صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

الرواية العربية أمام رهان الحداثة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الرواية العربية أمام رهان الحداثة

مُساهمة من طرف منصور في الجمعة 8 يوليو 2011 - 16:05

في مقال الناقد
موريس أبو ناضر عن كتابي «الرواية العربية ورهان التجديد» (الحياة، 30
يونيو والاتحاد الاشتراكي 5يوليوز)، يطالعنا حرص على تأطير العرض بجملة من
التعريفات والاستشهادات والاشتراطات، تتصل بمفهوم الرواية وارتباط تجديدها
بتوفّر المجتمعات العربية: «..كما عرفتْ المجتمعات الأوروبية في القرن
الثامن عشر» على «التقدم العلمي، وتحدي الموروث، ونقض السلطة، والدعوة
للاعتقاد بالعقل في التعامل مع الطروحات الدينية والفكرية والاجتماعية
والسياسية». بعبارة أوضح، ينطلق المقال من افتراض مفهوم «مُكتمِل» للرواية
ترعرع وتبلور في أوروبا ضمن شروط معينة، وأصبح فارضاً نفسه كأنموذج للكتابة
الروائية المُقنعة...
لكن الأمر لا يقتصر على هذا الافتراض الذي هو من حقه وسنناقشه تالياًً، بل
يضيف ملاحظة ينسبها إليَّ، مع أنني أقول بعكسها، وهي تلك المتعلقة باتخاذ
الرواية الفرنسية الجديدة خلال منتصف القرن الماضي مقياساً أقيس عليه
«مصطلح الرواية العربية الجديدة» ! والحال أن ما ذهبتُ إليه هو نقيض ذلك
لأنني شكّكتُ في معنى الجِدّة والتجديد، لعدم وجود محفل تقييمي موضوعي،
مستشهداً برأي لجان جينه يرى أن الموتى منذ آلاف السنين، هم وحدهم القادرون
على أن يتعرفوا إلى العمل الفني الجديد، الجيد. ومن ثمّ استخلصت ضرورة
اعتماد النسبية في تحديد معالم التجدّد الروائي، وانطلقت من أكثر من 20
رواية كتبها شباب ينتمون إلى أقطار عربية مختلفة، لا فرق بين مركز ومحيط،
لتلمُّس سمات الاختلاف والتجدد بالمقارنة مع روايات عربية كتبتْ على امتداد
القرن العشرين.
أما الإشارة إلى الرواية الجديدة الفرنسية فقد وردت عند التدليل على نسبية
التجديد ومحدوديته الزمنية. وما لفت نظري في هذه القراءة، هو غضُّ الطرف عن
فصول لها طابع نظري أوضح فيها بعض المنطلقات التي اعتمدتها في تحليل
ومساءلة روايات الشباب في وصفها جزءا من إنتاج روائي عربي يفوق عمره المئة
سنة، ومن ثمّ ضرورة التأثر والاختلاف والنزوع إلى البحث عن سبل أخرى لكتابة
الرواية ضمن سياق التداعي والاستبداد الذي خضعت له المجتمعات العربية،
بخاصة بعد الاستقلالات السياسية في منتصف القرن الماضي.
صحيح ومعروف أن المجتمعات العربية لم تعش ولم تمرّ بما يشبه القرنيْن
الثامن والتاسع عشر، ولعل هذا ما أدى إلى تعثر «النهضة العربية» منذ
محاولات نهاية القرن التاسع عشر، ولكن هل هذا الواقع التاريخي يحول دون
ظهور الرواية في الثقافة العربية المعاصرة؟
لقد أشار الصديق موريس إلى أن كل الثقافات، منذ القدم، عرفت جنس الرواية في
شكل أو آخر، وربط «ألف ليلة وليلة» بالثقافة العربية، وهو مثال يؤكد ضرورة
الحكي والتخييل لكل المجتمعات، من دون افتراض نموذج يحتذى في هذا المجال.
والدليل، هو أن ألف ليلة التي استحوذت على أفئدة وعقول الأوروبيين، لم تصبح
مقياساً لإنجاز الرواية عندهم. وأحب أن أوضح، بالمناسبة، أن النظرية التي
ربطت نشوء الرواية وازدهارها بِتَكوُّن المجتمع الأوروبي، لم تعدْ مقنعة،
بخاصة بعد تحليلات وتنظيرات ميخائيل باختين انطلاقاً من التمييز بين اللغة
النثرية الأحادية والثنائية الصوت، والمقارنة بين الخطاب الشعري والخطاب
الروائي، وهو ما جعله يكشف عن تجليات الرواية منذ العصور الهيلينية
والرومانية، على أساس أن الحوارية بمعناها العميق، هي المحدد الجوهري للنص
الروائي. ومن هذا المنظور، لم يعد وجود الرواية يتصل بالمجتمع البورجوازي،
وإنما بالوعي اللغوي الذي يميز بين الخطابات وتأثيرها في التعبير عن أسئلة
وإشكاليات المجتمع.
ولا يتسع المجال هنا لعرض هذا التصور ونتائجه، لذلك أسمح لنفسي بأن أحيل
الصديق أبو ناضر على المقدمة التي صدّرتُ بها ترجمتي لكتاب باختين «الخطاب
الروائي» (1989). وأظن أنه سيتفق معي في بعض استخلاصاتي، لأنني أعرف أنه
متضلع في اللسانيات ومُولع باللغة ومسالكها.
مع ذلك، أحب أن أذكّر صديقنا بأن رحلة الرواية العربية الحديثة لم تنطلق من
صحراء، وأن نشوءها كان مقترناً بـ «تحديث» المدن العربية واتساعها، جرّاء
الاستعمار والمثاقفة والنمو الديموغرافي... ومنذ نصوصها الأولى («زينب»
لمحمد حسيْن هيكل، 1914)، نحسّ أن ذات الفرد العربي لم تعدْ واحدة وكياناً
مُلتحماً، ذلك أن «حامد» المثقف والبطل الحقيقي للرواية، قد أصابته لوْثة
الغرب والفلسفة والحداثة، فأصبح مُنقسماً، مُتطلعاً إلى مجتمع آخر يُلبي
رغبته في المعرفة والتحرر والحب... واللافت، هو أن بدايات الرواية العربية
استثمرت الشكل الروائي الذي تبلور في الغرب والعالم، من دون تشبّث بشكل
المقامة لأن المنجزات الروائية العالمية أثبتت مُلاءمة شكلها للتعبير عن
فضاء المدن الكبرى، وتجاوُر الطبقات، وتعدّد مستويات اللغة الواحدة، وصوغ
أسئلة الكينونة والوجود...
وإذا كنا نسجّل في نصوص البداية ملامح التقليد والتأثّر، فإن الموهوبين من
الروائيين العرب حرصوا على وعي الفروق القائمة بين مجتمعاتنا والمجتمعات
الغربية، كما ميزوا بين انتظارات القراء هنا وهناك، على نحو ما نستشفّ من
حوار مع نجيب محفوظ في ستينات القرن الماضي، أوضح فيه أنه عندما بدأ كتابة
الرواية كان مُطلعاً على نصوص مارسيل بروست وجويس وفلوبير ولكنه اختار عن
وعي الاتجاه الواقعي لأنه الأنسب آنذاك، في نظره، لتجسيد المجتمع المصري
وتفاصيل حياته الاجتماعية والسلوكية...
ولكن الروائيين العرب الشباب اليوم، لهم رأي آخر وهو أن من حق المبدع أن
يتفاعل ويستفيد من منجزات الإبداع العالمي، ما دامت السياقات متداخلة،
والوعي النظري متوفراً، لكي لا تأتي النصوص متشابهة، متكررة. بعبارة ثانية،
أنا أميل إلى اعتبار الشكل الروائي المعاصر، ثمرة جهود مشتركة بين جميع
الثقافات، وأن تطورات الكوكب الأرضي وبصمات العوْلمة قد أفضتْ إلى اتجاهيْن
في الإبداع: أحدهما يُساير طلبات التسلية والمتعة ومسايرة ما هو سائد؛
والاتجاه الثاني يعتبر الرواية أداة معرفة ومتعة ونقد واستكشاف وتحليل، ولا
يفرط في المقتضيات الجمالية ويراهن على دور الأدب المقلق في عالم يخطو
أكثر فأكثر نحو السديمية وفقدان المعنى...
ومن هذا المنظور، أرى أن الرواية العربية، منذ ستينات القرن الماضي، أخذت
تضطلع بهذا الدور المحرك للفكر والوجدان، المقتحم للفضاءات والموضوعات
المُحرمة، المُشيّد للذات المقهورة والمُلغاة في ظل الاستبداد العربي. هنا
نصل إلى اعتراض أبو ناضر على إمكان وجود رواية جديدة لانتفاء ما أسماه
ثوابت الحداثة (إرادة المعرفة، اقتحام الميادين المحرمة، مجتمع دنيوي...).
وجوابي عن هذا الاعتراض، هو أن الأدب والفن عموماً هما عنصران أساسيان في
بناء الحداثة والتهيؤ لشروطها. لذلك لا نستطيع انتظار تحقُّق الحداثة في
المجتمع لنُقرّ بإمكان وجود رواية جديدة.
وعلى سبيل المثل: هل رواية أمريكا اللاتينية ظهرت في ظل حداثة مماثلة
للحداثة الأوروبية، أم أنها شقت طريقها على رغم غياب تلك الحداثة؟ وإذا
أردنا التدقيق فلا مناص من التمييز بين الحداثة والتحديث على اعتبار أن
الأولى هي مفهوم للتحليل والنقد، والثاني تحديد لمنجزات ملموسة تخدم
الحداثة وتعضدها، ولكنها قد تنقلب ضدها؛ ومن ثمّ ضرورة اللجوء باستمرار إلى
مفهوم الحداثة لنقْد سيرورة المجتمع وآلياته، وإعادة صوْغ الإشكالية على
ضوء الحركة والتغيُّر. وأنا أميل إلى التعريف الذي يعتبر الحداثة هي الحركة
مُضاف إليها اللايقين.
وهذا هو مسار الحداثة العربية منذ خمسينات القرن العشرين، لأن أنظمة الحكم
المطلق والأوليغارشية والتسلط حالت دون إرساء دعائم الحداثة ولكنها لم
تستطع أن توقفَ «الحركة» السارية بين ثنايا وفضاءات المجتمع، ولم تستطع أن
تخلق إبداعاً استبدادياً أو أصولياً يحُدّ من سلطة ومفعول الإبداع الدنيوي،
الكاشف للمستور، المُحول للّغة الموروثة، المعبر عن اللايَقين، المُتحدي
لآليات قتْل الحياة. والرواية العربية الحديثة هي جزء من هذا الإبداع الذي،
على رغم انتفاء شروط الإنتاج والتلقي المُشجعة، شكّل ولا يزال، واجهة
لمقاومة الطغيان والماضوية واستشراف أفق الحداثة وتغيير البنيات المهترئة.
ومن ثم تأتي مبررات الرهان على رواية عربية جديدة يُبلور تضاريسَها
روائياتٌ وروائيون شباب، من دون إلغاء ما أنجزه الموهوبون من أجيال سابقة.
وهو تجديد، في نهاية التحليل، نسبيّ لم يستكمل بعد مقوماته، غير أنه يتعدى
تنويع طرائق السرد والتشكيل إلى ملامسة قضايا متجذرة في عمق هموم العربي
اليوم، وإلى ابتداع لغة تستوعب المستجدات، وتُخلخل البلاغة المحنطة. بل
لعلني لا أجانب الصواب إذا زعمت بأن بعض نصوص تلك الروايات الشابة كانت
تؤشر على ما تحبَل به المجتمعات العربية من رفض وثورة، تطلعاً إلى الاقتراب
من الأسس الضرورية لتجسيد قيم الحداثة والانخراط في التاريخ الإنساني.
وهذا ما يُبرر، في نظري، البدء بقراءة (وتحليل) الرواية العربية الجديدة من
دون افتراض أنموذج «حداثي» مسبق، لأن من خصائص النصوص أنها تُسعفنا في
تدقيق النظرية وَالتنظير.


محمد برادة
الاتحاد الاشتراكي
07-7-2011

_________________
N'attends pas que les événements arrivent comme tu le souhaites.
Décide de vouloir ce qui arrive... et tu seras heureux.
Epictète

منصور
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 1944
العمر : 37
Localisation : loin du bled
تاريخ التسجيل : 07/05/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى