صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

محمود درويش لا يريد لقصيدته أن تنتهي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

محمود درويش لا يريد لقصيدته أن تنتهي

مُساهمة من طرف jabilou في الأحد 5 أبريل 2009 - 10:33

لماذا لم يُراجَع الديوان بدقة قبل طباعته؟!
محمود درويش لا يريد لقصيدته أن تنتهي

اذا استعنا بلغة الحداثيين العرب لتقديم حكم عام على ديوان محمود درويش
الأخير: «لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي»، قلنا ان الشاعر قد تجاوز نفسه
عندما كتب قصائد جديدة نضرة هي من بين اجمل ما كتب على امتداد عمره
الشعري. ولكن هذا الحكم لا يكفي لوصف مجمل ما فعله محمود درويش في هذا
الديوان. لقد تجاوز نفسه. هذا صحيح، ولكنه لم يفقدها أيضا. فمن يقرأ
قصائده الجديدة، أو الأخيرة، يشعر بان محمود درويش موجود في هذه القصائد
وجوده في كل قصائده السابقة. الروح واحدة ولكن للروح تجليات مختلفة تماما
كشجرة التفاح التي تعطي كل عام تفاحا جديدا مختلفا في قليل أو كثير من
تفاح الموسم السابق أو المواسم السابقة. ولكن الشجرة هي ذاتها. وهذا ما
يميز شاعرا كبيرا كمحمود درويش من بعض شعراء الحداثة الآخرين الذين لا
يشبه عمل لهم عملا سابقا.
ان المبُحر في قصائد «لا أريد لهذي القصيدة
أن تنتهي» يجد أحيانا قرابة وثيقة بينها وبين قصائد درويشية سابقة، وبخاصة
قصائد «الجدارية»، نظرا الى مناخات الموت ومواجهة وتحدي الشاعر له.
ولكن
القصائد الأخيرة تضيف ابعادا جديدة الى تجربة الشاعر مع الموت. فاذا كان
قد روى في «الجدارية» وقفته في «محطة الباص» في عكا وأعلن أن كل من يشاهده
امامه هو «له»، وليس للإسرائيلي، فانه يتابع البحث عن ملكية ما يشاهده
عندما يقف على «المحطة» ذاتها حائرا في ما «له» وما ليس له:
وقفتُ على المحطة. كنتُ مهجورا كغرفة. حارس.
الأوقات. في تلك المحطة. كنتُ منهوباً يُطلّ
على خزائ.نه ويسأل نفسه: هل كان ذاك
الحقلُ/ذاك الكنز لي؟ هل كان هذا
اللاّزورديُّ المبلّلُ بالرطوبة. والندى الليلي لي؟
هل كنتُ في يومٍ من الأيام لي؟
هل تمرض الذكرى معي وتُصابُ بالحمى؟
وقفتُ على المحطة لا لانتظر القطار ولا هتاف العائدين
من الجنوب إلى السنابل، بل لأحفظ ساحل
الزيتون والليمون في تاريخ خارطتي..
هل مرّ بي شبحي..
انه
محمود درويش ذاته كما عرفناه في «الجدارية»، ولكنه ليس ذاته تماما، وهذه
هي علامة الشاعر الكبير الذي يتجاوز نفسه ولكن دون أن يفقدها.
يرسم الشاعر لوحات تشكيلية في هذه القصائد شبيهة باللوحات التي يرسمها الفنان التشكيلي:
عشبٌ، هواءٌ يابس.. شوكٌ وصبارٌ
على سكك. الحديد. هناك شكلُ الشيء
في عبثية اللاّشكل. يمضغ ظلَّهُ
عدمٌ هناك موثقٌ، ومطوقٌ بنقيضه
ويمامتان تحلّقان
على سقيفة. غرفةٍ مهجورةٍ عند المحطة..
ولكنه
ينقض ما في «الجدارية» احيانا. فاذا كان قد اعلن فيها: «هزمتك يا موتَ
الفنون. جميعها»، فانه يسأل في خاتمة «لاعب النرد» التي يروي فيها سيرته
وتجربته، وهي من اجل قصائد «الديوان الأخير»: «مَن أنا لأخيب ظنَّ العدم»؟
ويستعيد
محمود درويش في هذا الديوان كل اساليبه الشعرية السابقة. يلحّ تارةً على
قصيدة الوزن الخليلي في ثلاث قصائد: «من كان يحلم»، و«يأتي ويذهب»، و«كأن
الموت تسليتي»، وعلى التناظر الايقاعي الحاد، والمنتهي بقافية واحدة تذكر
بمناخ البدايات كما في «ههنا، الآن، وهنا والآن» وعلى السرد الحكائي الذي
يقارب السيرة كما في «لاعب النرد»، وعلى الحوار والمسرحة والتنوع الدرامي.
وكذلك على التقفية الداخلية والموسقة الحروفية، وعلى تهدئة الايقاع
والتخفف من القافية.
ولا يمكن لمن يقرأ هذا الديوان قراءة متفحصة الا
ان يقف عند قصائد متميزة فيه، منها قصيدة «عينان» التي تظهر اهتمام الشاعر
بالألوان وتمتعه بمخملية لونية مدهشة:
عينان تائهتان في الألوان. خضراوان قبل
العشب. زرقاوان قبل الفجر، تقتبسان
لون الماء، ثم تصوّبان إلى البحيرة نظرة
عسليةً، فيصير لونُ الماء أخضرَ
تنظران إلى الرماديّ الحزين
وتخفيان صفاته، وتهيجان الظلَّ بين الليلكيّ
وما يشعّ من البنفسج في التباس الغرق.
تمتلئان بالتأويل، ثم تحيّران اللون: هل هو
لازورديّ، ام اختلط الزمرّد بالزبرجد والتركواز..
ويعود
إلى اللون مرة أخرى في قصيدة عنوانها «في بيت نزار قباني» اذ يتحدث عن
«اللون الأزرق» الذي صادفه في بيت نزار وحديثه هنا يذكرنا بقصيدة أمل دنقل
التي كتبها قبل وفاته بقليل وفيها يتحدث عن «اللون الأبيض» الذي صادفه في
غرفته وهو طريح الفراش في مستشفى الأورام بالقاهرة (كان نقاب الأطباء
أبيض). محمود يتحدث عن اللون الأزرق الذي شاهده في «بيت الدمشقي»:
بيت الدمشقي بيت من الشعر
أرض العبارة زرقاء، شفافة، ليلُه
أزرق مثل عينيه. آنية الزهر زرقاء
والستائر زرقاء
سجاد غرفته أزرق. دمعه حين يبكي
رحيل ابنه في الممرات أزرق. آثار
زوجته في الخزانة زرقاء. لم تعد
الأرض في حاجة لسماء، فان قليلا
من البحر في الشعر يكفي لينتشر الأزرق
الأبدي على الأبجدية!
أنَّى
تجول القارئ المتفحص في هذا الديوان عثر على شعر ذي مقام رفيع في نادي
الشعر، العربي وغير العربي. في هذا الديوان، وفي دواوين كثيرة سابقة، لم
يعد درويش مجرد شاعر عربي كبير. انه أكثر من ذلك. انه قمة شعرية عربية
وعالمية في الوقت نفسه. مثل لوركا الاسباني الأندلسي، واراغون الفرنسي
وهذا الصنف من القمم/الرموز في العالم المعاصر.


خلل عروضي!!

ثمة
ملاحظات اخرى منها وجود خلل عروضي في بعض الأبيات قد يكون سببه أن الشاعر
لم يُلق. نظرة أخيرة على الديوان قبل ارساله للطبع. حال الموت دون القاء
هذه النظرة، ولكن كان بالامكان إحالة القصائد إلى شاعر خبير بالعروض ليجري
التصحيحات اللازمة. وهذا ما لم يحصل. ولعل بعض هذا الخلل العروضي مرده
أحيانا إلى خطأ مطبعي فات تدبره. ففي قصيدة «تلال مقدسة» يرد: «ولكنهم
يؤمنون أن التلال». والأرجح أن تكون في النص الأصلي: «ولكنهم يؤمنون بأن
التلال». واسقاط الباء هو الذي سبب هذا الخلل الوزني. وفي القصيدة نفسها
نقرأ: «عُرف ديك تنسّك/اشمّ رائحة الموت»، وهو ما يحدث خللا في وزن
المتقارب. والأرجح أن يكون الشاعر وضع كلمة «اشتمّ» بدلا من «اشمّ»، الا
أن هذه الكلمة لم تسلم من خطأ الطابع أو الطابعة. هذا مع الاشارة إلى أن
محقق الديوان، الياس خوري، ذكر في مقال توضيحي مرفق بالديوان أن الشاعر
وضع خطوطا حمراء تحت بعض كلمات قصائده. والأرجح أن يكون ترك مسألة النظر
فيها إلى وقت لاحق ولم يتيسر له ذلك. على أن كل هذه الملاحظات لا تقلل من
أهمية الديوان في مسيرة الشاعر وفي مسيرة الشعر العربي الحديث على السواء.

جهاد فاضل


jabilou

ذكر عدد الرسائل : 444
العمر : 48
Localisation : min bled li bled
Emploi : hamdolilah
تاريخ التسجيل : 01/07/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى