صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

الطاهر بن جلون: أنْ تكون مغربيّا، معناه أنْ تنخرط في التاريخ وتؤسسَ لهوّية متعددة

اذهب الى الأسفل

الطاهر بن جلون: أنْ تكون مغربيّا، معناه أنْ تنخرط في التاريخ وتؤسسَ لهوّية متعددة Empty الطاهر بن جلون: أنْ تكون مغربيّا، معناه أنْ تنخرط في التاريخ وتؤسسَ لهوّية متعددة

مُساهمة من طرف عبدالله في الأحد 12 مايو 2013 - 15:03

كُلّما
سافرتُ خارج البلاد، كلّما ابتعدتُ جغرافيّا عن المغرب، كلما افتقدْتُ هذه
البلادَ ونورَها وروائحَها ومفارقاتِها وتناقضاتِها وضوضاءَها وموسيقاها
وجمالها. قد يعتبر المحلّل لبنفسانيّ بأنّ الأمْر يتعلق هنا بالاعتراف
والبوْح بعلاقة معقّدة. مع العلْم أنني أحاولُ أنْ أكون واضحا، بلْ
وموضوعيّا حين أفكّر في المغرب أو أتحدّث عنه. وخلافاً لآخرين كثيرين
غيْري، فأنا أقولُ نفسَ الخطاب في الداخل كما في الخارج. إنّ النقد الذي
أوجّهه يستند إلى عناصر لا تتغيّر بحَسَب المكان الذي أتواجدُ فيه. هناك،
على سبيل المثال، هذه المسألة التي تزعجني، والتي تتعلق بالعزّة والأنفة
«النخْوة». حَسَنًا، أنا أشْعُرُ بالنّخْوة، لكنْ فيما تفيدُ؟ وهلْ تجعلُ
الأمورَ تتقدّم؟ نعمْ، ينبغي أنْ يكون المرْءُ أبيّا، لكن يجبُ أنْ يكونَ
يقظا ومنتقدا في الوقت ذاته. ينتقد، وأحيانا يفْضحُ ويردّ الأمور إلى
نصابها قدْر الإمكان. وفي جميع الأحوال، تكونُ عنده إمكانية التأكّد من
الأشياء وتحليلها. إنّ البلادَ التي ننتمي إليها، هي بمثابة ذاكرة تشكّلنا،
تمتدّ فينا وتصاحبنا. فجذورنا وأصولنا نحْملها في دواخلنا، ولسنا مستعدّين
ولا قادرينَ على إخفائها، ولا حتّى على إنكارها. هذه مسألة مُنْتهية
ومحسوم فيها. فأولئكَ الذين يعانونَ من مشْكلة الهويّة، لكوْن التاريخ أساء
إليْهم أو تنكّر لهمْ، يمْضون حياتهم في البحث عن جذورهم. هذه الوضعيّة
لمْ يعشْها المغاربة، وذلك لأنّ المغربَ بكلّ بساطة أمّة متجذّرة في
التاريخ، ولأنّ المغاربة كانَ لهم الحظّ في عدم الانْفصال عن جُذورهم بسبب
احْتلال عنيف وممتدّ في الزمان، كما حدث بالنسبة للجزائر على سبيل المثال.
بالنسْبة لي، بصفتي كاتبا، كنتُ محْظوظا لكوني أنتمي إلى المجتمع المغربيّ.
كنتُ محظوظا لأنّ الواقع المغربيّ في غاية التعقيد والغنى والتناقُض بحيْث
يوفّر دائما مادة للتخْييل الأدبي. يذكّرني هذا بوضعية كتّاب أمريكا
اللاتينية، الذين قدّموا شهادات، بعبْقريّة في غالب الأحيان، عن واقع
مجتمعاتهم. مُتخيَّلهمْ تغذّيه ملاحظاتهم اليومية، وقد قيل إنّهم يبالغون
في ذلك، هذا صحيح، لأن الواقع هو الذي يبالغ، ولا يعمل الكاتب سوى على أنْ
يعكس جزْءا يسيرا جدّا من هذا الواقع. اقرؤوا خوانْ رولفو، الروائي
المكسيكي الذي لمْ يكتبْ سوى ثلاثة كتب. كتابه الرّائع هي رواية قصيرة
وحاسمة بعنوان «بيدرو بارامو» (غاليمار، ترجمة جديدة سنة 2006). لا وجود في
الرّواية لخطّ مباشر، لاتّجاه واحد، ولا لمستوى محدّد. فروحُ الفرد تستخفّ
بالواقع، والواقع يغدو أكثر إثارة ومفاجأة، أكثر إثارة للقلق من جميع
التخييلات التي يتخيلها الكاتب. فإثْر قراءة غارسيا ماركيز خوانْ رولفو كتب
روايته «مائة عام من العزلة»، هو نفسه يعترف بذلك.
فإذا اعتبرنا بأن الكاتب شاهد على عصره، وبأنه «ينقّبُ» داخل المجتمع
وطبقاته، وبأنه يقوم بعمل أركيولوجيّ بطريقته الخاصّة، فإنّ المغرب مَعينٌ
لا ينْضب. يكفي أن يتواجد فيه الكاتب ويتجوّل وينصت ويلاحظ. فالناس يصارعون
يوميا للحصول على وثيقة تسمح لهم بالعيش كمواطنين، ويصارعون من أجل الجمْع
بين الطرفيْن (لكن أيّ طرفيْن؟)، يختلقون المكائدَ والحِيَلَ من أجْل
العيْش، يصبحون ممثلين ومبدعين فقط من أجل التغلّب على الصعاب والمتاعب
التي تعترضُ سبيلهم. الإنسان المغربيّ لا يستسلم، بلْ إنه يتصرّف ويجري
ويسْعى إلى إنقاد شرفه وإنقاد حياته. أحيانا لا تكون الوسائل نظيفة، لكنه
على أية حال لنْ يسند ظهره إلى الحائط لمنعه، كما يقال، من أنْ يسقط عليه
ويدفنه. المغربيّ لا يستسلم لليأس ولفُقْدان الأمل. فحالاتُ الانتحار عندنا
نادرة، ولا تكاد تُذكر. ومعَ ذلك فاليأس موجود هنا، يحوم، يلاحق ويهدّد
الأشخاص الذين يعيشون في أوضاع هشّة لا تُطاق.
فأنْ تكون مغربيّا، معناه أن تنظر إلى البلاد من زاوية تطور متفاوت
باستمرار، تطور غير عادل، يغني المقاولين الشباب الحيويّين، الذين يتوفّرون
على العلاقات التي تلزم، ويفقر أولئك الذين يكدّون يوميا وبصورة دائمة. لا
بدّ أن يرى الكاتب كل هذا وينقله، يصوّره ويعبّر عنه بالتخييل، دافعا بذلك
القارئ إلى أنْ يحشر أنفه في أتّون حياة ملايين المغاربة الذين يعيشون تحت
عتبة الفقْر. لا بد من النظر من اجل التصرّف، التصرّف من أجل تغيير شيء
من هذه العادات التي تشبه نوْعا من العبودية المقنّعة بواسطة نزعة قّدّريّة
يرعاها هؤلاء الذين يستغلّون الفقر ويستفيدون منه. إنّ الكتابََ أو
الكتبَ، حتى إذا اعتبرناها كتبا جيّدة، لا يمكنها أن تغيّر من العادات
السيّئة لمواطنينا، هذا إنْ كان عندهم شعور بفضول القراءة، مثلا، والمناقشة
واتخاذ القرار بفعْل شيء ما. إنْ كانوا يشعرونَ بكونهم معنيّين بمصير شعْب
يعاني من الكثير من التفاوُتات. والحالُ أنّ هذا الخطاب قد اختفى عمليّا،
أو أنه يعمل بطريقة خفيّة مستترة، مغلّفا في طيّات خطاب آخر يتّخذ مظهرا
دينيّا.
من قبْلُ، لمْ يمض على هذا وقت طويل، حين كنّا طلبة، في الستينيّات، كنا
نشعر أننا معنيّون بقضايا الوطن، وبأنه لا يمكننا أنْ نغضّ الطّرْف عمّا
كان يجري حولنا. وبعد نهاية المرْحلة الثانوية، انخرطْنا في أعمال نضالية.
كانت المرحلة صعبة جدا وبدون رحمة بالنسبة للمعارضة. كنّا نرغب في مغْرب
عادل ويضمن العيْش الكريم، مغرب يُحترم فيه المواطن في جميع حقوقه وفي
أوضاعه الحياتية. كانوا يسمّوننا «شيوعيّين وماركسيّين». لمْ نكن كلنا
شيوعيين ولا ماركسيين، غير أننا كنا نحمل همّ الحلم بوطن عادل. كان خطابنا
خطابا علمانيّا، غيْر أننا لمْ نكنْ نظهره. لقد كان بإمكان المغرب أنْ ينجح
في انطلاقته الاقتصادية والثقافية والسياسية، لكنْ حدثَ أنْ عرف المغرب
انقلابيْن عسكرييْن (يوليوز 1971، غشت 1972). كان جيش الملك يستهدف جلد
الملك. فمنْ جهة، أفلتَ المغرب من ديكتاتورية عسكريّة من النّوع الفاشي على
طريقة صدّام حسيْن، ومن جهة أخرى سقط في نظام أمنيّ (حالة الاستثناء،
التحكّم، الاعتقالات، التعذيب، الاختفاءات الخ) يشبه كثيرا ما كانَ سيقوم
به العسكريّون لوْ نجحوا.
وبهذا الخصوص يمكنني أنْ أقدّم شهادتي لأنني عرفتُ شخصيّا ضبّاطَ صفّ
وضُبّاطا أخذهم كلّ من اعبابو وعقّا إلى الصخيرات من أجْل ارتكاب مجزرتهم
في 10 يوليوز 1971. هؤلاء هم الذين كلّفهم الجنرال أوفقير، سنة 1966،
باعتقال الطلبة في مختلف مقرّات «الاتحاد الوطني لطلبة المغرب»، وحجزهم
بثكنة الحاجب، وبعد ذلك بالمدرسة العسْكرية بأهرمومو التي انطلقَ منها
الضبّاط من أجْل تحقيق الانقلاب ضدّ الملك. لقدْ عرفنا هؤلاء العسْكريّين
حقّ المعرفة، فقدْ كانوا يحضّرونَ للإمْساك بزمام السّلطة بالقوّة،
ومعاملتنا يوميّا مُعاملة سيّئة. كنا على علْم بما يستعدّون له، وبما هم
قادرون عليْه. كانتْ لديْهم ثقافة بسيطة، كما كان تكوينهم في سياق روح
الجيش الفرنسيّ الكولونيالي، فضْلا عن تشبّعهم بنزْعة عنصرية عميقة بيْن
العرب والبرْبر، وخصوصا ضربهم عرْض الحائط أبْسط الحقوق الإنسانيّة. أذْكر
قبطانا، ينْحدر من مدينة القصْر الكبير (لا يتحدّث الإسبانية) قامَ بتمزيق
وصفة طبّية (فرنسية). قامَ بفحصي ثمّ وصف لي علاجا مستعجلا بسبب مشاكل
هضميّة كنت أشعر بها. قال لي: «هنا، أنتَ لستَ في حاجة إلى دواء؛ هنا نقاوم
فقط وإلاّ نموت». وبطبيعة الحال، لا مجالَ لإيجاد مخرج آخر. لقدْ بقيتُ
أعاني إلى أنْ فقدت الوعْي تقريبا، أخذوني إلى المستشفى العسكريّ بالرّباط
حيث قضيتُ شهْرا في تلقّي العلاج.
ما تعرّضنا له خلال 18 شهْرا (كنّا 94 طالبا) لمْ يكنْ يساوي شيئا بالقياس
إلى مُعاناة المعتقلين السياسيّين الذين حاولَ حاول النظام العسكريّ
والبوليسيّ كسْر شوْكتهم بكلّ الوسائل، من خلال تعْريضهم لكل أنواع العذاب
والتنكيل. إنّ 29.000 ملفّ، الذي عالجتءه «هيئة الإنصاف والمصالحة» بهدف
تنظيف المغرب من العار الذي خلّفته سنوات الرّصاص، بيّنتْ إلى أيّ درجة
أدّى بعْض المواطنين المغاربة التزامهمْ غاليا من أجْل مغرب عادل وحرّ
وديمقراطيّ.
هذا المغربُ لمْ يكنْ ليَحْسد الدّيكتاتوريات الوَحْشية والفاشية في كلّ من الأرْجنتين والشّيلي وبوليفيا.
وهذا المغربُ هو الذي صَنَعَه الحسن الثاني على هواه، الذي قرّر الانتقام
بعد أن رأى الموت أمام عينيْه مرّتان على يد أقرب المقرّبين منه. وبالتالي
لمْ يحقّق شيئا لهذا البلد. لقد قامَ بكلّ شيء من أجل ضمان الأمْن
والسّلامة له ولعائلته. أما الباقي، الشعب، الثلاثون مليون مواطن، فلا وجود
لهم بالنسبة له. لم يقم بأي مجهود في ميدان التربية (عند وفاته، كان
المغرب يحتل النسبة الأعلى من حيث الأمّيّة في العالم العربي، بنسبة أكثر
من 55?)، ولا في مجال الصحة، ولا في البنيات التحتية. أضفْ إلى هذا احتقار
دفين للمغربيّ مهما كان ومهما كان موطنه.
أروي كلّ هذه الأمور لكيْ أذكّر كيْف أنّ المواطن المغربيّ، الذي يعبّر عنه
الكاتب، «أفْسَدَتْهُ» ممارسات باتت شبه طبيعية: ابواب ونوافذ مُشرعة في
وجه الارتشاء على جميع الأصعدة؛ الإهانات التي صارت أمْرا عاديا؛ السرقة
والكذب اللذان أصبحا عملة مألوفة؛ والتسوّل والعطالة، بينما جرى قمْع كل
معارضة وكل مقاومة بوحشيّة. كل هذا يشكّل مادة خصبة للملاحظ الرّوائي أو
المؤرّخ.
وبصفتي روائيّا، فقد كتبت، سنة 1978، كتابا يرْوي عن هذه الفترة التي عرفت
قمعا متعدّد الأشكال. يتعلق الأمر برواية «موحى المجنون، موحى الحكيم»،
التي تبدأ بجلسة تعذيب، وتجري أحداثها في مغرب نزلتْ عليه اللعنة الملكية.
ووحده موحى المجنون يستطيع الصراخ في الشارع تعبيرا عن غضب الملايين من
مواطنيه. ذكرت هذا الكتاب لأنه كاد يتعرّض للمنع في المغرب، فقد ظلّ محبوسا
طيلة ثلاثة أشهر في مكتب المراقبة بالرباط، وخضتُ معركة من أجل إطْلاق
سراحه.
وبعد ما يربو على ثلاثين سنة، ما فتئتْ المشاكل العميقة قائمة. وبطبيعة
الحال، فقد جرت العديد من التغييرات في الاتّجاه الصحيح. إنّ مغربَ محمّد
السادس قامَ بالعديد الخطوات الإيجابيّة لا يمكن نكرانها. بدأ الناس
يعبّرون بحرية أكبر، وبدون خوف، فمن الأهمية بمكان التعبير بنوْع من
الحرّية على أعمدة الصّحافة، والمشاركة في التطوّر الجديد للبلاد، على
الرغم من أنّ الرّشوة ما تزال موجودة، وما تزال وباء من الصعب القضاء
عليه.وعلى الرغم من أن أشكال التفاوت الاجتماعي ما تزال كبيرة ولا تُحتمل،
إلاّ أن البلاد تتقدم، ونحن نرغب في أنْ تحقق هذا التقدّم بناء على
أخلاقيات ملزمة، وبخيال أقوى. غير أنّ المخْزن موْجود هنا، دائما، بعتاقته
وطُقوسه ومفارقاته. المخزن بدوره تلاءم مع الأوضاع. غير أن هناك العديد من
الأوراش ما زالت تنتظر، وبخاصّة في ميدان التربية، مع المشكل الشائك الذي
يرتبط به، وهو المشكل اللغويّ.
ربّما أشعر بنفسي أكثر حريّة من ذي قبل، غير أن مغربيّتي ما تزال
مُضطربة. البلاد تتقدم بنظام مشتّت، إذْ أن مجالات تعرف تقدّما جدّ متطوّر،
في حين أن مجالات أخرى تعيش في سبات كارثيّ. وهذا ما أعطى صورة متناقضة عن
المغرب، بحيث أنّ البعض يقول:»إنّ هناك عدة أشكال من المغرب». غير أنّ هذه
الرؤية تبرير، لقد أُصبنا بداء المصالح الخاصّة التي تحظى بالأولوية على
مصالح الوطن. بالأمْس، كنا نذهب إلى الخارج من متابعة الدراسة والعودة إلى
البلاد، أما اليوم، فإن الشباب، وليس العاطلون فقط، يحلمون بمغادرة البلاد
وبناء حياتهم هناك. إن الهجرة كانت دائما موجودة، منذ ما يربو على ستين
سنة، لكنها كانت تهمّ الشرائح الفقيرة والفلاحين وأهل البادية الذين كانت
فرنسا تاتي للبحث عنهم حتى في مداشرهم وقُراهم.
كلّما سافرت عبر العالم، أصادف مغاربة من بينهم شباب وصغار مع عائلاتهم أو
عازبين. لكن جلّهم يحمل في وجهه هذه الحمى الصغيرة، هذه الموسيقى الصغيرة
التي نسمّيها «نوسطالجيا». لكن ليس جميعهم، فالنساء في عمومهنّ يرتحْن
للعيش بعيدا عن المغرب، وسعيدات بالخصوص للعيش في مجتمعات تضمن لهنّ
حقوقهنّ. هناك الكثير مما يمكن أن يقال عن وضعية المرأة في بلادنا وعن
المدونة، لكن المشكل الكبير يبقى هو أن العقليات تجد صعوبات كبيرة في
التغيير
هل قُدّر لنا أن نحدّد ونعرّف أنفسنا من خلال الآخرين؟ لماذا نعبّر عن
حاجتنا للنظر إلى الخارج كما لو أننا نفقد الثقة في أنفسنا؟ هذا هو السؤال
الذي طرحه عبد الله العروي سنة 1967 في كتابه «الإيديولوجيا العربية
المعاصرة» لقد أثّر فيّ هذا الكتاب كثيرا، وما يزال يثيرني بعد أربعين سنة.
ربّما لأنّ القضايا التي طرحها هذا المؤرّخ لم تأخذها الأجيال اللاحقة
بعين الاعتبار.
فأن تكون مغربيا، معناه أن تنخرط في تاريخ. لكنْ ليس هذا فحسب، ينبغي كذلك
أن تضع أسس هوية متعددة وتغدو هذه الهوية نفسها. هو أن نعي بأننا بلاد صغير
يعتبره الملاحظون المتبصّرون «بلدا ناميا». كمْ ستدوم هذه الصفة؟ وإلى اين
سنصل بها؟
حين أشرتُ، في بداية هذا النّصّ، إلى مفهوم «النّخوة»، كنت أفكّر في تنبيه
مواطنيّ إلى صورة المغرب والمغربيّ التي تراجعتْ خلال الثلاثين سنة
الماضية. وتلعب الطريقة التي تمّ بها تدبير ملف الصحراء دورا كبيرا في هذا
التراجع. ورغم قضيّتنا العادلة والمشروعة، فقدْ نجحنا في إعطاء صورة عنا،
في نظر العديد من البلدان، باعتبارنا دوْلة محتلّة واستعمارية. هناك الكثير
مما يمكن قوله وتحليله، وكذا إبراز مسؤوليات أولئك الذين تكلّفوا بالدفاع
عن هذا الملفّ. من بين هؤلاء عدد من الكفاءات بطبيعة الحال، غير أنّ
المخزن، مرّة أخرى، يوجد وراء ذلك، ويحول دون أيّة مبادرة من شأنها توضيح
الموقف المغربيّ.
الهجرةُ السّرّيةُ هي أيضا واحدة من بيْن المصادر التي تشوّه هذه الصّورة
في العالم. وهنا أيضا يكفي ذكْر خبر بعض المهاجرين السريين المغاربة،
الذينَ يعثرون عليهم، في قارب منْجرف بصورة مأساوية، حتى تجريَ عملية
التعميم التي تكرّسها ظاهرة تكرار الحالة. وأوّلُ من يعاني من تشويه هذه
الصورة هو ذلك المهاجر الشرْعي والقانوني الذي يعيش منذ زَمَن طويل في
أوربا، وذلك لكوْن الرأي العام لا يميّز هؤلاء وهؤلاء
إنّ اغتيال المخرج الهولندي المثير، تيو فانْ غوغ، على يد شاب هولندي
إسلاميّ من أصل مغربيّ، كان له وقع مدمّر على الجالية المغربية المُقيمة
بهولندا منذ عقود خلتْ، والتي لم تكنْ السلطات ولا المواطنون يشتكون منهم.
وبالتالي فإنّ كلّ سياسة الهجرة والإدْماج تمّت مراجعتها، كما تمّ التشديد
في الإجراءات والقوانين. ثمّ إنّ مقتل القبطان الأفغانيّ مسعود، قبيْل
أحداث 11 شتنبر 2001، من طرف طالبيْن مغاربييْن يعيشان ببلجيكا كان من
نتيجته الخلْط بين الهجْرة المغاربيّة والإسْلام والإرْهاب. الأمثلة كثيرة،
وتختلف من بلد لآخر. فقد وجد الإسلام الظلاميّ في صفوف الشباب المنحدر من
الهجرة المغاربيّة فريسة سهلة وقابلة للتوظيف والاستعمال.
لقد أمسى الجواز المغربيّ، الذي كان محطّ تقدير في الماضي (لمْ نكنْ نحتاج
إلى تأشيرة للدخول إلى العديد من البُلدان) محطّ شكّ وريبة بعد السطو على
قنصلية المغرب ببيروت من طرف ميليشيات جابتْ أرْجاء العالم بجوازات مغربية
مزوّرة بهدف القيام بأعمال عدائية وتخريبيّة.
فأنْ يكون المرْء مغربيا، ذلك يندرج في هذه اللوحة التي تشوّه فيها المغرب
وصورته. فما الذي ينبغي القيامُ به اليوم من أجْل تنظيف البيْت-المغرب؟
يتعيّن البدْء، أوّلا، بجرْعة كبيرة من النّقْد الذاتي، وتحديد العوامل
التي أفْضتْ إلى هذه الصورة السّيّئة. كما يجب الانتهاء من نظام: «
دعوة-بسطيلة-دجاج بالحامض المخلّل-خروف بالبرقوق واللوز»، وكذا الضجيج
المُقام حوْل العبارة الشهيرة: «الضيافة المغربيّة». صحيح أنّ المغربيّ
كريم ومضياف، لكنْ لا ينبغي أنْ نبالغ في ذلك، لأنه غالبا ما ينظر إلى
مصالحه المباشرة. من هنا ضرورة الانتقال إلى التعامُل الجدّيّ. الأمور هنا
في غاية البساطة، ولكن في غاية الصعوبة أيضا: ذلك أنه لا يمكننا أنْ نصبح
جدّيّين خلال أربع وعشرين ساعة. المسألة مسألة ثقافة وبيداغوجيا يومية.
والجدية هي الكفيلة هنا بحلّ المشاكل. كان يدرّسنا أستاذ جزائري، رحمه
الله، ويردّد على مسامعنا الجملة التالية:»هناك جمْلة ينبغي أنْ تزول من
قاموسكم، وهي :»اقْضِ حاجة!». ففي اليوم الذي لنْ يقبل فيه المغربيّ العمل
وفق قاعدة: «اقض حاجة»، آنذاكَ سوف يتقدّم المغرب!»


ترجمة مصطفى النحال

< عن » Comment peut-on être Marocain ?, édité âr Abdesselam Cheddadi, Maison des arts , des Sciences et des Lettres
.



10/5/2013


الاتحاد الاشتراكي / الملحق الثقافي

عبدالله
عبدالله

ذكر عدد الرسائل : 1760
العمر : 49
تاريخ التسجيل : 26/06/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى