صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

مولاي عبدالكريم بن لحسن/ناحية وزان

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

مولاي عبدالكريم بن لحسن/ناحية وزان

مُساهمة من طرف said في الأحد 14 ديسمبر 2008 - 21:41

محمد مربوط بالسلاسل منذ 8 سنوات في ضريح مولاي عبد الكريم
مواطن مربوط بالسلاسل ثماني سنوات دون علم وزير العدل




في مقدمة جبال الريف، بقرية صغيرة تسمى «المونة» (تبعد بـ30 كيلومترا عن
مدينة وزان) يوجد شخص مكبل بالأغلال والسلاسل منذ ثماني سنوات دون علم
وزير العدل المغربي.
محمد، رجل مريض نفسيا في الثلاثينات من العمر، قضى رفقة والدته
البدوية ما يقارب عقدا من الزمن مربوطا من أجل الشفاء مما تسميه أمه
«لرياح»، في ضريح «مولاي عبد الكريم»، الذي يعتقد البسطاء من أهل المنطقة
أنه صاحب كرامات، يبطل السحر، ويزوج النساء، ويعطي الأولاد والبنات ويعيد
الصواب إلى المجانين، ويحقق الأحلام والرغبات ويفك «محاين الزمان»، وكل
ذلك مقابل بعض «الفتوح» وبضع شمعات وقربان عبارة عن ديك بلدي أسود أو بني.

«المساء» زارت ضريح «الولي الصالح» ووقفت على حالات نساء ورجال انتهى
بهم الأمر مكبلين بالأغلال والسلاسل داخل غرف صغيرة تشبه زنازين الاعتقال
السري السبعينية. محمد مربوط منذ ثماني سنوات من اليدين والعنق والرجلين،
حليمة فتاة معاقة ذهنيا في الثلاثينات من العمر تقطن الضريح منذ أيام
الطفولة الأولى، بعد أن تركها أفراد أسرتها بين يدي مسؤول الضريح ورحلوا،
وقد كشفت لـ«المساء» أنها شبه متزوجة بالقيم على الضريح أو، كما أكد بعض
سكان الدوار، «إنه يستغلها جنسيا».

ما يحدث بـ«مولاي عبد الكريم» يشبه كثيرا ما يحدث بضريح «بويا عمر»
بإقليم قلعة السراغنة، فهذان «الوليان» اشتهرا، منذ زمن طويل، لدى عامة
المغاربة بـ«ربط المجانين والمسكونين والمصابين بلرياح» غير أن الاختلاف
بينهما هو أن مجاذيب «بويا عمر» يربطون داخل الضريح فيما رواد «مولاي عبد
الكريم» يربطون في محيط الضريح إلى جذوع أشجار الزيتون أو إلى الصخور، وفي
أوقات المطر والبرد يسجنون في زنازين مخصصة لهذا الأمر.
بين جبلين مغروسين بأشجار الزيتون يأتي كل خميس عشرات المواطنين
لأخذ «بركة مولاي عبد الكريم» أو لربط أحد أبنائهم أو أحد أقربائهم لفك
المسحور وجبر المفجوع وإيقاظ المجنون. العلاج بسيط: الربط بسلاسل وأغلال
حديدية صلبة جدا يصعب تكسيرها. وحسب تصريحات أبناء المنطقة، فإن «المشرف
على الضريح شخص غير سوي وسبق له أن طرد من دوار يسمى زريرة» قبل أن يحط
رحاله هاربا إلى قرية «المونة» ولا أحد يعرف أصله. إنه رجل في الستينات من
العمر يلبس «جلبابه البني دائما» ويقول عنه إنه «جلباب الحكمة»، يهابه
الجميع في القرية «فقط لأن لا أحد من أبناء المنطقة يستطيع ثقب أذنه
وتعليق سلك حديدي بها» كما فعل هو.

«أريد أن آكل» هكذا كان يصرخ محمد «المعتقل» منذ ثماني سنوات داخل
شيء يشبه حجرة بلاستيكية صنعتها له والدته، لحمايته من برودة الجبل، بعد
أن قررت أن تمضي بقية عمرها إلى جانبه غداة وفاة زوجها، حسب ما صرحت بذلك
لـ«المساء»، «لأنه لا ينبغي أن تفك الأغلال والسلاسل بعد أن تقفل».

هكذا فهي تمضي أغلب الأوقات إلى جانب ابنها لتطعمه وهو في المقابل
مجبر على أن يبقى كما هو في نفس الوضع: يدان مكبلتان إلى الوراء، ورجلان
مكبلتان بالأغلال في صورة تعيد إلى الأذهان «أيام الفلقة»، هكذا أمضى محمد
ثماني سنوات في نفس الوضع وبنفس السلاسل والأغلال يتبول ويتغوط في مكانه
وبمساعدة والدته التي صارت تتسول المساعدة من زوار الضريح.

الأخطر من ذلك هو أنه أثناء إعداد تحقيق مولاي عبد الكريم، الذي
سينشر في عدد لاحق، تعرضت مرشدة «المساء» إلى المنطقة إلى التحرش الجنسي
من طرف أحد المشرفين على الضريح، الذي حاول استدراجها كما حاول أن يلمسها
قبل أن يحضر فريق التحقيق، ليتحجج المشرف بأنه «كان يريد أن يزيل السحر
والعين عن الشابة لأن أرواحا غريبة دخلت المكان»، قبل أن يطالبها بضرورة
العودة إلى المبيت بجوار «سيدي عبد الكريم» ما دامت الأماكن لا تزال
شاغرة، وأن تحضر له بعض الملابس الصوفية وبعض الأحذية. للإشارة، فالمشرف
على الضريح يقتسم كل ما يجنيه من أموال وملابس وذبائح مع أمين الضريح الذي
يقطن في منزل غير بعيد ويملك مفاتيح بوابة قبة «مولاي عبد الكريم» ومفاتيح
الأغلال والسلاسل وصندوق «الفتوح».

وزان- فؤاد مدني
المساء
14_12_2008

said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

«مولاي عبد الكريم».. معتقل المخبولين: وزان (قرية المونة)- فؤاد مدني

مُساهمة من طرف said في الثلاثاء 16 ديسمبر 2008 - 9:38

بين
جبلين مليئين بأشجار الزيتون يأتي كل يوم خميس عشرات المواطنين لأخذ «بركة
مولاي عبد الكريم» أو لربط أحد أبنائهم أو أحد أقربائهم بجوار «الولي
الصالح» لفك المسحور وجبر المفجوع و إيقاظ المجنون. العلاج بسيط: الربط
بسلاسل وأغلال حديدية صلبة جدا يصعب تكسيرها إلى جوار «مولاي عبد الكريم»
صاحب الكرامات الخارقة: يبطل السحر، يزوج النساء، يعطي الأولاد والبنات
ويعيد الصواب إلى المجانين. إنه يقوم بكل شيء ويحقق الأحلام والرغبات ويفك
«محاين الزمان»، وكل ذلك مقابل بعض «الفتوح» وبضع شمعات وقربان عبارة عن
ديك بلدي أسود أو بني. إليكم القصة كاملة.


هنا..التربة
تقذف بقايا عظام الموتى البيضاء الهشة. المطر يعري كل شيء هذا الصباح
بقرية “المونة” الصغيرة. تخرج هياكل المطمورين من تحت التراب ومن بين
الصخور. هنا..أشجار الزيتون تنبت فوق القبور رغم أنف الهياكل البشرية، صمت
قاتل، أعمدة دخان الشواء تنبعث من داخل المنازل البدوية الصغيرة، أطفال
هنا وهناك يلعبون في مرح مرتدين ملابس العيد الجديدة التي امتلأت بالوحل،
وهناك في الطرف الآخر من “الدوار” قبر شامخ لم يمسه المطر الغزير منذ زمن
طويل، فيما باقي الجماجم والهياكل البشرية كانت تخرج رويدا رويدا من
قبورها بعد أن عراها الشتاء. “الموت طبقي أيضا”: أموات يتعرون من ستر
التراب تحت قصف المطر و”مولاي عبد الكريم” يرقد في ضريحه خارج تغيرات
أحوال الطقس. إنه هناك داخل مقبرة صغيرة يرقد معززا مكرما. ينتظر زواره
ومريديه كل يوم خميس من المشعوذين والمشعوذات والمرضى والمجانين
والعوانس...

“أنظر إلى الأرض، هل ترى كل تلك الجماجم؟” يقول عبد القادر، نائب
“مقدم” الضريح، ويشير بسبابته في اتجاه جمجمة بشرية أبت إلا أن تخرج من
تحت التراب لتجيب نداء المطر. عبد القادر يفتخر بكونه حارس سر “الولي
الصالح” منذ ما يقارب 32 سنة (حسب قوله). يبدو هذا الرجل مخيفا وغامضا جدا
بين هاته القبور التي تملأ المكان. إنه يشبه أشباح البشر في أفلام الرعب،
بلحيته البيضاء الناصعة ووجهه المستدير وأذنه الضخمة التي يعلق بها قرطا
مفتولا من سلك النحاس، وجلبابه البني المتسخ،.

“طلبو التسليم من مولاي عبد الكريم”، ردد صاحب “جلباب الحكمة” هذه
العبارة مرات عديدة، وفي المرة الأخيرة التي نطق فيها بتلك الكلمات كان
يدوس بكلتا قدميه على جمجمة رجل أو امرأة بنعله الجلدي، فيما كان رواد
المكان وزواره يحاولون تجنب العظام التي ابتعثت من قبورها بفعل المطر،
وتفادي تدنيس قبور الموتى احتراما. أما عبد القادر فكان يرفس العظمة تلو
العظمة والرأس تلو الرأس والرجل تلو الأخرى. إنه ببساطة رجل مخيف.

في حضرة “مولاي عبد الكريم” نساء ورجال انتهى بهم الأمر مكبلين
بالأغلال والسلاسل داخل غرف صغيرة تشبه زنازين الاعتقال السري السبعينية.
محمد مربوط منذ ثماني سنوات من اليدين والعنق والرجلين، وآخرون اختاروا
جميعا أن يجاوروا قبر شخص من طينة «بويا عمر» يدعى «مولاي عبد الكريم»
صاحب الكرامات الخارقة: يبطل السحر، يزوج النساء، يعطي الأولاد والبنات
ويعيد الصواب إلى المجانين. إنه يقوم بكل شيء ويحقق الأحلام والرغبات ويفك
«محاين الزمان»، وكل ذلك مقابل بعض «الفتوح» وبضع شمعات وقربان عبارة عن
ديك بلدي أسود أو بني.

ما يحدث بـ«مولاي عبد الكريم» يشبه كثيرا ما يحدث بضريح «بويا عمر»
في نواحي قلعة السراغنة، فهذان «الوليان» اشتهرا منذ زمن طويل لدى عامة
المغاربة بـ»ربط المجانين والمسكونين والمصابين بلرياح»، غير أن الاختلاف
بينهما هو أن مجاذيب عمر يربطون داخل الضريح فيما رواد عبد الكريم يربطون
في محيط الضريح إلى جذوع أشجار الزيتون أو إلى الصخور، وفي أوقات المطر
والبرد يسجنون في زنازين مخصصة لهذا الغرض.


مفتاح «المقدم»

العاشرة والنصف من صباح ثاني أيام العيد. إنه يوم خميس ممطر، لكنه يوم
غير عادي عند أبناء قرية «المونة» لأنه يصادف منذ سنوات خلت موعدا يعرفه
أغلب أبناء «جبالة» صغارا وشبابا وشيوخا: «إنه يوم حضرة مولاي عبد
الكريم». الشمس تحاول أن تشرق، والوحل يملأ أرجاء المكان، و»مولاي عبد
الكريم» هناك بين القبور. لا كائنات، لا تنفس. الضريح والمقبرة يوجدان وسط
أشجار زيتون كثيفة يسميها أبناء القرية بـ»غابة الضريح». تقترب الخطوات.
تبرز الجماجم. ها هو الضريح، وفي لحظة غير متوقعة يخرج عبد القادر من إحدى
الغرف، مثل الشبح ويسأل «هل جئتم للزيارة؟» يصمت للحظات وينتظر الجواب:
«أييه آ الشريف أختي مسكونة وكتسخف ونصحنا لفقيه بزيارة مولاي عبد
الكريم». ارتخت عضلات وجه عبد القادر وكانت كلماته الموالية كالآتي:
«مرحبا مرحبا، أنا المشرف على الضريح.. راخواتلي البوطة وخاصني نعمرها».

بين جبيلين مليئين بأشجار الزيتون يأتي كل خميس عشرات المواطنين لأخذ
«بركة مولاي عبد الكريم» أو لربط أحد أبنائهم أو أحد أقربائهم لفك المسحور
وجبر المفجوع وإيقاظ المجنون. العلاج بسيط: الربط بسلاسل وأغلال حديدية
صلبة جدا يصعب تكسيرها. وحسب تصريحات أبناء المنطقة، فإن «المشرف على
الضريح شخص غير سوي وسبق له أن طُرد من دوار يسمى زريرة» قبل أن يحط رحاله
هاربا إلى قرية «المونة» ولا أحد يعرف أصله. إنه عجوز في الستينات من
العمر، يلبس «جلبابه البني دائما» ويصفه بـ»جلباب الحكمة»، يهابه جميع
سكان القرية «فقط لأن لا أحد من أبناء المنطقة يستطيع ثقب أذنه وتعليق سلك
حديدي بها» كما فعل هو.

«لا يمكنكم القيام بالزيارة ما لم يحضر المقدم ليفتح لكم قبة
الضريح.. إعطني هاتفك النقال لأكلمه»، هكذا تقول تعليمات عبد القادر.
الضريح مقسم إلى ثلاثة أجزاء: مسجد صغير، بيت مقسم إلى ثلاثة غرف: واحدة
حيث يرقد «مولاي عبد الكريم» والثانية لعبد القادر والأخرى لحليمة، وباحة
واسعة لاستقبال المريدين، بالإضافة إلى بناية صغيرة مقسمة إلى ثلاثة غرف
تستخدم لـ»سجن المجانين» كما يقول العارفون بالمكان؛ كل هذا محاط بعشرات
أشجار الزيتون وقبور الميتين. «المقدم» يقطن في بيت خاص بمدخل «الدوار»
ولا يرد على هاتفه النقال، وبالتالي «لن تتم الزيارة إلا بدخول القبة»،
حسب عبد القادر دائما.

«المقدم» أطفأ هاتفه النقال نهائيا. المكان تملأه خضرة ما بعد المطر.
المقدم لم يحضر بعد. يقترح هشام (أحد مرشدي «المساء» إلى المنطقة) الذهاب
لإحضاره من البيت. الشمس مازالت تصارع الغيوم في السماء. الوحل يغرق
القرية الصغيرة. عبد القادر يطوف كـ»المهبول» بين الحقول ويكلم بعض
العنزات. فجأة تظهر امرأة في المكان ترافق سيدة عجوزا. «صباح الخير
آالحاجة هل تنتظرين المقدم أيضا». لقد كانت أسرة بأكملها تنتظر «المقدم»
منذ يومين، لكن هذا الأخير لم يأت لأنه كان يحتفل بكبشه، فيما العجوز
المريضة كانت محكومة بقرار فقيه معروف بالمنطقة أمرها بـ»زيارة مولاي عبد
الكريم لتشفى من آلام المفاصل ولكي لا تستمر في النسيان». إنهم هنا في
حضرة «مولاي» يقيمون بين القبور والأشجار وتحت المطر منذ أكثر من 48 ساعة
في انتظار زيارة القبة.


سجن محمد

في مقدمة جبال الريف، بقرية صغيرة تسمى «المونة» (تبعد بـ 30 كيلومترا
عن مدينة وزان) يوجد شخص مكبل بالأغلال والسلاسل منذ ثماني سنوات دون علم
وزير العدل المغربي. محمد، رجل مريض نفسيا في الثلاثينات من العمر، قضى
رفقة والدته البدوية ما يقارب عقدا من الزمن مربوطا لأجل الشفاء مما تسميه
أمه «لرياح»، يجاور قبر «مولاي عبد الكريم». محمد مربوط منذ ثماني سنوات
من اليدين والعنق والرجلين إلى جذع شجرة زيتون ضخمة.

«أريد أن آكل» هكذا كان يصرخ محمد «المعتقل» منذ ثماني سنوات داخل
شيء يشبه حجرة بلاستيكية صنعتها له والدته، لحمايته من برودة الجبل، بعد
أن قررت أن تمضي بقية عمرها إلى جانبه إثر وفاة زوجها، حسب ما صرحت به هي
لـ»المساء»، «لأنه لا ينبغي أن تفك الأغلال والسلاسل بعد أن تقفل»، هكذا
فهي تمضي أغلب الأوقات إلى جانب ابنها لتطعمه وهو في المقابل مجبر على أن
يبقى كما هو في نفس الوضع: يدان مكبلتان إلى الوراء، ورجلان مكبلتان
بالأغلال في صورة تعيد إلى الأذهان «أيام الفلقة»، هكذا أمضى محمد ثماني
سنوات في نفس الوضع وبنفس السلاسل والأغلال، يتبول ويتغوط في مكانه
وبمساعدة والدته التي صارت تتسول المساعدة من كل زوار الضريح.

المنظر مرعب إلى أقصى الحدود، فالرجل لم يعد قادرا على الحركة. هل
يتحدث؟ هل يتنفس؟.. طلبت والدته من هشام أن يشتري لها بعض الصابون لتغسل
بعضا من فراش محمد والداعوات لا تفارق شفتيها «الله يرضي عليك أولدي..الله
يقبل الزيارة». أخذت الصابون وبعض الحلويات بفرح طفولي وذهبت في اتجاه
جدول صغير في سفح الهضبة لتغسل غطاء ابنها المعتقل. كانت تلك هي الفرصة
الوحيدة للحديث مع محمد المربوط: أخرج هشام بعض الأكل من الحقيبة وقذف به
من أعلى الشجرة، حيث يربط محمد، لأن أمه كانت قد أحكمت إقفال «براكة»
ابنها التي صنعتها من بعض القصب وستائر بلاستيكية لحمايته من البرد. وكما
هي عادة «الجبليات»، كان لابد أن «ترشم» باب الدخول إلى «البراكة» بعلامات
تمكنها من اكتشاف ما إذا قام أحدهم بولوج فضاء ابنها. «هل تريد
الأكل؟»..»نعم أريد»..»مد يدك وخذ هذا البسكويت»، قال هشام:»أنا لا
أستطيع..أنا مربوط من يدي ومن رجلي..ارم إلي بالأكل».

كان يتحدث بطريقة عادية من داخل براكته «البلاستيكية». لا يستطيع رفع
رأسه إلى الأعلى. له شارب كث يشبه شارب المفكر «نيتشه»، يبدو أنه لم يسبق
له أن قام بحلقه. ترنح يمينا وشمالا. حاول أن يدفع البسكويت بإليتيه، لكنه
لم يستطع وفي النهاية، قال: «أمي ستعطيني إياه عندما تعود». سأل هشام:
«لماذا أنت هنا؟» صمت لبرهة وكان الجواب حاسما: «أنا مسكون».


حضرة مولانا

في لحظة غير متوقعة، أحضر هشام «مقدم الضريح». فتح الباب المقدس. دخل
الجميع وتمددوا إلى جانب «مولانا». ثم تناوبون على الطواف بقبته. يضعون
بعض «الفتوح» في الصندوق المنصوب عند قدمي «عبد الكريم». يقبلون ستائره
«المباركة». يتمسحون بأركان القبة «المقدسة»، ويبدأون في تلاوة بعض الآيات
القرآنية يتبعونها بطلباتهم ورغباتهم. طقس روحاني يعرفه كل المغاربة صغارا
وكبارا، أو بالأحرى «طقس زيارة الأولياء والصالحين» الذي يتكرر في كل
أضرحة المملكة.

الشمس تحررت من غيومها بقرية “المونة” الصغيرة. أصوات الطيور بدأت
تخترق صمت الضريح القاتل. “المقدم” يربط سلاسله حول عنق إحدى الزائرات
ويقرأ بعض التعاويذ. الفتاة ترتعش خوفا بين يدي “المقدم”. السلاسل
والأغلال في كل أرجاء القبة، “لأنها تستمد مفعولها السحري من مولاي عبد
الكريم”، كما يؤكد عبد القادر. المنظر العام: نساء تطوفون حول القبة،
سلاسل وأغلال في كل مكان، “المقدم” يمارس بركته على رأس فتاة، عبد القادر
يدخل ويخرج. ولا شيء غير الصمت.

انتهت الزيارة، بدأت القرابين تنحر، خطفت الفتاة رأسها من بين يدي
“المقدم” وغادرت مسرعة. عٌلقت السلاسل على الضريح. الشمس تبعث أشعة قوية
في الأفق. صوت الأطفال بدأ يصل إلى الغابة الصغيرة. محمد تلوى في أغلاله
وسلاسله وأدار وجهه إلى الحائط محاولا النوم، والموتى عادوا إلى قبورهم
بعد رحيل الغيوم وشروق الشمس.


حماية وتحرش


ضريح «مولاي عبد الكريم» أكثر الأماكن حماية بقرية «المونة». لا أحد
يستطيع قطف زهرة واحدة من حقوله وإلا «ستصيبه اللعنة»، لكن الضريح تحميه
السلطة أيضا لأنها تعرف كل ما يحدث بداخله ولا تحرك ساكنا. أكثر من ذلك،
فالباب الحديدي الذي يملك مفاتيحه «المقدم» تبرع به أحد أعضاء المجلس
البلدي بالمنطقة. الأخطر من ذلك هو أنه أثناء إعداد «المساء» للروبورطاج،
تعرضت مرشدة «المساء» إلى المنطقة إلى التحرش الجنسي من طرف المشرف على
الضريح، الذي حاول استدراجها كما حاول أن يلمسها قبل أن يحضر فريق
الروبورطاج، ليتحجج المشرف بأنه «كان يريد أن يزيل السحر والعين عن الشابة
لأن أرواحا غريبة دخلت المكان»، قبل أن يطالبها بضرورة العودة إلى المبيت
بجوار «سيدي عبد الكريم» ما دامت الأماكن لا تزال شاغرة، وأن تحضر له بعض
الملابس الصوفية وبعض الأحذية. للإشارة، فالمشرف على الضريح يقتسم كل ما
يجنيه من أموال وملابس وذبائح مع أمين الضريح الذي يقطن في منزل غير بعيد
عن قبر عبد الكريم ويملك مفاتيح بوابة قبة «مولاي عبد الكريم» ومفاتيح
الأغلال والسلاسل وصندوق «الفتوح».


قصة حليمة


لم يحضر المقدم بعد والهاتف خارج التغطية. “أحسن، فالمكان مليء
بالمفاجآت، وإذا حضر المقدم سيكون علينا القيام بالزيارة والرحيل”. هناك
في أحد جنبات الضريح كانت تجلس حليمة رفة عشرات القطط حولها. إنها امرأة
في الثلاثينات من عمرها، أمضت نصفه داخل الضريح. إعاقة جسدية على مستوى
أصابع يديها. نظرات مرتابة وخائفة. عبارات قصيرة، وحركات طفولية لسيدة
أمضت 15 سنة بين قبور الموتى.

حليمة فتاة معاقة ذهنيا تقطن الضريح منذ أيام الطفولة الأولى، بعد أن
تركها أفراد أسرتها بين يدي مسؤول الضريح آنذاك ورحلوا، قبل أن تكشف
لـ”المساء” أنها شبه متزوجة بعبد القادر، حارس سر “مولاي عبد الكريم”، أو
كما أكد بعض سكان الدوار لـ”المساء” “إنه يستغلها جنسيا ويستغل ضعفها”.
ثيابها نقية وغير متسخة. “إنها هكذا دائما لا تتحدث إلا إلى عبد القادر
ولا تلاعب سوى القطط”. هي أيضا أمضت بعض السنوات مربوطة بالسلاسل والأغلال
إلى جذوع الأشجار قبل أن يقرر شبح عبد القادر “إطلاق سراحها”.

طلبت حليمة بعض البسكويت ولم تأكله بل فضلت أن تمنحه لقططها العزيزة
عليها. لم تنطق ببنت شفة ما عدا “الله يرحم الوالدين”، وعادت إلى قططها
وإلى أجوائها الطفولية. في لحظة، يبدو للمشاهد وكأنه يتابع أحد أفلام
الرعب لـ”مصاصي الدماء”، وأن كل الموتى سيبعثون من قبورهم وسيتحول عبد
القادر إلى دراكولا وحليمة إلى عشيقته وسيكسر محمد قيوده وسيسجد الجميع في
انتظار خروج “مولاي عبد الكريم” من ضريحه.

المساء
العدد 694
الاثنين 15 دجنبر 2008

said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى