صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

ذكرى رحيل الجابري: مواجهة مستمرة مع العروي

اذهب الى الأسفل

ذكرى رحيل الجابري: مواجهة مستمرة مع العروي Empty ذكرى رحيل الجابري: مواجهة مستمرة مع العروي

مُساهمة من طرف عبدالله في الأحد 4 مايو 2014 - 16:39

اختار محمد عابد الجابري (1936-2010) منذ بداية انخراطه في الكتابة والبحث والعمل السياسي في ستينات القرن الماضي، مواجهة القارة التراثيّة، بحكم أنّه كان يدرك جيداً الثقل الذي يمارسه التراث الثقافي الإسلامي في الحاضر العربي، حيث تهيمن لغات وثقافات قادمة من أزمنة تجاوزها الزمن، الأمر الذي يؤدي إلى محاصرة إمكانية الإبداع والتجديد في الثقافة والمجتمع.
ضمن هذا الإطار، استخدم الجابري بحس سياسي معلن مجموعة من مفاهيم الفلسفة الحديثة والمعاصرة، متوخياً هدفاً مركزياً، يتمثل في نقد آليات العقل العربي في التفكير والنظر، قصد إيجاد مخرج يسمح بتفكيك حصون التقليد، ويفتح أبواب التاريخ أمام الثقافة العربية، لتتمكن من الانخراط الإيجابي والتفاعل مع مختلف مكاسب التحديث والتقدم.
حرص الجابري -بحكم تكوينه الفلسفي وحسّه السياسي- على أن يدافع عن التحديث من زاوية لا تُقصي الموروث كليّة، ذلك أنه لا انفصال في نظره عن الذات في مختلف تمظهراتها إلا بالتواصل معها. وخيار التواصل لا يكون بالضرورة خيار تبعيّة وخضوع، بل قد يكون عن طريق الفحص والمراجعة والنقد، الطريق المناسب لتحقيق الانفصال المتدرج والتاريخي.
تَعَرَّض مشروع الجابري في حياته لمواقف متناقضة، تراوحت بين حدّين متباعدين، تمثل ذلك من جهة باحتفاء تيارات فكرية عديدة بالمشروع ومقدّماته، وطرائقه في النظر والعمل. في حين تعرّض من جهة أخرى، لانتقادات عديدة وسمت المشروع بالمحافظ والتوفيقي، معتبرةً أنّه يكرِّس خيارات فكرية وسياسية أقرب إلى الخيار السلفي.
ولأننا نريد أن نفكّر في مشروعه (بمناسبة مرور أربع سنوات على رحيله) من زاوية أخرى، فإننا نتجه لتجاوز الموقفين معاً، محاولين بناء نموذج الحوار الذي دار بينه وبين مشروع آخر يجايله، ونقصد بذلك مشروع عبد الله العروي (ولد 1933). وما شجعنا على القيام بهذا التمرين هو إحساسنا بأن العروي تبنى في الآونة الأخيرة دفاعاً مستميتاً عن اللغة العربية، ذكّرنا بمواقف الجابري من العربية ومستقبلها، وذلك رغم أننا نعرف الاختلافات القائمة بين مشروعيهما في الإصلاح والتحديث.

نقد العقل العربي بين الحداثة والتاريخ
يعرف المتابعون للفكر المغربي المعاصر، المسافة القائمة بين مشروع "نقد العقل العربي" ومشروع عبد الله العروي "في الدفاع عن الحداثة والتاريخ". كما يعرفون أن ما ركَّبه أحدهما من أعمال يختلف عن مجمل ما ركَّبه الآخر. نتأكد من ذلك من من مواقفهما المباشرة، وغير المباشرة، وأعمالهما معاً. لكننا نعرف أيضاً أنهما يلتقيان في الأفق الجامع لتصورهما كليهما في موضوع النهوض العربي.
كان الجابري، وهو أول من أعلن في منتصف سبعينات القرن الماضي موقفاً محدداً من تاريخانية العروي، كما تبلورت في أعماله الأولى، وخاصة "الأيديولوجيا العربية المعاصرة" (1967)، و"العرب والفكر التاريخي" (1972)، حيث كتب سلسلة من المقالات في جريدة "المحرر" (1975) حاول فيها بناء موقف نقدي من خيارات العروي الفكرية والسياسية.
"
يرى العروي أنّه آن الأوان للقطع كلية مع لغة المخاتلة في مواجهة الماضي، فلا خلاص من التأخر إلا بإعلان القطيعة مع ما فات وانقضى، ومع منتوجاته الرمزية
"
ورغم أن العروي لم يرُدّ بشكل مباشر على مقالات الجابري؛ إلا أنّ أعماله المتواصلة لا تزال تخاصم التصورات السلفية للتراث، وتنتقد بحدة نزعات التوفيق والانتقاء.
إننا نعتقد أنّ اختلاف نظرة كلّ منهما في الجواب على سؤال النهضة وكيفية تجاوُز التأخر، بل واختلافاتهما في كيفيات التعبير عن إشكالات الفكر ومفاهيمه، تعتبر مسألة طبيعية، إضافة إلى كونها مشروطة بمعطيات تتجاوز الأفراد الذين يجسدونهم في نصوصهم ومنتوجاتهم الخطابية. هذا هو معيار الاختلاف الفعلي في نظرنا، وهو معيار يصبح فيه الفرد المشخّص حالة قابلة للفهم الموضوعي، بحكم تعدد الخيارات أمام الفاعلين في قضايا التاريخ المعقدة.
يرِد اسم الجابري في خاتمة كتب المفاهيم التي كتب العروي، ونقصد بذلك مفهوم العقل، "مقالة في المفارقات" (1996)، حيث يرد الاسم في سياق لم تذكر فيه الأسماء، وإنّما المواقف والخيارات. ويرد اسم الجابري أيضاً أثناء نقد العروي لنزعات الفكر التوفيقية، التي تواصل انتعاشها وانتشارها في فضاء الفكر العربي المعاصر. إنه يرِدُ ضمن تيار كبير دشنه الشيخ محمد عبده، وقدَّم في إطاره المواقف الأكثر تفتحاً وانفتاحاً على العصر، وهذا الأمر يعني في نظر العروي، أنه آن الأوان للقطع كليّة مع لغة المخاتلة في مواجهة الماضي، وفي التفكير في وصل الحاضر والمستقبل بالماضي. فلا خلاص من التأخر في نظر العروي إلا بإعلان القطيعة مع الماضي ومنتوجاته الرمزية.
لم يتجاوز الجابري، في تصور العروي وبناء على معطيات نص "مفهوم العقل"، اختيار الشيخ محمد عبده، وهو المؤسس لأول حركة توفيقية متفتحة على مكاسب العصر، وساعية لتمثّل هذه المكاسب بدمجها في الذات، الحريصة على هويتها حرصها على التجاوب الإيجابي مع رياح التغيير العاتية.
ولا يَرِدُ اسم الجابري -كما قلنا- في النص، لكن اختياراته تحضر كمواقف يتجه عمل العروي لمحاصرتها. فالعقلانية الخلدونية (ابن خلدون) رغم كل مزاياها داخل فضاء عصورنا الوسطى؛ تظل محدودة بنظام الفكر الإسلامي. وما ينطبق عليها ينطبق على الرشدية (ابن رشد)، وعلى مختلف التوجهات الفكرية المتميزة بعقلانيتها العالية في الثقافة الإسلامية، في عصورنا الوسطى. لهذا السبب، يستحيل، في نظر العروي، أن نستفيد من عقلانية الاسم والأمر والمطلق، عقلانيات تراثنا. والحل في تصوره يتطلب الإقرار بأن عقلانية الأزمنة الحديثة تتطلب القطع مع الموروث الثقافي، من أجل التمكن من استيعاب ما هو متاح اليوم للبشرية جمعاء.

توفيقية تاريخية ولا تاريخانية نخبوية
لا وجود لذات مغلقة في التاريخ، ولا وجود لتاريخ غير مختَرَق، إن التصورات التمجيدية للذات هي التي تتصورها ذاتاً خالصة، فتعزل نفسها عن صيرورة تاريخها. ونحن عندما نتأمل صيرورة الذات، نكتشف الألوان والأشكال التي تتخذها خلال مسيرتها. وفي هذا السياق، تصبح الذات مُطَالَبة بوعي عمليات إعادة إنتاجها الحاصلة في الأزمنة الحديثة. وذلك بالصورة التي تتيح لها تَملُّك مكاسب محددة، واحتضان اختيارات تسمح لها بتركيب تأريخها داخل الزمان، بطريقة تُغنيها وتُطورها، وتَهَبُها القدرة على الاستمرار والتحول.
في سياق آخر، لا يرد فيه اسم العروي رسماً (رغم وروده كخيار في النظر) يتحدث الجابري في خاتمة "بنية العقل العربي" عام 1986 (الجزء الثاني من "نقد العقل العربي") عن سهولة المواقف الجذرية في التاريخ، مستخدماً لغة الاستعارة، وذلك في قول يخاطب فيه أصحاب الاتجاهات الراديكالية في مسألة الموقف من التراث ومن الماضي، أي الموقف من دعاة القطيعة في التاريخ، حيث يقول: "ما أسهل الهروب إلى الأمام"، أي ما أسهل اتخاذ المواقف التي تتجنب رؤية الواقع كما هو، فتهرب إلى الأمام، وتتخلى عن التاريخ تحت اسم مساعي ومبادرات تأسيس التاريخ الجديد. التاريخ الذي يقطع مع الموروث في كليّته، ليتبنى مكاسب الآخرين في الثقافة وفي التاريخ نفسه.
"
إنّ تحولات الأفكار في التاريخ تخضع لعوامل عدة، ونحن مازلنا نفكر في نمط التفاعلات التي تنسجها نصوص الجابري مع أسئلة التحول في ثقافتنا وخياراتنا السياسية.
"
إنّ الموقف السليم في نظر الجابري هو الموقف الأكثر تاريخية، أي الموقف الذي لا يُغفل طبيعة التناقضات التي توجّه الواقع، ويسعى لاستيعابها انطلاقاً من بناء المواقف المعتدلة والاختيارات التي لا تفرّط في الذات، حيث لا انفصال في نظره دون وصل.
نجد أنفسنا فيما سبق أمام صورتين متناقضتين يُصَوَّبُ فيهما النظر نحو زاوية محددة؟ ألا يمكن أن نرى في الصورتين عناصر إيجابية تؤشر إلى صعوبة ما، وتعقّد القضايا الخلافية في كتابات المفكرين؟ ألا يمكن أن نرى في الاختلاف المرسوم في الصور السابقة، إطاراً للتفكير في بناء نتجاوز فيه كلاً منهما؟ ثم ألا يمكن أن نرى في جوانب عديدة من صور الصراع التاريخي في مجتمعاتنا اليوم ما يقابل الصورة التي تملأ أعمال المفكرَين؟
إذا كانت صورة الجابري في مشروع العروي "تكرارية توفيقية"، وصورة العروي في كتابات الجابري "لا تاريخية نخبوية"، وهو ما نتصوره ونحن نتأمل اليوم أعمال كلّ منهما وهي تعكس جوانب من صورة الآخر، ونتأمل في الآن نفسه ثنائية الصورة في مشهدنا السياسي؛ ألا يمكن حينها أن نجد في الواقع التاريخي الإطار القادر على احتضان الصورتين معاً؟
نقرأ في بعض المعارك القائمة في الحاضر العربي، ما يرجّح خيارات أحدهما على الآخر. فللاستقطاب السياسي الذي يملأ اليوم أغلب المجتمعات العربية، ممثلاً في أشكال حضور خيارات الإسلام السياسي وبدائلها التحديثية والديمقراطية؛ عناوينُ كبرى موصولةُ بوشائج قربى مع فكر الرجلين، وهي اليوم في حاجة إلى المراجعة والنقد، لعلنا نتمكن من تخطي التقابلات الحديّة بين المشروعين.
يواصل العروي بحضوره ودفاعه المستمر عن ضرورة الانخراط في التاريخ الكوني؛ تعميق خياراته الحداثية، فيترجم نصاً لروسو يدافع في مقدمته عن الدين الطبيعي. لكن من منّا يستطيع إنكار التفاعلات الحاصلة بين مشروع الجابري في الإصلاح، كما شخصّه بقوة في "العقل السياسي العربي" (1990)، وبين ما يجري من تطور في الثقافة العربية في موضوع الموقف من التراث؟
نطرح هذا السؤال لأننا نعتقد بأن تحولات الأفكار في التاريخ تخضع لعوامل عديدة، من بينها أشكال المثاقفة التي يصعب إدراك مختلف أوجهها بوضوح ودقة، كما يصعب نفيها، وضمن هذا الإطار، فكّرنا ونفكّر في نمط التفاعلات التي ما فتئت تنسجها نصوص الجابري في نقد العقل العربي مع أسئلة ومعضلات التحول في مجتمعنا وثقافتنا وخياراتنا السياسية.
-

كمال عبداللطيف
العربي الجديد
03مايو2014
الرابط :
http://tinyurl.com/mak4lf6
عبدالله
عبدالله

ذكر عدد الرسائل : 1760
العمر : 49
تاريخ التسجيل : 26/06/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

ذكرى رحيل الجابري: مواجهة مستمرة مع العروي Empty عبد الجليل طليمات يكتب : في ذكرى رحيل المفكر محمد عابد الجابري: عندما يغيب الكبار

مُساهمة من طرف عبدالله في الأحد 4 مايو 2014 - 16:44

تحل اليوم الذكرى الرابعة على رحيله عنا .. ولا يملأ الفراغ الكبير الذي تركه في الحقلين الثقافي والسياسي ,غير العودة إلى ما خلفه من ذخيرة فكرية ثرية، تجمع بين النقد والتحليل والبحث العميق في النصوص التراثية والحديثة المعاصرة , وبين المواقف المبدئية والعقلانية والواقعية من قضايا عالمنا المعاصر بتناقضاته وتحولاته الكبرى .
الراحل محمد عابد الجابري , المثقف /السياسي .. هو اليوم ذلك الغائب _ الحاضر دوما فينا : فهو مرجع في أي بحث , وفي تناول أية قضية أو مفهوم , لأنه ببساطة يشكل أحد نماذج المفكر النسقي والمتعدد الأبعاد .. و"لو" كان اليوم بيننا و عاش " ثورات وخيبات" ما يسمى بالربيع العربي ( كما عنون بذلك عبد الاله بلقزيز كتابه الصادر مؤخرا) لأضاء لنا بقراءاته الفاحصة لمسارها ومعطياتها الكثير من الزوايا المعتمة والمساحات الرمادية فيها ، وجادل مختلف القوى المحركة لها والفاعلة في تحديد وجهتها , دون أية مهادنة منه للاستبداد سواء كان باسم المصلحة القومية أو باسم الدفاع عن الهوية في بعدها الديني ..
II
في دراسة تحت عنوان المشروع الرباعي كتب حسن حنفي بمناسبة الذكرى الأربعينية لفقيدنا الجابري : " العزاء يقوم على ذكر ألمآثر, والدراسة تقوم على الحوار والمناقشة (...) والمهم هو تطوير الجابري وليس تقليده، إعادة قراءته، وليس تكراره، فتح المجال لأجيال " "جابرية" قادمة لمناقشة المؤسس ..." ( مجلة الدوحة _عدد 34_غشت 2010 ). وفي نفس السياق والمناسبة، كتب طيب تيزيني " إن الوفاء للمفكر الراحل الجابري يعني ضمن ما يعينه متابعة ما أشعله من مواقف وقضايا , معتبرا ذلك "واجبا فكريا وأخلاقيا وقوميا..."
إنهما شهادتان معبرتان في حق الفقيد، ودعوتان لمن يرى نفسه معنيا بمشروعه الفكري التنويري النهضوي إلى عدم تحنيط هذا المشروع، أو التعاطي معه بتجزيئية "نفعية" أو انتقائية إيديولوجية وإنما بمواصلته , اجتهادا ونقدا وتعميقا لأطروحته وتوضيحا للأفق الذي رسمه لنفسه ..".فلو قلد الهيجليون الشبان_ يضيف د حنفي – هيجل وكرروه , كما فعل اليمين الهيجلي , لمات.." . إن الطبيعة النسقية للفكر "الجابري" توفر أرضية ثقافية خصبة وصلبة لحوار حقيقي حول كل القضايا والإشكاليات التي تواجه مشروع النهضة المعاق في مجتمعات التأخر التاريخي , بحيث لا يمكن لأي باحث أن يتناول تلك القضايا خارج "الارث الجابري" المتنوع والمتعدد الابعاد والمقاربات .. ولكن الواحد الرؤية والأفق .
III
فعلى مدى ثلاثة عقود من البحث والتأليف أي , منذ صدور كتاب "نحن والتراث " سنة 1980", مرورا بالمشروع الرباعي حول نقد العقل العربي , وصولا إلى مشروع قراءة القرآن الكريم، نجد أنفسنا أمام مفكر نسقي يتبنى استراتيجية فكرية أطرت مختلف حلقات مشروعه الفكري المتنوعة , انها استراتيجية "إعادة بناء الذات العربية من داخل التراث العربي الإسلامي ", وعبر "الانتظام فيه" بعد تفكيك مسلماته ونقد مطلقاته , لأجل تجديد العلاقة به في أفق التوظيف الخلاق له في سياق حاجيات الحاضر وتحدياته التاريخية ومتطلباته الحيوية والمصيرية، وفي مقدمتها العقلانية والحداثة والديمقراطية . يقول فقيدنا في هذا السياق : "مشروعنا هادف إذن , فنحن لا نمارس النقد من أجل النقد , بل من أجل التحرر مما هو ميت ومتخشب في كياننا العقلي وارثنا الثقافي , والهدف , فسح المجال للحياة كي تستأنف فينا دورتها وتعيد فينا زرعها " (بنية العقل العربي _الطبعة الاولى _ص585 ).ان "الانتظام في التراث" ليس _ كما ظل يوضح ذلك في مختلف أبحاثه _ "استسلاما لنظامه",وإنما اجراءا منهجيا لأجل "تجاوز مطلقاته , فهو (التراث) ,ليس شيئا مضى وانقضى (.. ) , فنحن قوم لم يتجاوزوا آباءهم بعد على الصعيد الثقافي" (مواقف عدد 28 _يونيو 2004)
إن رفض الجابري لدعوات "القطيعة مع التراث ", ودعوته الى منهجية "الوصل معه من أجل الفصل ", فرضا على المفكر الراحل تعبئة أدوات منهجية متنوعة , تسلح بها في عملية ذهاب وإياب شاقة من الحاضر إلى الماضي , ومن الماضي الى الحاضر فاحصا النصوص القديمة والحديثة, مستنطقا الأحداث التاريخية المرتبطة بها ، ومحققا في وقائع كل حقبة تاريخية بعينها، محاورا ومنتقدا أعلام ثقافتنا العربية الإسلامية , ومتسائلا حول المفاهيم الكبرى المؤطرة للفكر العربي المعاصر بهدف استجلاء مرجعياتها، فكما يؤكد الجابري في أكثر من مكان, "لا معنى للحديث عن أي شيء لا يرتبط بمرجعية , لا يستند إلى أصل". وهكذا وفي مختلف مفاصل مشروعه الفكري أولى الراحل عناية كبرى بمفاهيم خطابه (وخطابات الآخرين) , فهو لا يأخذ بها كمعطى جاهز ومباشر، وإنما يسائلها ويفككها ليوضح دلالاتها المعجمية في علاقة مع معطيات الإطار التاريخي والنسق المعرفي الذي تأسست داخله وانحدرت لنا منه , وبمعنى آخر , كان الجابري حريصا في إطار النقد الإبسيمولوجي على النظر إلى المفاهيم من خلال تطورها في مرجعيتها مضفيا عليها طابع التاريخية والنسبية . وبهذه المقاربة المفاهيمية لمختلف الخطابات الفكرية , قديمها وحديثها، يمثل أمامنا الجابري بوجهين متكاملين متفاعلين : وجه الباحث المتمكن من أدواته المنهجية والمحدد بدقة لأسئلته المندرجة ضمن وحدة الإشكالية، والتي يجوب بها بمختلف أروقة نصوص الثقافة العربية الإسلامية القديمة والحديثة والمعاصرة . ووجه البيداغوجي المحنك والمجرب الحامل دوما لهاجس التبليغ الواضح من خلال التفسير والشرح الميسرين لفهم المتلقي دونما إخلال بعمق الموضوع المبحوث وللإشكالية المؤطرة له.
لقد قادت عناية الجابري بمفاهيم الخطاب, ونظرته إليها في دينامكيتها ونسبيتها وتاريخيتها إلى قناعة عبر عنها في أكثر من مناسبة وترجمها إلى أعمال، وهي ضرورة تبيئة المفاهيم الحديثة في ثقافتنا .. وتعني التبيئة عنده , كما يقول " ربط المفهوم بالحقل المنقول إليه ربطا عضويا، وذلك ببناء مرجعية له تمنحه المشروعية والسلطة في آن واحد ", أي بناء مرجعية له داخل الحقل المنقول إليه "
وقد خصص الراحل كتاب " المثقفون في الحضارة العربية " ليكون بمثابة تطبيق لعملية التبيئة، يقول في هذا الصدد " عمدنا قصدا في تحليلنا لمفهوم المثقف إلى سلوك خطوات تطبيقية بيداغوجية الطابع" (ص14) والهدف من ذلك هو إزالة ما يلف هذا المفهوم في الخطاب العربي المعاصر من لبس وضبابية، لكونه – يضيف الجابري "لا يرتبط بمرجعية واضحة في الثقافة العربية الماضية والحاضرة" (نفس الصفحة). ان عملية التأصيل والتبيئة للمفاهيم الحديثة ( الديمقراطية العقلانية، العلمانية ... إلخ..) ولقيم الحداثة المعاصرة، كما باشرها الجابري في جل أعماله، دفعت الكثير من الباحثين والمهتمين بالمشروع الفكري للجابري الى إبداء عدة ملاحظات نقدية حوله, أوجز بعضها هنا بصيغة تساؤلية :
¨ ألا تنطوي عملية التبيئة للمفاهيم الحديثة على ثنائية الأصالة والمعاصرة , التي ظلت تؤطر وتأسر الفكر العربي الحديث و المعاصر ؟ وكيف يمكن تأصيل مفاهيم الحداثة العقلية والفكرية والعلمية المرتبطة بفضائها التاريخي الخاص , دون الوقوع في التوفيقية الفجة ذات الخلفية الايديولوجية ؟ ودون السقوط في انتقائية تصيب الفكر بالتأرجح والارتجاج "والهشاشة" في ظل الاختلاف الجذري بين فضاء الحداثة الاوروبي, وبين فضائنا التاريخي والثقافي الذي مازال مستعصيا على استيعاب أسسها (أي الحداثة ) والتمثل الخلاق لنتائجها وقيمها ؟
¨ ألا يقتضي النقد الإبستيمولوجي للتراث نقدا جذريا لبديهيات العقل العربي الإسلامي ومسلماته , وللمحتوى المعرفي للفلسفة أو الميتافيزيقا التي تأسست عليها تلك البديهيات، بدل التعامل معه من زاوية التوظيف الإيديولوجي البحث , تحت ضغط حاجات الحاضر المأزوم والمتردي "للذات ألعربية " ؟
¨ كيف يمكن نقد الحداثة الأوروبية ومفاهيمها وقيمها من جهة، ونقد الذات التاريخية العربية الإسلامية من جهة ثانية دون السقوط في النزعة الانتقائية، كانتقاء مثلا ما يجوز تبيئته من مفاهيم الحداثة, وما لا يقبل أو لا يجوز تبيئته، فالعلمانية عند الجابري مفهوم يستحيل نقله أو إيجاد مرجعية له في ثقافتنا, لهذا دعا إلى الحاقها أو"تذويبها" في العقلانية والديمقراطية. يقول في هذا الصدد, بوضوح ما بعده وضوح : "ما زلت أؤمن بأن العلمانية بالنسبة للحضارة العربية الاسلامية موضوع التباس , فالمفاهيم في النهاية ,فائدتها قائمة في اجرائيتها ,ومفهوم العلمانية بدون وجود كنيسة فيه كثير من الالتباس .." ويضيف جازما بعدم صلاحية مفهوم العلمانية واستحالة استنباته في ثقافتنا وفي بناء الحداثة السياسية : "أعتقد أن المناداة بالعلمانية في المجتمع العربي الاسلامي ,يشبه المناداة بالخلافة والإمامة في اوروبا "(حوار مع مجلة الآداب البيروتية _مارس 1996 ومواقف ع 28 ) , وعليه فان ما ينبغي التطلع والعمل من أجله هو عدم توظيف الدين في السياسة ,حسب الجابري ,أما فصل الدين عن الدولة كما في السياق الاوروبي فذلك _كما يقول " لن يجد له قوته الإجرائية ".. (نفس المرجع ), أليس موقف الجابري هذا, من العلمانية تعبيرا عن المآزق المعرفية والمنهجية والثقافية لدعوة "تأصيل الحداثة "؟
¨ إذا كانت قيم الحداثة كما_ يؤكد الجابري _ قيما إنسانية كلية عالمية , ألا يصبح المدخل إليها هو الحداثة ذاتها , العقلية والفكرية , والتي تضم في جوفها تراث العرب والمسلمين وإنجازاته الكبرى، وفي مقدمتها العقلانية الرشدية, التي تشكل مرجعية أساسية للحداثة العقلية والسياسية الأوروبية، ونقطة التقاء بين الحضارتين العربية الإسلامية والأوروبية المسيحية؟
إنها تساؤلات من بين أخرى ... تؤكد أن الراحل الجابري ما زال حاضرا , ينفث روحه النقدية فينا , ويحفز على التفكير والنقد والتساؤل ... وتلك صفة المفكرين والحكماء الكبار عبر التاريخ ..عندما يتحولون الى موضوع للتفكير , و يتحول غيابهم الفيزيقي الحتمي , الى حضور دائم ..وملهم ...
عبدالله
عبدالله

ذكر عدد الرسائل : 1760
العمر : 49
تاريخ التسجيل : 26/06/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى