صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

الـــروايــــةوالإيديولوجيا ثم التجريـب، أيّ عـلاقــة؟

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الـــروايــــةوالإيديولوجيا ثم التجريـب، أيّ عـلاقــة؟

مُساهمة من طرف said في الخميس 6 مايو 2010 - 8:44

نظم مركز الرواية العربية بمدينة قابس بتونس، في الفترة 26/27/28 فبراير الماضي، ندوة في موضوع :»الرواية العربية بين الإيديولوجيا والتجريب» جمعت نخبة من الروائيين واالباحثين، من اقطار عربية وأجنبية، منها المغرب الذي شارك منه الأستاذ أحمد المديني بدراسة مفصلة حول تعالق الإيديولوجي والتجريبي في المتن الروائي، تجمع بين التحليل النظري للباحث، والمنظور الشخصي للكاتب. وقد خص الملحق الثقافي بالخطاطة العامة للدراسة في أفكارها الرئيس، تمثل جزءا من التجربة الحية لأدبنا ، بنقدها ومساءلتها؛ نقدمها لقرائنا في هذه العدد.

تحيل
الولادة الصحيحة للرواية كجنس أدبي مستقل، وناسخ للأجناس السابقة عليه،إلى
ارتباط مباشر بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية والبشرية التي عرفها
العالم الغربي على امتداد القرن التاسع عشر، عبر الوجوه المختلفة التي ظهر
بها. وكون الرواية تبلورت واقعية مع التأسيس الشرعي لها، أي قبل
إرهاصاتها، فذلك يفيد أنها جاءت محتوية للظواهر الاجتماعية، ولثقافة
مرحلتها، والتبدلات الطارئة على بنيات المجتمع من النواحي كافة. وإذن،
فالإيديولوجيا بوصفها منظومة أفكار وتصورات موجهة لأفعال البشر والجماعات،
الناطقة جهرا في خطابات محددة،أو المضمرة فيها،أيضا،تنضوي حتما في الرواية
باعتبارها جاءت لتمثل بتعريف لوكاتش النثر اليومي المبتذل الذي آلت إليه
الحياة مع البورجوازية التجارية والصناعية للقرن 19، خليفة للملحمة، وحيث
سيأتي بطل جديد يبحث عن قيم رفيعة في عالم ينحط، سماه لوكاتش بالبطل
الإشكالي. وإذا نحن اعتبرنا أن الرواية كلها، مرتبطة حسب توماس بافيل،
بالتجاذب بين الرؤية المثالية والنزعة المادية، في قلبهما الفرد متوترا
بين محيطه والناظم الأخلاقي، ثم ما سيحدث من قطيعة بعد ذلك بين الفرد
وواقعه، وعموما الترابط الحيوي بين معطيات التطور العلمية مع أنماط عيش
جديدة، وكيفيات امتصاصها وتشخيصها في النص؛ كل ذلك يعني أن الإيديولوجيا
تقع في قلبه، وواهم من يقول العكس، باسم أي نزعة مهما غلت في تبجيل الفن،
بدورها تصبح إيديولوجية بمعنى ما.
وإذا اعتمدنا الإيديولوجيا في
كونها حسب تعريف جان بيشلير تمثيل:»أوضاع الوعي المرتبطة بالعمل السياسي،
وأن المظهر السائد لهذه الأوضاع هو الكلمة، أو ترابطها في الخطاب» إذا
نظرنا إليها، حسب بيشلر دائما،لا بوصفها خطابا مقرونا بالعمل السياسي،
وإنما نواة غير قولية ذات تجلٍّ قولي، فهي عندئذ إذا دخلت إلى الرواية
بهذا الفهم تخضعها لها، فتكيّف موقعها الأجناسي،وتجعلها في خدمتها بطريقة
قصدية، تبدي ملفوظاتها وخطابها، ومنظورها كليا أو جزئيا متجها لشرح،
لتعليل أو مساندة أطروحة معينة(رواية الأطروحة).

ولكن، لماذا هذا
السؤال أساسا؟ أولا ينطوي أصلا على تصور معين للأدب، لنوعية نظرتنا وفهمنا
لتشكل الأجناس السردية الحديثة، نربطها بتصورات قبلية، خارج ـ أدبية، أي
إيديولوجية، بحكم أن المحيط الذي تبلورت فيه الكتابة السردية الحديثة
عندنا، والأفراد الذين انبروا لتأسيسها وتوطيدها انطلقوا قبل كل شيء من
المفهوم الوظيفي للأدب، كأداة إصلاح وتنوير، يتمان، بطبيعة الحال، بتوجيه
إيديولوجية بعينها، هي ذاتها أو تفريعاتها ما يزال ينتج هذا الطرح؟ نعلم
أن الحديث عن الأدب،عن الرواية لا يتأتى بسلامة وعافية إن لم يشمل ما
تحتويه الرواية كتفكير، بعبارة بافيل، إنما نحن نحتاج بشدة إلى تجاوز هذه
النظرة الثنائية، بين من يراها بمثابة طرفين يتكاملان في النص التخييلي
السردي، من يراها متعارضة، وثالثا، مثلنا، من أن الوعي الكلي، التركيبي
للمسألة قابل لأن يتمثل في «فض اشتباك» وهمي
بين ما يمثل في الحقيقة
مكونا واحدا، ومتجانسا، خاصة حين تقرأ الإيديولوجيا،أبعد من أرنبة أنف
السياسة والسياسي،هذين لا يعيران كبير وزن للقول الرمزي/الجمالي(الواقعية
الاشتراكية، مثلا) ، الاستعاري، للتخييل التصعيدي، أرضه الواقع وسماؤه
أعلى، أعلى!!


تعتمد كل رواية حقيقية بالمعنى الفني على البناء
فهي كنص تخضع وتتطلب كل ما يحتاج إليه البناء العادي ليقوم ويعلو ويشد
بعضه عضا، ليظهر حقا متماسكا ومتناسقا، قابلا للسكنى ب خوف، باعثا على
الأمان، ومستقرا يأوي الجسد، ويبهج النفس، فيما يريح العين. لا يوجد قبل
البناء إلا الفراغ، أرض خلاء أو قاعدة تنهض عليها عُمُُده. مسلّمة
معمارية. إنما، كيف يتأتى البناء الذي يتأسس أو يزعم أي شكل بأي شكل ومنطق
أته سيقوم ويتكون أمام أعيننا، نحن القراء،على أنقاض لا مادية وحسب، بل
الجسد والبنيان، في قلبهما الروح التي هي الساكن والمسكون؟ منطق الرواية
المضمر، يكشف عن نسق تبنينها الخارجي، ويخبرنا بأنها خلافا لمنطق البناء
العادي، وهي تنحو لتأسيس أرضية صلبة من غير شك، لا تنجم إلا عن عالم
متخلخل، اهتزت فيه حيوات ومشاعر ومصالح وقيم، ونتاجها اللغوي الفني أخيرا
هو جماع هذا الاهتزاز، إن لم يكن الزلزال نفسه، وهذه رؤيتها.


لأي بناء، حتى ولو على خراب، مقومات، منها: حاجته الأولى إلى تصميم لا
مناص منه في المعايير الحديثة. وكل تصميم يتم بناء على حاجة وتصور،
وينبني، بالتالي عن ثقافة (ما) وذوق(ما). بناء الرواية يتميز بالإضافة إلى
هذه المقومات بكونه ينطوي على فضاء إلى جانب أبهاء البيت، نعني، الفضاء
الإنساني حيث تتحرك الشخصيات، تعقل، وتحس، وتنبت لها، أحيانا، أجنحة لتطير
أبعد، بع أن ضاق ها الصرح، وهي تبحث عن حياة أخرى خارجه. ويتميز بأنه لا
يتشكل دفعة واحدة، وهو قابل للتعديل في أي لحظة، ولا يطلب رخصة المصادقة
عليه من قسم التصاميم بالمحافظة (البلدية)، لكن من استعداد القارئ لتقبله،
ومن ثم امتلاك حرية الدخول والخروج براحة وحرية. حين يبني الروائي عمارة
حكائية تخييلية يتجاوز فيها المسموح من الطوابق، فإنها ليست البلدية من
سيعاقبه، إنما القارئ الذي سيجد في ذلك نشازا، أو خرقا لاتفاق ضمني أبرمه
مع الكاتب، وإخلالا بالميثاق الأصلي، اللهم أن يصمد الكاتب نفسه، وهو يذهب
أبعد من توقع القارئ، عاداته، كسله، لم لا؟، يكسر أفق انتظاره المعهود،
وهنا سيقلب بنود الميثاق رأسا على عقب، لكن ليس بضربة لازب، ذلك أن
الإطاحة بنظام سابق في الفن لا تتم «شرعيا» إلا بالاعتراف بها على نحو
فني،أيضا، وبإرساء قواعد تلق مغايرة، وإذن هي ثقافة وخبرة وروائيتان
جديدتان ما يُشرع فيهما. لا يتعلق الأمر، كما يحسب المولعون بشارة
«التقليعة» ب»موديل» التجريب» الذي يمكن أن يتحول في لحظة معينة، حسب
التعبير الفرنسي، إلى «قوقعة فارغة»( Coquille vide )، وإنما بصيرورة
للإبداع لا تنقطع لا تكف كالحرباء تسلخ جلدها، وهي تمتلئ ، طبعا،بالمعنى.

يمكن
للرواية أن تكون دارة واحدة، ويمكنها أن تكون عمارة، وفي الحالتين فهي
مبنى متلاصق ومتآزر، أو لا يكون. ربما في الحالتين واحد، أو تصبح مسرحا
للفوضى والعراك. إن البطولة في الرواية الحديثة، مهما تعددت وتنوعت، هي في
نهاية المطاف لشخص أو شيء واحد. المهندس المعماري، والمشرف على العمل،
والبناؤون،هنا، يقابلهم النص المؤلف، والسارد،أو هما معا حين يتماهيان،
والشخصيات،لا يستطيع أي منها العمل لحسابه، أو الإفراط بالاستئثار بما
يفوت عن حده، أو يعود لغيره، فينفرط عقد العمل حتى والبناء مستمر،
والجمهور سكانا وقراءً استأجروا،أو اقتنوا، فكلهم لا يريد الظهور أنه
مغشوش، فيما المهندس المعماري،أو رب المكان،لا يقل التراجع، ينظر إلى
مبناه ومعناه باعتبارهما ما كان وينبغي أن يكون،هما صورة التوازن ومرجع
قياسه؛ إن التوازن والتناسق هما غاية كل بناء، يتحققان بالنجاعة
والجمالية، ولهذين في كل اختصاص إواليات لا تعمى عنها الأبصار.


سيُخيل
للقارئ، للمستمع المتعجل فهم عكس ما نرمي إليه،إن هو التصق بقشرة القوقعة،
إذ هي رغم كل شيء تبقى مشبعة برائح البحر، وتنتسب إلى قاعه، وهذا بالضبط
هو المراد. على كل من يستحضر مفهوم ومسار قضية التجريب في الفن عموما، وفي
الرواية مجال انشغالنا خصوصا، أن يستحضر دائما أنها ذات طبيعة تراكمية،أي
أنها، ويا للمفارقة، تراثية بقدر ما هي نزّاعة باستمرار إلى صوغ قوالب
مغايرة، وابتداع رؤى منشقة. هذه التي لا تتحقق وتتميز إلا بوجود الفرق،
التراث الكلاسيكي، سواء السابق، الموازي والمحايث. وكل كتابة متأصلة، حين
يعي كاتبها دينامية الإبداع، ويتشرب الروح الكلاسيكية، بوصفها النسغ
البعيد لكل تجريبية،أو ولادة متجددة،لا شطحات كيفما اتفق، لابدّ مندرجة في
دورة النشأة والتبلور والتحول التي تعرفها الأجناس الأدبية وغيرها، فتأتي
بطبعها، وتتجه، وهي تتأصل، إلى تجريبيتها الخاصة، التي يصنع بواسطتها
الكاتب( الروائي) تجريبيته ( تجربته الخاصة، من طرفي عالمه وأسلوبه). في
هذا المعنى كتب كارلوس فوينتس قائلا:» على صورة أرض غاليلي، فإن التجربة
تدور، إنها تنتقل ( من مكان لآخر)، الانتقال تغيير المكان، حركة، تحويل،
تغيير، تحول، بعبارة أخرى تحريف شكل الصورة البصرية بواسطة قلب القرائن
الاعتيادية»( Ce que je crois ; Grasset ;2002 ;p 87 ) . لا بأس أن نضيف
بأن هذا الدوران الذي هو حركة لا يتأتى من فعل مفرد، بالأحرى مفرد وحده،
إنما من فعل تتضافر الجماعة على تأسيسه والامتداد فيه إلى أقصى نهاياته،
ليخلفه فعل تأسيسي آخر، يتوهم الناشئون أنه نقض لتجارب الساقين، فيما هو
زيادة تطوير، ومشروع تجديد في الخط الذي به يتسمى الأدب وينعت. ولعمري
فتاريخ الأدب حافل بالأمثلة والأدلة، شريطة أن يقرأ لا مُحقّبا، ولا
مُقطّعا، ولا مُجزّءا، ولكن كسيرورة نصية متواشجة، بحلقات الذوق والوعي
والاستبطان، يتلاقح فيها الماضي والحاضر والمستقبل في جمالية كلية متكاملة
وفريدة في آن.

8
كل قارئ حصيف للرواية، وهي أحدث نوع سردي،
لابد منتبه إلى أنها خضعت لسلسلة من التحولات، سواء في مبانيها أو
معانيها، بل نشأتها مرتبطة، كما أسلفنا في مطلع هذه الورقة، بما اعترى
المجتمع من تبدلات على كل مستوى، المادي منه على وجه الخصوص. ودون البحث
عن مطابقات آلية،انعكاسية، بين بنيتين تشترط كل واحدة منهما بإوالياتها
الخاصة،رغم منظورات سوسيولوجيا الأدب وتحليلاته المادية،فمن اللازم
استكشاف المناطق الخلفية، والخفية، حيث تنبت وتترعرع الأعشاب السرية
للرواية، لتقدم لنا عالما بديلا برؤاه وصياغاته عن العالم المتاح، بتنا
نقول عادة بالتخييل، ولكن بالإبدالات اللغوية، بطرائق تعبيرية، توصيلية،
قائمة، بتشبيه فوينتس على مبدأ أرض غاليلي، التي تدور طبعا، والنص يدور،
اللإنسان،الزمن،الخطاب،الشكل، المعنى، هذا وغيره، يدور ويغير المكان أي
النص، ثربانتس، رابلي، بلزاك، فلوبير،دستويفسكي، هيوسمان، بروست، جويس،
كافكا، فرجينيا وولف، سلين،غرييي، نجيب محفوظ، إدوار الخراط، عز الدين
المدني، أي تجريب أكثر !

ـ حسن. بيد أن ما يشغلني بعد هذا
وأكثر، هو البحث في تجريبيتنا الروائية نحن، في احتماليتها، فرضيتها،
واختصارا بنيتها، ولا أكتمكم من البداية، حول هذه النقطة، أنني ملقى بي
دفعة واحدة في إشكالية. فإذا كنت أرغب في الفهم، وأوصله إليكم فلا مناص من
القبض على الموضوع وقد استوى وانتظم متعالقَ العناصر، مكتملَها في بنية،
إذ طالما استعصى على الانضواء في بنية فهو ناقص، أو يشكو من خلل ما. لست
متوهما بتاتا، أي أني لا أبغي ضرورة فقس بيضة نظرية مخصوصة بالرواية
العربية أو عن العرب في الزمن الحديث، اللهم من جهة توصيف وتصنيف خصائص
عامة لكل أدب وطني على حدة، وهذه قضية أخرى. كل ما في الأمر أننا إزاء
رواية، في ما هي تواصل إرساء عمدها، وتشييد أطراف صرحها، وبالتالي فهي
تنجز تاريخانيتها السردية الخاصة باعتبار أنها تستعيد، تحاول أن تستعيد
المكونات والمؤهلات الفنية التعبيرية الوصفية، بدلالات معينة، للرواية
الغربية، أي لماضيها،انطلاقا من بيئات مخصوصة بذاتها، بكل تأكيدا، في هذا
الوقت تتزامن فيها اختراقات تجتازها، إما عرضا، أو قصدا، سعت إلى تدميرها،
لنقل بهدوء إلى زحزحة مواقع نفوذها التقليدية، حتى وهي لم تستقر فيها كما
يجب، أي لم تكسب حتما رهان قارئ وفيّ للرواية. فكيف يتأتى، إذن، التعلم (
L?apprentissage ) والتجريب ( L?experimentation ) ؟


هناك في
الحقيقة نوعان من التعلم، ذاك الذي يعني تنشئة كاتب، روائي، أو أدب ما على
فن معين، كما حصل لأدبنا العربي الذي التمس طريق الأجناس الكتابية الحديثة
مع مطالع القرن العشرين، ما قطع فيه شوطا بعيدا، دليلنا كوننا نتحدث الآن
عن ما تحقق فيه من انزياحات عن النماذج الكلاسيكية أو المؤسسة. ثم رواية
التعلم الأخرى، كنوع، يدوّن فيها الكاتب سيرة حكائية بمثابة مزيج بين
تكونه الشخصي، ومحيطه الاجتماعي، وهي لا تعني أنها بدئية فنيا، نضرب لها
مثالا»التربية العاطفية» لفلوبير، تعد حقا منجم أعماله اللاحقة كلها
تقريبا. في هذه الأخيرة يكون الكاتب عموما لم يحسم بعد في اختياراته، وهو
يجرب ضروبا وأنهجاً من مستويات التعبير والتمثيل في ما يمكن تسميته بمضمار
التجربة، وأنت هنا تلاحظ أنه إذ يجرب، ينزع نحو اختيار قد يعمق حفره
ويكرسه، صنيع فلوبير دائما في ما نسميه عنده بالواقعية الفنية. لقد جاءت
السردية الفلوبيرية على نظير وغير نظير، وهذا امتياز. تختلف عنها الواقعية
الطبيعية، التي هي تجريببية على طريقتها، ارتادها خاصة إميل زولا.
يمكن
القول بأن الجيل الثاني من كتاب الرواية العربية جله تجريبي، بدءا من
الستينات، بمعنى أنه امتص رحيق سابقيه، ولعله تمثل بتفاوت نتاجاتهم، وراح
يخوض في أقطار عربية عدة تجربته الخاصة، من وحي واقع متبدل،أحداثا وأوضاعا
بشرية وبإرهافات أدبية من عنده. وإذا نظرنا إلى كمّ هذه النصوص،ومدى
وتيرتها، فإنا واجدون مراوحتها فعلا بين مفهوم التعلم بمستوييه، الذي
سينتصر فيه في الأخير نزوع مغامرة كتابة مغايرة، في مواجهة أو بموازاة
الهرم الضخم للتراث الروائي المحفوظي، الكلاسيكي اليوم بلا منازع.


يمكنني أن أعتبر ما سلف، من وجهة نظر معينة، بمثابة مقدمات نظرية،مقررة
وافتراضية في آن،عن تصور شخصي للتجريب، كما فهمته في وقت من شروعي في
التعبير الأدبي، وكما أودّ اليوم مراجعته، ربما نقده، في ضوء المتن العام
الذي بات يشكل أعمالي، بين مجاميع قصصية، وروايات، أضيف إليها نصوصا شعرية
وأخرى متعددة المقاربات. مشروع ابتدأ منذ نهاية العقد الستيني الماضي، وها
نحن في العشرية الأولى من قرن جديد. تروق لي الصفة الأخيرة للتحدث عن هذه
التجربة التي استوت اليوم في سلم أربعين حولا. وإني لأخافها، أهابها
وأجلها، ثم أحب أن أخالفها بأن أنقضها، فهناك من ينظر إليّ حاليا إما
بتوجس أو بإنكار، خاصة حين أميل إلى القول بأن الأدب لا يصبح ذا شأن
ومعترفا به إلا إذا جرى في نهر الكلاسيكية العظيم. سأضطر للاختزال، مراعاة
للمناسبة، ثم فالعبرة بالخواتم.
أصدرت سنة 1971 مجموعتي القصصي
الأولى»العنف في الدماغ» مرفوقة بنانفستو(بيان) أجمع نقاد في المغرب
وخارجه على أنها تمثل بوصفهم أول نص تجريبي أدبيا في المغرب، إلى جانب
مغامرات في العالم العربي عموما،وحين نشرت في بيروت «وردة للوقت
المغربي»1980) علق نقاد هناك بأنها نص روائي مجدد بامتياز، وقبلها كانت
رواية «زمن بين الولادة والحلم»(1974) قد بادرت إلى شق طاعة السرد الطولي
والأجواء المألوفة للواقعية النسخية، الواصفة الناقدة، بالأحرى الناقمة.
تواتر بعد ذلك نتاجي قصصا وروايات بدون انقطاع، وبحفر عنيد وواع في تربة
كتابة ما فتئت تخصب، وأرحام تنجب أبناء قضوا زمنا ليقيدوا في سجل الحالة
المدنية الشرعية للأدب، ويتخلصوا من وصمة اللقطاء، ذلك أن الأمر يتعلق
فعلا بLe batardisme يمكن وضعها دون حرج مرادفا ل»التجريبية»التي لم تصل
من حسن الحظ في مطلع السبعينات إلى مرتبة تهمة تقود إلى السجن، وإن وضعها
سدنة معبد واقعية، وإيديولوجيات فجة في قفص محاكم تفتيشهم الأدبية
والثقافية عامة.

إن ما يقلقني الآن، بعد حصيلة عمر، ستؤول فيه
تجريبيتنا حتما، بحكم التواتر والتراكم،إلى طرز كتابة تقليدي،هو بضع أسئلة
أحتاج إلى وقت ومساحة تأمل فسيحتين لعرضها، واقتراح ما يقتضي لها بدايات
أجوبة، وأجملها في ما يلي:
ـ أولها، كيف تأتى لي، ويتأتى لكاتب أن يبدأ
تجريبيا، بمعنى تعارفنا نقديا على محتواه وإشاريته، فيما تجديفه أوَّلٌ في
البحر اللجب للكتابة الأدبية؟
أـ لماذا رفض هذا الكاتب تقريبا
جميع»الوصفات»الإنشائية المطروحة في زمنه، واختار بعناد أن يغرد»خارج
السرب»، ورغم النقمة والنعيب، أضحى النشاز هو المطرب أو يكاد؟
ب ـ كيف
يتأتى،أيضا،أن يمعن هذا الكاتب في غيّ مغامرته، فيما هو،أولا، منخرط عضويا
في حركة ثقافية وإيديولوجية لا تعترف بالكاتب،بالمثقف عموما،إلا كمُوصل
كهربائي مساعد لما تفترضه طاقتها اللاهبة والمحفزة للجماهير(كذا). تُراه
عصيانٌ ضد الإيديولوجية التي كانت سيفا مسلطا على الرقاب، شأنها شأن سيف
الحكم المستبد، مع فارق لا يحتاج إلى تبيان، أم يا ترى محاولة تصالح،أم
لعله اقتراح الأدب لإيديولوجيته، بنسق جماليته الخاصة ؟
ج ـ حين يصل
كاتب ما إلى نضج في العمر والتجربة، ويشرع تبعا لذلك في إعادة النظر في
طريقة كتابته، وتصوره للعملية الأدبية وقدراتها، ويميل إلى ضرب من
الاستقرار في خطاطات فنية،غير ملزمة بالضرورة، إيمانا منه بأن الفن يحتاج
إلى النظام، أتراه عندئذ ينقلب على تجريبيته،هل هو ينكص، ويصبح تقليديا،أم
التجريبية في نهاية المطاف خطة إجرائية نحو مسلكية إبداعية بعنوان
الاستتباب والسكينة الباذخة، بعد هبوب العاصفة؟
د ـ وأخيرا، وليس آخرا،
ماذا لو أن هذا الكاتب أراد، وما زال يصوغ نصيا أطروحة مرماها أنه قدر ما
تنزع الإيديولوجية(= اليسارية، التقدمية) إلى تثوير الواقع لتغييره، يذهب
النص إلى الفعل ذاته بوسائطه الخاصة، ويلتقيان في تركيب التغيير والتجديد
لعالم جديد؟ ربما...
-العلم الثقافي3/5/2010
أحمدالمديني


said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى