صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

الرغبة في القتل / فاطمة الزهراء الرغيوي

اذهب الى الأسفل

الرغبة في القتل / فاطمة الزهراء الرغيوي Empty الرغبة في القتل / فاطمة الزهراء الرغيوي

مُساهمة من طرف عبدالله في الثلاثاء 19 مايو 2015 - 20:28

ننظر إلى بعضنا بريبة. الآن لا رغبة لي في القتل. الآن لا رغبة له في الهروب. أنا أستعد للخروج بعد قليل. سأسرق لحظة متعة. في الحضن الغريب سأمحو الضجر الذي أصابني بالتجاعيد وبالخوف من الموت وبذلك الإصرار على القتل.
- أمي أنا خارجة.
- انتظري...
أمسح باقي الماء، أرفع تباني بسرعة. عندما أخرج تكون ابنتي قد أغلقت باب البيت وراءها. هي مسرعة دائما، تريد أن تصل إلى مكان ما. حاولت مرات أن أخبرها ألا مكان نصل إليه. نحن نمشي في متاهة لا متناهية. لماذا تسرعين -ووحده الموتُ، بعيدا في الأمام، أدعو الله- أمامكِ؟
أريد أن أتجمل. أدخل غرفة ابنتي. أبحث في علبة ماكياجها. وأمام مرآتها، أجلس على الكرسي. لم يعد وضع الماكياج أمرا ممتعا. ابنتي تضعه لتبرز جمالها، لتزيده نضارة. ليقال لها:
- أنت لا تحتاجين ماكياجا...
أنا أضعه لأخفي الضجر الذي سكن في جلدي حتى ترهل وشاخ. ثلاثون عاما وأنا أقترف الزواج كخطيئة. منذ الصباح الأول وأول الزغاريد المهللة بالحياة الجديدة. حياة مملة. نظرت إلى وجه زوجي الطيب واكتأبت. سأقضي باقي العمر معه !  حملت ثلاث مرات. ابنتي كانت الكبرى. تشبهني، يقولون. تشبهني... أنظر إليها فلا أجدني. تَنظُر إليّ ولا ترى نفسها. أكمل وضع الماكياج بلمسة أحمر خفيف على الشفتين. أعرف أن ابنتي ذهبت لتقابل خطيبها. قد تأتي باكية مثلما فعلت قبل أسبوع.
- اتركيه.
- أمي، عمري سبع وعشرون سنة. من سيتزوجني؟
- هناك رجال كثر، أنت أجمل منه وأذكى. أنت تعملين، لماذا تتزوجين؟
- أمي...
لا نتفق. هي تريد السجن. أنا أريد المتعة. ثلاثون عاما، أنظف البيت، أطبخ، أفتح جسدي بنفس الطريقة لذات الرجل في ذات السرير. زوجي الطيب... قال لي صباحا وهو يستعد للسفر إلى الجنوب:
- هل تحتاجين شيئا؟
كنتُ أعد المال الذي وضعه في يدي. لم أعد القُبلات على وجهي. كان قد نسي أن يُقبّلني مودعا.
- أجلب تمرا جيدا.
قلت ذلك بحكم العادة. هو سيجلب تمرا وحنة وربما قليلا من الزعفران بحكم العادة أيضا.
- لا تسمحي للولدين أن يعودا متأخرين مساء، قال وغادر البيت.
بحكم العادة، أقفلت الباب وراءه وذهبت إلى شرفة المطبخ لأراه يركب سيارته وينطلق بعد أن يرسل تحيته في الهواء... ثم وقد وصل بي الضجر قصيا، قررتُ أن أغير عادتي.
جلست على مقعد الحمام، أسمع صوت الماء الذي أفرغه. قلت لزوجي قبل أسبوعين، إن زليج البيت في حاجة للتغيير. هناك حشرات تسكن في فراغاته.
- سنغيره في إجازتي القادمة...
ها أنا أعرف برنامج الإجازة القادم. لن يكون عاديا. لن نذهب إلى نفس البحر مع نفس الأصدقاء. لن يجلس مع الرجال على طاولة مجاورة لطاولة نجلس عليها نحن زوجاتهم في نفس المقهى، لنتحدث عن أطفالنا الذين صاروا شبابا والذين نفتقد حاجتهم إلينا.
أغطي شعري بمنديل يناسب باقي ملابسي. وضعت الحجاب لأشبه صديقاتي. أقصد زوجات أصدقاء زوجي. لن أنظف اليوم. لن أقتل. لن أطبخ .
لا أعرف هذا الجزء من المدينة. سائق سيارة الأجرة، يخبرني أن الطقس جميل وأن الزحام أمر عادي. أريد هذا الزحام، لأنصهر بين الجموع. لا أحب الزحام عادة، عندما أذهب للتسوق أو لأقص شعري أو لأهنئ قريبة بمولودها الجديد. أنا أسمع الصمت جيدا وأستمتع عادة به. في البيت، أشعر بخلل مكابس الكهرباء وأنابيب الماء، والنوافذ والأبواب، وساكنيه؛ المزاج المعكر لزوجي، السيجارة الثانية لابننا الأول، الحِلْمُ القلق لأخيه وكل نزلات البرد والهرمونات لابنتي.
في هذا الجزء من المدينة، ذات الهواء الثقيل، وذات الأرصفة المكتئبة. أنزل من سيارة الأجرة وألج العمارة كأنني أزور ساكنيها دائما. لا مجال للتردد الآن وعيون الناس المتوثبة للحظة هروب من الضجر، تبحث عن فضيحة. ليس الطابق الأول. ليس الطابق الثاني. أقف أمام الباب رقم خمسة. أنا وزوجي وأطفالنا الثلاثة، خمسة، أفكر قليلا ثم أرمي الفكرة فتنزلق بعيدا على الدرج بينما أطرق الباب طرقتين. أنا والمتعة، اثنين لا غير.
قال زوجي لنشتري حاسوبا. الأولاد كبروا وسيحتاجونه. كان قد ضمني كعادته، وعندما استعاد أنفاسه، استدار ناحيتي فعلمت أن فكرة ما قد طرقت بباله. أنا فكرت بالغبار الذي سينزل على شاشته ولوحة مفاتيحه، كيف أمسحه؟
- ربما لسنا في حاجة إليه بعد...
- بلى. ستكون مفاجأة جيدة لهم.
في البداية كنت أمسح الغبار برفق عن الحاسوب. كل يوم كنت أهز الريش حوله حتى أتأكد أنه نظيف تماما. ثم لاحظت آثار الأصابع على الشاشة، فمسحتها بثوب مبلل. ثم أكل أحدهم بسكويتا وهو جالس أمام الحاسوب، فنفضت لوحة المفاتيح، قلبتها وضربتها ضربات خفيفة حتى وقعت قطع البسكويت صغيرة على الطاولة. كان زوجي قد راودته فكرة إدخال خط أنترنت منذ بعض الوقت، عندما أرتني ابنتي صور صديقاتها على شاشته. ثم علمتني طريقة استعماله. زرت دولا كثيرة وأنا جالسة على الكرسي في الممر المؤدي إلى غرف الأطفال حيث طاولة الحاسوب. ثم سئمت...
السجن هو هذا الفائض من الحب: أبي الذي وافق على زواجي المبكر. أمي التي جعلت عرسي أكبر عرس شهده الحي. زوجي الذي لم يتذمر لأنه سيستيقظ كل صباح ليراني. أطفالي الذين يكبرون سريعا ليخففوا عني ثقل رعايتهم.
المتعة هي الرقص على الجمر المشتعل: فُتِحَ الباب على عجل وامتدت يد قوية لتجرني إلى الداخل ثم أغلقت الباب، وقال صوت خافت:
- أهلا بك.
هذا البيت نظيف جدا، فكرت. لم تعجبني ألوانه؛ الأخضر الزيتي وأزرق البحر، وهنا وهناك بعض الأبيض كأنه غيوم تائهة. استدرتُ إليه...
في المساء قالت ابنتي إن خطيبها قد وافق على ما طلبته منه بخصوص أثاث البيت، ثم توقفت عن الكلام وهي تتطلع إلى وجهي:
- كم أنت جميلة بالماكياج يا أمي !
رفع الولدان عينينهما عن طعامهما ونظرا مبتسمين إلي.
- أنت أجمل الأمهات، قال فتاي القلق دائما.
- كنتُ ضجرة، فقلتُ لأجرب...
عندما دخلت إلى الحمام ذاك المساء، كان الصرصار ما يزال ساكنا في نفس الركن إلى جانب مغسلة القدمين. وقد كنت قد استرجعتُ الرغبة في القتل.
الملحق الثقافي
الاتحاد الثقافي
08-5-2015
عبدالله
عبدالله

ذكر عدد الرسائل : 1760
العمر : 49
تاريخ التسجيل : 26/06/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى