط.
لا حبيبٌ بها، لا صديق، لا تُعوّل،
فكيف الوصل بها، كيف الارتباط؟!
* * *
أنا الصائغ في مهاراتي.
أذوّب اللجين حتى يتذهّب،
والذهبَ المغشوش أحوّله لجينا.
* * *
حيثما أمشي أصقل الصدأ.
وإلى قمر زايلة أهفو ، أمس واليوم،
مثلما لم يهف مَلأ.

أنا الصائغ حتى إني أكلمكم.
ومن رفاتي، أجلّ منه.
أصوغ اليوم... كلماتي.
* * *
أنا في الرباط.
لا خيلَ عندي/ لا مربطَ فرس هنا.
لا ارتباط.
* * *
أمس، وحشة / يومي، ورطة/ وهل في غد أمل؟
أما الآن، فلا زادٌ ولا قِماط.
* * *
أمس كنتُ الصائغ/ لقلادة الفجر مَن غيري الصائغ/
وكلّ بِكر لبِست خاتمي/ صرعتُها بالهوى/
بَعدهن يا قُرة العين/ لم أعد بِلاك أنا/
كيف أبقى من أنا/ حتى مكابرةًً/ إسراراً وجهراً/
يا حرقة القلب، أمّ أولادي/ دمعي المذروف شاهد/
* * *
سيدي غيلان.
أنت هنا هناك/ لعلها رؤياك طوّحت بي إلى هنا/
أكبر مني خطوي/ أضيق مني سرعتي/ وهمُ مشيتي/
لهي أوسع من قامة ظلي/ لا أكبر منها إلا حجم محنتي/
قد خلتُني الماردَ/ المتمردَ/ الضاربَ في كل فلاة وأفق/
اقترب يا هواي/ سيدي الذهبي/
أفصِح عن ما يعلن عني وما بي يُنبي/
* * *
سيدي غيلان،
قدمٌ تمشي، أخرى تتلعثم، وقلم مطلوب منه،
أن يراعي الوقت ويكتب بالميزان.
بين الفينة والأخري قد يشرد/
يعسُر عليه الفهم، ولا يجد العنوان.
يخفق طاويه بالوجه تلو الوجد/
ليُدان سريعا، ويْحك إنك ترتدّ!
* * *
عجبا. أيُدان الصائغ أنه صاغ؟!
أو عاشقٌ يوما، إن مثلي ضاع؟!
أم سيدي غيلان صاحب الرؤيا/ حاشا!
أم زايلة مسك النّوّار، نبع النور/
كل من زارها حَجُه مبرور/
* * *
ستتجشّم الصبر/ الحرّ والقرّ/
ستتعلم الكرّ والفرّ/
قدمٌ تمشي بها، قلمٌ يتقوّى/
أحيانا وجهُ حبيب يفتَرّ/
وحنيني أبدا إلى عُلاك/ سيدي غي..
* * *
في الرباط/ صائغ الحُب/ بأقل حب لا يضيع/
هو الضاحك دوما/ أهلاً، أنا المختار الوديع/
من أنت؟ أنا؟ أوه! لا أحد منذ اليوم، وإلى الأبد.
من الشمال، نحو الوسط، وإلى الجنوب.
لا تعبٌ أحس به. لا مللٌ ولا كدَر.
لا شأن لي بسياستكم ولا بأي بَدَد.
لكن، حذار، في الخافقَيْن لا أقسم إلا بهذا البلد.
* * *
إنما، بربّك ، ماذا جئت هنا تفعل؟
ـ حاشا! ما ضاق بي سيدي غيلان،
إنما، شَمال الصبا، قال اهبِط جنوبَ الإنسان.
ـ وما عنوانُك يا ترى الآن، وكم مُحرجٌ سؤال العنوان؟
* * *
ـ لكي أجيب سيقتلني الوجيب/
ولا طاقة للمقيم منذ أبي عنان والموحدين/
فكيف بي أنا، بكل غريب؟!
لكي أجيب، أحتاج أن أتذكر الأسماء/
أن أتقرّى بدءاً من رَهْو رفاتي الأشياء/
سأراها، أسمعُها واحدةً تلو الأخرى/
شظايا وبقايا، أتراحٌ وفْرٌ، نُدرةُ أفراح/
منها هلاكي في الوجوه الملاح/
ما كنت يوما ممن يتعاطى الراح/
ما كنت حتى والقلب نزف جراح/
لكني في سلا أسكر بالضوء كلما لاح/
وشوقي لزايلة أطفئ غُلته بالماء القَراح.

ـ لا بأس يا مختار/ ربما أنت محتار/
إنما ما زلتَ مجهولا عندنا/ لابد نقيّد عنوانك/
ـ مددتُ بطاقتي إليهم/ نظروا في وجهي/
صرخوا تأفُّفا، شكلُك يا هذا، لا يطابق الصورة/
وكأني أسمعهم: شكلك ، أنت و»الاتحاد» لا يطاق!
* * *
ـ لا، لست أنا/ من أنت إذن؟ـ من أنا؟!
ـ قل يا أنا لا يعرف من هو، أو كيف يصير.
ـ قل من أنت تحديدا وما تفعل في الرباط؟
* * *
سيدي غيلان.
أنا من نسلك، أتشفّع بك، بعد المولى أنت الأوْلى.
قل لهم من أكون كي يشملني البُرء.
تكفيني شرَّ الأصدقاء والأعدقاء.
لو جرّتك الخبزة مثلي إلى رباط الغرباء.
* * *
ـ سيدي غيلان/ أنا الآن في الرباط.
ـ الرر.. أين توجد هذي الرر..؟
ـ أوّاه، سؤال يوجع قلبي ويفعمه فرحا في آن.
ـ عجبا، ما سمعنا بهذا، فكيف يا زين الأسباط؟
ـ لا تعجب شيخي/ مثلك كنت أجهلها، بالأحرى أتجاهلها/
بل أتفاداها/ كي لا أهوي في هواها، مهواها/
كنت/ وها أنذا وقعت/ بعد فوات الأوان / فَلاتَ ساعة مندم/
شيخي هل تقدر أن تُنجدني أنت المولد، والموقد، رعشة الأذان.
* * *
ـ مختار، يا المحتار، لا تُتوِّهني بعسل الكلام/
خبّرني صراحة ما فعلتْ بك الرباط، أذاقتكَ الأيام؟
ـ والله، فعلت بي يا شيخي الفعائل/ ما له أوَّلٌ ولا له تال.
ـ لا، كلا، قل ولا تتردد. صوتك أسمعه، ولو وجهك مربدّ .
قل كل الحق، أم نسيت أننا في زايلة مع الحق لا نتردد؟!
* * *
اعلمْ شيخي، أبدأُ يومي من غرة فجر سلا/
أتهجّى في صلاتي بلا إله إلا الله، لا..
يتدحرج الصبح أمامي سلاماً وهَلا..
أقول هذا يوم آخر للغريب، ابتلى.
من هنا سيعبر إلى الرباط هو المبتلى.
نهر أبي رقراق دمُه/ قنطرة العبور إلى الرباط جسدُه، والهواء الممتد حتى
صومعة حسان، نفَسُه. لاهثا أمشي، أحتاج أن أتجرد من حلم ليلة أمس،وفي
النهار الجديد أمسي: لي موعد مع أخبار أجمعثها، ومقالة سأكتُبها، وقصة
سأحتاج أن أصقلَها، في سِلك العبارات أنضّدها. عنواني الجديد صار في زنقة
زحلة. هنا عليّ أن أتقن فن صياغة أخرى، فالكلمات أحيانا أثمنُ من الذهب.
تعلمت أن العبارة تجعل الخبر إما حديدا، أو نحاسا، فضةً، أيضا. فإن واتتكَ
في كامل الأبهة صيّرتَها ذهبا، إما تستشيطُ غضبا كاللهب، إما ستقرأُها وأنت
ترقص من طرب.
* * *
ـ أركض في الرباط كأرنب/ من زنقة زحلة إلى المشور/ أنا فيه الشقي/ وهو
السعيد/ تارة أصقل الزعيم المجلل، وأحاور الوزير المدلل، وأخرى أعاين في
ساحة البرلمان الشريدَ تلو الطريد. يستنكر المديني، وقبله الأشعري، تأخري،
بينا الشمس في كبد السماء/ يستغرب هل أعبر للوصول الجريدة، إلى الرباط،
النهرَ سباحةً، فأشقى في صمتي لا أجيب/ مثل جيبي المثقوب لا يجيب/ فأنا
أجاهد كل يوم كي أفوز بالخبر العنيد، تحتاج مني الجريدة، لقاء دريهمات فقط،
أن أقنص السر البعيد/ بها أسدد المأوى وقوت العيال وكْريم العشية، وأحيانا
ما لذّ ولم يطب/ متناسيا جوعي/ مزايدا بالهندام والمكابرة/ وأقفل راجعا
إلى سلا خاوي الوفاض/ وما أكثر ما أسأل قد جفتني الرباط،قد طوت كشْحها
عني،لا أعطاف لها ، أي مدينة هذي بلا حب، لا خِوان فيها للغريب، بلا ِشغاف،
كم أحرجتني يا مختار إلى أين ستذهب؟!
* * *
كان لي في الرباط بيتان: «الاتحاد الاشتراكي» في زنقة زحلة، ُموَقَّتٌ زمني
بصفير القطار، ثم بيت زوجي ونسلي، وتقوى الروح، عالي العماد رفيع
البنيان.. كان، وهذا بعض ما كان.
وها أنذا من طراوة موتي أصير حرا، فاغفروا لي، قد غفرت لكم، وكان المختار يا ما كان!
كُتب في الرباط
ـ باريس 04ـ 04 ـ 2012


أحمد المديني

الاتحاد الاشتراكي الثقافي

13\04\2012


عبدالله
عبدالله

ذكر عدد الرسائل : 1760
العمر : 49
تاريخ التسجيل : 26/06/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى