صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

قم للمعلم / فقيهي الصحراوي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

قم للمعلم / فقيهي الصحراوي

مُساهمة من طرف izarine في السبت 27 يوليو 2013 - 0:42

1 : هل كان مؤلف نصوص أم رجل منهاج؟

هذا المؤلف ليس سيرة حقيقية وكفى، إنه كذلك ذريعة اتخذناها للحديث ليس على السي بوكماخ فقط ، ولكن عن كل أولئك البوكماخيين الذين تفانوا في تعليم أبناء هذا الوطن، دون انتظار مقابل أو مكافأة؛ كتلك التي منحت للمقاومين؛ ومع ذلك فالمدرسون يعتبرون مقاومين، يطاردون الجهل داخل المدن وفي بقاع نائية من هذا البلد، دون المطالبة بتعويضات النقل ، أو بسيارات الخدمة التي يتبختر داخلها العديد من أطر الجماعات والعمالات والمقاطعات، مع أن أغلبيتهم لم يتجاوز مستواها الثقافي الثانوي، إضافة إلى أن سيارات الخدمة لا تخدم إلا مصالحهم الخاصة.
هذا المؤلف ليس سيرة فقط ? كنت أقول ? وإنما مطية للوقوف على مواضيع وقضايا، يظن أصحابها أن التاريخ غفل عنها، فقط لأنها تربوية وليست سياسية.
و أؤكد أن هذا المؤلف لا يمثل ربما إلا وجها من الوجوه العديدة لحياة السي أحمد بوكماخ، نظرا لغياب المراجع ولرفض من يتوفرون على البعض منها بمحيطه القريب، لمدنا بها، رغم إصرارنا ومحاولاتنا المتكررة للحصول عليها؛ الشيء الذي قد يكون السبب في سقوطنا في بعض الهفوات. نرجو من القارئ الكريم أن يغفرها لنا إن هي وجدت .


في إطار البحث عن مراجع تفيد في الكتابة عن معلم الأجيال سيدي أحمد بوكماخ، قررت، بعد اتصالات عديدة بإحدى بناته، اتصالات لم تعط أكلا نظرا لتعذر لقائي بإحدى بناته، لأسباب لا تعلمها إلا هي بعد الله عز وجل ؛ قلت، في هذ الإطار، و أمام شح و بخل أقرب الناس إليه في إمدادي ببعض المعلومات الضرورية لتناول حياة معلمنا الرائد ، قررت الذهاب إلى الرباط للاتصال بقسم البرامج بوزارة التعليم الابتدائي. وهناك كان علي ملأ ورقة أبين فيها سبب الزيارة. فكتبت بالخانة المخصصة لهذا الغرض : « القيام ببحت حول سيدي أحمد بوكماخ « بكل فخر و اعتزاز . وكنت أنتظر في قرارة نفسي، أن تقابلني كاتبة رئيس قسم البرامج بكلمة ترحيب أو ابتسامة تشجيع كما يقابل في البلدان المتحضرة أولئك الذين يأخذون على عاتقهم المساهمة في الصرح الثقافي بالبلاد.
أولا، على تناولي شخصية لم ينتبه لمرورها بيننا أحد، ولم يعترف بعطاءاتها مسؤول.
ثانيا، لقيامي ببحث حول مثقفينا في وقت لم يعد أحد يتناول بالبحث أحد.
لكن كاتبة رئيس المصلحة هاجمتني بسؤال فاجأني إلى حد الغضب:
- « من هو بوكماخ هذا ؟ « سألتني الكاتبة بقسم البرامج بوزارة التعليم.
ابتسمت تهكما حتى لا أصرخ في وجهها غضبا قائلا :
- «هو من علمك وعلم أباك وعلم من يرأسوك كمان» كما يقول المصريون .
لكني تمالكت أعصابي و قلت في هدوء يشبه هدوء ما قبل العاصفة :
« ? «هو من ألف لنا نحن جيل بداية الاستقلال كتاب إقرأ. ألم تسمعي يوما بهذا العنوان ؟ «
لم تجب على سؤالي واكتفت بالقول:
- مصلحتنا إدارية أكثر منها بيداغوجية ، عليك أن تتصل بملحقة للا عائشة، حيث توجد مصلحة المناهج ثم سطرت لي العنوان على وريقة . كتمت غيظي وخيبة أملي في مصلحة للبرامج بوزارة التربية الوطنية تضع على رأس كتابة رئيسها من يجهل اسم أحد المعلمين الأوائل الذين أسسوا للتأليف المدرسي ببلادنا. وقلت في نفسي : غبي أو جاهل من يتساءل عن تردي المستويات بمدارسنا وكلياتنا .
وأنا بسيارة الأجرة ظللت أتساءل :
هل أحمد بوكماخ كان مؤلفا لنصوص برمجت بأقسام الابتدائي أم كان رجل منهاج؟
المنهاج معناه كيفية تعليم لغة ما أو مادة ما .
هل أحمد بوكماخ جاءنا بمنهج ما ؟
بمعنى آخر هل جاءنا بكيفية جديدة لتعليم اللغة العربية أم جاءنا بنصوص ندرس من خلالها اللغة و نتعلمها ؟
المشاع عن السي أحمد أنه كان يستلهم نظريته في تعلم اللغة من المناهج الغربية وخصوصا منها «طريقة بلانشار « رغم أن كتب هذا الأخير لم تنشر إلا بعد ظهور « إقرأ» بسنين.
و المعروف أن السي أحمد مؤلف و ليس منظر في المناهج.
و لما نعود إلى ما هو مسطر على رأس غلاف سلسلة « إقرأ» نقرأ عبارة:
« قررت وزارة التعليم استعمال هذا الكتاب لقسم ...»
أو « قررت وزارة التعليم تدريس هذا الكتاب بأقسام ....
فكتبه إذن برمجت بأقسام المدارس الإبتدائية من لدن الوزارة.
وعليه، ( إذا استعملنا لغة القانون ) ، فهو ينتمي لمصلحة البرامج و ليس لمصلحة المناهج.
كيف يمكن أن تفسر هذا للمسؤول عن قسم البرامج ؟
وكيف تراه، حتى يتسنى لك هذا التوضيح، وهو محاط بسياج من الشواش ( ومؤخرا رجال الأمن الخصوصيين ) أو كاتبة صماء بكماء؟
أقول في نفسي دائما و لا زلت أردد، أن المغرب سيكون قد قطع أشواطا عديدة على سلم التقدم في الوقت الذي ستلج فيه إدارة ما، فتجد مكتب المسؤول ( و لا أقول الرئيس ) مفتوحا ، ليستقبلك بابتسامة مؤدبة و هو يسألك : هل من خدمة سيدي؟
ما علينا هذا موضوع آخر .
وصلت إلى ملحقة للانا عائشة و دلوني على مصلحة المناهج.
مكتب صغير بالكاد يتسع لموظف واحد، وإذا بي أجد به موظفين ، جنبا إلى جنب، و كأني بهما بإحدى حافلات الدار البيضاء. فقدمت نفسي والهدف من زيارتي بكثير من التواضع، بعد تجربتي مع كاتبة رئيس قسم البرامج . أخبرني أحدهما أن المسؤول يحضر اجتماعا مهما. وقد يتأخر طويلا ولا يمكن لغيره إفادتي في الموضوع الذي جئت من أجله. فقلت أن لدي من الوقت ما يسمح لي بالانتظار حتى نهاية التوقيت. فبادر الموظف بالقول:
« في الحقية هو لا يوجد باجتماع ولكنه فقد أحد أقاربه و لن يتأتى له المجيء اليوم للعمل «
فقلت  هل لكم أن تمدوني برقم هاتف المصلحة كي أتصل به وأتفق معه على موعد للزيارة ؟
فقيل لي أنه لا يوجد بالمصلحة هاتف.
قلت إن لديه و لا شك هاتف نقال؟
فكان الجواب أن لا أحد يعرف رقم هاتفه النقال.
وهنا تملكني غضبي كالمعتاد، فأزلت قناع الرجل المتواضع و قلت :
« أنا هنا بمصلحة المناهج . جئت إليها من بعيد و لن أعود خاوي الوفاض. عليكم أن تدلاني على شخص ما أو مصلحة ما للحصول على ما جئت من أجله . لا يمكن لأي نظام أن يتوقف عن النشاط بغياب أحد عناصره؛ و كما يقول العجم، لا أحد يستحيل الاستغناء عنه . «مات الملك ، يحيى الملك.»
فقال الثاني من الموظفين الذي ظل ملازما للصمت كأن الأمر لا يهمه :
«كل ما يمكن أن نقدمه لك هي بضع كتب القراءة التي كانت مبرمجة بأقسام الابتدائي، و التي كنا قد حضرناها لعرضها ضمن الكتب العتيقة.»
قبلت العرض . فأخرج لي كتبا قديمة فعلا ، كانت مبرمجة بأقسام الابتدائي . منها: «القراءة المصورة» و « القراءة المفسرة « و « القراءة العربية». وهلم قراءات. . .
تفحصتها وأنا أتساءل :
بعد قليل من الغضب المكبوت، وكثير من التفكير، وجدت أنها ستفيدني في باب مقارنة كتب سيدي أحمد مع المؤلفات التي سبقته. سألتهما إن كانت توجد بالمصلحة آلة ناسخة تربحني شيئا من الوقت. فضحكا و قال أحدهما : « لا يوجد هنا إلا نحن في الحقيقة. «
وفي الحقيقة حتى هؤلاء الموظفين غير موجودين، ما دام وجودهما لا يفيد الزائر في شيء.
فعندما يتلكأ الصحفيون لصعوبة حصولهم عن المعلومة أمر أتفهمه . فقط لأن المعلومة هنا قد تكون سياسية وقد تجر على من يتكرم بها عواقب لا يتحملها إلا هو، نظرا للاحتياط الأمني الذي لا زال يلف الكثير من مصلحاتنا الإدارية؛ ولكن أن تغيب المعلومة في الميدان الثقافي، فهذا فعل يعيدنا إلى ممارسات إدارية ما بعد الاستقلال .
ما يحز في النفس، هو أن هذا الموظف الذي ما أن يقبع وراء مكتبه حتى « يتميطامورفوزا « و يصبح حارسا بعيون بلاستيكية وآذان صماء لا يعطي الفرصة لأي معلومة أن تنفلت من ملفها. ومع ذلك، تجده بالمقهى يتشدق بكلام مخالف لممارساته داخل عمله من قبيل :
« وا افرانسا امشات ابعيد آخي . « أو « انصارى بزاف اعلينا. «

الاتحاد الاشتراكي
20/07/2013
avatar
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1857
العمر : 57
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قم للمعلم / فقيهي الصحراوي

مُساهمة من طرف izarine في السبت 27 يوليو 2013 - 0:46

2 - وجها لوجه أمام مؤسسة شبح

أحمد بوكماخ

لكي يكفر الموظف الثاني بقسم المناهج عن صمته، أخبرني بعدما انتهيت من نسخ عناوين القراءات العتيقة التي أفادني بها، ( أتساءل عن غياب آلة ناسخة بمصلحة وزارية من الأهمية بمكان ) ، قلت أخبرني الموظف أن بإمكاني الحصول على مراجع تهم موضوعي بمعهد التوثيق و الإعلام ؛ الشيء الذي قلل من يأسي و جعلني أتعاطف مع هذين الموظفين الذين يموتان قنطا وراء مكتبيهما في انتظار موتهم الإداري الذي هو التقاعد .
وفعلا اتجهت إلى مركز التوثيق والإعلام بإحساس أني وجهت أخيرا الوجهة الصحيحة التي كان من المفروض أن ألجأ إليها مباشرة بعد وصولي إلى مدينة الرباط على الساعة التاسعة صباحا. أشير إلى أني قضيت ما يزيد على ثلاثة ساعات بين إدارتين وزاريتين، واستهلكت نسبة كبيرة من هذا الوقت في محاولة القفز على الحاجز المكون من حراس الأمن الخاص و الشواش والكاتبات، ناهيك عن انتظار الاستقبال من قبل المسؤول الذي، وأنت أمام مكتبه، تتناهى إلى سمعك مكالاماته الخاصة عبر التلفون، أو تجده منهمكا في حديث مع أحد الزملاء دون الأخذ بعين الاعتبار إكراهات زائريه من المواطنين .
بناية مركز التوثيق والإعلام، بناية ضخمة، فخمة منزوية في أحد الأحياء الهادئة بالرباط؛ وكأن المسؤولين يسهرون على طمأنينة و هدوء الموظفين به. يستقبلك حارسه الأمني الخاص ليسألك عن الهدف من الزيارة، ثم يطلب منك الانتظار. يغيب بعض الوقت للتأكد من أن المسؤول مستعد لاستقبالك .
يعود الحارس الأمني ليدلني عن المكتب المنشود . هو عبارة عن قاعة كبيرة كتب على بابها قاعة للقراءة؛ لكني فوجئت بعد ولوجها أنها لا تتوفر على كتب، ولا على كراسي يمكن استعمالها من قبل قراء مفترضين. قاعة تؤثثها طاولات تحمل حواسب بعضها أخرج ما بأحشائه من أسلاك و البعض لا زال يرتدي تياب المتجر.
استقبلتني سيدة ، و بعد الإطلاع على مبتغاي رأيتها تفتح على شاشة حاسوبها موقع الكوكل .
فقلت لها:
«اسمحي لي سيدتي، أليس بمركزكم مكتبة أو أي وسيلة أخرى تساعدونني بها على الحصول على مراجع تتناول الشخصية التي أنا بصدد العمل حولها؟
أما موقع الكوكل فأنا أعرفه مثل ما أعرف غرف منزلي. لقد طرقته مرارا قبل اللجوء إليكم و لم أجد فيه أكثر من مقالتين إحداهما للناقد عبد الله البقالي و أخرى للسيد أسليم .
فأجابتني السيدة أن المركز بالفعل لا يتوفر على مكتبة جادة، وأنهم يستعينون بالأنترنيت للحصول على حاجياتهم من المعلومات؛ و أضافت أنه بإمكاني، ربما الحصول على مراجع بمعهد طارق. ابتسمت غيظا ، خطفت محفظتي وصفقت الباب مغادرا المكان لا ألوي على شيء.
وأنا في القطار، خلال عودتي، ظللت أفكر في الجدال الذي يدور بأجهزة إعلامنا، خلال ما يزيد على سنتين، حول الموظفين الأشباح. ليس بالمغرب موظفون أشباح ، فحسب ، بل هناك مؤسسات أشباح . فالموظفون الأشباح نوعان الأول غائب لا يحضر مقر عمله بالمرة؛ لكن اسمه موجود على قائمة العاملين ويتوصل بأجره ، دون أن يقوم مقابل هذا الأجر بأي مجهود. هناك أشباح من نوع آخر . هم موجودون بمقر العمل؛ ولكنهم لا يخدمون المواطن. تجده غالبا بالمقهى المجاور أو بمكتب لأحد الزملاء ، وعندما يلج مكتبه، يعود إليه فقط لإعطاء الانطباع بالقيام بالواجب، أو من أجل استغلال الهاتف. الشيء نفسه يجري على العديد من مؤسساتنا. إنها موجودة على الخريطة الإدارية ، ولكنها لا تقدم أي خدمة تستحق عليها التسمية الملصقة بها والميزانية الموكولة لها. فعندما يسمع المرء «بمركز للتوثيق « . فأول ما يتبادر إلى الذهن هو أنه أمام بنك للمعلومات؛ يوفر عليك التنقل إلى جهات متعددة للحصول على معلومة ما .
وعندما تتوجه إلى مصلحة البرامج والمناهج ، من المفروض أن تجد فيها أرشيفا يوثق كل ما راج بالمدرسة المغربية منذ الإستقلال إلى تاريخه من برامج و مناهج . ولكن عندما لا ترضي هذه المؤسسات ولو نسبة ضئيلة من المبتغى، فهذا يعني أنها فارغة bidon كما يقول الفرنسيون.
كيف يمكن لإدارات من هذا النوع أن تظل فاتحة أبوابها، وأن تنعم بميزانية دون رقيب و لا حسيب. يجب تصحيح مفاهيمنا أو رؤانا . فوجود موظفين أشباح مرتبط بوجود رؤساء أشباح ، لا يتحملون أي مسؤولية و لا يتخذون أي قرار مسؤول في حق الأشباح التي تحيط بهم . و لا يمكن أن يوجد هؤلاء الرؤساء الأشباح إلا بمؤسسات أشباح.
avatar
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1857
العمر : 57
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قم للمعلم / فقيهي الصحراوي

مُساهمة من طرف izarine في السبت 27 يوليو 2013 - 0:54

3 - الوضعية التعليمية في بداية الاستقلال

أحمد بوكماخ

لما فكر سيدي احمد بوكماخ في الانخراط في ميدان التأليف، وأصدر أول كتاب من سلسلة « إقرأ» لقسم التحضيري، سنة 1954 ، حسب ما جاء على لسانه في حوار له بالعدد الأول من جريدة الخضراء التي كانت تصدر بطنجة، كان المغرب لم يستفق بعد من فرحة الاستقلال . وفي غمرة هذا الفرح، لم ينتبه المسئولون، حينئذ، لما كانت تجره البلاد وراءها، على جميع المستويات، من تبعات إثر وضعية الاستعمارالتي عاشته، و خصوصا على المستوى التعليمي. كان الشعب المغربي ، كباقي الشعوب التي تحصل على استقلالها بعد معانات الاستعمار، يشعر، إضافة إلى الفرح، بحماس زائد عن الحدود؛ الشيء الذي جعل الكثير من المسئولين لا يقدرون الوضعية حق تقديرها . حيث إن العديد منهم ظن أن بخروج الاستعمار، سيتأتى لهم حل جميع مشاكل المغرب. ولم يتجل هدا الشعور أكثر مما تجلى في ميدان التعليم. إلا أنه يجب الإشارة هنا، إلى أن الفرنسيين خلفوا وراءهم، للمسئولين الجدد، الذين لم يكونوا يتوفرون على التجربة اللازمة، لا حول التسييرالإداري ولا التربوي، إرثا ثقيلا في ميدان التعليم، قد يصعب تدبيره حتى على أصحاب الحنكة في هذا الميدان. ولحل بعض المشاكل الناتجة عن رغبة المسئولين آنذاك، في إقامة نظام تعليمي عربي وطني؛ مشاكل مرتبطة بالأطر والمراجع، بادر من تولى مقاليد الأمور ساعتئد إلى ربط علاقات قوية بالبلدان العربية، تتجاوز المستوى الذي كانت عليه في الماضي، من أجل الحصول على أطر لتدريس اللغة العربية و كتب مدرسية.
لا يجادل المؤرخون في أن الحماية الفرنسية لم تقم بجهود تذكر لتوفير التعليم لأبناء المغاربة كما فعلت جارتها إسبانيا، مثلا، التي كانت تستعمر شمال المغرب؛ ولا كما فعلت فرنسا نفسها بتونس. و للوقوف على هذه الحقيقة ، يمكن الرجوع إلى بعض الإحصائيات التي قدمها جون جيمس ديمس في كتابه: «حركة التعليم الحر بالمغرب» الصفحة 108، لما تناول التعليم العمومي بالمغرب.
فحسب ما جاء على لسان هذا المهتم بتاريخ تعليمنا، كان مسجلا سنة 1920 بالتعليم العمومي من أبناء المسلمين، 300 ثلميذا؛ العدد الذي سيصل إلى 10.000 سنة 1930 و 25000 سنة 1939؛ وهي السنة التي اندلعت فيها الحرب العالمية. و هدا الرقم الأخير حسب صاحب الكتاب دائما، لا يمثل إلا ثلاثة في المائة من مجموع أبناء المسلمين، الواجب تسجيلهم بالمدرسة العمومية. و كان على الأطفال المغاربة انتظار انتهاء الحرب العالمية، ليندد الوطنيون بسياسة فرنسا التعليمية، المجحفة، أمام الهيئات الدولية، لكي يتزايد الاهتمام بتعليم أبناء الأهالي، و تتزايد أرقام التسجيلات في الصعود. فإدا بعدد المسجلين من أبناء المسلمين بالمدارس العمومية يرتفع من 42 ألف سنة 1945 إلى 187 ألف سنة 1955 ؛ وهي آخر سنة من عمر الاحتلال الفرنسي: أي أن عدد التلاميذ المسلمين تضاعف أربع مرات خلال عشر سنوات. إلا أن هذا العدد يبقى، رغم ذلك، غير كافي بالنسبة لعدد الأطفال الذين وصلوا سن التمدرس.
و حتى عندما وصل عدد المسجلين إلى مليون و 360 ألف تلميذا، فإنه لم يكن كافيا؛ لانه، حسب دجيمس ديمس، لم يكن يبلغ أكثر من 14 في المائة من مجموع الأطفال المسلمين الواجب تسجيلهم بالمدارس العمومية.
و حتى هذا العدد الذي يبدوا كبيرا أنذاك، يجب الإشارة إلى أن القليل من هؤلاء الثلاميذ المسجلين هو الذي كان يستمر في الدراسة حتى اجتياز الباكالوريا؛ مما جعل المغرب، غداة حصوله على أستقلاله، و ساكنته تناهز السبع ملايين، لا يتوفر إلا على حوالي 30 مهندسا , و 19 طبيبا وطبيبين للأسنان و 27 محاميا و 6 صيادلة، حسب ما جاء في «خطوط بالمغرب، السياسة الخارجية». المجلد 20 . عدد 4 (غشت شتنبر 1955)، ص : 397.
جميع الإحصائيات تدل على أن السياسة التعليمية الفرنسية كانت تولي العناية لأبناء النخبة أكثر مما كانت توليها لأبناء الأهالي، أي أنها كانت تعنى بأبناء الأعيان والمتعاونين.
وكانت اهتماماتها هذه، موجهة على الخصوص، نحو احتياجاتها الظرفية؛ مما جعل عدد الأطر المغربية، غداة حصوله على الاستقلال، يكون ضئيلا للغاية.

ما أن استقل المغرب، حتى أصبحت له وزارة للتعليم، بدل المديرية التي كانت تسير شأن هذا القطاع خلال الاحتلال. كان على هذه الوزارة أن تقوم بمجهودات كبيرة، و في اتجاهات متعددة. فباالإضافة إلى بناء مدارس جديدة، لاستيعاب أكثر عدد من التلاميذ الجدد، و رفع التحدي الذي يتطلبه الاستقلال، كان عليها كذلك إيجاد الأطر اللازمة من المعلمين على الخصوص و المكونين و المدراء؛ ناهيك عن توحيد البرامج؛ خصوصا وأن الاستعمار الفرنسي كان قد خلق نوعين من التعليم: تعليم خاص بأبناء الأعيان وتعليم موجه للأهالي. الشيء الذي دفع محمد الخامس إلى الحديث، سنة 1946، أي 10 سنوات قبل الاستقلال، عن تعليم عمومي موحد، حر وإجباري. كلمة « حر « هنا ، تعني تعليما بعيدا عن الضغوطات و التوجهات المقصودة. هذا وقد سبق لحزب الاستقلال، سنة 1944 (و هي سنة الإمضاء على وثيقة الاستقلال)، أن نادى، من بين ما نادى به، بمنهاج دراسي يتضمن 25 ساعة للغة العربية و 5 ساعات فقط للغة الفرنسية. يبدو أن حزب الاستقلال كان يريد، من وراء هذا المطلب، رد الاعتبار لما كانت تعانيه اللغة العربية، خلال فترة الاستعمار، من قمع من قبل مديرية التعليم؛ الشيء الذي يفسر لهفة المسئولين الحكوميين في بداية الاستقلال، في إقامة مغرب عربي من خلال تكريس تعليم عربي قح و إقامة روابط متميزة مع العديد من البلدان العربية مثل مصر والعراق و سوريا.
ومن أجل هذا الغرض، عمدت الوزارة، سنة 1956، إلى تعريب المناهج، بعدما كانت مديرية التعليم، خلال الحقبة الأخيرة من فترة الحماية، قد خصصت برنامجا من 20 ساعة للغة الفرنسية و 10 ساعات للغة العربية؛ الشيء الذي لم يكن في الحقيقة إلا نظريا، لأنه في الواقع، ما أن يبلغ عدد المسجلين خمسين تلميذا حتى تتصاعد حصة الفرنسية و تتقلص الساعات المخصصة للعربية
( انظر كتاب جون جيمس ديمس . ص: 110 الفقرة 4 ).
فبعد هذا البرنامج المتسنى في السنوات الأخيرة من عمر الاستعمار، جاءت وزارة التعليم سنة 1956 لتعلن تعريبا شاملا ، خلال السلك الابتدائي، لتقلص في السنة الموالية (1957 ) من حصص الفرنسية و تمدد تلك المخصصة للعربية؛ إلا أنه ما غاب على المسؤولين الجدد بوزارة التعليم المغربية، هو أن تعريب المناهج لا يتوقف عند تسطير البرامج، و لكنه يتطلب كتبا ومراجع معربة، إضافة إلى مدرسين و مؤطرين تربويين؛ الشيء الذي سيدفع بالمسؤولين إلى التفكير في استقدامهم من البلدان العربية.
يجب الإشارة هنا، وهذا نادرا ما يشار إليه، إلى أن المدارس الخصوصية أنذاك، لعبت دورا كبيرا في مسيرة التعليم العمومي. إد اعتبرت من قبل الوزارة النموذج الذي يحتدي به. و يؤكد محمد الفاسي الذي كان وزيرا للتعليم، من سنة 1955 إلى1958 ، في مقابلة أجراها معه جون جيمس ديمس في 25 نونبر1968 أن الوزارة خلال تخطيطها للمدارس العمومية الجديدة، كانت تستحضر في دهنها مؤسسة محمد جسوس، لصاحبها احمد بلفريج بالرباط، والتي كانت تعد حينئذ مدرسة ناجحة، ذات تعليم مزدوج.
أضف إلى هذا، أن المدارس الحرة كانت المصدر الوحيد، بجانب الدول العربية، لإمداد التعليم العمومي بما يحتاج إليه من أطر. كما أنها كانت الدليل الملموس على نجاح التعليم المعرب الذي كانت تصبوا إليه الحكومة، نظرا لأن هذه المدارس تبنته حقبة لا يستهان بها قبل الاستقلال، وظلت تتشبث به حتى بعد الاستقلال .
إلا أن هدا الإعجاب بالمدارس الحرة، والاقتضاء بها، لم يمنع المسئولين بالوزارة، من الالتفات إليها لتوحيد برامجها و تتبعها ومراقبتها وتقديم المساعدة المادية على الخصوص، نظرا لأن الكثير منها كان يشتغل بفضل تضحيات أطرها، الذين لم يكونوا يولوا، خلال فترة الاستعمار،المحفز المادي أولوية.
لكن هذا الواقع ، واقع تضحية الأطر بالمؤسسات الحرة، والذي ستكرسه وزارة التعليم في بداية الاستقلال، لم يعد متاحا بعد الاستقلال ؛ لكن المسئولين بوزارة التعليم لم يحسبو له حسابه، ولم يفكروا في أن معينهم سينضب ذات سنة إن هم لم يحسنوا وضعية أطرهم؛ حيت إن الكثير منها، بعد شهور من الممارسة أو سنة في أحسن الأحوال، غادرالتعليم العمومي إلى مهن أخرى، أكثر مردودية، وذات امتيازات؛ ونذكر منها الشرطة والداخلية والجيش إلى غير دلك من القطاعات العمومية الأخرى التي كانت، شأنها شان التعليم، في حاجة إلى أطر.

23/07/2013
avatar
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1857
العمر : 57
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قم للمعلم / فقيهي الصحراوي

مُساهمة من طرف izarine في السبت 27 يوليو 2013 - 0:56

4 : الـظروف التي عجلت بمجيء أحمد بوكماخ

هذه التعترات خلال الخطوات الأولى لوزارة التعليم، لم تمنعها من الاستمرار في مخططاتها و متابعة مسيرتها لأنه، على ما يبدو من السياسة المتبعة آنداك، والمبنية على التوسع والتعريب، كان المسئولون يهدفون إلى الكم أكثر مما يهدفون إلى الكيف؛ مما سيترتب عنه نتائج وخيمة.
لنسمع لجون دجيمس ديمس و هو يتحدث عن نمو المدارس العمومية منذ الاستقلال في كتابه تاريخ المدارس الحرة بالمغرب الصفحة 111 الفقرة الأخيرة :
« لقد جاءت نتائج التوسع والتعريب المرتجل مصدقة لتكهنات الخبراء التربويين الأجانب سنة 1956. فما طبقه المسئولون خلال السنتين الأوليتين من عمر الاستقلال، ترتبت عنه كارثة محققة. فمن حيث المضمون ، تمت التضحية بقسط كبير من الجودة لبلوغ الكمية المرغوب فيها.»
وحتى لا يعاب علينا لجوؤنا إلى مختصين أجانب لتقييم تجربتنا التعليمية بعد الاستقلال، فلنستمع لشاهد من أهلها وهو أستاذ العلوم السياسية ومؤرخ المملكة سابقا حسن أوريد حيث صرح لجريدة المساء عدد 1846 بتاريخ 30- 08- 2012 :
«ومن حيت التشخيص، هناك محطتان رئيسيتان في مسارنا التعليمي . المحطة الأولى عقب الاستقلال وقد حددت المبادء الأربعة المعروفة ( التعليم ، التعريب التوحيد ، المغربة )؛ وهي المحطة التي يمكن أن نقول عنها أن أصحابها كان لهم تصور عن المجتمع الذي يريدون؛ لكن بدون وسائل وبنوع من الرومانسية والارتجال كذلك، وفي سياق سياسي مضطرب ، يطبعه الصراع والالتفاف حول من قادوا معركة التحرير. في هذا السياق لم يكن ينظر إلىقطاع التعليم كحل، ولكن كمشكل وكان رجال التعلين موضع توجس. أما المحطة الثانية فهي التي بدأت مع خطاب المرحوم الحسن الثاني في يوليوز 1995 ، عندما قيم مشكل التعليم من منظور عدم ملاءمته لمتطلبات العولمة .»
و بتتبع الخطوات الأولى لسياسة التعليم بالمغرب، خلال المرحلة الأولى من الاستقلال، لا يمكن للمرء إلا ان يقوم بالملاحظات الآتية و التي كانت سببا في فشل هذه السياسة.
الملاحظ أن السياسة التعليمية غداة الاستقلال، كانت رد فعل لما عانته اللغة العربية من قمع خلال الحماية، و ليست قرارات ناتجة عن دراسة لوضعية ما . و كأننا بالمسؤولين يحاولون الانتقام لهذه اللغة التي ظلت مضطهدة لمدة 50 سنة. كان من المفروض، توقع مرحلة انتقالية، في انتظار تكوين مؤطرين و مدرسين و تأليف مراجع؛ إلا أن هده الخطوات تتطلب وقتا للتفكير و التخطيط ؛ الشيء الذي لم يكن يسمح به لا الحماس المفرط لدى المسؤولين الوطنيين، ولا انعدام تجربة الكثير من الشباب الذي تقلد المسئولية حينئذ.
الملاحظة الثانية هو أن المسئولين انشغلوا بتزايد الأقسام وتسجيل أكبر عدد من الأطفال وأغفلوا وضعية المربيين؛ ظنا منهم ربما، أن هؤلاء سيتمادون في تضحيتهم لأجل الوطن، كما كان الحال عليه بالنسبة للتعليم الحر؛ مما نتج عنه هروب الكثير من المعلمين نحو قطاعات أخرى ؛ وكانت النتيجة أن بادرت الوزارة إلى تعويضهم بأطر اقل كفاءة: من تلاميذ راسبين في امتحانات الباكالوريا وعرفاء و فقهاء.
و الملاحظة الثالثة أن القرارات التي اتخذت لم تكن قرارات تربوية أكثر مما كانت سياسية. بعبارة أخرى لم تكن قرارات تنظر إلى المستقبل و تاخد بعين الاعتبار حاجيات البلاد من اطر ومعدات لتحقيق نجاحها.
و الهفوة الكبيرة التي ارتكبها المسئولون بوزارة التعليم، هي أنهم اتخذوا من المدارس الحرة نموذجا لمخططاتهم، واعتقدوا أن النجاح الذي حققته هذه المدارس، وهي تدرس جميع موادها باللغة العربية، يمكن تحقيقه فيما يخص التعليم العمومي؛ إن هو اقتدى بها كنموذج، متناسين الظروف التي خلقت فيها تلك المدارس ونفسية وعقلية أطرها أنذاك. إذ كان لهؤلاء الأطر العاملة بالقطاع الحر، خلال الاستعمار، حوافز يختلط فيها الشعور الديني والأخلاقي والوطني. لم يكونوا يضعوا نصب أعينهم، و هم يشتغلون بهذه المدارس، الجانب المادي. فمنهم من كان يشتغل باجر ضئيل و منهم من كان يعمل دون مقابل، و كل ذلك، خدمة للغة الضاض أي لغة القران، وخدمة للوطن. الشيء الذي لم يعد مقبولا بعد الاستقلال؛ إذ تطورت العقليات و اشتبكت المصالح واستفاق العديد من الكوادر من نشوة المقاومة غير المباشرة للاستعمار. و انتبهوا أن الوطن أصبح راشدا، يتحكم في موارده، و أن مناصب هنا وهناك أكثر مردودية، لا زالت شاغرة؛ بل تعرض دون حاجة لمبارة أو حتى للأهلية. فاتجهوا نحوها تاركين وراءهم التعليم و مشاكله.
الشيء المثير لانتباه كل متتبع أو باحت في هدا الميدان، هو لماذا لم يدم عمر بن عبد الجليل إلا سنة بوزارة التعليم، بعدما حل محل محمد الفاسي فارس التعريب ؟
يعتبر عمر بن عبد الجليل، في نظري شخصيا، رجل إصلاح. كان سينقد التعليم العمومي المغربي من أخطاء ارتكبها سابقه محمد الفاسي و سيرتكبها من جاء بعد عمر بن عبد الجليل، فيما بين السنوات 1959 و 1962.
لقد قام عمر بن عبد الجليل بإصلاحات متميزة و عميقة وضرورية في دات الوقت. وذلك قصد ترجيح الكيف على الكم. حقا، تراجع عدد التلاميذ المسجلين خلال هده السنة، رغبة منه ربما، في تجنب الاكتضاض؛ إذ حدد عدد التلاميذ بكل قسم، في 50 تلميذا. واهتم بمستوى تدريب المعلمين، كما قام بإعفاء عدد كبير من العرفاء، الذين لا يتوفرون على مستوى مشرف للتدريس. ولم يحتفظ إلا بالقليل منهم، ممن لهم مؤهلات مقبولة، لتاطير دور ا لحضانة. ثم لم ينس العودة لتدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية. و لتدارك الضعف الذي أصاب التلاميذ، خلال سنة من الاستقلال 1956 ، أضاف سنة سادسة للطور الابتدائي ، اشتملت على 20 ساعة أسبوعية لتعليم اللغة الفرنسية، مقابل 10 ساعات باللغة العربية.
تعتبر هذه الخطوات جريئة في بداية الاستقلال؛ أي في وقت كان فيه الكل يتطلع إلى التعريب؛ كما كانت رياح القومية العربية تهب من الشرق، و صيت جمال عبد الناصر يدوي في إرجاء العالم العربي و الغربي؛ وفي وقت كانت تتعالى فيه أصوات كثيرة، للقطع مع الاستعمار و ادنابه. و تعتبر حينذاك اللغة الفرنسية أحد هذه الادناب.
و هذه الأصوات على ما يبدو، هي التي جاءت بعد عمر بن عبد الجليل، لتكرس اخطاء ارتكبها محمد الفاسي و من معه سنة 1956 ، تحت نشوة الاستقلال، وفي غياب أي رؤيا مستقبلية لسياسة التعليم بالبلاد.
فخلال هذه الظروف اذن جاء احمد بوكماخ. أولا بتجربته كمعلم بإحدى المدارس الحرة (الإسلامية الحرة) ليلج ميدان التأليف المدرسي الذي كان ما يزال بكرا آنذاك بالمغرب. إلا أن هذا لا يعني أنه لم تكن هناك مؤلفات مدرسية قبل السي أحمد بوكماخ. فلقد أشرنا سابقا أن المسئولين استوردوا كتبا مدرسية كانت تدرس بمدارس الشرق من سوريا ولبنان على الخصوص ثم مصر والعراق ، وذلك بشهادة الأستاذ بوكماخ نفسه؛ حيت صرح لصحفي بجريدة الخضراء، العدد الأول ليوم الجمعة فاتح يونيو من سنة 1990 :
« في بداية مزاولتي للتعليم، كانت الكتب المدرسية تأتينا من مصر ولبنان. . . ونحن على علم بأن الكتب اللبنانية في تلك الفترة، مؤلفة بعقلية فرنسية ، لا تناسب بيئتنا، والمعلمون الرسميون كان ممنوعا عليهم تأليف الكتب المدرسية. . . وكان لا بد من بديل. . .
فكأني بالسي أحمد بوكماخ شمر على ساعديه للتأليف لأسباب شتى ، لا تنحصر في فقر الساحة
التربوية إليها فحسب ، ولكن كان وراء قراره دافع آخر رغم أنه لم يفصح عنه لمخاطبه، ألا وهو الغيرة على الوطن والحد من التدفق الفكري المشرقي أو الغربي عبر نصوص مدرسية لا حول للمعلمين و لا قوة لهم في الاستغناء عنها. ولا نشك في أن السي أحمد اعتمد بعضا من تلك المؤلفات في بداية مشواره لتأليف نصوصه الأولى، خصوصا وأنه كان يستعملها خلال ممارسته التدريس بالمدرسة الحرة الخاصة . ومن الممكن أنه كان يطلع على تجارب أخرى في التأليف، بطريقة أو بأخرى . ولقد أسرت لي إحدى بناته، بعدما سألتها، خلال لقاء بالندوة الأولى حول بوكماخ، بطنجة، بالأول و الثاني من يونيو 2012 ، سألتها لماذا بعث بهن أبوهن إلى مدرسة فرونكوفونية، هو الذي كان ينادي بتعلم اللغة العربية، أسرت لي أنه كان يعتبرهن « كوباياته « أي موضوعا لتجاربه التربوية والتأليفية .
وبإمعان النظر في هذه الوضعية المتسمة بالتردد في القرارات وغياب رؤيا مستقبلية لدى المسئولين وغياب مؤلفات مدرسية وطنية قريبة من التلميذ المغربي، إلا من كتب مستوردة من المشرق، في هده الظروف كلها، انبثق اسم احمد بوكماخ. و كان مجيئه منتظرا ومرغوبا فيه، نظرا لما كان يتخبط فيه مسئولوا التربية والتعليم آنذاك من مشاكل على أصعدة شتى، ونظرا لخلو الساحة من أي مبادرة في اتجاه تأليف مدرسي وطني.
وعلى كل حال، فان قدوم احمد بوكماخ لميدان التأليف كان ضروريا. إلا أن بوكماخ لم يزدد من خواء.
إنه المتعلم العصامي، الذي عانى من غياب المراجع المدرسية، سواء كتلميذ أو كممارس لمهنة التعليم، حسب ما جاء على لسان أخته خلال برنامج نوسطالجيا . إنه المعلم منذ 1945 ، الحامل لمشروع. والدليل على حبه لمهنته حتى النخاع، كما شاع عنه ، أنه لم يغادر التعليم لقطاعات أخرى، رغم الفرص المتاحة آنذاك.
لم يكن في مجيئه الخلاص النهائي للتعليم مما كان يتخبط فيه من مشاكل وسوء التدبير الإداري والتربوي . ولن نحمل الشيخ أحمد بوكماخ تبعات ما عانى منه التعليم وما زال يعاني من مشاكل وتعثرات، فقط لأن أحمد بوكماخ أخذ على عاتقه تأليف كتب للقراءة للطور الابتدائي . فكتب أحمد بوكماخ لم تكن إلا بعض من اللبنات الضرورية آنذاك لبناء قاعدة صلبة لصرح تعليمنا.

24/07/2013
avatar
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1857
العمر : 57
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قم للمعلم / فقيهي الصحراوي

مُساهمة من طرف izarine في السبت 27 يوليو 2013 - 0:58

الباب الثالث .. في حضرة الشيخ

فقيهي الصحراوي

أعلم سيدي أنك توفيت في العشرين من شهر شتنبر من السنة الثالثة والتسعين بعد تسع مائة و ألف، بعد مكوثك شهرا بأحد المستشفيات بباريس قصد العلاج؛ كما أعلم أنك عشت 73 سنة، قضيت منها ما ينيف على ربع القرن في خدمة الناشئة.
ورغم ذلك لما قالوا مات أحمد بوكماخ، قلت لهم لا. . . لم يمت.
ما زال حيا في كتبه يلهم المربين والمدرسين و المؤلفين، و عليه سيدي، قررت أن أوجه لك خطابي هذا، متحدثا إليك، بدل الحديث عنك باستعمال ضمير الغائب . فقط لأنك حاضر بيننا، فإن لم تك كذلك في قلوبنا، فأنت حاضر بين صفحات سلسلة «إقر أ»، و»القراءة للجميع»، المعدة من جانبك لمحاربة الأمية بطلب من وزارة الشؤون الاجتماعية و الصناعة التقليدية، ثم كتب « الفصحى « دون أن ننسى، طبعا كتاب «الرياضيات»، إضافة إلى مسرحيات « نور من السماء « و «فريدة بنت الحداد» و «رسالة فاس « ؛ مؤلفات لا يعلم بوجودها إلا المقربون منك.
اسمح لي معلمي أن أنحني بادئ ذي بدء ، إجلالا لك . أنحني انحناءة المريد لشيخه . ولأن أنحني أمام من علمني كلمات تحركني، انحناءة اعتراف؛ لخير لي من أن أنحني طمعا في منصب، يجعل مني دمية تحركها خيوط الهواتف.
بحت عن اسمك بين شوارع هذه المدن الطويلة، العريضة وأزقتها الملتوية، الاقتصادية منها و الثقافية ، الساحلية و الجنوبية ، و حتى وسط مدينتك طنجة، فلم أجد شارعا ولا ساحة ولا حتى زقاقا، مظلما، منسيا، يذكر بمرورك بهذا الوطن، اعترافا لك بما أسديته لأجيال ما بعد الاستقلال من خدمة. من حسن الحظ أن مؤسسا لمدرسة خاصة بمدينة تازة انتبه فأطلق اسمك على مؤسسته. وهكذا ظل التعليم الخصوصي ( الحر حسب تسمية ما قبل الاستقلال ) وفيا لك. فاحتضن اسمك بعد ما نسيك الجميع ، كما فتح لك أبوابه وأنت لا زلت بعد نكرة.
عفوا سيدى، علمت أخيرا، وبعد كتابة هذه السطور بأشهر، وحضوري أول ندوة نظمت تكريما لك بمدينة طنجة، بتاريخ الأول و الثاني من شهر يونيو 2012 ، أي بعد مرور ما يزيد على عشر سنوات على وفاتك ، أن ساحة بطنجة أصبحت تحمل اسمك، فهنيئا لك؛ رغم أن ما قدمته من خدمات لهذه البلاد، يعطيك الحق في أن تحمل مدينة بكاملها اسمك ، و أن تخلق جوائز تربوية باسمك. لا عليك التاريخ يمهل ولا يهمل.

وربما بسبب هذا الإهمال من لدن أصحاب الشأن التربوي عندنا، العديد من أفراد هذه الأجيال سيدي، التي تتلمذت على صفحات كتبك «إقر أ « وأصبحوا اليوم من حاملي الشهادات العليا، نسوا أنه بفضل كتب «إقرأ»،أي بفضلك أنت الذي نذرت حياتك من أجلهم، فدفنت نفسك في مكتبة فتح لك أبوابها سيدي عبد الله كنون، داخل مدرسته التي كنت تدرس بها، و قبلت أن تعيش في بيت متواضع بنفس المدرسة، هروبا إلى الخلوة والسكينة لتتفرغ إلى المطالعة والتأليف، أقول بفضلك سيدي أنت، الذي لم تلتفت إلى مجهوداتك ولو جمعية من تلك الجمعيات التي تحمل أسماء الجبال والسهول والحيوانات،وتشتت الميزانيات ذات اليمين و ذات الشمال، بفضلك أقول،استطاع العديد من أفراد هذا الجيل الذي أنتسب إليه، الحصول على باكالوريته، ليشد الرحال إلى جامعات ما وراء البحار، ويعود إلى البلد وفي محفظته شهادة مهندس أو طبيب ؛ وعلى لسانه أخبار فناني الغرب من مغنيين وراقصين ونحاتين، ولاعبين ومصممي أزياء الموضا،ناسين أسماء لها عليهم فضل كثير . أعتقد أننا نحن جيل ما بعد الاستقلال، جيل اشترى العلم بالجهل. تعلم شيئا وغابت عنه أشياء. قايضنا ثقافتنا بثقافة الغرب، مع العلم أنه كان من المفروض، إضافة إلى تحصيل العلوم العصرية، الاحتفاظ بكلتا الثقافتين.
سألت بعضا من أفراد هذا الجيل : « هل تعرفون من هو أحمد بوكماخ «
فأجاب البعض منهم : «هو شاعر ربما.»
و أجاب القليل منهم جوابا استفهاميا :
«أليس ذلك السيد الذي كان يكتب كتب المطالعة ؟»
وعندها قلت لنفسي، عجيب أمر هذا البلد ، بلدي. فأنت تجد على صفحات مجلاته و صحفه وعلى أثير إذاعاته وشاشات تلفازه كل « الكمامير» التي لا ترغب في رؤيتها حتى في الجنة، أو لقياها يوم الحساب؛ ولكنك لا تجد صورة واحدة و لامقالا يعرف بؤلائك الذين تفانوا أو لا زالوا يتفانون في صمت و تحت الظل في خدمته.
لا عليك سيدي ، فالعديد من كبار هذا الوطن ماتوا غيضا.
ماتوا صمتا. أو ماتوا في نسيان تام .
من يتذكر اليوم من بين مثقفينا ، ولا حتى من بين مؤرخينا، محمد البقال و اثنا عشر شهيدا من رفاقه الذين أعدموا من قبل القوات الفرنسية ؟
من يعر ف «لحسن ويدار» الذي لقبه صعاليك الثانوية التي تحمل اسمه ب: «لحسن لمودر «؛ وهو فعلا ضائع بين كتب تاريخ المغرب ولا يجد بعد من بين مؤرخينا من يفتح له نافدة يطل علينا منها.
مادا كتب في النقد الفني عن أحمد والمعطي البيضاويين، وعن محمد فويتح ؟ و لن نذهب بعيدا . ماذا كتب عن عبد النبي الجراري المربي الفني لأجيال ما بعد الاستقلال ؟
من يعرف الحنصالي المسمى أصلا المعطي التادلاوي، المعروف عند الفرنسيين ب «أسد تادلة» لأنه أذاقهم العذاب والمدلة؛ ورغم ذلك، لم يمنع صيته الذي دوى في بداية مقاومة الإستعمار الفرنسي، لم يمنع هذا الصيت جماعة بالدار البيضاء من أن تسرق منه اسم شارع، لتهبه لدكتاتور إفريقي كان يسمى « هوفيت بواني «. كان ينادي الجنيرال دوكول ب: « بابا «
نفسي تحدثني سيدي، على أنك، أنت، أيضا، مت غيضا. لا شك أنك تعلم أنت الذي خبرت التأليف المدرسي الذي أصبحت اليوم مسالكه ملتوية ومؤدى عنها، كما تؤدى تسعيرة الطريق السيار؛ و لم تكن كذلك في عهدك، لأن ناشرك السيد محمد جسوس، كان على دراية بالباب الرئيسي لولوج ميدان التأليف المدرسي، كما كان على رأس الوزارة أناس من طينة محمد الفاسي، يجري حب الوطن في عروقهم ، فكتب مقدمة لكتابك الأول قصد تشجيعك على الإستمرار.
لا شك أنك علمت قبل وفاتك، أن على كل مؤلف أراد أن يعبر كتابه دواليب التوقيعات بسلام، و يستقر على طاولات التلاميذ المتلقين، أن يضع اسم أحد النافذين بالوزارة على غلاف كتابه المدرسي ؛ مع العلم أن هذا الموظف السامي، الذي نال نصيبه من الكعكة، لم يكتب خطأ من ذلك المقرر لا ولا اطلع على محتواه حتى.
لقد انخرطت أنت سيدي، في التأليف المدرسي، غيرة على وضعيته في بداية الاستقلال، حينما وجدت الساحة خالية من أي مرجع تعليمي وطني ، إلا من بعض الكتب المستوردة من الشرق، و حينما عانيت أنت نفسك، وأنت طالب بمدرسة سيدي عبد الله كنون الخاصة، من غياب المراجع التعليمية. فشمرت على ساعدك و قررت أن توفر على جيلنا عناء البحث عن مقررات، وانغمست جادا و مجهدا في تحضير ما تيسر لك، مترجما لنصوص أجنبية تارة ، بمساعدة زميلك و صديقك الأستاذ أحمد الحرشني الذي كان ملما باللغتين الفرنسية والإسبانية ، ومستلهما تارة أخرى من نصوص من سبقوك؛ إلا أنك كنت مبدعا لكثيرها في غالب الأحيان.
هل جاءك سيدي حديث التعليم الخاص قبل أن ترى الثرى ؟
لا . لا أريد الحديث عن التعليم العمومي ، ولا يمكن الحديث عنه قبل تناول الخصوصي. لأن هذا الأخير يعتبر نواة التعليم العمومي حسب ما جاء بكتاب جون جيمس ديمس (حركة المدارس الحرة بالمغرب ). الأكثر من هذا، أن التعليم العمومي في بداية الاستقلال كان يحاول أن يحدو حدو التعليم المسمى « الحر « آنذاك و تقفي تجربته على اعتبار أنها تجربة ناجحة على مستوى تعريب المواد ولقد سبقت الإشارة إلى ذلك في تناولنا لوضعية التعليم في بداية الاستقلال.
فالحديث عن التعليم الابتدائي الخصوصي في بلادنا، انطلاقا من الثمانينات، يعفي من التطرق إلى العمومي؛ ذلك أن الأول أصابه مرض « ادفع «، كما أشار لذلك أحد المتدخلين خلال الندوة المنظمة باسمك، أما الثاني فقد أصابه الشلل، فبدأ ينفض من حوله القريب والبعيد، تاركينه وحيدا على مقاعد من خشب.
أعلم أنك بعثت بناتك إلى المدارس الخصوصية، شأنك شـأن آباء كــثر، صلوا صلاة الجنازة على تـعليمنا العــمومي.
ولاشك أن بنتيك فدوى و نازك جاءتاك، ذات عودة من المدرسة، بلائحة الأدوات المدرسية. فوجدتها طويلة طول عدد أخطاء المسؤولين بوزارة التعليم .
اشحال منك يا اكنانش؟ و اشحال منك يا اكتوب ؟
وعندها ضحكت ضحكة طويلة حتى استلقيت على قفاك؛ كتلك التي كنت تطلقها بمقهى الميتروبول حتى تلفت انتباه المارة، كما أخبرني الكثير من أصدقائك.
25/07/2013
avatar
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1857
العمر : 57
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قم للمعلم / فقيهي الصحراوي

مُساهمة من طرف izarine في السبت 27 يوليو 2013 - 1:00

6 - من حقك أن تضحك

فقيهي الصحراوي

من حقك أن تضحك، أنت الذي كتبت في كتاب الفصحى الجزء الثاني، بالصفحة الثانية التي تتضمن مقدمة الكتاب :
«- لأسباب عدة: تربوية وبيداغوجية واقتصادية كذلك ، أصبح من المؤكد، بل من الضروري أن يؤلف للتعليم الابتدائي كتاب واحد متكامل لجميع مواد اللغة العربية، بدل كتاب لكل مادة أي للمطالعة كتاب وللنحو كتاب و لتركيب الجمل كتاب.»
الشيء نفسه صرحت به لصحافي الخضراء في ثاني مقابلة لك معه .
طبعا لم تكن ضحكتك هذه تهكما. فأنت لست الشخص الذي يتهكم من الأشخاص فبالأحرى أن تتهكم من مقررات تخص مستقبل الناشئة . هذا ما يشهد به تلميذك و صديقك الأستاذ عبد الصمد العشاب، في باب خصصه لك من كتابه « رجالات الشمال « حيت يقول :
« كان في كل المواقف صريحا. يقول بالرأي الذي يؤمن به. لم يحمل ضغينة لأحد.ولم يروا عنه أنه أساء لأحد .»
قد تكون ضحكت غيظا.
فإذا كان من الحب ما يقتل، فإن من الغيظ ما يضحك.
ضحكت من الغيظ، سيدي، أنت الذي ألفت كتابا واحدا، كان كافيا لتعليم اللغة، بدءا من القراءة إلى التعبير، مرورا طبعا بالنحو والتراكيب.
تخيلت بنتيك وهما ذاهبتان إلى المدرسة،يحملان ما طلب منهما من الكتب بواسطة محفظة، كبيرة، ذات عجلات صغيرة، كتلك التي نستعملها في أيامنا هذه للتبضع بالفضاءات التجارية الكبرى. نعم مثلها تماما. و قد أصبح تلاميذ الأقسام الأولى يستعملونها اليوم للأدوات ، صنعت بالمناسبة لهذا الغرض؛ يتم شحنها بدفاتر من كل الأحجام والألوان، و كتب قليلها من المغرب و كثيرها قادم من بلاد فولتير.
أخذني الفضول سيدي، أنا المعلم مثلك، و أنا أهيء هذا الخطاب لك وعنك، فطلبت من أم أن تعد دفاتر و كتب المقررات التي طلبت من ابنيها .
ذهلت عندما أخبرتني تلك السيدة، بنبرة المشتكي، ظنا منها أنني قادر على تغيير الأشياء أو على الأقل خلخلتها، أن محفظة ابنها الأكبر وهو بالفصل السادس ، تحوي إثنى عشر( 12) مقررا و خمسة عشر(15) دفترا من حجم خمسين صفحة إلى مئتين صفحة ؛ فيما تحوي محفظة ابنها الثاني الذي لا يتعدى مستواه الابتدائي الأول أثنى عشر (12 ) دفترا وتسعة (9) مقررات.
أي سياسة تعليمية هذه سيدي أحمد، لا تضع نصب أعينها وهي تقرر، سن التلميذ وقدرته وأبيه على التحمل ؟
صدقني معلمي إذا قلت لك إني رأيت بأم عيني أباء يحملون محفظات أبناءهم أو يجرونها متجهين في سرعة غير معتادة، لضيق الوقت، نحو المدارس ، في حين، كان الأولاد يهرولون وراءهم مجهدين أنفسهم. فأوحى لي المشهد بفكرة بعد ما أضحكني، وقلت في نفسي، لو فكرت الدولة في محاربة الأمية الثقافية عند الآباء لتعويدهم على القراءة فتسمح لهم بالعودة إلى المدارس، ساعة قبل الذهاب إلى عملهم، لكان في المبادرة نفع كثير للجميع. يتدرب الآباء على التثقيف، وفي ذات الوقت، يساعدون أبناءهم على إيصال المحفظة إلى المدرسة.
أصبح التعليم الخاص بعدك تجارة مربحة يا سيدي، بعدما كان مقاومة، وغيرة على البلاد و توابتها اللغوية و الدينية. فتطفل عليه، نظرا لفاقة أصحاب الإختصاص المادية، أصحاب « الشكائر» من «كرابين « ( عفوا لا أقصد هنا بائعي الماء ) ومروجي المخدرات و بنائين و لحامين ، و مؤخرا بعض النافذين بوزارة التعليم أو المقربين منهم من أصهار وغيرهم. و عوض أن يتنافس هؤلاء المقاولون الانتهازيون في تحسين المقررات ومساعدة التأليف المدرسي في النشر والإبداع وتطوير المناهج ، تنافسوا في إعلاء البنايات وتوسيعها، لكي تبلع أكبر عدد ممكن من الخلائق، ولا أقول التلاميذ؛ لأن التلاميذ لا تحشر منهم تمانون في قاعة واحدة؛ كما تنافسوا في طلي بناياتهم ( ولا أقول المدارس لأن العديد منها لا يتوفر على شروط البناية التربوية ) بأجود الصباغات وأبدعوا في استيراد مقررات أنجزت لمجتمعات غير مجتمعنا ومدراء بأعين خضر ولسان عربي ملتوي؛ و كل ذلك لتبرير الزيادات على رأس كل سنة ويصبح من حقهم أن يقولوا لأولياء أمر زبائنهم: «إدفع «.
ما يثير الإستغراب، هو أن هذه المدارس الخاصة ، وخصوصا منها الإعدادية ، خلال السبعينيات، لم يكن يلجأ إليها إلا من لفظهم التعليم الابتدائي العمومي؛ أولئك الذين لم يعد لهم مقعد به، بعد ما استنفذوا السنوات المسموح بها من كثر التكرار . أما التعليم الخصوصي الابتدائي، فكان يوجه له أبناءهم أولئك الآباء الذين يرغبون فقط في أن تربح فلذات أكبادهم بعض السنوات ، إذ كان يتم التسجيل به حالما يبلغ الطفل السنة الخامسة من عمره .
ولكن لن يفوتك سيدي أن تلاحظ، قبل أن تقضي نحبك، وأنت من ذوي الإختصاص، كما لاحظت وأنا مدرس خلال الثمانينات، أنه ما أن بدأ النافذون في السلطة التعليمية يستثمرون بالتعليم الخصوصي، حتى بدأ مرض الإهمال، وبقدرة قادر، يتسرب للتعليم العمومي، كأن الأمر كان مقصودا. فرأينا المقررات تتجدد بمجيء كل سنة دراسية . وتتعدد
المقترحات والمناهج بتعدد تعيينات الوزراء. كل وزير يعين، يأتينا بمقترحاته المدعية للتجديد ومناهجه المستوردة، ومؤلفيه من بني عمومته أو زملائه في الدراسة.
خلال حقبة الثمانينات بالذات، بمناسبة إضراب 81 - 82 ، سئل أحد وزراء التعليم خلال برنامج بث على الهواء،عن ثمن الدفتر الواحد من حجم 50 ورقة، فأجاب ضاحكا لإخفاء جهله، أنه لا علم له به. لو جاء جواب كهذا على لسان أحد الوزراء بالدول التي تحترم مواطنيها لأقيل من منصبه.
و خلال برنامج آخر بفرنسا هذه المرة، سئل السيد ميتيران في مقابلة جمعته بالرئيس جيسكار ديستانغ، بمناسبة الإنتخابات الرئاسية عن سعر الدولار تلك الليلة، فكان للصحفي، قبل أن يرتد إليه طرفه، الجواب الصحيح ،مع العلم أن السيد ميتيران ليس له تكوين اقتصادي كما كان للسيد جيسكار.
في الحقيقة،إن الحافز الرئيسي وراء إجراء العديد من المسؤولين لتغييرات بالبرامج و المناهج لدى تعيينهم، تكمن وراءه مصالح مادية ضيقة ودقيقة؛ يحاولون تحقيقها قبل أن يفاجئهم قرار العزل أو الإقالة. يبدو أن عشر سنوات من بعد الإستقلال، أي ابتداء من النصف الثاني تقريبا من الستينيات، ظهر تغير في العقليات، وكأن الناس استفاقوا من غفلة بعد فتور حماس الإستقلال؛ فدب في النفوس جرثوم الوصولية و المحسوبية والتسابق على الثراء السريع السهل أي الريع. وبدأ كل يبحث في قطاعه أو ميدانه عن وسيلة للإغتناء الخفي تارة والمفضوح تارات أخرى. فتغير كل شيء .
وهكذا أصبح الكتاب و الدفتر يخضعان لما يخضع له أي منتوج تجاري، وهو الموضوع الذي تنبه له أحد المتدخلين بالندوة المذكورة، حيت قال:
« في هذه الحقبة ظهرت محتشمة «المؤسسة التربوية المقاولة» .
فوجئنا بالكتاب المدرسي ينفذ من الأسواق، فتزدهر مع نفاذه التجارة السوداء، ويقل أو يسحب الدفتر من حجم الخمسين ورقة، فقط ليرغم الآباء على اقتناء الدفتر من حجم المائة ورقة. و تغيب الكتب المبرمجة خلال السنة نفسها ليرتفع ثمنها في السوق السوداء. . . و هكذا دواليك، فارتأت العديد من المؤسسات التربوية حل المشكل، إلا أن هدفها الخفي كان الربح. وحينها تكلفت ببيع - و لا أقول بمد - تلاميذها بما يحتاجون إليه من مؤلفات مدرسية وأدوات.
في مداخلة لأم خلال برنامج تناول موضوع الأدوات المدرسية بت بالإذاعة الوطنية على الساعة الثامنة صباحا، بمناسبة الدخول المدرسي لسنة 16- شتنبر 2011؛ قالت الأم أن نصف أوراق الدفاتر التي اقتنتها لابنها ظل فارغا. وأضافت متعجبة :
« لماذا يطلب من التلميذ شراء دفاتر من حجم مائتي ورقة وهم يعلمون أنه لن يستعمل منها إلا خمسين ورقة إذن.»
إن هذه الأم المسكينة لا تدري أن العملية مؤامرة تجارية و ليست اجتهادا تربويا.
اسمح لي سيدي إن أنا أطنبت في الكلام. أعلم أن حديثي لن يكون ثقيلا عليك أنت الذي أحببت التعليم حتى النخاع والتأليف حد الإدمان، حسب ما ذكر لي صديقك و تلميذك في مادتي الحساب و الجغرافية، الأستاذ عبد الصمد العشاب . وعن طريقه علمت أيضا أن المنية وافتك وأنت في صدرك الكثير من التعليم، إلى درجة أنك لم تتمم معجمك اللغوي، الموسوم حسب ذاكرة الأستاذ عبد الصمد ب: المحيط الموجه للتعليم الأساسي.
واسمح لي أن ألقبك بالشيخ، مع أنني أعتبرك رسولا.
أطلب الإعتذار منك لسببين . أولهما أنني على يقين من أنك لست من الأشخاص الذين يجرون وراء الألقاب، لأن من يحفر وينقب في أمهات الكتب، ليس له من الوقت ما يكفي للجري وراء الألقاب و الجوائز والإمتيازات.
كان من المفروض أن تكون، لو كانت لديك مطامع سياسية أو طموحات وصولية، من بين ألمع كوادر حزب الإستقلال، فتستفيد من المناصب التي وزعت هباء منثورا، وتعين قائد قبيلة أو عميد حي؛ علما أن هذا الحزب، كانت أطره تصول وتجول غداة الإستقلال وفي بدايته، بعدما تسلم مقاليد الأمور داخل الحكومة.
لقد قرأت ما أجبت به صحفي جريدة الخضراء العدد الثاني لصيف 1990 عندما سألك: لماذا لم تتقدم لإنتخابات بمراكش، أنت المعروف بالمغرب برمته، كما أوحى لك به ذلك المراكشي الذي كان جالسا بجانبك بالمقهى. فأجبت :
«لا . . .أنا لست مستعدا لهذا النشاط .إنني لست رجل سياسة. لست مخلوقا للعمل السياسي ولا أميل إليه إطلاقا... ولن أقبله. . . أنا إنسان من نمط آخر.إنني أميل إلى القراءة والدراسة.».
فعلا ، أنت تحمل مشروعا تربويا، ومن أجل هذا على ما يبدو، ظللت فقط تتعاطف مع حزب الشورى والإستقلال الذي كانت تربطك بأحد أطره، السيد عبد القادر برادة، علاقة صداقة. ولن يفوتك و أنت الشغوف بالتعلم أن تستفيد ? ولو عن بعد أو من خلال صديقك ? من فوائد هذه المدرسة لتكمل ما فاتك في الكتب.
فرغم قربك من السي عبد القادر برادة، ووجودك ببيته خلال مناسبات عديدة ، لم تتعدى علاقتك بالحزب مستوى التعاطف . فضلت النضال الكبير وهو التربية والتدريس على النضال الصغير ، أي السياسة و مناوراتها و دسائسها؛ وهذا ورب الكعبة لهو النضال الحقيقي بما تحمله الكلمة من معنى سامي .
وأعتذر لك على تلقيبك بالشيخ ثانيا، لأن رغم ما أكنه لهذا اللقب من عطف واحترام، أجده لا يتسع لشخصك. حقا، فأنت تلتقي مع الشيخ في كون لكل منكما مريدوه. ولكن، إذا كان الشيخ يستطيع تعداد مريديه، فمريدوك لن تستطيع أنت إحصاءهم. فحتى وزارة التعليم لا تتوفر على عدد التلاميذ والمعلمين و الآباء اللذين استفادوا من كتاب «إقرأ.»
بالمناسبة، إني أعيد قراءة نصوصها و لا أخفيك أني أجد بها متعة غريبة.
و إذا كان الشيخ يكتفي بالتوجيه الديني والصلاة لمريديه و قراءة الأوراد والأذكار، فأنت كتبت وعلمت و نشرت فخدمت الدين والدنيا . أليس كذلك سيدي ؟ أشعر أن تواضعك يلزمك الصمت. ولكن بعد هذه المجالسة الممتعة معك، من خلال كتبك، ومعارفك، دعني سيدي، الآن، أتوجه لهذه الأجيال التي تنكرت لك، وتلك التي لم تحض بمعرفتك، فقط لأن آباءهم، فروا بهم نحو التعليم الخاص، بعدما عاتت مافيا التأليف المدرسي فسادا في البرامج، أو ظنا منهم أن كتب الغرب الحاملة لقيمه، ستوفر لفلذات أكبادهم حظوظا متميزة للحصول على مستقبل خير من مستقبل آبائهم وعيش أفضل من عيش هؤلاء.

26/07/2013
avatar
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1857
العمر : 57
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قم للمعلم / فقيهي الصحراوي

مُساهمة من طرف izarine في الأحد 28 يوليو 2013 - 14:17

7- الباب الرابع: قفــوا!

قفوا !
قلت قفوا !
ما هذه الفوضى في الصفوف ؟
اصغوا جيدا لما سأقص عليكم. ومن فقه منكم مغزاه، فليفسره لمن لم يفقه ويبلغ ذويه والغائب منكم.
قفوا قلت ! . مالي أرى الخوف يكتسي سحناتكم، وكأني بكم نعاجا أمام راع متشدد . على كل حال خوفكم لا يدهشني . ما دام الخوف ثقافة نكرسها بين أبنائنا.
لقد تربيت قبلكم مع: «خوخو ابلع» و «بو خنشة»و « دابا يجي بوك و انكولها ليه « و « حدر عينيك «
وهكذا ازداد الخوف معنا، منذ الولادة وتربينا في أحضانه.
فبعد تهديد الأم ، ذهبنا عند الفقيه ووجدناه لا يفارق « مشحاطته» يخبط بها خبط عشواء، من يصبه يدمي جلده؛ ومن يخطئ، يعيد عليه الكرة حتى يتبول في سرواله. و في المساء، وقت قراءة الحزب، فلا تجد الفقيه يختار من الآيات، إلا تلك التي تهدد وتتوعد بالنار والعقاب الشديد. ولم يع الفقيه أبدا، أنه عوض أن يخيف أهل القرية، كان يخيفنا نحن أولا.
ولما التحقنا بالثانوي، وكان علينا الإبتعاد عن الأهل، لتحصيل العلوم العصرية، كانت تلاحقنا على الدوام وصايا الوالد والوالدة:
« ادخل سوق راسك آسيدي، انت غادي تقرا ما غاديش تدير السياسة «.
وحتى لما بلغنا سن الرشد، ووقفنا وراء الفقيه، بدل أن نجلس أمامه،لأنه ترقى وأصبح إمام المسجد، كما ترقينا نحن من صعاليك مبتدئين إلى مصلين يغطي الشعر دقون أكثرنا، كان الفقيه لا يتورع في مطاردتنا بنفس الآيات، و كأن القرآن الكريم الحاوي العديد من السور الساحرة، لا يتضمن إلا تلك السور المرعبة.
وتوظفنا... و لما حاولنا المطالبة ببعض الحقوق، كما يطالب بها موظفو جميع الدول التي تحترم مواطنيها، لم يمنع التوظيف الكثيرمنا من سماع:
«اسكت لدين امك ولا انكلسك اعلى الق... «، داخل الكوميساريات و المقاطعات.

أطلب منكم اليوم أن تنسوا كل هذه التهديدات. أنا عمكم الفقيهي ألا تتذكرون؟ ذلك الذي علمكم، بجانب جيش من زملائه، بعدما كنتم لا تعلمون، بعيدا عن المسيد، دون عصى و لا تهديد ؟
عمكم الفقيهي ، المعلم ابن المعلم الذي ? شأنه شأن سيدي أحمد بوكماخ - فضل أن يكون معلما منسيا في إحدى ربوع البلاد، على أن يكون شرطيا أو دركيا يخطف الدريهمات من جيوب السائقين.
نعم العديد من جنود التعليم قضى سنوات من أجمل أيام عمره، متنقلا من دوار إلى آخر ، ومن قرية إلى أخرى، ممتطيا ظهور البغال والحمير للوصول إلى قمم الجبال، أو مستقلا حافلات النقل السري التي يجدها تارة، وتارات أخرى لايجد في جيبه ما يعطيه الحق في امتطائها ؛ فقط لأن وزارة التعليم، كانت تطلب من كل مبتدئ بسلك التعليم، الإنتظار سنة بكاملها، و ما يزيد أحيانا، لتسوية وضعيته المالية، و لأن آباء الكثير منا الذين كانوا يعيشون في القرى تبعد بمآت الكلومترات، كانوا دائما يعتقدون أن أبناءهم لا يزالون يتابعون دراستهم بالثانوي ، فلا يضعوا في يديهم، عند وداعهم، أكثر من العشر دريهمات التي اعتادوا أن يودعوهم بها؛ إلى درجة أن أحد الزملاء لما سويت وضعيته، وعاد إلى البيت بسلل مملوءة مقتنيات ، فوضع بين أيدي أبيه أوراقا نقذية لم يسبق للأب المسكين أن تصرف في مثلها ، قال له أبوه الذي لا يعلم أن ابنه أصبح موظفا بسلك التعليم :
« يا بني أرجوك ، إذا كانت هذه الفلوس حرام ، ها السخط ، ها الرضا إلى ما ردها لماليها»
نعم أعزائي الصغار ، أنتم الذين كبرتم اليوم، وغزت شعيرات الشيب مناطق من رؤوسكم، اعلموا أنه كان يوجد من بيننا من يبيت الليل في قمة الجبال الباردة، يفترش حصيرا في البداية ،ثم لما يقترض بعض النقود من زميل أو صديق، كان يشتري «امضربة من الحلفاء « و»كاشة» ويستعين بحائك يجود به عليه أحد أعيان القبيلة، عندما يرثي لحاله؛ لأنه غالبا ما كان البعض منا أشبه بمتسول منه بمربي .
أنتم تستغربون الآن مبتسمين، لما أحكي. لكنه الواقع. الواقع الذي عاشته عساكر التعليم خلال السبعينيات؛ وعاشه سيدي أحمد بوكماخ بشكل مختلف، خلال الستينيات و ما قبل ، دون شك، لما كان يقضي الليل بالمدرسة الإسلامية الحجرة التي سمح له سيدي عبد الله كنون بالمبيت فيها، متنقلا من كتاب لكتاب، ومن رف لرف، عله يجد الكلمة الصحيحة أو التعبير السديد أو التمرين الملائم، ليقدمه لنا نحن، جيل ما بعد الإستقلال، طبقا شهيا بين صفحات كتاب إقرأ.
والكثير من بين من انخرط منا، بداية السبعينيات، في سلك التعليم، كان قد غادر الجامعات مكرها، بسب ظروف الحياة أو مطرودا، على إثر إضرابات، ليلتحق بسلك التعليم. ومن لم يكن لهم من سند وقت التعيين، طوح بهم نحو المناطق المنسية، غير الموجودة على الخريطة السياسية للبلاد.
كان الكثيرمنا يقتات بما يجود به عليه أهل الدوار من بيض وشاي ولبن وحليب و رايب أوخبز حاف، بارد أحيانا؛ تفوح منه رائحة روث البهائم المحروق، في انتظار أن تتذكر وزارة التعليم، أن جنودا لها يرابطون هناك، بإحدى المناطق النائية، يقضون الليل ساهرين، منكبين على ضوء الشمع، يهيئون درسا أو يصححون التمارين، مرهفي السمع لوقع خطى أحد السكان، عساه يأتيهم بما يسدون به رمقهم أو على الأقل يؤنسهم في وحدتهم.
أنا لم آت اليوم لأقص عليكم قصة معلم في الأرياف. جئت فقط لأحدثكم عن معلم. قالوا عن المعلم عموما أنه « كاد أن يكون رسولا « و أقول أنا، إنه فعلا رسول يحمل رسالة نبيلة كما جاء محمد حاملا رسالته؛ إلا أن هذه تتعلق بتربية النشإ بالمغرب ، و تلك تتعلق بتربية الناس عامة وتنظيم الحياة الدنيا. و كل بلغ رسالته على قدر ما كانت تسمح له به ظروفه.
أعزائي الصغار الكبار ،
لقد أخذني الحنين لرائحة القسم، فجئت اليوم لألقي درسا آخر، درسا من نوع مغاير وبطريقة مغايرة. فلا تتنكرون لي كما تنكر آباؤكم لسيدي أحمد بوكماخ .
اليوم لا لائحة للغياب ولا أسئلة للتنقيط . لا تمارين ولا امتحانات ولا توبيخ . أريد فقط أن أحدثكم عن سيدي أحمد . نعم سيدي أحمد بوكماخ الذي تتلمذ آباؤكم على كتبه ، و الذي بفضل تلك الأحرف الأولى « با، بو، بي، « ، ثم بعدها، تلك الكلمات البسيطة الأولى التي وضعها في أفواهنا : « بقرة ، حمار ، جرس، فرفر « استطاع كل منا أن يشق طريقه، حسب الظروف والإمكانيات ، طبعا. فصار منا المعلم و الممرض والشرطي والدركي والجندي وموظف الإدارات . وصار منهم ( أولائك الذين بعث بهم أباءهم إلى مدارس الإفرنج، مستغلين مناصبهم) الوزراء وكتاب الدولة ومدراء كبار بالإدارة المغربية.
انتبهوا الآن. انتهى كلامي . أعطيكم الكلمة . السؤال الأول :
من هو أحمد بوكماخ ؟
لا أرى أصبعا يطلب الإجابة. هذا لا يدهشني.
إنه ذلك الرجل الذي غرس فأكلنا ، ثم غرسنا بدورنا لتطعمون.

27/07/2013
avatar
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1857
العمر : 57
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قم للمعلم / فقيهي الصحراوي

مُساهمة من طرف izarine في الإثنين 29 يوليو 2013 - 17:32

8: الباب الخامس

هكذا تمضي ليالينا نطوي الحياة وليل الموت يطوينا (لامارتين )


إنه لغريب أمر هذا السيد أعزائي ؛ هو الذي ألف للأجيال منذ بزوغ الإستقلال، أي منذ ما ينيف على خمسين عاما، لم تأخذ أحد، من بين هذه الجيوش من المتعلمين على صفحات كتبه، ولو من باب الفضول، الرغبة لرد شيء من الجميل، بكتابة مقال يبحث فيه في وجه من الوجوه العديدة لحياته المليئة بالعطاءات والتضحيات، أو يسطر له بورتريها ولو بطريقة كاريكاتورية، للتعريف به على الأقل؛ باستثناء أحد الباحثين الطنجاويين الأستاذ عبد الصمد العشاب، الذي خصص له صفحتين و نصف وسط عمل نشر مؤخرا حول رجالات طنجة؛ أو ما قدمه الصحفي رشيد نيني، الذي كرس له عشرين دقيقة من خلال برنامجه « نوسطالجيا «. بإيحاء ومساعدة الإعلامي «المناضل» بإداعة طنجة الأستاذ عبد اللطيف بن يحيا.
ولقد علمنا أخيرا أن نادي ثقافي بنفس المدينة نظم أول ندوة تكريما لروحه، بعد ما يزيد على عشرين سنة من وفاته.
قليل من يعلم أن سيدي أحمد بوكماخ ولد بطنجة في السنة العشرين بعد التسع مائة وألف. أنا شخصيا، لا أدري لماذا كنت أتصوره دائما بدون مكان مستقر. كان بالنسبة إلي، و أنا تلميذ، أتصوره كما أتصور شخصيات الروايات ، يسكن بين أوراق مؤلفاته «إقرأ «. إلا أنني علمت، فيما بعد، أن سيدي أحمد كان، لكثرة حبه للعلم والمطالعة، فعلا، يسكن بين الأوراق. كان رحمه الله، شأنه شأن الجاحظ ، يسكن بين كتب خزانة المدرسة التي كان يعلم بها. وحتى و إن لم يكن كذلك ، فإنه باختياره التأليف، اختار أن يعيش ويموت كدا واجتهادا، لكي يبقى حيا بين كتبه. وهذا يذكرني بالكاتب الفرنسي ، أو كاتب القصر الكبير كما كان يسمى، « جون جيني «، الذي لم يكن له مكان يستقر فيه، فكان يضع كعنوان له، عنوان دار النشر التي كان يتعامل معها.
اعلموا رحمكم الله، أن سيدي أحمد هذا، و لو أنه ولد بطنجة، إلا أن جده جاء إلى المدينة نازحا إليها من مدينة تارودانت. و هذا يعني أن لسيدي أحمد أصول سوسية ؛ و أنه جمع المجد من أطرافه : دكاء سوس و أناقة الشمال . وقد قال الحسن الثاني ذات خطبة، متحدثا على ما يبدو على جبهة البوليساريو:
« إحدروا، إن الخير والشر يأتيان من الجنوب. «
لكن من الملاحظ، أن الخير أتى هذه المرة من الشمال، الممزوج بالجنوب.
ستسألونني دون شك، ما علاقة طنجة بسوس ؟ نحن نعلم أن السوسيين ينزحون غالبا نحو المدن المجاورة مثل أكادير ومراكش، أو الإقتصادية أوالعلمية مثل الدارالبيضاء وفاس؟
حقا، هذا صحيح، إلا أن الطنجاويين وحدهم، يعلمون أن الجالية السوسية، من أكبر القبائل عددا، النازحة إلى مدينتهم، وأكثرها وجودا . أي أن لأهل سوس حضورا بطنجة ومنذ القدم. و لا أدل على ذلك، إلا نشاطهم التجاري المتواجد بالمدينة.
فهم يعتبرون العمود الفقري الإقتصادي بالمدينة. ومع ذلك، لم ينسهم الجانب التجاري جانبهم الروحي والديني؛ إذ ينتسبون إلى الطريقة التيجانية. ولقد بنوا بالمدينة مسجدا له تاريخ قديم، يعرف بمسجد سيدي بوعبيد.
ولا يمكن للمطلع على حياة سيدي أحمد بوكماخ ألا يتساءل، كيف أمكن لطفل فقد أمه في سن مبكرة، أي أنه كان يتيم الأم، كيف أمكن له أن يحقق ما وصل إليه . ونحن نعرف أن الأم بالنسبة للطفل هي المنهل الذي يغترف منه ما يساعده من حب وعطف وحنان ليتسنى له شق طريقه نحو المستقبل. بل هناك من بين أطفالنا اليوم، « مما يسمون أطفال حليب الكوكز « - لاحظوا معي أعزائي أنه أصبح لدينا اليوم أنواع شتى من الأجيال. فهناك أطفال حليب الكوكز، و أطفال الكوكل ، بغض النظر عن أطفال الأنابيب و أطفال الشوارع، كما أصبح لدينا شباب الفيس بوك، وشباب الهيب هوب ، و شباب عشرين فبراير؛ قلت هناك من بين أطفالنا من لا يستفيق من نومه إلا تحت ملامسات أمه و مداعبتها له أو تحت ضغط صراخها. إلا أنه من حسن حظ سيدي أحمد، أنه كان له أب ليس فقيها فقط، ومحبا للعلم؛ ولكنه كان مرحا، يجيد النكتة حسب الأستاذ عبد الصمد الذي عرفه عن كتب ، و كان ينشر حوله جوا من السرور أينما حل و ارتحل .
نعم كان السي عبد السلام بوكماخ فقيها، ليس بمعنى فقيه كتاب، كما يضيف مؤكدا الأستاذ السي عبد الصمد العشاب دائما ، و لا بمعنى فقيه الوعض والإرشاد في المساجد، و لكنه كان مثقفا بالطريقة القديمة. و له دراية واتصال، بل و معاشرة بالزوايا وبالتصوف؛ وكان يحسب له حساب في مجالس السماع، خلال عيد المولد النبوي؛ ولم يكن ينسى السي عبد السلام بو كماخ، اصطحاب ابنه معه، كلما استدعي لإحدى الجلسات الصوفية. و هذا شيء يحسب له. فلا نعلم نحن الذين تتلمذنا على يد ابنه السي أحمد، أن أحدا من الآباء في محيطنا، كان يجشم نفسه مغبة اصطحاب ابنه إلى مجالس الكبار، فبالأحرى المجالس الصوفية . وحتى إن فكر أحدهم في السماح لابنه الأوحد بمرافقته، فلا يفعل ذلك إلا لإحدى الولائم، لما كانت تعرفه بطون الكثير منا من حاجة إلى الطعام، نظرا لفاقة العائلة. والمحظوظ منا الذي كانت تسنح له هذه الفرصة، كان يتحمل، سواء خلال الطريق إلى الوليمة، أو حول المائدة، ما يكفي و يزيد من التهديد والتوبيخ إن هو فتح فمه لشيء آخر غير بلع اللقيمات؛ أو جال بنظره من حوله أو حدق في أحد الحاضرين .
كان للسي بوكماخ الأب إذن هم تربوي . وكانت له نظرة تربوية لا تبعد عن الحداثة دون علم منه ربما .
كان يدرك دون أدنى شك، أن السماح للأطفال حضور مجالس الكبار، منذ نعومة الأظافر ، يوسع من زاوية الرؤيا عندهم، ويجعلهم يعون أن هناك عالما غير عالم الطفولة ، تطبعه الجدية و الوقار والإحترام المتبادل؛ مما يجعل شخصية الطفل المحتك بالكبار، وهي تنمو، تتسم شيئا فشيئا بالجد والإحساس بالمسؤولية . وغالبا ما نلاحظ أن الأطفال الذين نعموا بتربية من هذا النوع ، يبلغون سن النضج قبل الرشد ويتحلون بالتطلع إلى تحمل المسؤولية قبل الأوان.
وهذا فعلا ما حصل لسيدي أحمد بوكماخ، الذي سيغادر البيت الأسري في وقت مبكر من شبابه، ليتحمل مصاريفه ويخفف من تكاليف الأسرة، ذات الأفراد الكثر، التي كان ينتمي إليها؛ مغادرته بيت العائلة لم يمنعه من تحمل مسؤولية الأب لما القي ألقبض عليه وسجن لمدة تزيد على السنة. أضف إلى هذا أنه سينطلق في التأليف المدرسي ويتحمل مسؤولياته وهو في الرابعة والثلاتين من عمره.
ولم يكتف السي أبو اكماخ الأب بهذا النوع من التلقين والتربية غير المباشرين، و لكنه بعث بابنه إلى المسيد، وهو الجامع الكبير، الموجود بطنجة، ليتعلم مبادء القراءة والكتابة؛ كما كان يفعل جل الآباء آنذاك، ذوو الثقافة التقليدية والذين كانوا يخافون من أن يؤثر التعليم الإستعماري على عقيدة أبنائهم. وقد يكون السي عبد السلام بوكماخ وجه ابنه نحو المدارس العتيقة لأن هذا النوع من التعليم هو الوحيد الذي كان متوفرا للعديد من أبناء الأهالي خلال الحماية ؛ علما أن التعليم العمومي لم يكن مفتوحا في وجه أطفال جميع الشرائح ، خلال تلك الفترة.
يقول جون جيمس ديمس في كتابه (حركة المدارس الحرة بالمغرب 1919-1970) :
« فباستثناء الطبقة الراقية، كان الآباء المغاربة في العشرينات مقتنعين بأن أبناءهم سيصبحون ملحدين أو مسيحيين وسوف لا يحترمون القيم السائدة إن هم ولجوا مدارس الحماية. وهذا هو السبب في قيام بعضهم بتسجيل أبنائهم بالمدارس الحرة «.
ولكن رغم أن الفقيه السي عبد السلام بوكماخ قام بتسجيل ابنه بمدرسة حرة، بدل المدرسة العصرية ، فإنه كان على درجة كبيرة من الوعي على ما يبدو من تعامله مع ابنه؛ ذلك أنه في أوج الإستعمار، أي في وقت لم تكن فيه المدارس مفتوحة في وجه عامة الطفولة ، وحتى من كان يرغب في تحصيل العلم، كان في أحسن الأحوال يتوجه للمدارس العتيقة أو إلى المسيد لحفظ القرآن؛ أقول في ذلك الإبان ، حرس السي بوكماخ على أن يكون بجانب ابنه كتاب على الدوام لا يفارقه أبدا؛ وذلك بشهادة أخته ، خلال البرنامج المشار إليه سابقا.
كان السي بوكماخ الأب إذن، ينعم بشخصية مختلفة على شخصيات غيره من بني جيله؛ ذلك أنه كان رجلا محبا للعلم، الشيء الذي لم يكن هم عامة الناس آنذاك . فبالإضافة إلى السهر على أن يظل ابنه مصاحبا لكتاب ، قسم السي بوكماخ متجره إلى جزئين، فخصص قسما منه لبيع الخبز الذي كان يعده بفرن في ملكه، وخصص الباقي لبيع الكتب . و لهذا يمكن القول، دون مجازفة، أن السي بوكماخ الأب، أي السي عبد السلام، كان يسهر على تغدية الجسم و الر وح لساكنة حيه بطنجة . و هذا ينم على أن الرجل كان له وعي يتجاوز الوعي المنتشر حوله لدى ساكنة الحي. ولا يمكن للباحث ألا يتساءل من أين جاء هذا الوعي لفقيه اشتغل بالتجارة، بدل الإشتغال كفقيه، يعلم القرآن ويؤم الصلوات بأحد المساجد. إنه وعي ناتج دون ريب عن احتكاك السي بو كماخ، وهو طنجاوي المنشأ، بالسكان الأجانب، الذين كانوا يعمرون المدينة وهي آنذاك منطقة دولية.
غدا: ومن النضال أشكال
و . . . أشكال

29/07/2013
avatar
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1857
العمر : 57
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى