صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

منزل موروث

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

22102015

مُساهمة 

منزل موروث




 
قصّة من واقع وخيال ورعب
                                  منزل موروث...
قهر الكراء أجرة عبّود فاختنق المصروف ليكثر القديم في الأثاث واّللّباس والعاديّ من الأكل والشّرب امتطى التّحدّي اعتمادا على الصّبر ...حاول الحفاظ على صحّته وانتظار ما ينقذه من الخلل الماديّ وبعد جروح الفاقة والحاجة أنعم عليه الربّ بترقيّة سهّلتها وأخرجتها من بين أيادي التّسويف أنامل لا ترحم لكنّها سلّت منهم بإضرابات ووقفات احتجاجيّة ...توصّل بالقرار فعمّت الفرحة أرجاء بدنه ونشطت الزّوجة وتعطّرت الأسرة بمال جديد...بدأت الحسابات وتخطيطات ما يسدّ الخصاص ويغيّر اشمئزاز الحلة واليد القصيرة...أخيرا تمّ الاتّفاق....
عبّود : الحمد لله ...أصبح الرّاتب منفوخا بأرقام تسعد بسطاء نجو من غرق الغلاء
الزّوجة : نسدّد ديوننا وننظّم المصروف ..
عبّود : تحكّمي في المال وتدبّريه باقتصاد ورويّة فأنت عمدة الدّار ...
الزّوجة : والفائض !
عبود : سأقترض من البنك سلفة مهمّة لشراء دار بدل الكراء القاهر
الزّوجة : دار مبنيّة ؟!!
عبّود : نعم ...البناء فناء
الزّوجة : أيضيّق القرض حاجيّتنا ؟؟
عبّود : لا ...سنكتفي بنصف الأجرة ومهمّتك التقشّف دون قهر معدتي ومعدات الأولاد ....ستكون الاقتطاعات خفيفة ودائمة خلال سنوات نتمنّى زوالها بسرعة..
الزّوجة : أخاف أن تقسو الشّهور وتفاجئنا بالأسوأ !!
عبّود : يحفظنا الربّ من المرض آكل التّموين ...تقشّفي والسّلام .
الزّوجة : لا توصي مقهورة جرّبت الويل ...
عبّود : أعتمد عليك ...
الزّوجة : تيسّر برنامجنا بفضل أبنائنا الصّغار الذين تقلّ مصارفهم عن الكبار ..
عبّود : إن نجونا فللكبار سعد آخر .
الزّوجة : نسأل ربّنا السّلامة من الأطبّاء والصّيدليّات ..
عبّود : آمين ....
أتمّ ملفّ السّلف ووثّقت الدّار ، التي تسلّمها بعد شهر ...نظّفتها زوجته رفقة صديقة ومتطوّعة لخدمة جارة سترحل عن دربها ..بعد غسل ما تركه السّاكن القديم ، أشعلت الزّوجة  موقدا ( المجمر ) وزنّدت فحمه لترشّه ببخور يزيل النّحس والعين وما يغيب عنهم في دار قطنها آخرون من الدّهماء ، لا يسمّيهم أحد ...بات عبّود ليلة فرح وحوار مع زوجته وهما يمجّدان النّقلة الجديدة نحو استراحة من آلام طويلة زرعها الكراء كراهيّة في نفسيهما ...
وفي الصّباح الباكر ، حضرت العربة ذات حصانين لنقل أثاث باهت وعيون الجيران مشغولات بالنّوم ..وزّعا الأثاث حسب ذوق يفرضه فراش مرقّع بين القديم والجديد ...فرح الأولاد وتعارفوا مع صغار الدّرب وبدأت العلاقات تتوطّد بين عبّود ورجال الحيّ وبين الزّوجة ونساء الدّرب ..مضت اللّيالي الأولى في أمان ...أمان أزاله على بغتة من المألوف سقوط بعض الأواني خلال اللّيل ..وفي مرّات يصدّ باب غرفة من الغرف أو باب مطبخ أو باب مرحاض بقوّة تقفز لها أبدان قاطنيّ الدّار ، وحتّى الصّغار نالوا قسطا من الخوف ..وفي ليلة أخرى سمع عبّود وزوجته أنينا ، وردّدته الجدران كبكاء وعويل ...
الزّوجة ( ترتجف ) : الدّار مسكونة ...
عبّود : نحن نتوهّم ما تثيره عواطفنا ..
الزّوجة : اسأل فقيها ، أو النّاس حسب تجارب بعضهم
عبّود : لن أفعل ...ستتكفّل الأيام بطرد من يحاول أن يؤذينا ، فالربّ يحمينا
تركا الأمور تسير على منوالها ...لكنّ عبّود غيّر رأيه حين انتشرت الرّوائح الكريهة من مجرى الميّاه في وسط الدّار ( المراح ) ...فكّ لسانه المربوط بالخجل وستر العيوب عقد الرّفض ، فأثار الأسئلة حول ما يقع في داره ...فقيل له :
بخّر الدار بأعشاب يصفها العطّار المتعامل مع المجرّبين ...
استدع فقيها ليتلو قرءانا ....
بعها وارحل إن خفت على نفسك وأسرتك ..
اذبح عنزة أو تيسا قرب مجرى الدّار...
رشّها بسطل من الخبائث ...
رفض آراء تخالف الإيمان والأقدار التي شبّ عليها ...أهمل الموضوع ..اعتقد أن سنوات داره ستتعب من يعتدي عليه بتلك الأعمال السّخيفة ...ذات ليلة سمع إي....إي إي ....إي...إي إي ...هرول فزعا نحو مصدر الأصوات ..فلم يشاهد سوى خيالا حالكا يغادر المطبخ ويمرّ بسرعة متّجها نحو حائط تحته مجرى ميّاه النّظافة ...اندهش عبّود لأنّ بصره خدعه ولم يتأكّد ممّا رأى ...عاد إلى سريره حيث زوجته ترتجف ..حكى لها الرّعب بلا صوّر تطمئنهما معا ... وفي ليلة أخرى سحب من فراشه ليستيقظ هولا بعد أن ارتطمت قفاه بالزلّيج ...نهض جالسا قرب سريره ...لمح زوجته تسحب كذلك من فراشهما ، ارتمى نحوها لينقذها من السّقوط على الأرض مثله... لكنّ الجرّ كان أقوى من عضلاته ...باتا ليلة الأرق والغضب والرّعب في صمت وعيون حمراء ...
الزّوجة : يا لطيف ...
عبّود : اشترينا بلاء...نحمد الربّ على كلّ حال ...لم يصبنا مكروه.
الزّوجة : لنبعها ؟؟!!!
عبّود : لا ....سنجد حلّا ...
الزّوجة : في الشّعوذة !
عبّود : لا ....في من يحمي البشر ...
أدّى عمله كالمعتاد وحكى لرفاقه في الإدارة ما جرى  في داره الجديدة ....لم يتلقّّ منهم ردّا يشفيه أو يشجّعه أو يعاضده ...اتّفقوا فنصحوه بنفس آراء العامّة ...انتهى العمل فقفل راجعا إلى داره ، ليجد زوجته وأولاده جالسين على حصيرة باليّة ومفروشة في السّطح وهو يشمّ رائحة نتنة ..
عبّود : لم التجأت إلى السّطح ولم تحضري الطّعام ؟!
الزّوجة : انبعثت هذه الرّائحة من مجرى الميّاه ، فكيف يمكن لي الصمود لقذارة لا تطاق ؟
عبّود : هذه مصيبة ...ففي كلّ يوم نكتشف ما يقلقنا ...
الزّوجة : لن نستحمل هذه الحالات ...
عبّود : لنصبر !
الزّوجة : وما العمل لحبس الرّوائح ..
عبّود : لننزل أولا ....بعد ذلك سأغلق المجرى بقطعة من خيش  
هبطوا إلى الأسفل ....انحبست الرّائحة من دون بقاياها المؤلمة للأنوف ..أشعلت الزّوجة قضيب ندّ عطّر الدّار ..أثناء النّوم ، صيحات ...و إي...إي.إي ...إي ...تعالى اللّطف والتّعويذ ...تحمّل عبّود أمرا خيّليّا لا يؤذيه ولا يؤذي أفراد عائلته ...وعلى فراش النّوم . ..
عبّود : لا تحزني ، سيصبح ما تسمعينه وتخافينه أمرا عاديّا
الزّوجة : العادي يرعبني ...
عبّود : اصبري ، كلّنا سواء فيما حذف علينا ..
تمضي اللّيالي الموتّرة ...انزعاج ...وقصر المعالجة ...أتت لحظة اقشعرّ لها بدن عبّود وهو ينظر إلى زوجته تجرّ من شعرها الأسود الطّويل لتصل إلى فوهة المجرى حيث توقّف جسدها وانغمس القليل من زغب رأسها داخل فوهة المجرى ...انفتح الفم والزّوجة تصيح ...جحظت عينا عبّود الذي انحنى ليسحب امرأته من قبضة المجهول ...دبّت الحيرة وقفت الزّوجة مرتبكة ومرتعشة ، اتّجهت نحو الحمّام لتغسل شعرها من وسخ المجرى المتعفّن بالقاذورات ...تنظّفت ...وهي تصفّف شعرها المتدلّي على كتفيها ....ووجهها شديد الاصفرار ...
عبّود : ما حدث يدلّ على أنّ السّاحبة امرأة ّ، من اختصاصكنّ أثناء التّشابك الشدّ من الشّعر ..
الزّوجة : لا تتهكّم ...نحن في ورطة تحتاج للحلّ
عبّود اعذريني ، أردت تلطيف الجوّ المكهرب ...
الزّوجة : لا بأس ...لكي لا أنسى ، هل ستصلح أرضيّة البيتين والمراح ؟
عبّود : نعم ، اتّفقت مع موزايكي ليبدأ عمله يوم السّبت
الزّوجة : حسنا فعلت .....
حضر الموزايكي ، ومعه معدّات تبليط أرض الدّار بالموزاييك ...هدأت أعمال القاطنين المختفين ...أتمّ الموزايكي عمله  ...وفي يوم مباغت ، انشقّ الموزاييك ...شكى عبّود للموزايكي ما وقع ...فثبت أن مصدر الشقّ مجهول ...يئس عبّود من الأحداث المرّة التي تنغّص حياته ...لا صبر ينفع ولا انتظار يشفع ...عاند بيع الدّار أو إفراغها ..علّق يقينه بالربّ ...
الزّوجة : لنترك البيت المشؤوم ...
عبّود : لن أضيّع مالي
الزّوجة : ستضيّع حياتنا
عبّود : لنتحمّل قليلا من الهول فالفرج آت لا محالة ..
عند سهرة سبت أشنعت الأسماع بطرب وتمثيل ، سقط التلفزيون أرضا ، تهشّم وصار فتاتا كبطّيخة اختلط احمرارها وسوادها وخضرتها  ...قفز عبّود من مكانه جامدا وقبعت الزّوجة  منكمشة ومنهارة الجسد ...تعالت ضحكات الحزن .....
عبّود : يريدون طردنا من الدّار ..
الزّوجة : ألم تطرح مشكلتنا لعارف كي يدلّنا على المجهول ؟؟!
عبّود : ذهلوا فقط ، دون الإدلاء بملاحظات ....وكانت أجوبتهم شعوذة.....
الزّوجة : كرّر الطّرح لعلّك تجد سبب ما يحدث لنا
عبّود : الجار هو الأحسن مفسّر  ...الخطأ أنّي لا أكلّمه في شؤوني !
الزّوجة : اتّصل به فربّما تجد نجاة من نصائحه ..
عبّود : سأستعجل الأمر غدا ...
استدعى جاره لشرب كأس قهوة ، لم يرفض ...وداخل إحدى المقاهي ...
عبود : سعيت للقائك في أمر هام ...
الجار : أنا في الخدمة ...
حكى له ما وقع منذ شراء الدّار ، انطبق عليهما السّكوت وأسدل ستار الذّكريات على الجار الذي حنحن ونظر بإمعان ليكتشف وجه من ينتظر جوابا ...
عبّود : ما رأيك ؟!!
الجار : للدّار قصّة غريبة ...فبعد وفاة المالك ورثتها الزّوجة وأولادها الذين كبروا في حضن أمّهم ، غادرهم الأكبر سنّا وانفتحت شهيّته على المال بدافع غريزيّ كانت أساسه امرأة تطمع في الفوق لتصرف حسب ذوقها ومقتنياتها الرّاقيّة ...ألحّت كي يبيع الدّار الموروثة لتستفيد من القسط ...عرض قضيّة البيع على أمّه ، رفضت  ..
الأمّ : بنيّ ...نحن لا نملك سوى هذه الدّار ...ستر لي ولإخوتك الذين لازالوا يتابعون دراستهم
الولد الأكبر : ستتزوّج ابنتك بعد انتهاء سنتها الدّراسيّة ...وبثمن البيع ومساهمة زوج ابنتك اشتري مسكنا يجمعكم ..
الأمّ : عيب ...هل تعتقد أن صهري سيقبل جيشا في داره ؟
الابن الأكبر : فكّري
الأمّ : أرفض بيع دار زوجي المرحوم ..
الابن الأكبر : أهذا قرارك الأخير ...
الأمّ : نعم وإلى أن أموت ..
تركها بدون توديع من خصلة طاعة الوالدين ...وبدأت الحيّل تراوضه والزّوجة تسانده ...هبطت الحيلة من عميل من عملاء إبليس ، إذ طلب من أمّه أن توقّع التزام السكنى ليحصل على شهادتها ولعب السّمسار في طبعة عقدة البيع بالفرنسيّة التي لا تجيد الأمّ قراءتها ..تمّ المراد الخبيث وبيعت الدّار ليطرد الورثة منها بعد تشابك بالأيدي ولعنات صبّت على الابن الأكبر المزهوّ  بشيك مليونيّ ...هذه سيّدي عبّود هي قصّة دار مغصوبة بقانون مزوّر..
عبّود : يا لطيف ...ولد عاقّ باعها كرها !
الجار : والذي اشتراها من الابن الأكبر باعها لأنّها نحس ووقع له نفس ما عانيت منها
عبّود : أغرقتني في مشكلة لا حلّ لها حين سردت ما يفزع القلب
الجار : تصرّف بهدوء ..
عبّود : نعم الرّأي ...
انتهى اللّقاء وفي الدّار سرد ما سمع من الجار بالتّفصيل لزوجة فاض صبرها...باتا ليلة متوتّرة وفي الصّباح قبل تناول الفطور ، صرخت الزّوجة وهرول عبّود نحوها ليجدها واقفة أمام نبتة برزت من شقّ في الموزاييك ...نبات لم يريا مثله في الأسواق أو الأراضي الفلاحيّة ..اقترب عبّود ليجتثها ...جرحته رطوبتها ...مسح الاحمرار الذي لطّخ يده ...لا أثر للجرح انزلقت المادّة الحمراء نحو الأرض ولم تبلّل منديله ...عادت إلى جذر النّبتة التي صدر عنها صوت يلعن أهل الدّار ويأمرهم بالرّحيل ..
عبّود : أسمعت ؟! ...إنّه صوت امرأة ..
الزّوجة : نعم ...تلك التي ضيّعها الابن الأكبر ...
عبّود : لن نبالي بما يرغمنا على ترك ملكنا ...
الزّوجة : وما العمل ؟!
عبّود : نراقب وننتظر
الزّوجة : ننتظر ما يهلكنا
عبّود : لحدّ الآن لم تؤذينا المرأة ...
تقلّصت النّبتة وتلاشت شيئا فشيئا لتختفي في شقّ الموزاييك ...فرحا وكان فرحهما مؤقّتا ، انتهى بظهور جسم رماديّ كالظلّ ...
الجسم : احترمتكما ...لا تعاندا طلبي  ...بع الدّار !!؟؟
عبّود ( يتلعثم ) : سأضيّع مالي إن بعت الدّار التي تمنّيتها منذ زمان ..
الجسم : ضع أو لا تضع... بعها ؟!
عبّود : سيقلّ ثمن البيع عن ثمن الشّراء ...
الجسم : سيعوّضك الربّ .....وستنال رزقا ينسيك الخسارة ، والخالق أعلم ..
عبّود : لماذا لم يعاقب غاصب الورثة ومزوّر عقدة البيع ؟؟!...
الجسم : اسأل عنه لتعرف ما جرى له وللسّمسار
عبّود : سأسأل الجار
الجسم : أودعك في سلامة الخوف ...
اختفى الظلّ الرّماديّ ، سكنت مفاصل عبّود وزوجته ...احتارا في الأمر ...
عبّود : رصد إلينا على ما أظنّ
الزّوجة : لنبتعد من هنا ..
اقترب من آخر الشقّ ...أحاط هواء أحمر جوانب عبّود ...صاحت الزّوجة ظنّته دما ...مدّت يدها لمّا سمعت نداء زوجها ، لم تتلطّخ يدها الممدودة لعبّود بالاحمرار ...هواء وفراغ صلب ...جرّت ...استعملت ما تملك من قوّة ...جذبته ، سقط على الأرض تجمّع الاحمرار لينصبّ في المجرى ...ألمّ بهما الفزع ، اصفرّ واحمرّ وجههما بعد الحركات الوجلة ...
عبّود : طال الصّبر ...انهارت شجاعتي
الزّوجة : البيع مخرجنا الأخير
عبّود : سأستدعي الجار ليساعدني ..
الزّوجة :افعل ما شئت ، سأرسل الأولاد ليقطنوا مؤقّتا مع والديّ إلى أن تتخلّص من الدّار
عبّود : أحسنت ...أنا أيضا أخاف أن تتعقّد نفسيّة الأولاد ...
الزّوجة : سأرحّلهم اللّيلة
التقى عبود جاره وتكلّما بإسهاب عن مشاكل الدّار ..
عبّود : دار منحوسة ، أفقدتني صوابي وهجّرت أبنائي ...
الجار : اسمع لديّ كتب صفراء اشتريتها أيّام الدّراسة من مكتبة تبيع الكتب القديمة والمستعملة ...سأبحث عن كتاب للسّحر لم أفتح صفحاته إلى يومنا هذا ...سأقرأ فصوله ثمّ أطبّق إحداها إن كانت مناسبة لدارك ..
عبّود : ارحمني بها ...
الجار : ما ردّ فعلك إن فشلت ؟!
عبّود : لا تستوجب حالتي إلّا التمسّك بقشّة ولو كانت مدمّرة !
نام ليلته منشغلا بأسرته المطرودة من دار سرّها غامض ، ألقى عبّود جسده المنهوك فوق سريره قرب زوجته ليخلد في راحة فلتت منه ...أغمض عينيه ليرغمها على النّوم ...سمع فرقعة فقفز مفزوعا ...تشتّت زجاج المصباح الكهربائيّ فوق غطائه ...صمت في عمق الرّعب وثلجت روحه وروح زوجته...اعتبر الفرقعة عاديّة نتيجة تماسّ أو ماء لمس المصباح ، خاب ظنّه إذ توالت الفرقعة بعد تغيير وتبديل المصباح ...لم يفقد صوابه بل صبّ أمله في جار يدرس القضيّة وفي اليوم الرّابع بعد الاتّفاق ودراسة الجار لكتاب أصفر ...قبل الزّوال ، سمع عبّود طرقا على الباب ، فتحه تلقّى سلام جاره وأبعد زوجته عنهما لتختفي في غرفة نومها...وفي قاعة الضّيوف ...
عبّود : أهلا ...انتظرت ساعتك بفارغ الصّبر
الجار : أرعبني كتاب السّحر القديم وأرعشتني فقراته وفصوله ، لكنّي اكتشفت المهمّ
عبّود : فهل وجدت الحلّ في المهمّ ؟!
الجار : نعم ...أغلق النّوافذ والأبواب واحجب الضّوء عنّا ...
نفّد عبّود رغبة الجار الذي بدأ قراءة الفصل الخاصّ بالدّار ...نطق كلمات غريبة عن سمع عبّود ، فإذا بالحلوى تتطاير من كلّ الجهات ...تكاثر سقوط الحلوى ، أغلق الجار الكتاب الأصفر فانقطعت المفاجأة ...
عبّود : ماذا وقع ؟!
الجار : عادت للدّار حلاوتها ...فانتهى دوري ...أمامك حلّ واحد بعها ...
عبّود : لن أبيع نحسا لأخي المسلم  ..
الجار : لماذا تترك الضّرر يسطو على روحك ؟
عبّود : أخلاق ...مجرّد أخلاق ..لا شيء يريحني من دار الشّؤم ...
استيقظ صباحا كالمهدود ..تفوّه كالكلب تاركا زوجته تستريح من ما ألمّ بهما ليلا ، استغفر ربّه وفي الحمّام اغتسل وبرّد وجهه ليوقظ حيويّته المعذّبة ...أشغل الغاز ليطهي القهوة والحليب ...سمع مشية قدم ، اتّبع صداها فلم يعثر على صاحبها عاد للمطبخ حيث أسرع لينقذ ما بقي من القهوة والحليب بعد فيضهما ...تناول فطور الأعزب المفروضة من زوجة نائمة في دار ترعبها ...فتح الباب بعد طرق خفيف ..
عبّود : سباح الخير
الجار : صباح الخير
عبّود : تفضّل ...أتريد قهوة أم حليبا ؟
الجار : فطرت والحمد لله مع زوجتي ..
عبّود : ما أسعدك في بيت مريح !
الجار : يا أخي كلّ باب كتب عليه اسم ساكنه وكلّ بقعة هيّئت لحيّ أو ميّت
عبّود : كلام حكم ...
الجار : عثرت على من يشتري دارك المغبونة ..
عبّود :  أفضل حلويّات كتابك الأصفر المختصّ في السّحر المقلوب ....لن أبيع داري ...أشكر اهتمامك بالجار ..
الجار : أنفّد الوصيّة....
تمّ الرّفض...أسقط  البيعة من ذهنه ...غضب الجار الذي ضيّع الحلاوة...وفي الدّار ....
عبّود : أغلقي الأبواب والنّوافذ ...
الزّوجة : لا توصي خوّافة ...
ابتسم ، أطفأ المصباح الذي استبدله  ..
الزّوجة : هذا شيء جديد ..
عبّود : عشت الحالة وسمعت فرقعة أرعشت بدني  ...
دوّت فرقعة المصباح وهو خارج الخدمة في هذه اللّحظة صدقت الوقائع وآمن عبّود بما حدث له ...
الزّوجة : ستضيع ليلتنا !
عبّود : أظنّها فرقعة وداع  
...وباتت ليلة سعيدة في حضن زوجها عبّود ...غابا في نومة غارقة في الحلم الجميل ...وقبل الفجر بساعتين..... أيقظه الذّهاب إلى المرحاض ...فتح بابها فهبّت على وجهه حشرات مختلفة الأشكال والألوان ...اندهش هلعا ، تراجع صارخا ، مناديا زوجته التي رجّ جسدها الفراش ...لبست شبشبها وهرعت نحو عبود ..
الزّوجة : ما بك ؟؟!
عبّود : انظري إلى هذه الحشرات !
الزّوجة : هل فقدت وعيك ؟؟
عبّود : لا ...إنها ترفرف في فضاء المرحاض ..
الزّوجة : أنت تخرّف ...أنا لا أراها بتاتا !
عبّود : أتكذّبينني ؟!! ها هي أمامك ...
الزّوجة : لا ترغمني لمشاهدة الخواء ..
عبّود : إذا ما يدور في داري المسحورة يقصدني ويخيفني كي أبيع الدّار
الزّوجة : نعم...وفي بعض الأحيان نقع معا  فيما يزعجنا ..
عبّود : عودي إلى سريرك !
الزّوجة : وأنت ؟!
عبّود : سأجلس على عتبة الدّار أو أتمشّى قليلا لأدخّن سيجارة قبيل الفجر
الزّوجة : لا تتأخّر ..
عبّود : أنسيت أن غدنا عطلة ؟؟!
الزّوجة : دوّختني هذه الأعمال الشّيطانيّة ...
افترقا ...بال قرب شجرة في آخر الدّرب والحيّ خالي من قاطنيه ...أشعل سيجارة شفط دخّانها بشهيق وزفير عميقين ...تلطّف مزاجه الذي أفسده نباح كلاب بلا سبب في ليلة دافئة وهادئة ...هبّت ريح طفيفة محمّلة بغبار الدّرب وإن هي إلّا ومضات عيني عبّود أحسّ هزّة أرضيّة ، هرول نحو داره ، تهدّمت ضمن دور الجيران ...أوغل الزّلزال  في قلبه حزنا على زوجته وداره تاركة أبناءه النّائمين بين أحضان الجدّين كمواساة من قدر محتوم ومختوم ....

أوباها حسين

ذكر عدد الرسائل : 276
العمر : 74
تاريخ التسجيل : 11/10/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking

منزل موروث :: تعاليق

لا يوجد حالياً أي تعليق

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى