صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

محمود درويش (الملحق الثقافي للاتحاد الاشتراكي)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

محمود درويش (الملحق الثقافي للاتحاد الاشتراكي)

مُساهمة من طرف izarine في الجمعة 30 أكتوبر 2009 - 21:42

كلمة
ع. الحميد جماهري / لحسن العسبي
منذ رحيله، أصبحت قضية موروثه الأدبي محط رصد ومتابعة.. خاصة وأنه موروث هائل، يوازي قيمة ما أنتجه على مدى أكثر من 40 سنة، من إبداع أدبي شعري ونثري رفيع.. مثلما كان طبيعيا أن تطرح مسألة الأهلية، في رعاية ذلك الموروث وإعادة تبويبه وتنظيمه، من أجل جعله مرجعا للإنسانية في التاريخ.. وذلك كله، إنما يترجم معنى واحدا، هو بداية الولادة الأخرى للشاعر، في ديمومة الأبد.. لهذا كان طبيعيا أن تظهر اجتهادات هنا وهناك، وأن تمشي على هوامشها ردود فعل بهذا العنف النقدي أو ذاك، بهذا الحنو الجميل أو ذاك..إن الأمر، يأخذ هذا المدى من «الحساسية» في التعامل، حين يكون الأمر متعلقا بشاعر كبير، إبن للحياة، من حجم الراحل محمود درويش، الشاعر الذي شغل الدنيا والناس، وخلف فيهم ما يعتبر مجالا لنقاش طويل، سيتجدد جيلا إثر جيل.. من جيل أدبي إلى جيل أدبي آخر.. من حساسية أدبية إلى حساسية أدبية أخرى.. من وعي بالواقعة الأدبية في هذه الثقافة أو هذه المنظومة في الرؤية إلى العالم، إلى أخرى.. بالتالي، فالرجل من خلال ديوانه الشعري والأدبي هو ملك لنا جميعا، لكنه، متفرد عند كل متلق بشكل يخص زاوية نظر ذلك المتلقي.. وهذا الأمر يأخذ هذه الأبعاد الهائلة، لأن الرجل يقتعد اليوم كرسي الغياب، وأنه ليس هنا ليقول قوله في الذي يثار حول إبداعه من كلام ومن نقاش ومن ردود فعل.. ويأخذ هذا الأمر بعدا خاصا، حين يتم نشر ما تركه من آخر نصوصه ( مقالة إلياس خوري اللبناني، ومناقشة الشاعر المغربي إدريس الملياني للديوان الأخير )، أو من خلال السعي لتهيئ تأويل لمشروع الراحل الأدبي، من خلال كتاب موسع كبير ينتظر صدوره قريبا ( نقدم في هذا العدد مقدمته التي كتبها الأستاذ عبد الإله بلقزيز ).إننا هنا، إنما نحاول أن نستعيد ملامح شاعر كبير من خلال أثره الأدبي، وأساسا كيف أنه يشغل الدنيا والناس. والسعي الثاوي في ذلك، إنما هو إشراك أكبر قدر من القراء المغاربة في مرافقة هذه القامة الأدبية، وقد تحولت إلى قضية «مشروع أدبي» يعنينا جميعا، لا بد من تمثله وحسن استعادته كمشروع هائل في التاريخ، بني بتؤدة وبتراكم في الزمن.. إن الأمر أشبه بلوحة رسمها المبدع على مدى أكثر من 40 سنة، ونحن هنا أمام إطارها الكامل، نعيد الفرح بها بقراءة عاشقة..
10/30/2009

izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 57
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: محمود درويش (الملحق الثقافي للاتحاد الاشتراكي)

مُساهمة من طرف izarine في الجمعة 30 أكتوبر 2009 - 21:44

محمود درويش.. ترتيب الإرث الأدبي والقراءة العاشقة..
هكذا تكلم محمود درويش
عبد الإله بلقزيز
-1-

لم تَكْتَهِلِ القصيدةُ العربية حين بدأ محمود درويش يكتب شعراً وينشره في فجر الستينيات من القرن الماضي. كان ما يزال لديها ما تُفشيه من أسرار الجمال الذي تختزنه اللغةُ والذاكرة والقرائحُ المصقولة؛ وكان ما يزال يَسَعُها أن تقدّمِ شهادةً على أن في مُكْن الصورة الشعرية أن تقول بلغتها الخاصة ما قد تتلعثم مفرداتُ الفكر في الإبانة عنه. كانت تمضي في رواية سيرتها كمحرابٍ تؤدي فيه الذائقةُ الجمالية طقوسَ البوْح برؤيةِ العربيِّ إلى كَوْنه. كانت تفاخرُ غيرها من قوالب الكلامِ البديع بأنها الأعْرَقُ الذي لا يَبْلَى ولا يندثر، وأنها الأجرأُ على أن تتجدَّد من دون أن تفقد نصاب السُّدَّة..
لم تكتهل. وكيف لقصيدةٍ في عهدةِ السّيّاب أن تكتهل؟ نعاها من خاف عليها من مغامرة هزيع الأربعينيات الأخير، حين أتاها من حملها على صهوة فكرة التحرُّر من قيود الوزن والإيقاع كيْ تتخفَّف من حمل الشكل وتُفْرج عن حرية الصورة في التجلّي. خسر الخائفون خوفَهُمْ وكَسِبتِ رهانَها وطمْأَنتْهم على أنّ ميراث امرئ القيس والمتنبي وأبي تمَّام وشوقي وبدوي الجبل محفوظ من التبدُّد ومصروفٌ للتجدُّد. وما إن دخل السيّاب، وبعده عبد الوهاب البياتي، في عين مغامرة التجديد في الخمسينيات وبدأ أدونيس ورفاقه ثورة الشعرِ على الشعر، حتى هدأت الأنفُس واستقر الرّوع على يقينٍ بأن القصيدة باقية على عرش الكلام.
ما اكتهلت حين بدأ محمود يكتب شعراً. لكنها انتبهت إليه؛ أخذها فجأةً سِحْرٌ صوتٍ شاب ينبعث من داخل القفص المُقْفَل، يقول بمفرداتها ما كانتِ السياسةُ تحتكر قولَه منذ زمنٍ طويل. لكنه يقول الذي يقول بطريقةٍ تكتشف فيها القصيدةُ نفسَها من جديد: معناها وفائدتَها وسلطتَها. إنها هي التي تتحدث لا السياسة:المفرداتُ مفرداتُها، والصُّورُ من مخزونها، والعذوبةُ من رحيقها القديم. نبَّهها محمود إلى قارةٍ من المعاني الإنسانية بكرٍ على الشعراء. هي أكبر من مساحاتٍ تحرَّكتْ فيها القصيدةُ العربية في حقبة الوطنية والثورة فأنتجت شيئاً أبعدَ ما يكون عن القصيدة وأقربَ ما يكون من النشيد. هي قصيدةٌ أخرى جديدة: في اللغةِ والحبكة والصورة والصوت المنبعث من جنبات هيكلها جديدة. وُلدت هذه القصيدةُ في رأس السّيّاب وهدْهدها بقلمه، وافترش لها أرضَ العراق وتاريخَه، وسقاها من دِجْلَتِهِ وفُرَاتِه. ثم أتى محمود يأخذها إلى فلسطين كي تكبُر بين الصخر والجمْر، ترعى في الزعتر والكَرْم، وتشهد على القتل اليوميّ للمعنى الإنساني. منحها صوتاً فلسطينيّاً كي تصرخ وتدّوي صرختُها في الأفقيْن العربيّ والكونيّ. ومن حينها، زاحمتِ القصيدةُ السياسةَ وأخذت منها جمهورها شيئاً فشيئاً، وباتت تقول نيابةً عن السياسة ما تخفيه السياسةُ أو تعجز عن الإفصاح عنه. هل صدفةٌ، إذن، أن يصدّقها الناس ويحتشدون لها في كل مكانٍ ذهبت إليه؟
لأول مرّةٍ سيبايعُ الناسُ القصيدةَ ويمحضونها الولاء ويَعْقِدُون لها الإمامة. هي ضميرُهم يتكلم باسمهم. هي رغيفُهم يُسْكِن جُوعهم. هي ملاذُهُم من الضياع يأويهم. هي نَفِيرُهُمْ يبُثُّ العزيمة فيهم. عادت القصيدةُ مع محمود إلى أوّلها حين كانت لسانَ الجماعةِ ومدوَّنةَ يومياتها وصحيفتَها السَّيارة قبل أن يقوم سلطانٌ في العرب وثروةٌ ونعيمٌ فيرتزق بها الشعراء ويتكسَّبُون ويبتذلون معناها وعن رسالتها يُعْرِضون. وما كان محمود لسانَ قبيلةٍ بالمعنى المألوف ولا هو أراد لنفسه أن يكون كذلك. تحدَّث باسمه، بلسان المفْرَد، متأبِّياً أن تَضْوِيَ فرديَّتُه في الجماعة. لكنَ من قرأوهُ، قرأوا أنفسهم فيه، في شِعْرٍ ينضح بالقدرة على فتح الحدود المُقْفَلَة بين الخاصّ والعامّ، بين الذاتيِّ والموضوعيّ، بين الفرديّ والجماعي. فكانت القصيدة ? بذاك الاعتبار ? قصيدتهم جميعاً، مرآتهم التي يطالعون فهيا صورتهُم.
ما اكْتَهَلَتِ القصيدةُ حين بدأ محمود يكتب شعراً، لكنها عثرتْ في صوته على إكسير الحياة.

-2-
منذ قصيدة «سجِّل أنا عربي» إلى قصيدة «عابرون في كلامٍ عابر»، دخَلَتِ الملحميةُ في نسيج التعبير الشعريّ أو استعادتْ نَفَساً ملحميّاً كان لها في الماضي. لم يفتعل محمود ملحميته لمجرَّد أنه شاعرٌ فلسطيني يعيش تحت قبضة الاغتصاب الصهيوني لوطنه. السياسةُ لا تَلِدُ قصيدةً، لكن الشرط السياسيَّ زَوَّدَهُ بمادة الكتابة. أمّا هو، فهو مَنْ صَنع لغتَهُ وقصيدتَهُ وزفَّها في لغةٍ ملحميةٍ مهذَّبة، عذْبة، تكاد تُفرِج عن نفسها في رداءٍ رومانسي، في لغةٍ زاوجت بين الرومانسية الطبيعية والتصوُّف. كانتِ الحدودُ في قصيدته تتساقط بين المرأة والأرض، بين الحبّ والثورة، كان - كبطل قصيدته «أحمد الزعتر» - يمحو «الفارق اللفظي بين الصخر والتفاح، بين البندقية والغزالة». ثم ذهب بعيداً في صَقْل ملحميته وجمالية تعبيره الشعري. ومنذ «سرحان يشرب القهوة في الكافيتريا» كان التعبير الشعري يدخل في طورِ ثورةٍ جمالية تأخذهُ إلى أخرى، وكانت الملحمية تقارِبُ البذخ.
عند منتصف السبعينيات من القرن الماضي، كان محمود يرفع طوابق معماره إلى الأعلى. سامقةٌ ملحميتُه في هذه اللحظة وفارعةُ الطول. تُطِلّ على ماضي الشعر العربي لتقرأه وتعيد جمعَه في نصوصٍ تركيبية تجاوزت فيها أصواتٌ ما جَمَعَهَا قبلهُ في القصيدِ إلاّ المتنبّي: غضبَ عمرو بن كلثوم وحِلْمَ الحارث بن حلِّزة، وصعلكةَ عروة بن الورد ونبوءةَ أمية بن أبي الصلت، ورشاقةَ أبي نوّاس وسخرية بشّار بن بُرد، وسوداوية أبي العلاء وفروسية أبي تمام. وإلى جوارهم نَفَسُ كافافي وأراغون وناظم حكمت وبدر شاكر السياب يتردد في أركان القصيدة. أما المتنبّي، فَمَا فارقَ الحفيدَ لحظةً في تجربة المخاض. هي اللحظة التي وُلدت فيها، في قلب بيروت، الأهرام الملحميّة الثلاثة: «أحمد الزعتر»، و»قصيدة بيروت»، و»مديح لظل العالي».

كَتبتْ هذه اللحظةُ الشعرية الدرويشية تاريخَ ملحمةٍ إنسانية بجماليةٍ باذخة. الفلسطينيُّ بطلُ الملحمة وموضوعُها؛ الاقتلاعُ، الاغتراب، المنفى الداخلي، المعاناة، الموت، الأرض، الحبّ، المقاومة... مفرداتُها وأبراجُها والنوافذ التي يُطلّ منها الشاعر على الشّرطِ الإنسانيِّ التراجيديّ فيُبْصِر ما لا تُبْصِرُهُ العيون: أملاً يَخْرُج من ألم، وردةً تهزم شوكة، وطناً يتخَلَّق في مخيَّم، امرأةً تحْرُس البقاء، وجزمةً تفتح أفقاً. جبلُ الكرمل، حيفا، تل الزعتر، بيروت، صبرا... أمكنةُ القصيدة وساحاتُ الملحمة، والبطلُ ? الضحية واحدٌ. هو الفلسطينيُّ، هو العربيّ، هو الكونيّ: هو أحمد، هو العبدُ والمعبودُ والمَعْبَد، هو الذي يشْهَدْ: على الجريمة يَشْهد، على غربته عن النيل وبَرَدَى والحجاز يشهد، على قبضة الفدائي تلوّح للمودِّعين في ميناء بيروت، على الرحيل في أيلولَ الجديد يشهد. ويَشْهَدُ على وطنٍ صار حقيبة. تقرأ ملامح فلسطين في القصيدة. حين تُدَقِّق أكثر، تكتشف أنها اسْمٌ مستعارٌ للمعنى الإنسانيّ الجريح في هذا العصر، وأنك قد تصادفها في كلّ مكان بالعالم حلَّت به لعنةُ القياصرةِ الجُدُد. وكلّما أَمْعَنَتِ القصيدةُ في فلسطين، باتَتْ مساحةُ الكونيّ فيها أوسع. ومن حينها، بعد «مديح الظلّ العالي» أعني، سافرتِ القصيدة في البعيد وتدثَّرتْ بالكونيِّ أكثر فأكثر. أما الملحمية، فتركتْ مكاناً فسيحاً للمناجاة والتأمُّل العميق الذي يقاربُ الوجْدَ الصوفيّ.

-3-
خرجت المقاومة الفلسطينية من لبنان صيف العام 1982، وخرجت قصيدةُ محمود معها من بيئة التراجيديا الجماعية نحو مساحاتٍ من الذاتِ والحياةِ مهمَلة. لم تنقطع الصلةُ بين الخاصّ والعام في شعره، لكنَّ العامَّ ما عاد يُلْحَظ إلا من خلال الخاص. كان يسيراً على المرء أن يتبيَّن الوشائج بينهما من دون كبير عناء: الذاكرةُ المُثْقَلَة بالحنينِ إلى القرية والبيت والبئر والحصان والحشائش ووصايا حوريَّة الأمّ، وأصوات الرُّعاة ورائحة قهوة الصباح وتعاليم الأب تُلْقى على الطفل، والاستعادات المتكررة لأمكنة الطفولة ومحتوياتها، وعبق التاريخ المنبعث من أركان القصيدة... الخ، كل شيء يدلّ على العامِّ في نسيج الفرديِّ ويشهد له. ولم تكن لعبةُ محمود الشعرية، في هذه اللحظة من تاريخ قصيدته، أن ينسُجَ صِلَةَ انغمارٍ وتوحُّدٍ وتَمَاهٍ بين الفرديّ والجماعيّ، بين الأنا والمْشَتَرك، كي يَبُوحَ بفلسطينيته الخاصة ويدفَعَ بها إلى حيث تصير العنوان الذي تحته يُقْرأُ النصُّ الوجوديُّ الفلسطينيّ؛ كان يريد شيئاً آخر مختلفاً: أن يقول نفسَهُ كما هو مجرَّداً من أيّ تعيينٍ فوق إنسانيته الفردية. لكنه، وهو يحاولُ ما يُشبه المستحيل، يُدْرك أن تلك الإنسانية الفردية ليستً معطىً ميتافيزيقيّاً أو ميتاتاريخيّاً، ليست ماهيةً سابقةً للكينونة الاجتماعية؛ إنها كلُّ شيءٍ فيه يحْمله ويسْكُنُه: الطفولةُ، الأرض، المنفى، الأمل، الحسرة، الحلمُ الجَهِيض، سؤالُ الوجود، الذاكرة المكتنزة بالرموز... الخ. أنَّى للفردية الموحِشَة، إذن، أن تنتزع نفسَها من جوارها التاريخي!
ربّما حاولتِ القصيدة الدرويشية، في حقبتها الباريسية بعد بيروت، أن تتخفَّف من الشرطِ الفلسطينيّ فيها بالمعنى المباشر - أي كموضوع - كي تنطلق أكثر نحو الكونيِّ والإنسانيّ. نجحت أحياناً، ولكن - في أحايين أخرى - لم يبارحها ذلك الشرط، ظل يسكُنها ويتلبَّسُها ويسيطر على بُوصَلَةِ الكلام والمعنى فيها. حتى حينما حاور الموت ذلك الحوار العميق، الصوفي والاستثنائي في جماليته، في خَالِِدَتِهِ «جِداريَّة»، داهمَتْ فلسطينُ خلوتَهُ وتسرَّبتْ إلى مفردات النصّ وروحه. غير أن محمود، الذي خبر تضاريس الشعر وشعاب التعبير، كان يُتْقن كيف يجعل فرديتَه تَطْفَحُ وتَفيض عن أيّ إطارٍ يُقيّدها أو يُعيّن حدود تعبيرها عن نفسها. منذ «ورد أقل» بدأ يملك أن يسيطر على صوته فيحمله على النطق بتلك الفردية، وصولاً إلى «لا تعتذر عمّا فعلت»؛ ينجح مرَّةً في ذلك كما في «سرير الغريبة»، ويقِل منسوبُ النجاح لديه في أخرى كما في «لماذا تركت الحصان وحيداً» من دون أن يَقِلَّ نظيرُ ذلك المنسوب في جمالية التعبير الشعري التي لم تَزِد إلاّ إشعاعاً من ديوانٍ إلى آخر.

-4-
يَقْبَل النصّ الشعريّ الدرويشي أن يُقْرَأ بما هو سيرة، سيرة وجودية، وسياسية، وثقافية،وإنسانية. منذ دواوينه الأولى («أوراق الزيتون»، «عاشق من فلسطين»، «آخر الليل»، «العصافير تموت في الجليل») وحتى مجموعته الشعرية الأخيرة التي صدرتْ بعد رحيله تحت عنوان «لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي»، تقدِّم قصيدتُه نفسَها كمدوَّنةٍ تَكْتُبُ تاريخاً شخصيّاً وجماعيّاً، سياسيّاً وثقافيّاً يَصْعُب إسقاط صفة الوثيقة عنه. هو نصٌّ وثيقة بأكثر من معنى وفي أكثر من اتجاه. في مِرْآته تَمْلك أن تقرأ تفاصيل صعود فكرةٍ كبرى في تجربة شعبٍ هو شعبُه؛ تُواكِبُ يومياتها في شعره: عنفوانَها وكبوتَها؛ تَصْحَبُهَا في مساءلةِ الشرط الفلسطيني وهاجس البقاء والكينونة مساءلةً يَصِل بها محمود إلى حدود التدقيق في أبجديات المشروع الوطني. وتملك أن تقرأ في مرآته تصويراً مشهديّاً لِلَّعْنَةِ السيزيفية وهي تنتقل من ضفاف الأسطوريّ إلى الواقعيّ لتأتي بصخرتها على الهيكل وتبدِّد ما ارتوى بالدّمِ والدّمع والعرق. تكتشف، كلما اقتربْتَ من النصّ أكثر، أنك لا محالة أمام وثيقة تاريخية محبَّرة بلغةٍ خالية من مفردات التاريخ والسَّرد والتدوين المألوفة؛ هي إلى علاقة «الجاهليِّ» بزمنه وبالأيام أقرب. تقدّم عن زمنها شهادة، فيها من التأمل والرؤيويَّة ما يرفعها إلى مقام الشهادة المكتوبة برحيق العقل والقلب. حينها، تُدْرِك أنك عنها لستَ في غَناء، وأن قراءتك للتراجيديا الفلسطينية المعاصرة لا تكتمل أو تستقيم من دونها.
وهي ( قصيدتُهُ) تقدِّم نفسَها كسيرةٍ ذاتية للشاعر، تَرْوي الذاكرة وترْويها بما تتذكّر فتيْنَعُ أكثر. إن تبْغي من السرة المرْويّة ترجمةً شخصيةً للراوي، وجَدْتَ فيها فيْضاً من الإفادات عمَّا كانهُ منذ البدايات في بيئته الصغيرة: الأسرة والقرية، وعمَّا شكَّل وجدانَهُ ووعْيَهُ من حوادثَ وواقعات: الاغتصاب، النفي، التشرُّد، السجن، المقاومة... الخ. تقرأ في سِفْر القصيدة وجْهَهُ عارياً من المساحيق، تقرأ ذاتاً تأْبَى حراسة خبيئتِها؛ ذاتاً روَّضت نفسها على الاعتراف. يذهب الاعتراف إلى تفاصيل كثيرة لا يخشاها الشاعر ولا يعتذر عنها. وإن تَبْغي من السيرةِ روايةً عن ينابيع وعيه وروافد شعره، تكفيك القصيدةُ نفسُها لتُبْصِر كيف قطع وعيُهُ الشوطَ الطويل، ومن أيّ شعاب مَرَّ، وأيّ القُطوف قطف من شجر المعرفة، ومَنْ صادف من الشعراء والكتاب والأنبياء على الطريق. ففي القصيدة ما تنبِئ به: الرؤيةُ وتحوّلاتُها، الأسئلةُ وهواجسُها، الحساسيةُ الجمالية وتجريبيَّتُها، الشغف العنيف بالتمرُّد على نُظُم التعبير المُقْفَلة. تجد نفسك ، في النهاية، في غنًى عن أن تعرف عنه شيئاً خارج شعره، فهو والقصيدةُ واحد: يقولُها وتقُولُهُ ويتواطآن على كينونةٍ عصيَّةٍ على القسمةِ والتمييز.
ثم إنها تقدِّمُ نفسها كسيرةٍ للثقافة العربية، وللقصيدة العربية، الحديثة. شعره يؤرّخ لمسيرة أفكار كبرى في كوننا الثقافي وجدتْ لنفسها صُوَراً من البَوْح بها في قصيدته: فكرة الالتزام، فكرة الثورة، الفكرة الوجودية، اليقين، اللاَّيقين. وقصيدتُهُ جرَّبتْ أن تناجيَ التاريخ وتستثمره، وأن تهجس بالسؤال الفلسفي وتُدمنَهُ، وأن تُفْرِدَ للسياسة شرفةً تُطِلُّ منها على الخيال وتُلْهِبُهُ. وقصيدتُه مَعْمَلٌ لتصنيع خامات القول الشعريّ العربي، ومصْهَرٌ لمدارسه. تَجُول بين جنباتها لِتَعْثُرَ على مَن تَعْرفهم: من «الجاهليِّ» إلى المتنبيّ إلى السيّاب إلى سعدي يوسف. وقد تجد أدونيس في مكانٍ ما من القصيدة تاركاً ما يَدُلُّ عليه في مقطع أو صورةٍ أو جُملةٍ. ولقد صَنَعَ محمود صوتَهُ الشعريَّ المتفرِّد من كيمياء ذابت فيها موادّ وخواصّ استقاها من ينابيع شعرية متعددة ظلت فيها رائحةُ المتنبيّ أَفْوَح وإنْ هو جَرَّب في العشرين عاماً الأخيرةَ أن يفتح النوافذ على قصيدته أكثر كي تنال من التَّهْوية نصيباً أوفر.



izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 57
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: محمود درويش (الملحق الثقافي للاتحاد الاشتراكي)

مُساهمة من طرف izarine في الجمعة 30 أكتوبر 2009 - 21:46

- 5 -تاريخُ قصيدةِ محمود هو، من وجْهٍ آخر، تاريخ أمكنتها. وُلِدَتِ القصيدةُ في مكانٍ، ونَمَتْ في مكان، وأينعتْ في أمكنة. لم يكنِ المكان محايداً أمام تجربة القصيدة. لم يمنحها جغرافيا ترابية كي تقيم فيها كما يقيم العابرون. كان المكانُ لها رَحِماً، تربةً ازْدُرِعتْ فيها. كان ماءَها وشمسَها وهواءَها. ولقد حملتْ خواصَّهُ. وكلما تغيَّر المكانُ أو تعدَّد، أضافت إلى الخواص الموروثة أخرى مكتسبة. ظلتِ القصيدةُ تقولُ مكانَها بطريقتها، تَسْتَعْذِبُهُ وتذيقُكَ طَعمَهُ. وكان على كل مكانٍ أن يكون لحظةً في سيرةِ القصيدة، زمناً من أزمنتها. في حيفا، نضجت صُورةُ المكان الأول ( قرية البروة في الجليل المحتل)، واغتنتِ الصورة بفضاءٍ جديد قدَّم للشاعر ملاذاً جديداً لتهريب المعنى المحاصَر. حيفا رَحمُ القصيدة الأوّل. مساحةٌ للوعي والُّرشد والخروج إلى تجربة الالتزام: في الشعر والحزب والحركة الوطنية. بيئةُ الممانعة الوطنية والثقافية في حيفا وفلسطين أنتجتْ قصيدةً حملتْ معاني الممانعة كافة: التمسُّك بالأرض والهوية والتاريخ والذاكرة والقبض على اللغة: معدن الكينونة النفيس، بالنواجذ. تدفقت هذه المعاني جميعاً في دواوينه الأولى («أوراق الزيتون»، «عاشق من فلسطين»، «آخر الليل»، «العصافير تموت في الجليل»، «حبيبتي تنهض من يومها»، «محاولة رقم 7»...) حتى لا تكاد تُبْصر الفارقَ بين الشاعر والمكان. وكان على قصيدةٍ جَرُؤَتْ على السجَّان أن تدفعَ الثمن من حريتها، فَسَاقَها الحاكم العسكري إلى السجن مرات عديدة. وكلما سيقَ محمود إلى سجْنٍ، أفرجَتِ القصيدةُ عن مفاتنها أكثر. كأنها لا تُزَفُّ بهيَّة إلا كلّما ذكَّرها السّجّانُ بوجوده. كأنها قُدَّتْ من الإصرار والتحدي. ولقد ظلت قصائد محمود، من مكانه الحيفاوي، نافذةً أطل منها العربيُّ على الفلسطينيّ داخل القَفَص. بل لعلها كادت تكون النافدة الأشرع ( دون أن ننسى روايات إميل حبيبي) التي أوسَعَتْ مساحةً لمعرفة ما يجري في الداخل الفلسطيني - سياسياً وثقافياً - في سنوات الستينيات حيث كان الوعيُ العربيّ ما يزال بارد الصلة بمن بقي على أرضه من فلسطينيِّي الجليل والمثلّث والنقب! ولا أراني أتزيَّد حين أقول إن قصيدةً واحدةً مثل «سجِّلْ أنا عربيّ» كانت وحدها تكفي كي تمسح الغشاوة عن ملايين العرب فتُعْلِمُهُم بمَنْ هُمْ أولئك الذين ما فارقوا أرضَهم وإن أُجبروا على حمل بطاقة «هويةٍ» تزوِّر هويتهم، ومن أيّ معدنٍ نفيسٍ هُم. قرَّر محمود أن يغادر حيفا وفلسطين إلى جوارهما العربي. قضى فترةً في القاهرة ثم شدَّ الرحيل إلى بيروت: المكان الثاني الذي تفتقت فيه عبقريةُ الشعر. وُلِدَت القصيدةُ ولادتَها الثانية في هذا المكان الفذّ. كان عليها أن تَمْتَحَ من معينِهِ وتغتني أكثر. كان عليها أيضاً أن تستحق حقَّ الإقامةِ في مدينةٍ غيرِ عاديةٍ ولا شبيهَ لها في الدور والمكانة. عاصمةُ المقاومة والثقافة والحرية كانت بيروتُ حينَها (وما زالت). ولأن الشاعر أتى المدينةَ في لحظةِ عنفوانٍ ثقافي، وحيث صخبُ التجديد والتجريب والثورة في التعبير يَعْلُو، كان على قصيدته أن تتمرّن على التفاعل مع حساسيات جمالية جديدة من دون أن تفقد نكهتها التي حملتْها بعيداً إلى الآفاق. في هذا المكان العذب، تدفَّقَ شَهْدُ القصيدة وأَفْرَجَ محمود عن طاقةٍ في التعبير مذهلة. كأنه كان ينتظر بيروت كي يفجّر تلك الطاقة المخزونة؛ كي يشارك الثورةَ ثورتَها بثورته الخاصة: ثورة الشعر على الشعر. ولقد نجح محمود في أن يصنع لغةً في التعبير الشعري لم يُشْبِهْهُ فيها أحدٌ ولا ضارعَهُ. مفرداتُها مصقولة بعناية وذات خصوصية حادة؛ وصُورُهَا مزيجٌ من التشكيل التجريدي والسَّرد الواقعي والفانتازيا. أَنْجبتْ لغتُهُ بعضاً من أرفع الملاحم في تاريخ الشعر العربي سنوات السبعينيات ومطالع الثمانينيات مثل «أحمد الزعتر»، و «قصيدة الأرض» و «قصيدة بيروت»، و «مديح الظل العالي». وما ساوم على إيقاعيةِ القصيدة حتى وهو يأخذها إلى الثورة على المألوف في الكتابة الشعرية. باريس كانت مكان القصيدة الثالث. أقام فيها عشراً من السنين (1985 - 1995). ارتفع شعورُهُ بالمنفى أكثر، وبفرديته أكثر، لكن منسوب الجمال في القصيدة بات أعلى. أغْرَتْهُ باريس بالخلوة، أطلقت في دمه مِلْحَ التأمُّل. عاد إلى الماضي البعيد: إلى طفولته، إلى الأرض، إلى شغفٍ خرافيٍّ بالطبيعة كشف عن موسوعيةٍ مذهلة في معرفة أسماء النباتات والأشجار والحشائش والطير والورود. كل شيء حيٍّ فيه وفي القصيدة كان يتفتّق. حتى القلب الذي مزقتْهُ أدوات الجراحة في المستشفى اتَّسَع لمزيدٍ من الحبّ، لنساءٍ رسمتِ القصيدةُ ملامحهن وقسماتهن فبدَوْنَ وقد خرجْن من الأسطورة يهزمْنَ الرجولة ويطلقن ضحكات العبث الحُرّ. قَالَ الحبَّ بطريقةٍ تَقْطُرُ سحراً وعذوبة وأنتج أشهى قصائده في تاريخ الشعر العربي: «شتاء ريتا الطويل» مثالاً وقصائد أخرى من «سرير الغريبة». وفي باريس قالتِ القصيدةُ أسرارَها. رام الله - عمّان كانتَا مكان القصيدة الرابع: أولاهُما أكثر. لم يكن محمود ينتظر عودةً منقوصةً إلى الوطن؛ لكنه عاد ولم يَعُد. عَادَ لأن نداء العودة حاصَرَهُ وحاصَرَ احتجاجه على «اتفاق أوسلو»، ولم يكن يَسْطِعُ أن يقاوم إغراء فلسطين بعد تجربة جارحةٍ مع المنفى. ولم يَعُدْ لأن فلسطينَهُ كانت ما تزال بعيدة: فلسطينَهُ التي عاش فيها وفلسطينَهُ التي صَنعَها في شعره. وهل كان يَسْطِعُ أن يَرْدم الفرق بين الاثنتيْن؟ غير أن البعض القليل من فلسطين الذي بقيَ له - ولشعبه - مكاناً يقيم فيه كان أفضل عنده من مكابدة الشعور الدائم بالاقتلاع والمنفى. لعلّ تلك القطعة الصغيرة من الأرض ترفع عنه قليلاً عبئ الشعور بالغربة بعيداً عن الوطن. سألتُهُ مرةً: «كيف وجدْتَ فلسطين يا محمود بعد العودة إليها؟» أجابني على الفور: «فلسطينُ من بعيد أبْهى». إذن، هو المنفى من جديدٍ يداخِلُهُ ويسكُنُه وهو هناك في بعض الوطن. حين كان يضيق بهذا الشعور المفاجئ، يهرُب إلى عمّان، ومنها إلى أقاصي الدنيا. لا فرق، إذن، بين المنفيَيْن: المنفى عن الوطن والمنفى في الوطن!في فلسطين مرةً أخرى انتكست حالةُ القلب. لم تكن قد مرت على العملية الجراحية الأولى أكثر من أربعة عشر عاماً. كان على قلبه أن يُفْتَح مرةً أخرى في غرفة جراحية بباريس. توقّف القلب أثناء الجراحة وأُعلنت الوفاة. مات الشاعر لدقائق ثم عاد إلى الحياة. وخرج من تجربة الموت، في الهزيع الأخير من القرن الماضي، مسكوناً بسؤال الوجود. خاضَ أعمق حوارٍ فلسفي مع الموت في «جدارية». لو لم يكن محمود قد كتب في حياته سوى هذه القصيدة/الديوان، فقد كَتَبَ كل شيء وأوصل الشعر إلى الذروة. ومن حينها (سنة 2000)، دخل الشاعر في سباق محموم مع الموت. كان يريد أن يقول كل شيء قبل أن يزورَهُ ثانية ويصطحبه معه إلى البعيد. وبين رام الله وعمّان كانتِ الاعتكافةُ الشعرية (والنثرية) تأخذهُ إلى إنتاج غزير. كرَّتْ سبحة أعماله ? دواوين ونصوص نثرية ? بإيقاعٍ استثنائي: «حالة حصار»، «لا تعتذر عمّا فعلت»، «كزهر اللوز أو أبعد»، «في حضرة الغياب»، «أثر الفراشة»، «لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي» (وقد صدر الأخير بعد رحيله). وفي كل نصٍّ، كان محمود يعلن ميلاد قصيدةٍ مختلفة، بنكهة جديدة. ظل وفياً لطريقةٍ لم يَحِدْ عنها: الثورةُ الدائمة على المألوف في التعبير الشعري. لا، ظل وفياً لمعنى الخَلْق والإبداع: مَنْ لَمْ يسْطِع أن يقدّم جديداً، من الأفضل أن يخلد إلى الصمت. ومحمود من طينة الشعراء الكبار، لا يعرف غير أن يتدفَّق. خرجتِ القصيدةُ من فلسطين وعادتْ إلى فلسطين. وفي رحلةِ العودة، تألقتْ أكثر في المكان الذي يقولُها وتقولُهُ. - 6 -لم يشغف محمود بالكتابة النثرية متأخراً، كانت شهوتَه منذ البدايات وقدَّم فيها سبائِكَ من نصوصٍ لَفَتَتِ الانتباهَ مبكراً إلى نَفَسِه السرديّ وجمالياتِ التعبير المُرسل. أغْرَتْهُ النثريةُ الخصبة بإخراجها من الحيّز الأدبي وتجريبها في كتابة النصّ السياسي في سنوات السبعينيات والثمانينيات حين أشرف على إدارة بعض أكثر المجلات السياسية والثقافية رصانةً («شؤون فلسطينية»، «الكرمل»). ومحمود - الذي حرَّر خطاب ياسر عرفات في الأمم المتحدة (1974) ونصّ «إعلان الاستقلال» في المجلس الوطني الفلسطيني بالجزائر (1988) - يُتقن جيداً سبْك النصّ السياسيّ على ما نقرأ ونلمس في افتتاحيات مجلة «الكرمل». لكنه فوق الإتقان يُضفي عليه نكهة خاصة: يحرّرُهُ من جفافه الإصلاحي وتقريريَّته ويضُخُّ فيه جماليات التعبير الغنيّ، يُضَمّخُهُ بلغةِ التخييل، فيقدِّم قطعاً من الأدب السياسي الرفيع تخْتال رشاقةً وجمالاً حتى لكأنك تنسى أن النصّ سياسيٌّ، وإن تذكّرْتَ ذلك خِلْتَ كما لو أن لغةَ السياسةِ بهذا القدرِ من البهاء الذي لم نتوقّع. كان شاعراً وأديباً ولم يكن سياسياً بالمعنى الاحترافي (ولو أن وعيَهُ السياسي من الرّفعةِ والعمقِ والرقيّ بحيث يعلو على وعي السياسيين). ولأنه كذلك، يَتْرك بصمة الشاعر والأديب على النصّ السياسي. وكم ارتفع مقامُ هذا النصّ في التداوُل، فلقد خرج من مفردات شاعر، ومن حساسية مُبْدع كانت كنوز اللسان العربي تنقاد لهُ انقياداَ. سَيِّدُ القصيدةِ العربية كتب نثراً منذ البدايات، لكنه نثرٌ لا يُشْبهُ النثرَ: نَفَخَ فيه روحَ الشعر وأعاد تأسيس معناه. لم يسْلك في ذلك طريقة البيانيين الكبار (ابن قتيبة، الجاحظ، أبو حيان التوحيدي)، ولا أغرتْهُ مُنَمْنماتُ اللفظ عن عبد الحميد الكاتب وعبد الله بن المقفع، وقطعاً لم تُغْرِهِ بدائِعُ السَّبْكِ في مقامات الحريري وبديع الزمان الهمذاني. شقَّ لنثرهِ سبيلاً ما سَلَكهُ غيرُه: أدخل الصورة الشعرية في البناء النثري المُرسل فأنتج نمطاً جديداً من الكتابة. في مرحلةٍ ثانية - وكان ذلك بدءاً من ديوان «أحد عشر كوكباً » (1992) وخاصة في ديوان «لماذا تركت الحصان وحيداً» (1995) ? زجَّ بالنثر في الشعر، ورَّطَهُ في نسيج القصيدة، وباتت هذه أكثر انسيابيةً وأرحبَ في البناء السَّرديّ. لكن محموداً ما سَقَطَ في ما أَبَى تجربتهُ يوماً: قصيدة النثر؛ فهذه ما اعترفَ بها لا ارتضى أن يجد لها مَحَلاً في مملكة الشعر وظلَّت تُحْفِظُ حفيظَته. كان يجاهر برأيه فيها في السابق، وحين لم يعد يَسْطِعُ المجاهرةَ - رحمةً بحساسية كتّاب قصيدة النثر - أصبح يُعفي نفسَه من الحديث فيها إنْ طُلب رأيُه. في مرحلةٍ ثالثة، استدرجَهُ النثرُ إليه ثانية فاستجاب؛ لعلّه عثر فيه على مساحاتٍ من الحرية أوسع. وهو قطعاً ذهب في حريته في الكتابة النثرية إلى أبعد أفقٍ ممكن، وقدّم له النثر إمكانات للتعبير لا تَهْبِط معدَّلاً عن الإمكان الشعري. حافظ على شعرية الكتابة النثرية دافعاً بالنّفَس السرديّ بعيداً: إلى الحدود التي تحرِّرُ اللغة من مرجعية الصورة الشعرية والبناء الإيقاعي، لكنه ? في الوقتِ عينِه ? حَطََم الحدود الفاصلة بين الجنسيْن لِيُنْتِجَ نوعاً من الكتابة عصيّاً على التصنيف بحيث يَصْعُبُ العثورُ على نَسَبِهِ في جينيالوجيا الشعر أو النثر. ولقد تحرَّى محمود الدقّة وأصابَ التعيين حين سمَّى «في حضرة الغياب» نصّاً. فهو كذلك نصٌّ بلا زيادةٍ ولا نقصان، نهْرٌ صبَّت فيه روافدُ الشعر والنثر فجرى في مجراهُ الجديد حاملاً معه الخصائصَ كلَّها بعد أن انصهرتْ في تركيبةٍ أعلى. لقد أوصل محمود الكتابة المفتوحة إلى ذروتها في هذا العمل («في حضرة الغياب» (2006)) ورَمَى بالتحدي في وجه الثقافة العربية. لم تكتهل القصيدةُ العربية حين بدأ محمود يكتب شعراً؛ لكن الخشيةَ من أنها قد تكتهل بعد أن توقف عن كتابته. ***من باب تَعْزية النفس أن يقول المرء، في مثل هذه الحال، إنَّ محموداً لم يَرْحل لأن تراثَهُ باقٍ فينا وفي الثقافة العربية؛ فلقد كان رحيلُهُ فاجعةً للثقافة والقصيدة لا توصَف. وهي (فاجعة) مضاعَفَة لأن رحيلَهُ حَصل في لحظ التألُّق الاستثنائي، وحيث كان يقود ثورةً في التعبير الشعري غير مسبوقة منذ ثور بدر شاكر السياب قبل خمسين عاماً وأدونيس منذ أربعين عاماً. وبرحيل حفيد المتنبي، تدخل القصيدة العربية فترةً من الحِداد - كما كتبْتُ يوماً - ليس يُعْلَم متى تنتهي. فالرجل ما كان شاعراً كبيراً فحسب، كان الشاعر الذي زوَّجَ المستحيل بالممكن في الشعر فأنجب لغةً شعريةً ممكنةً لكنها تقارب المستحيل. لغة البساطة المستحيلة هي؛ تمرّ بحَدَاءِ اليوميّ وتَمْتح من مفرداته ثم ترتفع إلى المجرّد فتعلو على الإمكان. عذبة كعذوبة صوتِهِ في الإلقاء، وحارَّة كحرارة الأرض في صدره. كان يعتقد أن وجودَهُ، حياتَهُ، محضُ حادثة سيْرٍ في تاريخ العدم. لكنه أحبَّ الحياة وبَادَلَها هديَّتَها له بأجمل باقةِ شعر. وكان يعتقد أن الصدفةَ وحدها قرّرتْ مصيره: بالصدفةِ جاء إلى العالم؛ بالصدفة عاش؛ بالصدفة كان شاعراً. إنها الوجه الآخر لحادثة السير الوجودية في ملكوت العدم. لكن محمود لم يُدرك أن موتَهُ لم يكن حادثة سيْرٍ مؤسِفة لقصيدته فحسب. لقد قضى فيها كثيرون، وقضتْ فيها أشياءٌ كثيرة، وقال فيها العدمُ ما قال...ويا محمود، «على هذه الأرضِ ما يستحق الحياة»: أن نقرأَ شِعْرَك.
10/30/2009

izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 57
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: محمود درويش (الملحق الثقافي للاتحاد الاشتراكي)

مُساهمة من طرف izarine في الجمعة 30 أكتوبر 2009 - 21:50

بينما يتطفّلُ عابر دربٍ ويسأل:
مقاطع من آخر قصائده..
لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي
محمود درويش
يقولُ لها، وهما ينظران الى وردةِ
تجرحُ الحائطَ: اقتربَ الموتُ منِّي قليلاً
فقلتُ له: كان ليلي طويلاً
فلا تحجب الشمسَ عنّي!
وأهديتُهُ وردةً مثل تلك..
فأدَّى تحِّيَته العسكرية للغيبِ،
ثم استدارَ وقالَ:
اذا ما أردتك يوماً وجدُتك
فاذهبْ!
ذهبتُ...
انا قادمٌ من هناك
سمعتُ هسيسَ القيامةَِ، لكنني
لم أكن جاهزاً لطقوس التناسخ بعد،
فقد يُنشد الذئب أغنيتي شامخاً
وانا واقفٌ، قرب نفسي، على اربعٍ
هل يصدقني أحد ان صرخت هناك:
أنا لا أنا
وأنا لا هُو؟
لم تلدني الذئابُ ولا الخيل...
اني خُلقتُ على صورةِ الله
ثمّ مُسختُ الى كائنٍ لُغويّ
وسمّيت آلهتي
واحدا
واحداً،
هل يصدِّقني احد ان صرخت هناك:
انا ابن أبي، وابن أمي... ونفسي
وقالت: أفي مثل هذا النهار الفتّي الوسيم
تفكِّر في تًبِِعات القيامةِ؟
قال: اذن، حدِّثيني عن الزمن
الذهبي القديم
فهل كنتُ طفلاً كما تدّعي امهاتي
الكثيرات؟ هل كان وجهي دليل
لا أتذكّر... لا أتذكّر أني فرحتُ
بغير النجاة من الموت!
من قال: حيث تكون الطفولةُ
تغتسل الأبدية في النهر... زرقاء؟
فلتأخذيني الى النهر/
قالت: سيأتي الى ليلك النهر
حين أضُمُّك
يأتي الى ليلك النهر/
اين أنا الآن؟ لو لم ارَ الشمسَ
شمسين بين يديك، لصدّقتُ
أنك احدى صفات الخيال المروَّض
لولا هبوب الفراشات من فجر غمّازتيك
لصدّقتُ أنّي اناديكِ باسمك
ليس المكان البعيد هو اللامكان
وانتِ تقولين:
«لا تسكن اسمك»
«لا تهجر اسمك»!
ها نحن نروي ونروي بسرديّة
لا غنائيةٍ سيرةَ الحالمين، ونسخرُ مما
يحلّ بنا حين نقرأ ابراجَنا،
بينما يتطفّلُ عابر دربٍ ويسأل:
اين انا؟ فنطيل التأمّل في شجر الجوْزمن حولنا، ونقول له:
ههنا. ههنا. ونعود الى فكرة الأبدية!
ليس المكان هو الفخ...
مقهى صغير على طرف الشارعِ
الشارعِ الواسع
الشارع المتسارع مثل القطارات
تنقل سكانها من مكان لآخر...
10/30/2009

izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 57
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: محمود درويش (الملحق الثقافي للاتحاد الاشتراكي)

مُساهمة من طرف izarine في الجمعة 30 أكتوبر 2009 - 21:57

لماذا حلم درويش بمعين بسيسو ليلة قبل وفاته؟!
الديوان الأخير .. الحكاية الكاملة
إلياس خوري
-1كان لقائي بمحمود درويش، ظهر ذلك اليوم من شهر أيلول ( شتنبر ) ملتبسا وغريبا. ذهبت إلى عمان للاشتراك في اجتماعات اللجنة التحضيرية لمؤسسة محمود درويش. مساء اليوم الذي سبقه التقيت بأحمد درويش والمحامي جواد بولص، الآتيين من الجليل، وبعلي حليلة ومارسيل خليفة، في باحة الفندق. علي الذي رافق، مع أكرم هنية، الشاعر في رحلته الأخيرة إلى هيوستن بتكساس، حيث أجريت له جراحة الشريان الأبهر التي أودت به، روى لنا الأيام الأخيرة من حياة الشاعر، وتطور الانهيار الجسدي الشامل الذي أصابه بعد الجراحة.كانت ليلة حزينة، لا أدري كيف أصفها الآن، لكنني أراها مثل منام مغطى بالبياض. لم يجعلني كلام علي حليلة اقتنع بأن محمود درويش مات، حتى عندما أضاف أكرم هنية بعض التفاصيل الصغيرة، وروى لنا أن درويش رأى في منام ليلته ما قبل الأخيرة معين بسيسو، وتساءل ماذا جاء معين يفعل هنا؟ لم أقتنع. فالموت حين يأتي يتشكل كحجاب سميك يفصل عالم الإحياء عن عالم الموتى. نتحدث عن الميت بصيغة الغائب، وننسى صوته. لكن مع درويش بدا لي الموت بعيدا. كنت استمع إلى الحكايات التي تروى، وأنا أتلفت يمينا وشمالا، كأنني انتظر وقع دعسات درويش في إي لحظة.لكنه لم يأتِ، تركنا نحكي عنه كما تشاء لنا الذاكرة أن نحكي، ولم يكسر دائرة كلامنا بمزاحه وملاحظاته اللامعة. في صبيحة اليوم التالي، عقدت اللجنة اجتماعها الأول بعدما انضم إلينا ياسر عبد ربه، وأكرم هنية، وغانم زريقات، وخالد الكركي، واحمد عبدالرحمن، وصبيح المصري. ناقشنا مطولا مسألة تشكيل المؤسسة، وتكلمنا عن الضريح، والحديقة التي ستقوم حوله، ومتحف الشاعر الذي سوف يبنى في المكان. تكلمنا في كلّ شيء، لكنني في الواقع كنت أنتظر نهاية الاجتماع بلهفة، كي نذهب مع علي حليلة إلى بيت الشاعر في عبدون. لم يدخل احد إلى المكان منذ أن غادره درويش في رحلة موته إلى أميركا. وكان على مجموعة منا أن تدخل إلى البيت بحثا عن قصائده الأخير. قال محمود لعدد من أصدقائه إنه يملك ديوانا جديدا جاهزا في غرفة مكتبه في منزله في عمان، وأكد ذلك ناشره رياض نجيب الريّس. فتح علي حليلة الباب ودخلنا. كان كل شيء على حاله. البيت يشبهه، أناقة من دون بذخ، وإيقاع هادئ تصنعه اللوحات المنتشرة، ومكتبة تضم كتّاب العرب والعالم أمواتا وإحياءً. «لسان العرب» إلى جانب ديوان المتنبي، مجموعات شعرية وروايات في كل مكان، مرتبة وتشير إلى أنها قُرئت أو في طريقها إلى ذلك.لا أدري لماذا عجزنا عن النطق، وحين تكلمنا لم تصدر عنا سوى أصوات هامسة. أحمد درويش، شقيق الشاعر، جلس على الكنبة في الصالون وانفجر بكاء. مارسيل خليفة جلس إلى جانبه مواسيا. دخلت مع جواد بولص إلى المكتب، حيث من المفترض أن نجد الديوان. كنت انتظر أن أجد المخطوط على سطح المكتب، لكنني لم أجد شيئا. كنت انتظر أن أجد رسالة تشرح لنا ماذا يجب أن نفعل بالديوان، لكن الرسالة لم تُكتب. لم يكتب محمود درويش وصية. ليلة الجراحة طلب من علي حليلة وأكرم هنية أن يبقيا معه، لأنه يريد أن يتكلم، لكنهما نصحاه بالراحة، لأن وقت الكلام سيأتي بعد نجاح العملية الجراحية!لم يكتب درويش وصية ولم يتكلم، رغم كل الأخطار التي كان يعرف أنها في انتظاره. عندما استمعت إلى علي وأكرم يرويان الوحدة التي كان يشعر بها الشاعر المستلقي على سرير المستشفى الأميركي، أصبت بالقشعريرة، وشعرت بالخوف. في هذه المجموعة من القصائد، سوف نقرأ قصيدة عن الخوف، وندخل مع الشاعر لحظات النهاية التي يرسمها الخوف من النوم الأبدي على وجوهنا وأجسادنا.وقفنا أمام المكتب الفارغ حائرين، كنت متأكدا من وجود الديوان، لأن درويش نشر منه ثلاث قصائد في الصحف هي: «على محطة قطار سقط عن الخريطة» و»لاعب النرد» و»سيناريو جاهز»، وقرأ ثلاث قصائد غير منشورة في الأمسية الأخيرة التي أقامها في رام الله، هي: «ههنا، الآن، وههنا والآن» و»عينان» و»بالزنبق امتلأ الهواء».وهو منذ أعوام توقف عن نشر قصائد متفرقة قبل أن يكون قد أنجز الديوان الشعري الذي سوف يضمها. كما أن درويش أصيب في الأعوام العشرة الأخيرة، وهي الأعوام التي أعقبت جراحة الشريان الأبهر، التي أجريت في باريس عام 1998 ، بحمّى الشعر. كتب «الجدارية»، وتوقف تقريبا عن ممارسة أي نشاط آخر، سوى كتابة الشعر. كانت هذه الأعوام، أخصب أعوامه على الإطلاق، فيها نضجت تجربته وتألقت، وارتسمت صورته كأكبر شاعر عربي حديث. لم نفهم دلالات هذه الحمّى، أو رفضنا أن نفهمها، في وصفها نسجا لعلاقة الكلمات بالموت، حيث يخاطب الشاعر الأحياء والموتى، ملخصاً كل الشعراء في صوته المتفرّد. في الأعوام العشرة الأخيرة كان محمود درويش يحوّل العلاقة بالموت قصيدة، ورؤيا النهاية مقتربا إلى البداية. «من أنا لأخيّب ظن العدم»، يسأل درويش في نهاية قصيدته «لاعب النرد». حيث يصل إلى ذروة العلاقة التراجيدية بين الكلمات التي تقاوم العدم، وتفتح أفق استمرارية الحياة وديمومتها المتجددة، وبين هشاشة الجسد الإنساني الذي يقود الأفراد إلى الاضمحلال. كنا نتعامل معه كما يحب، أي باعتبار الحياة مائدة للصداقة والمتعة والإبداع، ولم نكن نحكي عن المرض إلا نادراً.خطر في بالي أن الديوان في الدُرج، حاولت فتحه، لكن اضطرابي أوحى لي بأن الدرج مقفل بالمفتاح. أين المفتاح، سألت؟ بحثنا عن المفتاح فلم نجده. قلت يجب أن نخلع الجارور، حين امتدت يد احد الأصدقاء وفتحت الدرج، انفتح بسلاسة. أكوام من الأوراق. وقعت عيناي في البداية على قصيدة «طباق»، المهداة إلى ادوارد سعيد، المنشورة في ديوان «كزهر اللوز أو ابعد» مكتوبة بخط اليد. من المؤكد أن درويش وضعها هنا، كي يقرأها في محاضرة ادوارد سعيد التذكارية التي تنظمها جامعة كولومبيا في نيويورك في نهاية شهر أيلول، لكن الموت جاء، معلنا الوداع النهائي «لشعر الألم». بحثنا أنا والمحامي جواد بولص شبه يائسين، وفجأة رأيت دفتر «بلوك نوت» ذا غطاء ازرق وضعت فيه القصائد. أولى القصائد كانت «لاعب النرد». قلبت الصفحات فعثرت على قصيدتي «عينان»، و»بالزنبق امتلأ الهواء». بحثنا في الدرج عن قصائد أخرى، فعثرنا على مسودات قصائد قديمة منشورة، لكننا لم نعثر على قصائد جديدة. رقمنا المخطوط، وصورنا منه صورتين. أعدنا الأصل إلى الدرج في مكانه، واخذ احمد شقيق الشاعر نسخة، بينما احتفظت أنا بالنسخة الثانية. وقرّ رأي الجميع أن يُعهد لي بالقصائد، كي أعدها للنشر، واكتب حكايتها، على أن تصدر في 13 مارس 2009 ، أي في يوم عيد ميلاد الشاعر، فتكون قصائده الأخيرة هديتنا إلى من أهدى العرب والفلسطينيين أجمل القصائد.أخذت القصائد إلى غرفتي في الفندق، أقفلت الباب وقرأت، وشعرت بالحزن الممزوج بالعجز عن القراءة. في المساء سهرنا في حديقة منزل علي حليلة، وكانت القصائد معي، طلبوا مني أن اقرأ، فقرأت متلعثما. كانت تلك القراءة سيئة وعاجزة، كيف اقرأ وأنا متيقن من أن درويش سوف يفاجئنا في أي لحظة ويسخر من وجوهنا الحزينة. لم ينقذ الليلة سوى مارسيل خليفة، أمسك بعوده وغنى الشعر الذي صار أشبه بالدموع. كانت كلمات درويش وموسيقى الروح في قصائده، تلفنا وتأخذنا إليها. كان الحزن، ولا شيء آخر. بدل أن نفرح بالديوان احتلنا شبح الغياب. الحقيقة أن المشاعر اختلطت، إذ كنا، ونحن نعمل في المنزل نشعر بالحضور السري والغريب للشاعر.(...) في صباح اليوم التالي، وبينما اشرب قهوتي رن الهاتف، وسمعت صوت مارسيل خليفة يطلب مني المجيء إلى منزل درويش لأن غانم زريقات عثر على القصيدة. في المنزل أخذت قصيدة طويلة بلا عنوان، مكتوبة بخط يد درويش في خمس وعشرين صفحة. وعلى عكس الكثير من القصائد التي وجدناها، فإنها ناجزة، ولا اثر فيها للتشطيب أو اقتراحات التعديل. قرأت القصيدة التي قفز عنوانها من بين السطور من دون أي جهد: «لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي»، ووجدتني أمام عمل شعري كبير، قصيدة تصل بالمقترب الملحمي- الغنائي الذي صاغه درويش إلى الذروة. ومعها عثرنا على خمس قصائد جديدة. في تلك اللحظة اقتنعنا أننا أمام عمل شعري كبير يشكل إضافة حقيقية إلى الديوان الذي تركه الشاعر (...)..-2-وجدنا القصائد على الشكل التالي: في اليوم الأول وجدنا في درج المكتب دفتر (بلوك نوت) لون غلافه ازرق، وفي داخله وضعت اغلب قصائد هذا الديوان. لم يكن هناك ترقيم موحّد، بل رقمت صفحات كل قصيدة على حدة. يستخدم درويش في ترقيمه الأرقام الهندية، فقمت بترقيم الصفحات بالأرقام العربية، محافظا على التتابع الذي وجدته، فكان عدد الصفحات 117 صفحة. قمنا بتصوير القصائد في نسختين: احتفظت بواحدة، وأخذ احمد درويش والمحامي جواد بولص نسخة ثانية، واعدنا النسخة الأصلية إلى الدرج حيث كانت.ضمّ الدفتر 26 قصيدة هي على التوالي: - 1 لاعب النرد، - 2 على محطة قطار سقط عن الخريطة، - 3 سيناريو جاهز، - 4 بالزنبق امتلأ الهواء، - 5 هذا المساء، - 6 مسافر، - 7 عينان، 8- واقعيون، - 9 الخوف، - 10 هنا الآن وههنا والآن، - 11 من كان يحلم، ) بلا عنوان(، 12- إلى شاعر شاب، - 13 فروسية، - 14 نسيت لأنساك، )بلا عنوان( - 15 هنالك حب بلا سبب، )بلا عنوان(، - 16 إذا كان لا بد من قمر، )بلا عنوان( - 17 يأتي ويذهب، - 18 ما أسرع الليل )بلا عنوان( - 19 كأن الموت تسليتي، )بلا عنوان( - 20 لو ولدت، )بلا عنوان( 21- كلمات، - 22 لن أبدل أوتار جيتارتي، - 23 تلال مقدسة، - 24 في رام الله، - 25 محمد، 26- موعد مع إميل حبيبي. وصباح اليوم التالي، عثر غانم زريقات واحمد درويش على 6 قصائد، لم أضمها إلى الترقيم القديم وهي: - 1 في بيت نزار قباني، - 2 طللية البروة، - 3 قمر قديم، - 4 ورغبت فيك رغبت عنك - 5 ليل بلا حلم، - 6 لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي، )بلا عنوان(. من الواضح أننا لم نعثر على الديوان في نسخته النهائية، لكننا كنا على ثقة، وخصوصا بعد عثورنا على القصيدة الكبرى: «لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي»، أننا عثرنا على كنز ثمين. ولا بد أن أشير هنا إلى أن هذه المجموعة تضم قصائد كتبت في فترة سابقة: في بيت نزار قباني، قمر قديم، الخوف، موعد مع إميل حبيبي... قمت بتصنيف القصائد التي عثرنا عليها في أربعة أقسام:-1 القصائد الناجزة، التي نشرها الشاعر أو ألقاها في أمسية رام الله قبيل وفاته، وهي: «لاعب النرد»، «على محطة قطار سقط من الخريطة»، «سيناريو جاهز»، القصائد الثلاث نشرت في جريدتي »الأيام» في رام الله، و«القدس العربي» في لندن. إضافة إلى قصائد: «بالزنبق امتلأ الهواء» و«عينان» و«ههنا، الآن، وههنا والآن» التي ألقاها الشاعر في أمسيته الأخيرة في رام الله، وقصيدة «محمد»، التي نشرت في عدد كبير من الصحف العربية. من الواضح أن هذه القصائد وصلت إلى صيغتها النهائية، ولن يطرأ عليها أي تعديل يذكر، لأن درويش اشرف على نشرها، لذلك ننشرها كما وجدناها. مع الإشارة إلى ثلاث مسائل:أ- قصيدة سيناريو جاهز وجدت في المخطوط تحت عنوان سيناريو ناقص.ب- حين قرأ درويش قصيدة «لاعب النرد» في رام الله، استبدل كلمة «هشا» بكلمة «حيا» في احد أسطر القصيدة، فقرأه كما يلي: « ومن حسن حظي أني ما زلت حياً لأدخل في التجربة»، لكنني آثرت نشر النص مثلما نُشر في «القدس العربي» بتاريخ 3 تموز 2008 ، لأن الشاعر سبق له أن غيّر بعض الكلمات في أمسياته، من دون أن يحدث تعديلا في النص المنشور.ج- في قصيدة «عينان»، أحدث الشاعر تعديلا طفيفا عليها في أمسية رام الله، إذ حذف «ثم أعلى» بعد كلمة «أعلى»، فقرأ السطر على الشكل التالي :«ترفعان الحور والصفصاف أعلى. تهربان من المرايا فهي أضيق منهما.» كما أحدث في الأمسية نفسها تعديلا آخر على قصيدة «ههنا، الآن، وههنا والآن»، إذ استبدل كلمة «علوا» التي تتكرر بكلمة «سموا»، فقرأ السطر على الشكل التالي: «على الأشجار أن تعلو وان لا تشبه الواحدة الأخرى سموا وامتدادا». اعتمدت التعديلين لأنهما منطقيين من جهة، ولأن الشاعر لم ينشر القصيدتين، فاعتبرت إلقاءهما بمثابة النشر من جهة ثانية.2 - اثنا عشر قصيدة بدت وكأنها قد وصلت إلى نسختها النهائية، إذ لا اثر فيها للتشطيب أو التعديل أو اقتراح التعديلات هي : بالزنبق امتلأ الهواء، عينان، ههنا الآن وهنا والآن، هذا المساء، يأتي ويذهب، في رام الله، موعد مع إميل حبيبي، طللية البروة، قمر قديم، ورغبت فيك رغبت عنك، ليل بلا حلم، لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي. هنا يجب التوقف عند قصيدتين: «طللية البروة» و»ورغبت فيك رغبت عنك». في القصيدة الأولى وضع درويش خطا تحت كلمة «الأولى»، في جملة: «أنا ابن حكايتي الأولى»، كما وضع خطا تحت كلمة «إلى المنفى»، في جملة: «لم اكبر فلم اذهب إلى المنفى». ووضع علامة استفهام على هامش كلمة «وبالرحيل»، في المقطع الذي يقول: «قفا... لكي ازِن المكان وقفره بمعلقات الجاهليين الغنية بالخيول وبالرحيل». من الواضح أن الشاعر كان مترددا حيال هذه الكلمات، لكنه لم يقترح بدائل لها، فبقيت على حالها في النص النهائي الذي أعددناه للنشر. أما القصيدة الثانية، فقد وجدنا نسختين منها، الأولى مسودة ومليئة بالتشطيب واقتراحات التعديل، والثانية نهائية لا اثر للتشطيب فيها، وهي المنشورة في هذا الكتاب. قصيدة «في رام الله»، المهداة إلى سليمان النجّاب، تحمل في مقطعين منها تضمينا من قصيدة سابقة لدرويش تحمل عنوان: «رجل وخشف في الحديقة»، من ديوان «لا تعتذر عما فعلت». وقد وضع الشاعر المقطعين ضمن مزدوجين، وهذا يدلّ على أن قصيدة «في رام الله»، كتبت بعد قصيدة «رجل وخشف في الحديقة». وهي القصيدة الوحيدة التي كتبها درويش عن المدينة التي سيُدفن فيها.-3 قصيدة «لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي»، هي عمل كبير بكل المقاييس، بل استطيع القول إنها الكلمة الأخيرة التي قالها درويش. فيها يصل التألق الشعري إلى ذروته، حيث يمزج الشاعر السرد بالغنائية والملحمية، في خلاصة مدهشة لعلاقة الشاعر بذاته وأرضه وحكاياته وموته. لذا آثرنا نشر هذه القصيدة المتفردة في قسم خاص بها، في هذا الديوان. قد تكون قصيدة غير منتهية، وهي كذلك، لأن الشاعر أراد لها ألا تنتهي، كأنه كان يحاول أن يشتري بها الحياة.نجد في هذه القصيدة تضمينين من قصيدتين منشورتين، وتضميناً من قصيدة غير منشورة. التضمينان الأولان مأخوذان من قصيدتين نشرتا في مجموعة «كزهر اللوز أو ابعد». التضمين الأول هو المقطع التالي: «عصافير زرقاء، حمراء، صفراء، ترتشف الماء من غيمة تتباطأ حين تطل على كتفيك»، وهو مأخوذ من قصيدة «نسيت غيمة في السرير»، لكن الشاعر استخدم هنا صيغة المخاطب في «كتفيك»، بدل صيغة الغائب في القصيدة المنشورة. اللافت أن الشاعر وضع المقطع في «نسيت غيمة في السرير»، بين هلالين. فهل كان يشير هنا إلى قصيدة طويلة بدأ في كتابتها؟ لا ادري. أما المقطع الثاني فيقول: «وأما الربيع، فما يكتب الشعراء، إذا نجحوا في التقاط المكان السريع بصنّارة الكلمات». وهو مأخوذ من قصيدة «وأما الربيع»، لكنه حذف هنا صفة السكارى عن الشعراء، التي جاءت في القصيدة المنشورة. تنتهي القصيدة بمقطع غنائي يبدأ بعبارة « لن أبدل أوتار جيتارتي/ لن أبدلها». لكننا عثرنا في المخطوط على قصيدة تحمل عنوان «لن أبدل أوتار جيتارتي». ترددت طويلا أمام نشرها، لكن احد مقاطعها حسم الأمر وقرر ضرورة أن يضمها هذا الديوان:«المكانُ على أرضه، هل أسأت إلى الشجرةحين شبَّهتها بفتاة )وبالعكس( هل اطلب المغفرةمن مقابر أهلي، لأنيَ متُّ بعيداًعن النائمين وأنقصتها شاهدة؟»-4 بقية قصائد الديوان، وجدت كمخطوطات كتب عليها الشاعر تعديلات، وشطب منها بعض العبارات. ونحن نعلم، أن هذا يعني في القاموس الدرويشي، أننا أمام أعمال غير منتهية.(...) هل يجوز نشرها؟ وإذا لم ننشرها فماذا نفعل بها؟ لكن سؤالا آخر طرح نفسه بقوة، هل يحق لنا عدم نشرها؟ وتركها تاليا في أرشيف الشاعر حيث يمكن أن تنشر مبعثرة أو مجتزأة من قبل الدارسين الذي سيوضع ما وجدناه من أرشيف درويش في تصرفهم؟ بالطبع لا يحق لأحد إتلاف أي ورقة، وحده الشاعر كان يملك هذا الحق. لذا استقر الرأي على نشرها كلها من دون استثناء. لم احدث أي تعديلات على هذه القصائد، قرأتها بدقة، نفذت اقتراحات الشاعر بتغيير كلمة هنا أو هناك، طبعتها على الكومبيوتر وأرسلتها للنشر. لكن يجب أن نتوقف هنا عند ثلاث قصائد.القصيدة الأولى: «في بيت نزار قباني». وضع درويش عنوانا أول لهذه القصيدة هو:«منازل الشعراء»، لكنه شطبه واستبدله بالعنوان الحالي. تبدأ القصيدة كما وجدت في المخطوط بالمقطع الصغير التالي:«أثاث من الصين ازرقُ،صالونهُ أزرقُ،والستائرُ زرقاءُ،عيناهُ،ألفاظه،والدفاترُ زرقاءُ»وضع الشاعر على هامش هذا المقطع خطا وإشارة X وهي إشارة تدل على نية الحذف. ومن خلال قراءة القصيدة وجدنا أن مضامين هذا المقطع وصوره دخلت في نسيجها الداخلي، لذا حذفناه. السطر الأخير من المقطع الثالث كان على الشكل التالي: «صورتي كتبت سيرتي ونفتني إلى الضوء». رسم الشاعر خطا تحت كلمة «الضوء» لأنها خروج على القافية، وكتب تحتها كلمة الأبدية، ثم أشار إلى احتمالين آخرين كتبهما في أعلى الصفحة هما: الغرف الداخلية أو الغرف الساحلية. هنا كان علينا أن نختار، فاخترنا الغرف الساحلية لأنها اقرب إلى المعنى المائي الذي يشير في بداية المقطع إلى بردى.القصيدة الثانية: «نسيت لأنساك»، كان الشاعر مترددا أمام السطر الأخير من القصيدة، شطب اقتراحه الأول واستبدله بهذا السطر: «حاضري غيمة... وغدي مطر». من الواضح أن درويش كان لا يزال في طور البحث عن الكلمة الأخيرة الملائمة كي يحافظ على القافية، فمات قبل أن ينجز ذلك. كما نجد في هذه القصيدة تضمينا من قصيدة: «لن أبدل أوتار قيتارتي»، على الشكل التالي: «قلت: ولكنني لن أبدل أوتار جيتارتي لن أبدلها/ لن احمّلها فوق طاقتها: نغما يابسا مقفرا». اترك تفسير دلالة هذا التكرار للنقاد، لكنني لا استطيع أن لا أرى فيه إيقاعا وداعيا حزينا. القصيدة الثالثة: «الخوف». عكس جميع القصائد فان درويش رغم ترقيمه لقصيدته في طرف الصفحة الشمالي الأعلى، فانه وضع رقم 6 في وسط الصفحة فوق العنوان مباشرة. هل يدل هذا على أن الشاعر كان في صدد ترقيم ديوانه + أم على شيء آخر» لا ادري لأنني لم استطع حلّ هذا اللغز. القصيدة مكتملة، احدث عليها الشاعر العديد من التعديلات، لكنها تعديلات واضحة لا تحتمل أي تأويل.5 - هناك العديد من القصائد التي تركت بلا عنوان، فأخذت سطرها الأول كعنوان، وهذا ما سبق للشاعر أن اعتمده في الكثير من الحالات. لكنني خرقت هذه القاعدة في قصيدة «لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي»، لأن عنوانها أشبه بالبديهة. كما جعلت من عنوان هذه القصيدة عنوانا للديوان، لما يحمله من دلالات. أما عنوان قصيدة «كأن الموت تسليتي»، فمأخوذ من عجز البيت الأول فيها.-6 قسمت الديوان إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول بعنوان: «لاعب النرد»، وهو يبدأ بالقصيدة التي استهل بها أمسيته في رام الله، ثم حافظنا في القصائد الثلاث التي نشرت في الصحف، على ترتيبها الزمني. القسم الثاني: خصصناه لقصيدة واحدة هي «لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي». أما القسم الثالث: ليس هذا الورق الذابل إلا كلمات، فقد حاولنا فيه إيجاد نوع من التناغم ألموضوعاتي. حاولت أن يكون ترتيب القصائد منطقيا إلى ابعد الحدود، ولا ادّعي على الإطلاق أن هذا الترتيب قد يكون هو الترتيب الذي كان سيختاره الشاعر. فدرويش يضع عناوين للأقسام، ويهندسها، في شكل متسق. للأسف تفتقد هذه المجموعة الهندسة الدرويشية الصارمة، التي جعلت من دواوينه الأخيرة، أشبه بمقاطع من قصيدة واحدة أو عدة قصائد طويلة، متعددة الصوت والإيقاع.7 - ترددت طويلا أمام قصيدتي: »تلال مقدسة « و »لو ولدت «. من الواضح أن القصيدة الأولى لا تزال في طورها الأول، وهذا واضح من التشطيبات الكثيرة في المخطوط. لكنها تحمل رؤيا شعرية هامة في المسار الدرويشي. أما القصيدة الثانية فهي صرخة وفكاهة سوداء عن الواقع الفلسطيني اليوم، وهي كالقصيدة الأولى لا تزال في مراحلها الأولى. لكن في النهاية هما نصان كتبهما الشاعر، ويجب أن ينشرا.-3-المفاجأة التي صعقتنا حين دخلنا منزل درويش في عمان، أن الشاعر لم ينظّم أوراقه قبل الرحيل. يبدو أن الرجل صدّق الأطباء وكذّب حدس الشاعر، الذي جعل الموت يتسلل إلى جميع قصائده الأخيرة. وجدنا أوراقه الشعرية غير منظمة، وكان علينا أن نعيد ترتيبها، من دون أن نمسها تقريبا. كُلفت بمهمة إعدادها للنشر، وافقت من دون تردد، وبشكل يشبه النزق. لكنني، في الليلة نفسها، شعرت بصعوبة المهمة. اعتقدت وأنا اقلّب الأوراق، أن عملا كثيرا ينتظرني. وكان اعتقادي صائبا، عملت كثيرا وطويلا، واستشرت عددا محدودا من الأصدقاء، وكنت مرتبكا. لكنني اكتشف الآن، وأنا اكتب هذا النص، أنني لم افعل شيئا تقريبا، وان درويش كان صادقا، حين روى لنا، انه ترك مخطوط عمل شعري جديد في عمان، وانه شبه جاهز.لكنني خلال الأشهر الثلاثة التي قضيتها في رفقة هذا الشعر في تفاصيله، تسنى لي أن أتعرف إلى درويش أكثر، وفهمت لماذا أصاب موته منا هذا المقتل الحزين. فالرجل ليس شاعرا فقط، انه يتنفس الكلمات، جاعلا من الإيقاع جزءا من دورته الدموية. قلبه ينبض بالصور، فكأنه يرسم بالإيقاع، ويحيا في ثنايا الدوائر التي اكتشفها الخليل.لم استطع أن افهم اضطرابي أمام موته إلا حين صرت صديقا حميما لكلماته. درويش لم يتفجع أمام الموت، بل دخل في ثناياه وتفاصيله، بحيث جعلنا نقترب من الموت في شكل لا سابق له، ودخلنا مع درويش الإنسان في الخوف الذي كتبه درويش الشاعر. عندما روى لنا أكرم هنية وعلي حليلة أن جميع أعضاء الشاعر توقفت عن العمل ما عدا قلبه، تذكرت الحادثة التي رواها لنا بعد نجاته من جراحة الشريان الأبهر في باريس منذ عشر سنين، قال انه عندما بدأ يستعيد وعيه، وكان عاجزا عن النطق بسبب آلة التنفس الاصطناعي، طلب ورقة وقلما، وكتب انه خائف من أن يكون قد فقد لغته ونسيها. في مستشفى هيوستن فقد درويش اللغة، ولم يفق من الجراحة. لكن قلبه المريض قاوم حين انهارت كل الأعضاء، وهذا ما آثار عجب الأطباء، لأن لا مكان في طبهم للشعر الذي استوطن القلب، وأعاد صوغ إيقاع نبضاته. (...)-4-أود في النهاية أن أوجه شكري إلى الأصدقاء الذين ساهموا معي في الوصول إلى هذه النسخة النهائية من قصائد درويش الأخيرة: علي حليلة واحمد درويش وغانم زريقات وأكرم هنية ومارسيل خليفة وياسر عبد ربه، وجواد بولص، الذين دخلوا إلى بيت درويش، وساعدوني في العثور على قصائده، وكان دعمهم المعنوي في عماّن، حافزا لي للعمل. كما أوجه الشكر إلى ليلى شهيد، التي كانت كعهدها دائما، محبة ومشجعة من خلال طاقتها المعنوية التي لا تنضب. والى فاروق مردم بك، الذي تحمّل معي أعباء المراحل الأولى من قراءة هذا المخطوط. والى مجموعة محدودة من الأصدقاء قرأت لهم بعض قصائد الديوان طالبا منهم النصح. بفضل دعم هؤلاء تم انجاز العمل، غير أنني أتحمل وحدي المسؤولية عنه وعن أخطائه. كانت صحبتي لهذه القصائد تحية حب وصداقة لم يزدها الموت إلا عمقا.
10/30/2009

izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 57
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: محمود درويش (الملحق الثقافي للاتحاد الاشتراكي)

مُساهمة من طرف izarine في الجمعة 30 أكتوبر 2009 - 21:59

أثارت زوبعة في فنجان «الديوان الأخير» للشاعر الكبير محمود درويش..
حرف «واو»!
إدريس الملياني
_ 1 _أثير لغط كثير ومثير حول وجود كسور عروضية افتراضية _ قيل _ لا تليق بمقام الشاعر الكبير محمود درويش، عقب وفاته الفاجعة مباشرة، لاسيما في قصيدة « لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي » عندما نشرت الصحف الناعية مقاطع منها أو ربما في « الديوان الأخير » الذي يحمل نفس عنوان تلك القصيدة الجديدة.ولم نقرأ لأحد - إذا لم يخني ظني - مثلاً على تلك الكسور العروضية المحتملة التي لا تليق بمقام الشاعر الكبير ولا أي سبب مقنع لها سواء بالرجوع إلى مخطوطة القصيدة أو المقاطع المنشورة منها أم «الديوان الأخير» المنشور أخيرا._ 2 _في القصيدة العمودية غالباً ما يكون الكسر العروضي فاضحاً ولا مجال لأي جدال. أما في القصيدة التفعيلية فإن الخلل العروضي لا يكون واضحاً إلا للآذان المتمرسة بموسيقى الشعر وللعيون الخليلية التي لا تقرأه فقط بل تسبح في ماء البحر الشعري وتلمس التفعيلة الجارية عليه وتراها عارية وماثلة للعيان وتحس بما اعتراها من زحافات وعلل وتجس نبض الخلل كالطبيب المداوي والحبيب المجنون بليلى المريضة في العراق. وقد تعالجه بالقراءتين معاً العروضية والدلالية. ومن ثم يمكن للخطأ العروضي المفترض أن يصير صواباً خلال القراءة السليمة والعليمة بمفاتيحها الضابطة لضروب الضرورات من « وقف « إلى « إشباع « ومن « تحريك « إلى « تسكين « وهلم شعرا._ 3 _وفي «الديوان الأخير» قصيدة عمودية بالذات جارية على إيقاع بحر البسيط، بعنوان « كأن الموت تسليتي» ثمة خلل عروضي واضح للعيان ولا مجال فيه فعلاً لأي جدال ولكنه قد يعود إلى أي سبب آخر إلا أن يحسب على الشاعر الكبير البريء تماماً من هذه « الواو » العاطفة الزائدة والواردة في البيت التالي :
أقول : لست أنا منْ غابَ وليس هنا
هناك. إن سمائي كلها جهتي
أجل ، صدقت : لست أنت أيها الشاعر الكبير إبداعاً وإمتاعاً وإشباعاً بموسيقى الشعر والنثر الشعري والغائب الحاضر في كل الجهات هنا وهناك وتحت كل سماء. ومن المستحيل أن تكون أنت « من غاب » المسؤول عن جريرة هذا الحرف المفترى عليك ولا ينبغي أن ينسب إليك هذا الخلل العروضي البسيط والمطبعي بكل تأكيد ويقين. وما هو بالتالي إلا كما تقول :
خلل يسبّبه الرحيل.
وهو كما قلتَ أيضاً في « موعد مع إميل حبيبي» :
فقلتُ : لعلّ المسافةَ كالواو
بين هنا وهناك...
بل توقعت « بحدسك الذي لا تصدق غيره » مصير « الديوان الأخير » في قصيدة « الخوف » :وأخشى عبء ذاكرتي
على مخطوطة الغد، لا هناك أنا
هناك ولا هنا. وأخاف ألا أكتب
السطر الأخير من القصيدة !
ومما لا شك فيه أن الأوفياء حقاً وصدقاً لروح الشاعر الكبير لن يقرؤوا ذلك البيت إلا على هذا النحو الصحيح والمريح عروضاً ودلالة :أقول : لست أنا من غاب ليس هنا
هناك. إن سمائي كلها جهتي
وليس إلا العين الخليلية العاشقة تقرأ الشعر بميزان الذهب.
أو على الأقل بِ « عينك ميزانك « عملاً بهذا المثل الشعبي الحكيم.
_ 4 _ولو، هل تثير واو عاطفة زائدة أو ناقصة مثل تلك العاصفة المرعدة والمزبدة؟ ومتى؟ مباشرة بعد وفاة الشاعر الفاجعة؟ وقبل أن ينمو العشب فوق ثراه؟ وهو الشاعر الكبير، المضحي بقلبه « الدانكوي « الغوركوي، قرباناً لشعبه؟ وكل ذلك يا صديقي ورفيقي المتحلي بجمال النضال لم يشفع لك في «حتّة « حرف زائد أو آخر ناقص؟ ألا يسمح للشاعر أن يضحي بهما في حالات معتادة كثيرة، دفعاً لملال كلمة فقيرة ورفعاً لجمال صورة؟ ثم لماذا لم تحرك ساكناً تلك الطائفة المطلعة والمؤتمنة على وديعة « الديوان الأخير» أو المشرفة على طبعه؟ وهي المدججة بترسانتها الواسعة الانتشار السريع ؟ عجباً ! ألم يكن بإمكانها أن تحذف ذلك الحرف من المخطوطة أو «البروفة »؟ حتى دون استشارة الشاعر لو كان على قيد الحياة؟ أقصد، بصريخ العبارة، بعض « الذئاب » الكتاب ونقاد الشعر أيضاً من « أصدقاء » الشاعر الأوصياء الذين يصدق عليهم فرادى أو جماعات قول « الديوان الأخير » :
فقد ينشد الذئب أغنيتي شامخاً
ولذلك اقترحوا،عبر الفضائيات الملتحية والمحجبة، أن يكون مثواه الأخير منفاه الأخير بقريته النائية « البروة » التي ما عاد لها وجود على الخريطة حتى لا يستطيع وصولاً إليه أحد من الزوار؟ ولو تصفحوا «الديوان الأخير» لقرؤوا « طللية البروة » التي قال فيها وعنها :
أختار من هذا المكان الريحَ ...
أختار الغياب لوصفه.
_ 5 _لماذا لم تثر هذه الزوبعة في فنجان أي ديوان آخر، حين كان الشاعر على قيد الحياة؟ ولماذا عن هذا ( الديوان الأخير ) بالذات؟ لأنه، للأسف المقرف، لم يشرف على نشره ولم يجد الأيدي والعيون الخليلية الأمينة التي تصحح وتنقح وتقترح أم أن ديوان الشعر الحداثي لا « يُحقق « مثل كتب التراث؟ ومن قبيل ذلك الخلل العروضي المفترض على سبيل المثال والاحتمال: حرف زائد هناك وحرف ناقص هنا في هذه القصيدة الريلكوية الموجهة «إلى شاعر شاب » :
الحياة أقل حياة،
لكننا لا نفكر بالأمر،
حرصاً على صحة العاطفةْ
القصيدة كلها خببية ( فاعلن، فعلن ) ولكنها تشتكي من كسر عروضي بسيط ناتج عن سقوط حرف الواو قبل « لكننا « حتماً، لأن الشاعر الكبير الواسع المعرفة العالمة بعروض القريض، التراثي والحداثي، يدرك جيداً وتماماً أن « السببين الخفيفين « _ « فعْلن « _ « بتسكين العين « _ أقل حيا « ةً، لا» غير « جائزين « في مثل هذا الإيقاع الحديث، المتميز أيضاً باجتماع بحرين ( الخبب والمتقارب ) بدليل أنهما لم يردا في القصيدة كلها إلا هنا _ مرة واحدة. فضلاً عن أنه قرن « لكنّ « الاستدراكية والعاملة بالواو مرتين وسطاً وجردها منها مرتين نهاية. وهكذا، يحليها تارة ويجردها تارة في قصائد أخرى، حسب إرادة السيدة الجميلة التفعيلة العاملة.ولاشك كذلك أن حرف واو ساقطة وناقصة خلف « ماذا « هذه الاستفهامية في قصيدة « مسافر» المتحاورة البطلين الراحلين والضالين على السطرين التاليين :
عند الفجر، يحملني وأحمله، ويسألني وأسأله :
ماذا بعد ؟ أين تسير بي، فأرى الضباب، ولا
لأن القصيدة كلها من بحر» الكامل « المتميز أيضاً باجتماع الإيقاع مع تفعيلتي « الوافر» أو « الهزج « في قصيدة واحدة من الشعر الحديث. ولابد بالتالي من وجود هذه الواو الناقصة والساقطة حتى تكون التفعيلة تامة وكاملة :
ويسألني وأسْ « ألهُ : وما « ذا بعد ؟_ « متفاعلن « .
وفي» الديوان الأخير» شواهد شتى على ذلك الجمع المبدع بين إيقاع البحرين. ونتيجة الانتقال المفاجئ والسريع من إيقاع بحر إلى آخر قد تحس الأذن أحياناً بثقل أو خلل عروضي، لوجود « فاصلة كبرى» _ « أربع حركات وساكن» لا علاقة لها وزناً بإيقاع البحرين « كالخبب والمتقارب» في المقطع التالي من قصيدة « تلال مقدسة « على سبيل الاستئناس والمثال :
عرف ديك تنسك. أشمُّ
رائحة الموت من وعكة في أريج البنفسج.
القصيدة خببية الإيقاع منذ البداية :
التلال وراء التلال
ولكنها سرعان ما تنتقل من تفعيلة الخبب « فاعلن « إلى تفعيلة المتقارب «فعولن» في السطر الخامس فقط :
.. يؤمنو/ نَ أنّ/ التلال
.. فاعلن/ فعولن، فعول
ولذلك فإن السطر السابق لا يشتكي من أي كسر عروضي. لأنه خببي الإيقاع ارتباطاً بما سبق ومن المتقارب بما لحق :
عُرْ/ فُ ديكٍ _ فعولن _ تنسَّ _ فعولُ _ كَ . أشُمْ _ فعِلن _ مُ
راءِ_ فعول_ حَةَ الْمَوْ _ فعولن _ تِ مِنْ وَعْ _ فعولن _كَةٍ في _ فعولن ...
ولكن تلك « الفاصلة الكبرى» المستثقلة سماعاً : (تَنَسْ/ سَكَ . أشمْ/ مُ ) تنتفي تماماً بالقراءة الدلالية والوقف على كاف الفعل « تنسكْ .» ونقطة ثم الرجوع بالفعل التالي إلى السطر السليم عروضاً ودلالة :
عرف ديك تنسكْ.
أشمُّ رائحة الموت من وعكة في أريجِ البنفسجِ.
تماماً كما فعل الشاعر الكبير في القصيدة نفسها:
واكتب إذا ما استطعت الكتابة بيتاً
من الشعر واسمك/
*
أحب الحمار لأن الحمار
أقلُّ كراهيةً
ولم يفصل بينهما عبثاً ببياض وبخط مائل، كما في قصيدة « موعد مع إميل حبيبي» الجليُّ منها وعيُ الشاعر الرقيق والعميق بهذا الانتقال الإيقاعي :
.. وعما يريدون أن/ يَرَوْا في
المنامات، فالحلم أصدقُ من واقعٍ..
. وكذلك في قصائد أخرى كثيرة، كرائعة « لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي» على سبيل التأكيد لمن يحتاج إليه :
أنا هو، لا تغلقي باب بيتك
ولا ترجعيني إلى البحر
كان يمكن للشاعر لو أراد أن يجرد الفعل « أرجعيني « من الواو العاطفة ويغلق الباب دون أي شك أوعاصفة . ولكنه يدرك أنها صحيحة الإيقاع، بالوقف _ الأحلى _ على كاف الخطاب، في القراءة الدلالية، وسليمة الإيقاع، حتى دون وقف، بالقراءة العروضية، رغم ما قد تحس به الأذن من ثقل أو خلل في السماع، لوجود « الفاصلة الكبرى : « _ بَيْ _ تِكِ ولا _ « واجتماع إيقاع البحرين. وفي « هذي القصيدة التي لا تنتهي « _كالديوان كله_ تعلو وتحلو أيضاً موسيقى البحرين : الخليلي « المتقارب « والأخفشي « الخببي، المتدارك والمحدث» في ديوان العرب القديم والحديث. ومثل ذلك كذلك في قصيدة « على محطة قطار سقط عن الخريطة « إذ تجمع بين إيقاعات عديدة، من «الكامل « و» الوافر» أو « الهزج « . ولهذا وردت فيها وسطاً تفعيلة « مفاعيلُ» _ « إلى الموتِ ...». وقد وضع النقط الثلاث ليدع لها فسحة « الإشباع « لعلمه أنها غيرُ معدودة من « كامل» القصيدة العمودية لكنها معهودة في التفعيلية المستفيدة من إيقاع البحرين :
فعمي مساءً، واتركيني الآن كي أخلو إلى
الموت ... ونفسي !
وكان يمكن للشاعر الكبير، الذي خبر الموت مجازاً وحقيقة، أن يضيف ياء النسب « إلى موتي...» لو أحس بأي كسر عروضي في هذا السطر الصحيح التفعيلة والقوي الدلالة. _ 6 _ولو قدر للشاعر الكبير أن يطلع على هذا « الديوان الأخير « لاشتكى قطعاً من عاهة الأخطاء المطبعية المشوهة لحلته الخارجية الأنيقة. ومن ذلك، تمثيلاً لا حصراً، أن تشكل « المضبعة» بعض القوافي والأسماء والأفعال والحروف البسيطة والغنية عن أي شكل مثل : منْ ، لم نتحاورْ، لن يرَوْا، كي تفرَّ، فانظرْ: سدومُ، فليكنْ، جففْ دمعتيك، واكتبْ،» بينما تغفل شكل أخرى كثيرة، قد تكون إشكالية، منها « أغني لكي أغري بالموت بالموت « بدلاً من « أغريَ « بالفتح حتى يتضح الانتقال من إيقاع _ « فاعلن»_ إلى آخر _ «فعولن «_والعكس_ و» لا أتذكر قلبي إلا « بدلاً من « قلبيَ» بالفتح كي لا يصاب بكسر عروضي. و»على وقْع حلم قديم « مع أن لام الحلْم _الكثير الورود في الديوان _ أولى بالسكون لئلا يقرأ بالرفع، ولا يشكل مرة حتى يهمل مرات. و» امتلأتْ بي الذكرى» وحرف الجر « بيَ» أولى شكلا « و» لي مطلب واحدُ «بضمة واحدة بدلاً من ضمتين. مما يصيب العين والأذن ببعض الرضّ أو العضّ أثناء القراءة العروضية والدلالية. وهلم جراً وكسرا.ومن بين تلك الأخطاء « المضبعية «الواضحة للعيان، تمثيلاً لا حصراً، ضبط بعض الكلمات بشكل اعتباطي وعشوائي كما في المقطع الثاني « الآن» من فاتحة الديوان :
الآن ، سوف تكونْ
فاعرف من تكون ... لكي تكونْ
في القراءة الدلالية يمكن « تسكين» الفعل « يكونْ « ولكن في القراءة العروضية لابد، وزناً، من « تحريك « الفعل « يكونُ « إرضاء للسيدة التفعيلة الجميلة « الكاملة « :
الآن ، سوف تكونُ
فاعرف من تكونُ ... لكي تكونْ
ومن الجدير بالإشادة هنا والآن بالقراءة المتألقة للشاعر الكبير التي كان يحرص فيها دائماً على القراءة الدلالية ،أو « حرصاً على صحة العاطفة» كما قال في تلك النصيحة الريلكوية الموجهة « إلى شاعر شاب «.ومن جراء وجريرة ذلك الشكل المطبعي الخاطئ يمكن للعين الخليلية أن ترى « خبْناً « _ « حركة وسكون « زائداً في حرف الجر « في» خاتمة الديوان « كلمات « ذات الإيقاع «الرمَلي « :يا سنونوةً في الرحلة ! ولو لم تشكل « المضبعة « السنونوة « بالتنوين « لما أصيبت بنشاز ذلك « الخبْن « أو الغبْن. ولكان من الممكن أن تقرأ « بشكل « عروضي صحيح التفعيلات الأربع من بحر « الرمَل « على النحو التالي :
يا سُنونوّةُ في الرحلة
لم أذهب بعيدا
على أساس أن السنونوة المعينة والمخصصة بالنداء مبنية على الضم في محل النصب. وعلى قياس قول الشاعر نفسه « يا خديجةُ « في ديوان آخر:
خديجةُ لا تغلقي الباب لا تدخلي في الغياب.
وكذلك التوزيع « المضبعي « السيئ الذي عطل عمل القافية الرائية في هذا السطر الأخير من قصيدة « لو ولدت « :
وما زال فيها نظر ! وإلى آخره ...
كما في مكان آخر من الديوان أيضا :
على غيمة شاردة / زائدة
فهل كان هذا الأمر البسيط يحتاج إلى وجهة نظر الشاعر الكبير، لكي يُطبع ذلك السطر بشكل صحيح؟ احتراماً للتفعيلة وانسجاماً مع القافية الرائية السابقة وكما فعل الشاعر في سطر آخر من القصيدة ذاتها :
وحقوقي فرنسيَّة
وإلى آخره ...
أم أن « الماركوتينغ « التجاري أيضاً من عمل الشاعر؟ المحفوظ « الحقوق الفرنسية « أما العربية فهي مصابة بالعقوق.أو كما قال تماماً عن المسألة الفلسطينية في خاتمة القصيدة عينها :
فما زال مثل فلسطين مسألة كان فيها نظر
وما زال فيها نظر
وإلى آخره...
وما تلك إلا أمثلة وشواهد و» جوائز « أخرى كثيرة عروضية وشعرية وفخرية وتقديرية قاطعة الدلالة على أن الشاعر الكبير لا يحتاج إلى أي دليل على درايته الدقيقة ومعرفته العميقة بعلمي العروض والقافية ولسان العرب .. الطويل._ 7 _ وما عدا ذلك ليس في روائع ( الديوان الأخير ) أية كسور عروضية أخرى، وإن وجدها أحد بالقوة أو بالفعل فهي ناتجة دون أدنى شك عن حَوَل القراءة الخاطئة العروضية والدلالية المغرضة والآثمة أو ناجمة عن خلل المطابع والطبائع المستشرية فيها آفة الأخطاء كالقمّل والصئبان.وليذهب إلى الجحيم بعض « الذئاب « من الكتاب والشعراء النقاد الذين لا يقولون « إن الشعر ليس وزناً « إلا ليغلقوا باب الاجتهاد.ولكلّ واحد قراءته وكتابته على حد قول الشاعر الكبير في « الديوان الأخير » :
فاقرأ إذا ما استطعت القراءةَ
تأويلك الخاص.
.........
واكتب إذا ما استطعت الكتابةَ
بيتاً من الشعر...
.........
وإذا كانت « القصيدة ناقصة...» فإن « الفراشات تكملها » وليست القراءة والكتابة كلها من أجل إرضاء « أهوائنا » بل « لتصحيح أخطائنا في كتاب الشقاء »..فهل، يا ترى ، تنظر « المضبعة » بعين الاعتبار إلى كل هذا وذاك، لو « فكرت» في طبع « الديوان الأخير » طبعة ثانية محققة ومنقحة وغير مزيدة ؟ولكنّ العين الخليلية القارئة العاشقة وحدها تسبح في ماء البحر الشعري ولا تعكر ماء النهر العذب بمكر الذئب ليأكل الحمل الوديع ، الذي لو تكلم لقال حتماً بلسان الشاعر الإنساني العظيم والمعلم الحكيم محمود درويش الراحل والمقيم في القلب:
نشك بأشياء أخرى، ومن بينها العاصفة
ولكننا لا نشك بوحشية العاطفة
ولو قرأ أيضاً لسأل بلسان « الديوان الأخير» للشاعر الكبير:
« ومن ينقذ الغد من خلل في الطبائع أو
خطأ في كتاب..» ؟
وذلك هو السؤال المؤجل الجواب
حتى حين.. !
10/30/2009

izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 57
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى