صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

الشعر بوابة الحياة محمد الخمار الكنوني.. في رماد هِسبريس

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الشعر بوابة الحياة محمد الخمار الكنوني.. في رماد هِسبريس

مُساهمة من طرف عبدالله في الأحد 29 يناير 2012 - 23:06





محمد الخمار الكنوني.. في رماد هِسبريس

كثيراً
ما يُعَرَّف النص الشعري، بكونه نسيجاً من العلاقات الجمالية والصور
الثقافية، والتبئيرات الفكرية، مما يستدعي حدّاً أقصى من التأويل، ويثير ما
لايتناهى من القراءات المتحفِّزة والتفسيرات والشروح، خارج آية مدرسية
محددة، وهذا يؤدي تلقائياً إلى اقترانها برؤى تحليلية عميقة، تتمثل في
النقد، حيث يتمرأى في إطار قرائي في البنية النصيَّة ? البنية الأولى كما
أبدعها الشاعر في الصياغة المنشورة ? ويضطلع باستجلاء مكنوناتها وكشف
مدلهماتها، وموازاتها برؤى نقدية تسعى إلى إنتاج نص يقترن بأسئلة تبحث عن
جوهر الإبداع.
وهو في هذا البحث الدؤوب ، والكشف والحوار، يتَّسِم بكثير
من ملامح النص المقروء، بوصفه امتداداً له، حيث تظهر فيه طاقة جمالية
قادرة على الإبتعاد عن الإلتواء والتجريد والوقوع في أفخاخ الألغاز
اللغوية، فالجمال في تكوينه الأوّل، رؤية فكرية تستدعي فكرة، من أجل
توصيلها للمتلقي في صيغة إبداعية يمكن قراءتها ، ومن دون ذلك يصبح النص
الشعري، نصّاً شعارياً أو محاولة نصية مدرسية، فالجمال هو الذي يربط
إبداعياً بين الفكري والإبداعي، والفكرة في هذا الإطار أوّليّة فنيّة
بالضرورة.

هذا
التلاحم بين الجمال والفكر،لطالما طرح سؤالاً قلقاً، هل النص الشعري،
نصّاً جمالياً أم فكرياَ؟ ويكون الجواب إنه كلاهما معاً، فالإنسان كائن
جمالي يستطلع وجوده عبر إبداعه المتنوع، شعراً ونثراً وموسيقى وتشكيلاً
ومعماراً وتمثلاً مسرحياً أو سينمياً، وفطرة الإنسان الجمالية، تحمله إلى
السعي لإنتاج نص فكري يُقرأ جمالياً. ليستمر حلمه الأزلي مع الحياة، وإلاّ
انتفى مبرر وجوده في ظل غياب الجمال، لأن الحياة ستكون حالة هلامية.
إن
الشعر هو الصيغة الإنسانية التي تنفتح على على عالم الجمال، بوصفه الفضاء
التنويري لجوهر فعل الإنسان، وهذا ما اقترب منه الشاعر محمد الخمار الكنوني
في قصيدته " رماد هسبريس " في مفتتحها:
زَجرُ الطير
في العبور الأليم إلى الزمن المُستَحيلِ
وتحتَ غُبارِ المَدى والسنين
رأيتكمو.. أُذُناً تسرقُ السمعَ والكلماتِ
عيوناً على الطيرِ هلْ سَنَحَتْ في المعاهدِ أوبَرَحَتْ
راية تستريح على حافة النهرِ دهراً
بهذه
الصورة الجميلة القاسية، يعبِّر الخمار الكنوني، عن ذلك الحاجز الذي
لاتقوى اللغةُ على تخطِّيه، لأن الكلمات مهما بلغت حرارتها، لاتعبِّر
تماماً عن حرائق الإبداع في المبدع، وهو يحاول نقل اللحظات التي قادته
إليها مغامرة اكتشاف المجهول في الذات.
في قصيدة" رماد هسبريس" نحن أمام
شاعر كانت أسئلته الجمالية، صوراً فكرية، وفي خضم التحولات المتلاحقة التي
زعزعت الكثير مما كان يبدو من الثوابت والأنساق المنغلقة على أجوبتها، لم
يعد الشاعر" يترجم" أو يؤكد حقائق أو يسند أديولوجيا، بل على العكس، فهو
الذي يكتب من منطقة الإرتياب والتساؤل والبحث عن كل ما هو محفوف بالإلتباس
وتعدد الرؤى، فتكون الكتابة الشعرية محاولة للتعرف على كينونة محاصرة
بعلائق الإستلاب وسطوة القاموس وضوضاء التواصل، فذهب الخمار الكنوني يبحث
عن صور جمالية، ليلخص حوهر علاقة الشاعر بالجمال، عن كون" الأنا" المتكلمة
من خلال الشاعر ليست هي كينونته الواعية،لأن تأمل الأشياء الخارجية يقود
باتجاه نسيان الوجود الخاص، هكذا يمتزج الشاعر المبدع بالأشياء مُقِرّاً
بأن الذات هي ذوات متعددة، كما أحسَّ الشاعر وهو يرسم صورة الطير الغاضب،
كأنه يقول للمتلَقّي، لم يعد بالإمكان نسيان ذلك المجهول الكبير الذي
يسكننا، وتلك" الغرابة المقلقة" التي جاءت في صورة الطير الزاجر، المندس
بين الحرية والطيران في فضاء مفتوح، والتي تجعل المبدع يستكشف ملامح ذلك
المجهول في الأعماق، وللجمال في هذا التوظيف حياة مستقلة تجعله في جغرافية
المجهول، حتى عند مبدعه.
فمنذ بواكير تخلّق النص الشعري إلى أن ينشر،
قلّما يشعر الشاعر بأنه في حال اكتمال، لأن بذرة النص تنغرس خِلسة في
اللاوعي، وتبدأ المخيلة رحلتها متنكرة مجهولة الملامح، تستحث الشاعر على
ملاحقتها عبر متعرجات الذاكرة ومتاهات اللغة، ومن ثمَّ فإن نص الخمار
الكنوني هذا، يفترض نصّاً موازياً يتابع تكونه وتحولاته، ويحكي عن مسار
الشاعر وهو يجري لاهثاً خلف مجهول النص لاستدراجه وتشكيله جمالياً.
من
هذا المنظور يمكن أن نذكر مجموعة من الخصائص التي تشكِّل علاقة المبدع
القلقة بنصِّه ، ذلك هو عمل الكتابة الجمالية، حيث تَشَظّي النص في شكله،
وإعادة الكتابة التي تستوحي تصوصاً أخرى، ووضع المحكي المسرود في النص،
موضع تساؤل، وتضمين المروي رواية تحكي تخلقّها الجمالي:

" وصَلوا، ليسَ للّون لونٌ، ولا للعبير عبيرٌ !
هل النهرُ أخضر، هل نزل الثلجُ في قمم الغربِ،
هل هبَّت الريحُ؟
ليس يهمُّ السماسرة العابرين ! "
هذه
السمات الجمالية وغيرها،تتجلى صياغاتها الشعرية، بعديد من التساؤلات،
فتتضح طبيعة العلاقة بين المبدع والنص، إنها علاقة ملتبسة تنبني وسط سياق
حافل بطرائق التعبير المنفعل، لذا يحس المبدع بأن رهانه هو الإنفلات من هذا
الوضوح ومن أجهزة الإستقبال التي تُحَوِّل كلَّ شيئ إلى بضاعة للتبادل في
العصر الحاضر وفي المستقبل الذي نسير إليه مسكونين بالخوف والإرتياب، إذ
يزداد إحساس المبدع بأن الهوامش المتاحة له، تضيق أكثر فأكثر، وأن سؤال:
لماذا الجمال؟ يغدو خانقاً وسط التطور الكابوسي الذي يهمِّش الكينونة
وتعبيراتها، ويفرض قيم التبادل والمتاجرة على الثقافة والفن، وفي كل مرة
يعاد طرح السؤال: لماذا نكتب رغم هذا المسار المضاد؟
لايمكن أن نجد جوابا مقنعاً، وتأتي الإجابة من الشعري الجمالي، وهكذا فعل الشاعر الخمار الكنوني :
" من يدٍ ليدٍ تتنقَّل هذي الحقولُ: تراباً ، هواءً ، وماءً
ومابين لصٍّ قديمٍ ولصٍّ جديدٍ تحوَّل تفاحها الذهبيُّ،
فهل كان ذلكمو قدراً وقضاء "
هذه
العلاقة المعقدّة مع النص وجمالياته وما قد يستثيره في نفوس الذين
يتلقونه، هو ما يعيد طرح قضية مسؤولية المبدع من منظور حضور الذات الفاعلة
أو غيابها، حيث يصعب الآن بعد القراءات البنيوية والمادية والتاريخية وما
آلت إليه من إلغاء للذات الفاعلة واستبدالها بالبنية اللغوية أو البنية
المجتمعبة أو بنية اللاوعي، أقول يصعب أن نقتنع بان الكاتب المبدع هو مجرّد
انعكاس لإحدى تلك البنيات، وأنه لايستطيع أن يتدخّل أو أن يمارس حريته
ويُحدّد موقفه مما يعايش ويعاين.
صحيح أنه لايستطيع تغيير الواقع، أو
تقويم ما يراه خللاً،إلاّ أنه يستطيع أن يجعل من المتخيَّل فعلاً ناقداً،
لما هو قائم،أي لكل ما يُشَيِّئ ويحفر ويهدم القيم التي تعطي معنى لحياة
الإنسان، ومن هذا المنظور ، قال الخمار الكنوني:

أبحرت بالحقول السفينُ
إلى أين؟ ليست تُجيب العيونُ
فلو أنَّ هذي الحقول ُ تقولُ: كلوا جسدي واشربوني
دماءً
لَما كان حقّاً..
- هي الشَجَرُ المُستباحُ لِمَن يعبرون،
هي الثمرُ المستحيلُ لمن يزرعون -
من
هذه الرؤية ومن دون أوهام مقولات التجاوز والتقدم وحتميتهما، نقول: إن
التجربة الجمالية قادرة على أن تقدّم شيئاً أكثر من " الحس العام" المشترك
في البحث عن الحقيقة، والإبداع في الفن والأدب يستطيع أن يعطي بذوراً
جمالية يتولّد منها خطاب لايقتصر على الإرشاد، بل كل ما هو من قبيل
الجمالي.
إن ممارسة الخمار الكنوني في التصوير الجمالي، لرصد أوجاع
الإنسان إلى أبعد مما هو قائم ومعروف في المشهد البصري، كما في مايبدو
مشهداً طبيعياً للمواخير، فتزداد الحالة تعقيداً وغموضاً، إلاّ أنها تظل
محكومة بالرؤية ذاتها :
وما رسمتهُ الحقولُ على الوجه والظهر من ألمٍ وندوب
وما تركته الحوافرُ في اللحم من دَرَنٍ ووحولْ ..
نحنُ في السوق أو في المواخير أو في الحقولْ
جسدٌ أحرقتهُ شموسُ البراري،
وحاصره الوقتُ ،
بين لحوم العبيد وبين قرونَ الوعولْ
إذاً
، لنا أن نتخيَّل المواخير، مثلاً ، من خلال مخيلة الخمار الكنوني
الشعرية، فهو يراها جمالياً لا كما هي في الواقع، كما يرى بحراً او حقلاً،
وحين نفكِّر في عملية الخلق الإبداعي، لايمكن تصورها إلاّ من خلال شواهد
بصرية جمالية.
وبإمكاننا أن نُشَبِّه عمل الشاعر في هذا النص بأشعة "
اللايزر" فهو لاينتظرنا لنلتقي بما رأى، بل سعى إلينا لنشاركه فعل الإبداع،
فإذا هو نص الخمار الكنوني، جمالاً مشتبكاً بلغة تهتف بالمتلقي في رهبة
ساحرة: الجمال حياة والشعر بوابة الحياة.

*ناقد فلسطيني
27/1/2012-العلم الثقافي

سليم النجار*


عبدالله

ذكر عدد الرسائل : 1675
العمر : 46
تاريخ التسجيل : 26/06/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى