صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.
صدى الزواقين Echo de Zouakine
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

العُبورُ إلى الماءِ .. بعدَ العَقدَين / مصطفى الشليح

اذهب الى الأسفل

العُبورُ إلى الماءِ .. بعدَ العَقدَين / مصطفى الشليح Empty العُبورُ إلى الماءِ .. بعدَ العَقدَين / مصطفى الشليح

مُساهمة من طرف عبدالله في الثلاثاء 2 يونيو 2015 - 21:57

كانَ البَحثُ سِفارًا في المركزيَّةِ الثَّقافيَّةِ لسلا وما تهيَّأ له أن يبحثَ عنها. لعلَّ للتاريخ بتوثيقه وتحقيقه خبرًا عنها منذ الحُدوثِ الأول وغِبَّ تجديدِ الحُدوثِ في القرن الخامس للهجرة كما توافقَ عليه مؤرخو إقامتِها مِصرًا مع بني عشرة .
لم يُلفِ الباحثُ ما يُغنيه عن سفارٍ ثقافيٍّ ثانٍ في مَعرفةِ الثَّقافةِ الوطنيَّةِ في سلا. ألفى ما يعنيه الذَّهابُ إلى الماءِ بحثًا عنْ صورةٍ أصاخ إليها سمعًا وما انتهتْ إليه طوعًا. الماءُ الرَّقراقُ وأسوارُ سلا تَضَادٌّ أليفٌ. أنْ تقفَ على السُّور كيْ تشهدَ لانهايةَ الرَّقراق، مِنْ هنا إلى هُناكَ لا يفيدُ أنَّكَ نَعمتَ بالإقامةِ هناكَ. شيءٌ ما يجذبكَ إلى شُرفةٍ طينيَّةٍ تأخذُ منها موقعكَ لتتأملَ خطى من عبروا. العابرون إلى الماء لم يمروا إلا نزرًا يسيرا، والحائرون بين الحصَى والماءِ مرُّوا إلى هنا من هنا. الحصَى لم يكن ناطقاً، لكنَّه أخبرنا أنَّ زبدَ الرَّقراق كانَ يتَّسعُ رذاذا ليبلِّلَ شمسًا لا تريدُ أنْ تجيءَ إلى المعنى. كانَ الرَّقراقُ يدًا، من وراء حجابٍ، تَسري، في الهزيع الأول من اللَّيل، لتختلسَ قنديلا من سُدفةٍ تتنادى موجا إلى موج ليعمَّ الاكتفاءُ بما يُسعفُ في تَعتيم الرُّؤيةِ قبلَ العِشاءين.
ألفى الباحثُ الذَّوات تتصادى دون أن تحدِّدَ موقعًا. مُغامرةٌ أولى وما في اليدِ إلا إلمامٌ نَصِّيٌّ يَسيرٌ بما كَتبَ السَّلويُّون. مُغامرةٌ ثانيةٌ باقتراحِه درسًا أكاديميًا وقد انتهَى إليه من الموقع ما لا يَعدو إشاراتٍ تكادُ تكونُ مُعَمَّاةً ومُلَغَّزَةً. مُغامرةٌ ثالثةٌ بعَدم تحديدِ نَوعيَّةِ المقاربَةِ القِرائيَّةِ التي يُؤتى بها في النَّظر. مُغامرةٌ رابعةٌ بِتحيُّزِ مكانٍ، في ناصيةٍ ثانيةٍ من الاحتفال، تَنتسبُ إلى التَّاريخ وما يجاورُه من علوم. مُغامرةٌ خامِسةٌ بالإقامةِ، قليلا، في حمى المخطوط وحُمَّاه لالتقاطِ ما يؤلفُ مَتنًا. مُغامرةٌ سادسةٌ بالوقوفِ على ما ألَّفَ علماءُ سلا في العلوم الدِّينيةِ وما لصَاحبِنا دُربَةٌ بما اشتملتْ عليه. مُغامرةٌ سابعةٌ لعلَّها كانتِ الأشقَّ سبيلا بالاعتكافِ في حَضرةِ الإعلام المغربيِّ، جَرائدَ ومجلاتٍ، يَفتحصُها سعيًا إلى اقتناص كلِّ ما يتَّصلُ بسلا. مُغامَراتٌ سبعٌ صعدَ إليها الباحثُ، وما كان القائلون بأدبِ سلا قد أمدُّوه بما يرفعُه جسرًا حتى يَعبرَ إلى الماءِ.
كَانَ صَاحِبي ذا نُزوعٍ إلى قِراءةِ ما يلهجُ به الأدَبُ العَربيُّ المُعاصِرُ، ولعلَّه كَانَ يفزعُ إلى ما تكونُ به مسحةٌ من الحداثةِ، وكَانَ مأخوذًا بما قد يكونُ له سببًا إلى البدءِ في تحرِّي موقع ذاتِه من الوجود، وإلى كتابةِ قَصيدتِه الأولى. كَانَ يَتحيَّنُ انتباهَه شاعرًا.
بذا كَانَ صَاحِبي أشدَّ ما يكونُ حِرصًا على عَدم تَركِ ما يَقرأ يأخذُه إلى وجهَةٍ لم يَستَشعرهَا مَلمحًا ولا مَطمحًا. هِيَ المُغامرةُ الثَّامنةُ إذنْ. هلْ قَويَ مَتنُ صَاحِبي فبذَّ ما درسَ وكَانَ بمنجاةٍ من أثره ؟ واهمٌ أنتَ يا صَاحِبي إذا قلتَ إنَّكَ لم تخضْ شدًّا وجَذبًا معَ المقروءِ الذي ما كنتَ تَعرفُه والذي لا يَتطابقُ معَ ما تَعرفُ. حَدِّثْني كَيفَ عَبرتَ منْ كِتابٍ أدُونيسيٍّ / سَيَّابيٍّ / بَياتيٍّ / دَرويشيٍّ إلى كِتابٍ رأيتَ به التَّقليد أناخ بِكَلكَلِه حتى لا مَناصَّ منْ نِسيانِ ما كنتَ قرأتَ. هلْ كَتبتَ محوًا مُضادًّا وأنتَ تغوصُ في كَنانيشَ تَرسُّليَّةٍ للشَّنتوفيِّ ؟ هلْ أتيتَ نحوًا ثانيًا وأنتَ جَالسٌ إلى مَولديَّاتٍ سَلويَّةٍ صانها النَّقيبُ عبد الرحمن بنُ زيدان من الاندِثار في "اليُمن الوافر .. " ؟ كنتَ تَقترفُ المُغامرةَ التَّاسِعةَ لتجدَ أنَّكَ في مَنزلةٍ بينَ المنزلتَين؛ حَتىَّ تواترَ وُرودُ " المابين " في الذي زعمتَ أنَّكَ كَتبتَه شعرًا. ولأنَّ المُعلَّقاتِ عَشرٌ فلا بُدَّ منْ مُغامرةٍ أخيرةٍ. أوَ أنتَ ذاكرٌ لها أمْ آتي إليكَ بما يكونُ تَذكرةً ؟ أنتَ، يا صَاح، آثرتَ أن تنظرَ في المتنِ الثَّقافيِّ بسلا بحيَادٍ لم يخلُ منْ تَذويتٍ صَادفًا عنْ طريقَتِكَ في الكتابةِ وكَأنَّكَ تجزَّأتَ ذاتين كَاتبِتَين. سَوفَ تقولُ لي إنَّ الذَّاتَ جماعُ ذواتٍ. هذه مَسألةٌ لا نَقربُها الآن. ألا أدرَكتَني ببيانٍ عن استوائِكِ ذاتًا كَاتِبةً واحِدةً عندما استَبقتَ "في بَلاغةِ القَصيدَةِ المغربيَّةِ" إليكَ، وكَأنما تَكفيرٌ يَقتفِي خَطوكَ عن الذي عَطفتَ عليه هنا ؟ هيَ مُغامرةٌ عَاشرةٌ.
قَرأتُ كتابَ سلا فكنتُ إلى النَّثر أقربَ أنا الذَّاهِبُ في الشِّعر إليَّ. غُصتُ في قَصيدةِ سلا فَتلقَّفَني الطيِّبان عوَّاد وابنُ خَضراءَ. آنستُ نورًا فاتَّكأتُ على ظلِّ قافيةٍ لهما لأستريحَ منْ وَعثاءِ مُكوثٍ "قَسْريٍّ" في مَسكنٍ ما أنا بالمُطمئِنِّ إليه. وقيلَ لي: لوْ أنَّكَ قرأتَ عبدَ الرحمن حَجِّي لانتَشيتَ. كلُّ ذا والحاج عبدُ الله الصبيحي، تَغمَّدَه الله برحمتِه الواسعَةِ، يَتجَوَّلُ بي، في حَافظتِه، بما يُسعِفُ من شعر الرَّجل باسمَ الثَّغر مُهلَّلَ المحيَّا. أقولُ له: لَكِنَّني لم أقفْ إلا على نُتَفٍ منْ قَصائدِه فكَيفَ لي مُقاربتُه نقدًا ؟ يَقولُ لي أمرًا يَشوبُه تحفُّظُ الأبناءِ منْ نَشر الدِّيوان لاحتِوائِه مَواقفَ سِياسيَّةً. يَصدُرُ الدِّيوانُ، بعدَ أربع سنواتٍ منْ مُناقشةِ الرِّسالةِ. يجدُني مُستَوفزًا. أفتَحصُه حالا لكَونِه جُزءًا منْ مَتن عملٍ تالٍ. رَضيتُ من الغنيمةِ بالإيابِ كَمَا حَدثَ لي معَ الدِّيوانِ المَخطوطِ لشاعرِ الحَمراءِ: محمَّد بن إبراهيم "روضِ الزَّيتُون"، الذي أسْطرَه الشَّفهيُّ، وعندَ المجالسَةِ القِرائيَّةِ تَبيَّنَ أنه ذو مَنزلَةٍ وُسطى في كِتابةِ الشِّعر بينَ قَرضٍ واقتِراضٍ.
كَيفَ أقرأ قَصيدةَ سلا وما رأيتُ بها عَلاماتٍ إلا الطَّيبيْن عَواد وابنَ خضراءَ وعبدَ الرحمن حَجِّي ومحمد النَّاصِرِّيَّ في جُملةٍ من قَصائده ؟ وما العملُ بما قرأتُ شعرًا في دَواوين المتَقدِّمين والمتَأخِّرين ؟ لعلَّكَ نَزعتَ عنْ ذاتِكَ ذاتها. قلتَ: ليكنْ في ضوءِ النَّسقِ الثَّقافيِّ للمَرحلةِ. لكنْ ما نسقُها الثَّقافيُّ؟ لعلَّه مُركَّبٌ منْ مُثَلَّتٍ غَيرِ ذي استقرارٍ تَتحوَّلُ أضلاعُه عنْ أماكنِها لتَحدُثَ زَحلقةٌ منَ السَّائِدِ إلى المَسودِ. قلتُ: أقرأ المشهدَ رُمَّتَه في ضَوءِ المَعرفَةِ – المُؤسَّسةِ – السُّلطَةِ فانبنتْ أجزاءُ المُقاربَةِ القِرائيَّةِ على هذه المُكونَاتِ الثَّلاثةِ مَكنِيَّةً في إخراجِها الأوَّل وصَريحةً في إخراجِها الرَّاهِن.
كَانتْ قَصيدةُ سلا تجدُ مُستقَرًّا في المحافَظةِ على النِّظام المألوفِ في كِتابَةِ الشِّعر مُنذُ ابتَدأ المغربُ يَقولُ شعرًا؛ مُنذُ ابن زنبَاع / ابن بيَّاع إلى ما صَدرَ عن الزَّوايا، فما وَقرَ في صدر المجالس منْ مَدحياتٍ تَوزَّعتْ بَينَ الدِّينيِّ والسِّياسِيِّ. قيلَ لي إنَّ الشَّنتُوفيَّ كَانَ ذا إهابٍ أندَلسيٍّ، كَما لا يَفتأ قومٌ يَذهبُون إلى مُسحةٍ أندَلسيَّةٍ تُلِمُّ إلمامًا بقَصيدةٍ مَغربيَّةٍ، والحقُّ أنَّه إلمامٌ شَكلانيٌّ يَكادُ يَعصفُ به لممُ اتِّباع ومُعارضةٍ بما يَفصلُ الأندلسيَّ من القول عنْ جَوهره
مُستبقيًا قالبَه لإفراغ القول فيه منْ حيثُ هو شكلٌ مُغلقٌ.
ليسَ الشِّعرُ واجِبًا يَومِيًّا في قَصيدةِ سلا، وما كَانَ جُلُّ شُعراءِ المغربِ آبهًا به شَأنًا يَومِيًّا، وإنْ في " تِلميذيَّاتِ" المُختارِ السُّوسيِّ، بلْ ولا كَانَ يَنشدُه إلا إذا سَنحَ أمرٌ أوْ أذِنتْ مُناسبةٌ أو استَدعتْه غايةٌ أوْ أهَلَّتْ به فُسحَةُ استِرواح رَوَّجَتْ لها إخوانياتٌ قيلتْ في الذي يُشبِه الارتجالَ، وإنْ كُنَّا نَرتابُ أنَّ الشَّاعرَ المَغربيَّ لزمَه هذا الاقتِدارُ في الشِّعر الذي لا يُؤتاه إلا المُقيمُون فيه وإلا مُتخذوه شَأنًا تَعبيريًّا في المَعيش اليَوميِّ، وإلا رائضُوه مِراسًا واخْتِلاسًا منْ
أويْقَاتِ النَّار في حَديثِها إلى الماءِ. وسلا رَقراقٌ إلا أنَّ به حُبسَةَ أسْوارٍ تحجُبُ الرَّائيَّ إليه من السُّقوط إلى الشَّمسِ رحيلا في الكَلام. لَعلَّه رَقراقٌ بجلبَابٍ منْ زَبدِ، أوْ لَعلَّه شَيخٌ تَعَمَّمَ مَوجَه فانفَرطتْ سُبحتُه حبَّاتٍ من زَبدٍ يَشربها ذاكَ الرَّملُ الذي يحَدِّقُ في الأسوار سَاحبًا عينيه إلى صَومعةِ المَسجدِ الأعظم مُتَرقِّبًا إشَاراتٍ عنْ طَرائِق صَوغ الكَلام. هلْ أكتبُ شعرًا ؟ ولم لا والرَّقراقُ أقعدَه الطِّينُ في الأسوار حِقَبًا عن الثَّرثَرةِ إلى الغَيم بمنأى عن المُؤسَّسَةِ وإلزامَاتها
التي تُؤخَذُ كَرهًا ؟ ثَرثَرةُ الشَّاعرِ رَقراقٌ، هُنا وهُناكَ، لَكِنَّ الشَّاعرَ، في سلا، كَانَ مُنضبطًا ذا زنَةٍ لغَويَّةٍ تتأبَّى على هَذيَان مَنْ يُوقفُ اللَّيلَ ليَخرجَ، كَمَا القمرُ العَالي، إلى الماءِ يَتفقَّدُ ظلا له لمَّا يؤبْ، بعدُ، إلى ضَلالِه الشِّعريِّ، ويَعقدْ للنَّجْم تاجًا من المعنى ليفرَّ به إلى السَّماءِ سائلا بَقيَّةً منْ كَلام تَسلَّلتْ، بَغتةً، منْ مُعجَمِه، الباحثِ عن مُعجَمِه، والمقالُ لمَّا يَبلُغْ مَقطعَه. مَطلَعُه في يدِه يَشرئِبُّ إلى فَضاءِ الهَشَاشَةِ والرَّهَافَةِ.
لمْ تَكنْ قَصيدةُ سلا ذاتَ هَشَاشَةٍ. كَانَ المتنُ منهَا ذا جَسَاوَةٍ تَشَرَّبَه الغَرضُ إذا يُفرَغُ فيه ويحوطُه من الجُعودَةِ ما صَرفَ سَباطةً قالَ بها حازمٌ القَرطاجنيُّ قديمًا. تَغريضُ القَصيدَةِ تَسِمُه المؤسَّسَةُ. مَأسَسَةُ القَول الشِّعريِّ انهيارُ شِعريتِه وابتدَاءُ تَرميم الجُملةِ زنةً حَتىَّ تَنتهي نظمًا. تِلكَ الهَشَاشَةُ المومأ، إليها أعلاه، ماءُ الذَّاتِ في انسرابِه، رَفرَفةً، في جَسدِ النَّصِّ منْ حَيثُ ينتفي الدَّالُّ الوافدُ ليَختفِي الدَّالُّ الرَّاصدُ في انعطَافةِ مِرآةٍ يَدخُلُ الشَّاعرُ مِرآتها ليتَحوَّلَ إلى لُغَةٍ تَكتُبُ يَديه بعلوم آلةٍ تُنْتِجُ بَلاغةً جَديدةً، في عُنفوانها، لا تَدينُ، في تخلُّقِها، إلا إلى احتمَال بناءِ تَركيبٍ مختلفٍ يَكونُ إيقاعُ الذَّاتِ اختلافًا به إلى القَصيدَةِ واجبًا يوميًّا وشأنًا شِعريًّا أبدِيًّا. وما كَانتْ قَصيدَةُ سلا هَشَّةً حَدَّ الدَّهْشَةِ.
كَيفَ للقَصيدَةِ رَهافتُها وقَدْ حُدِّدَ لها إطارٌ، وقَدْ وُجِدَ له مَسارٌ، وقَدْ عُقِدَ لها أفقٌ وهمَّتْ به طرقٌ ؟ رَهافةُ القَصيدَةِ منْ هَيبتِها. هَلْ كَانتِ القَصيدَةُ مَهيبةً في سلا ؟ وهَلْ كَانَ الشَّاعِرُ شَاعِرًا في المغربِ بِعامَّةٍ ؟ مَنْ كَانَ يَلتفِتُ إلى الشِّعر ؟ ولمنْ كَانَ هذا الشِّعرُ يَسيرُ إذا اقترفَ زنةً وتَقفيةً ؟ وإذا سارَ كَيفَ تَلقِّيه منْ قِبلِ الخَاصَّةِ قبلَ العَامَّةِ ؟ يَكشِفُ الاقترابُ من "نَقدِ الشِّعرِ" في الثَّلاثينيَّاتِ عنْ شَكلِ التلقِّي الذي إذا نأى عنْ مُلاحقَةٍ لُغَويَّةٍ انتهَى في مُراقَبةٍ أخْلاقيَّةٍ للمَقولِ الشِّعريِّ. مجلَّتا "المغرب" و"رسالة المغرب" واجِهتَان لذلكَ التلقِّي، والإعلامُ الثَّقافيُّ، في سلا، يمكنُ اتخاذُه نموذجًا؛ علمًا أنَّ الاحتفالَ بنَقدِ القَصيدَةِ كَانَ، مُتابعًا لها، في مَوسمِيتِّها المُتلفِّعةِ بالغَرضيَّةِ المنَاسبَتيَّةِ. هَلِ المُناسبةُ إرباكٌ للقَولِ الشِّعريِّ ؟ يَذهَبُ بَعضُ البَاحثين إلى إمْكَانيَةِ ذلكَ. لسنَا ذاهِبينَ، مَعه، إلى تَعقُّبِ تِلكَ الإمْكَانيَةِ لتَفسيرِ تَلكُّؤ القَصيدَةِ عن الانتهَاءِ شِعرًا. يَتَّصِلُ الأمرُ بما يلي: مَنْ كَانَ يَقولُ الشِّعرَ وقتئذٍ ؟ لمْ نسألْ: مَنْ كَانَ يَكتُبُ الشِّعرَ لحظتئذٍ ؟ كَانَ ما يَردُ نظمًا مَبنيًّا على الشَّفهيِّ ومؤسَّسًا على الخطْبيِّ / الخطابيِّ، ولذلكَ طابَ له الثَّواء في مَسكَن الآخَر الشِّعريِّ، ولَذَّ له الاكتفاءُ بما لا يُسألُ عنه، وإذا سُئِلَ كَانَ ابتدَارُه قولا: مَا كَانَ آباؤنا في ضِلَّةٍ يَعمهون إذا همْ قَائلونَ شِعرًا. كَانَ يحسبُ المقولَ شعرًا، ولا لومَ ولا تثريبَ فما انتهَى إليه، طيًّا ونشرًا، خلدَ به إلى استِحضَار بنيَةٍ تَناظُريةٍ، تَعدِلُ عن الخطِّيِّ إلى الدَّوريِّ، وتَبذلُ شَكلا إذا أنشِدَ كَانَ به
طقسٌ احتفَاليٌّ يُقرِّبُه من المُقدَّسِ فيقرُّ به إذا كانتِ المُناسبةُ دينيَّةً وإنْ وطنيَّةً فلا فَصلَ لأنها مَوصولةٌ بالدِّينيِّ حُسنَ تخلُّصٍ في السُّلطانياتِ. شَكلٌ مَبذولٌ ذو صِفَةٍ مُحددَّةٍ مُسبقًا والشَّاعِرُ الحقُّ، في العُرفِ الثَّقافيِّ وقتئذٍ، مَنْ يحسُنُ وقفةً لتفريع الصِّفَةِ إلى أخيَّاتٍ لها في المنسُوج ثوبًا نظميًا.
هلْ قَصيدَةُ سلا ذاتُ قَرابَةٍ بالشِّعرِ المَغربيِّ أوْ أنها منه مَائزةٌ عنه ؟ سُؤالٌ يُفضِي الابتدارُ به إلى تَذْكِرَةٍ بالمُؤلَّفَاتِ ذاتِ الصِّبغَةِ الإقليميةِ التي تُوثِّقُ للكِتابةِ في مَركَزٍ ثَقافيٍّ مُعيَّنٍ، من طنجةَ وتطوانَ إلى سلا والرِّباطِ ففاس ومكناس فالصويرةِ ومرَّاكشَ فسوسٍ والصَّحراءِ، إنْ جمعًا لها أوْ تَرجمةً لأدَبائِها وعُلمائِها. كَانَ وعيُ واضِعي تلكَ المُؤلَّفَاتِ ذا حِسٍّ وطنيٍّ شموليٍّ، فلمْ يُلمعْ إلى ميزةٍ تخُصُّ مركَزًا دونَ مركَزٍ، ولمْ يَدفعْ نزوعٌ إلى المُفاضلةِ شَحذَ مُنافراتٍ بين
عُدوتَين وأنَّى ذلكَ والتَّواصلُ كَانَ يمدُّ حَبلَ تَوادُدٍ وتَزاوُرٍ عِلميين بينَ محتلِفِ مَآرز الثَّقافةِ في المغربِ، وكَانتِ المُراسَلاتُ، بأدَبيتِها الخاصَّةِ، سَفيرًا بَينَ الأدبَاءِ إذا اتَّسعَتِ المسَافةُ ونَأى كُلٌّ عنْ كُلٍّ إلى حين؛ بما يحيلُ على وجُوبِ نظرٍ في تلكَ المُراسَلاتِ لأنها شَكلٌ ثَقافيٌّ يَضبِطُ اشتِغالَ الكِتابةِ في زَمنٍ افتقرَ إلى ما يُسعِفُ في صِلةٍ، ولأنَّها تأتي بما لا يَكشِفُ عنه النَّصُّ مُستَقِلا عنها إضاءةً خَلفيَةً لما قَبلَ النَّصِّ ولما بَعدَه. لا تُدركُ فَاعليةُ النَّصِّ خارجَ سيرتِه الذَّاتيةِ، وقدْ تهمَّمَتْ مَناهجُ بافتراضِ اكتِفَاءٍ به بنيةً مغلقةً ردحًا من الوقتِ، ثمَّ عُدِلَ عنها إلى افتِحَاصٍ نصيٍّ لا يَستثني شيئًا يُخوِّلُ كِتابةً قِرائيةً ثانيةً للنَّصِّ في المُعاصَر المنهَجيِّ.
هلْ كانَ أبوبكر الشَّنتوفيُّ مُدركًا أهمِّيةَ تلكَ المُراسَلاتِ أوْ لعلَّه كَانَ مُوثِّقَها في كَنانيشِه، فقط، دَرءًا لها من فُقدانٍ ؟ لا يَهمُّ. ما يَهمُّني أنَّ النَّظرَ فيها يُفسِحُ رُؤيةً عَلياءَ إلى نَوعيةِ الاشتِغالِ الكتَابيِّ حينَها. لماذا لمْ تخصَّها هذه الدِّراسةُ باعتبَارٍ ؟ قالَ صَاحِبي. حَدَّقْتُ فيه قائلا: لأنَّ صَاحبَكَ كَانَ مَأخوذًا بالتَّحصيلِ النَّصيِّ و" المعلومَاتي" فمَا وقرَ، في صَدره، أنَّها يمكنُ أنْ تَكونَ مَدخلا إلى تَبيُّنِ أسبابِ الكِتَابةِ محلِّيًا ووطنيًّا وعَربيًّا قَبلَ لحْظةِ إلمامِه بالثَّقافَةِ المَغربيَّةِ، وقبلَ تَأمُّلِه ما يُوليه الغربُ للمُراسَلاتِ، بينَ المُبدعِينَ، حَتىَّ زَمن كِتَابةِ هذا العُبورِ إلى الماءِ. تَكتظُّ الخِزانةُ العِلميَّةُ الصبيحيَّةُ السَّلويَّةُ بكَمٍّ منْ تلكَ المُراسلاتِ مُفَهْرَسٍ غيرُِ قليلٍ منها. أذكرُ أنَّ الحاج عبدَ الله الصبيحي، رحمَه الله. كَانَ يَأخذُ بيدَيَّ إلى مَكتبِه، في الجهةِ اليمنى منَ الطابَق العُلويِّ، وقدِ أضاءتْ مُحيَّاه السَّمحَ بَسمةُ رضى ليُطلعَني على مُراسَلاتٍ جَديدةٍ وقَفَ عليها أو على جَردٍ لمراسَلاتٍ أخرَى تَكلَّفَ أحدُ البَاحثينَ، منْ شُعبةِ التَّاريخ على الأرجَح، بتَهيِئَتِه. أقرأ مُراسلةً. أسأله عنْ صَاحبِها، أنا الوافدُ اليافعُ على أشياءَ كَانَ حِجابٌ يَدفعُها عنيِّ، وعنْ أسبابِ نُزولها. كَان الحاج عبدُ الله يَضعُ طربوشَه على حافةِ المكتبِ ويُثَبِّتُ نَظارتيه ثمَّ يحدِّقُ، مجدَّدًا، في المراسَلةِ ويأتي إليَّ بما يَستَحضِرُ منْ حافظةٍ قويةٍ. كنتُ أغبطُه على ذَاكِرةٍ لم يَتيَسَّرْ لها أنْ تَنكَتِبَ. كَانَ الحاج عبدُ الله يَقرأ لي، منْ كِتَابٍ ضَوئِيٍّ، التَّاريخَ الثَّقافيَّ لسلا، ويحدِّثُ عنْ توقِه إلى نشر جملةٍ منْ تراثِ السَّلويين. كَانَ يقفُ، بين فينةٍ وأخرى، لكَيْ يَتناولَ سِفرًا مخطوطًا مُسترسِلا قولا عنْ كَيفيةِ إقنَاع ورثتِه بإيداعِه مَكتبةَ الخزانةِ.
لَعلِّي تركتُ للكَلام خيولا عَدتْ بي إلى لحظَاتٍ كَانَ الفَتى اليافعُ، مِنيِّ، خببًا إلى حَديثٍ عن سلا. هلْ كَانتْ قَصيدَةُ سلا ذاتَ خُصوصيَةٍ ؟ ما كَانَ الفَتى طارحَا ذا السُّؤالَ البتة لاعتبَارٍ وجيهٍ أنَّ مقدارَ تملُّكِه لنُصوصِها كَانَ قليلا، وكَانَ أقلَّ منه تَضلُّعٌ منْ ديوان الشِّعر المغربيِّ. لمْ يَكنْ ذَوقُه جِلبابًا مَغربِيًّا. كَانتْ مَرجِعيتُه تُراثيةً عَربيَّةً قَديمةً يَنضافُ إليها زعمُ اطلاع على نُتفٍ من الشِّعر العَربيِّ المُعاصِر أوْ ما يُشبهُها. لمْ يَدر لمَِ ألقَى العَصاةَ فاسْتقرَّتْ في تخصُّصِ أدبٍ
مَغربيٍّ / أندَلسِيٍّ، وكُلٌّ كَانَ يَرى أنُّه خَليقٌ به استِكمالُ دراسَاتِه العُليا في النَّقدِ الأدبيِّ الحديثِ؛ لَكنَِّه وجَدَ نفسَه في حلقاتٍ عِلميَّةٍ عن الأدبين، وألفَى يَديه تَتقَريَّان مُؤلَّفَاتٍ تَرجَميَّةً هيَ أقربُ إلى أيٍّ شَيءٍ إلا الأدب، وتهيَّأ له أنَّ هَذه ثَقافةٌ وَطنيَّةٌ بملامحَ ثانيةٍ، ومَا عرفَ كَيفَ حَتىَّ خُيِّلَ إليه أنَّ، في مِلفِه، وثيقةً تقولُ إنَّه سَجَّلَ رسالةً بعُنوان: "الحَياةُ الأدَبيَّةُ في سَلا على عَهدِ الحِمَايةِ"، وما دَرى أنىَّ التفَتَ ليَرى الفَتى اليافعَ يَقرأ في كُتبٍ لوْ قيلَ له إنَّه وافدٌ إليهَا لأنكَرَ إنكارًا.
هِيَ قَصيدةٌ مَغربيَّةٌ واحِدةٌ في انتظامِها. يَغلو البَاحثُون عنْ خُصوصِيةٍ إقليميَةٍ، ولَعلَّهمْ يَتمحَّلونَ. لا يختلفُ الشُّعراءُ إلا قليلا. لا يختلفُونَ لأنَّ المُؤسَّسةَ ضَابطةٌ للنَّسَقِ الثَّقافيِّ في كُلِّ المراكزِ والمآرز الأدبيَّةِ، ولا مجالَ لتبَاينٍ إلا إذا صَدرَ عن طبُوع ونحائزَ. هِيَ قَصيدَةٌ مُشتَركَةٌ. هُنا أزمتُها. هُنا ركُونها إلى المتَداول غير المستفِزِّ. هُنا القائلُ اثنان: مُلقٍ ومُتَلَقٍّ. أفقُ التَّوقُّع مُتشَاكِلٌ. يَبتدئُ أولهُما مطلعًا فيَحتَمِلُ الثَّاني القَافيةَ مقطعًا. ما الأمرُ كَما في بلاغةِ البديع دالٌّ على تمكُّنٍ وقُوَّةِ اقتِدَارٍ ولَكِنَّه مُنبئٌ بشَكلٍ مُغْلَقٍ تُدركُ أوائلُه وأواخرُه بالتَّملِّي الحَافظِ الذي يُعيدُ رسمَ الشَّيءِ كَمَا لُقِّنَه أوْ كَمَا تَلقَّفَه روايةً. هَلْ هِيَ قَصيدَةُ الفَقيهِ ؟ كُنتُ أتَوفَّزُ غَضبًا حينَ يُلحَقُ الشِّعرُ المَغربيُّ بعِلمِ الفَقيهِ تَكْمِلَةً له، وكَانَ لَدَيَّ، حينَ قِراءةٍ لغيرِ قليلٍ منْ ذلكَ الشِّعرِ، ابتِهَاجٌ بكَونِ المَغربِ شَاعِرًا. أبتَسِمُ، الآنَ، وأسألُني: أوَ ما زلتَ تُلحِفُ قولا إنَّ المَغربَ شَاعِرٌ أمْ عَدَلتَ إلى ابتِهَاج ثَانٍ يَدَّعي أنَّ المَتنَ المَنظومَ الذي يَنتهِي شِعرًا غيرُ ذي مَدَدٍ، وأنَّ مَلامحَ منْ هَيأتِه تختَبئُ في زبَدٍ يُطِلُّ على البَحرِ منْ أعلى سورٍ، في سلا، مُحتَميًا بالطِّينِ مِنْ ماءِ الرَّقراقِ ؟
مَا حِكَايةُ قَصيدَةِ سلا معَ الرَّقراقِ ؟ وفِيمَ يَتقَدَّمُ السُّورُ حَاجِبًا شمسَ النَّهرِ ؟
هَلْ قَدِمْتَ إلى سلا يا أنتَ ؟ إذا قَدِمْتَ، مَرَّةً، فَلأنَّكَ راءٍ أنَّ أمامَ البَحرِ سُورًا تحوَّطَتْ به منَ الآخَر، ولأنَّكَ شَاهدٌ أنَّ، مِنْ جِهَةِ الرَّقراقِ، سورًا ثانيًا مُستَحدَثًا يَفصِلُ بَينَ الذَّهابِ إلى الرَّقراقِ والمَقبرةِ. لألعَبْ قليلا. الرَّاءُ والقَافُ صَوتيتَان مُشتَركَتان. الرِّقُّ والقُرُّ والقَرُّ: رِقُّ الحالي بيَدِ الخالي، وقُرُّ الرَّاهِن في حَضرةِ السَّاكِن، وقَرُّ المأوى خَارجًا. صَوتيتان في التَّوقير أيضًا. أعْرفُ أنَّني أتأوَّلُ، ولكِنْ مَنْ قَالَ إنَّ الأدبَ كلَّهُ جِدٌّ ؟ تملَّكَتِ المحافَظةُ قَصيدَةَ سلا بما أفقَدتها هُويَّةَ الانتِسَابِ إلى الشِّعرِ. تملكَتْها مَعانيَ ومَبانيَ يَلتَقِطُها العَابِرُ العَادي كَأنها جَاحِظيَّة الطَّريقُ. تلكَ المحافَظةُ مَهرَتِ الشَّخْصيَةَ المَغربيَّةَ بعامَّةٍ في العُقودِ الأولى منَ القَرنِ العِشرين، ولَعلَّها امتِدَادٌ لذِهنيَةٍ مُشبَعةٍ بالمُؤسَّسَةِ إذا لمْ تكنْ "مخزَنِيَّةً " فهيَ دينيةٌ ترى انخراطَها في زَاويةٍ منَ الزَّوايَا انضبَاطًا سُلوكيًا، وتَرى أنَّ مَا يفدُ إليها مِنْ مُدرَكَاتٍ ومُستَدْركَاتٍ كَفيلٌ بتَهيئَةِ حُسنِ مآبٍ إلى الدَّار الأخرَى.
أذكرُ التَّركيبَ النَّقدِيَّ القَويَّ لمحمَّد الأخضَر في "الحياةِ الأدبيَّة في المغربِ على عَهدِ الدَّولةِ العَلويَّةِ": ".. وبَعدَ أنْ يَتلقَّى الأديبُ المغربيُّ ثَقافةً مَبنيَّةً في أسَاسِها على مَبادئ الإيمان، يَتَخرَّجُ فَقيهًا يَصطبغُ إنتاجُه حَتىَّ الأدبيّ بالصِّبغةِ الدِّينيةِ. فلقدْ كَانتْ هذه الثَّقافَةُ تَتحَكَّمُ في الثَّقافَاتِ الأخرَى مهمَا كَانَ نوعُها حَتىَّ إنَّ مَنْ أرادَ أنْ يُصبحَ أديبًا كَانَ عَليه أنْ يَصيرَ أولا فقيهًا، بينمَا لمْ يَكُنْ يُشتَرطُ في الفَقيهِ أنْ يَكُونَ أديبًا. لذلكَ فَإنَّ أكثرَ الأدَباءِ الذين نَعتَزمُ دِراسَتَهمْ هُنا هُمْ فقَهاءُ في نفس الوقتِ، تجدُ الواحدَ منهمْ عِندما يُؤلفُ كتابًا أدبيًّا صرفًا يَلتَمِسُ الأسْبابَ ليَجعَلَ البَاعِثَ على التَّأليفِ دينيًا." 34 ذَلكَ الأديبُ كَانتْ سُكنَاه سلا، وكَانَ المغربُ، برمَّتِه، سُكنى له، فأنىَّ له تملُّصٌ من التمَاس الأسْبابِ على مِنوال المقَامِيين في اختتَام مَقامَاتهم، وعَلى طِراز الشُّعَراءِ واقفِين، في محفلِ المُناسَبةِ الدِّينيةِ، يَقولون مَا قَدْ يَكُونُ شِعرًا ومَا قَدْ يَكُونُ غيرَ ذلكَ.
قَصيدَةُ سلا لمْ تجرُؤ أنْ تَتوضَّأ بماءِ الرَّقراقِ. آثرَتِ التَّيَمُّمَ، صَعيدًا طيِّبًا بمنجَاةٍ مِنْ ضَوءٍ يَقودُ إلى الغَرقِ خَارجَ المكانِ الطِّينيِّ، خَارجَ سورٍ يَقي منَ الغُزاةِ ولَعلَّه الوَاقي مِنْ بدعَةِ المُستحدَثِ. فيمَ إشارةٌ إلى المُستحدَثِ؟ لمْ يكنْ سَاكنُو قَصيدَةٍ مَغربيَّةٍ في سلا يخرجُون إلى البَريَّةِ يَنشُدون كَلامًا شِعريًّا إذا بلغَتِ الحُبسةُ الحُلقومَ وأدركَ القَائلَ منهمْ منَ الإبلاسِ ما أدرَكَه كَما فعلَ الفَرزدقُ حينَ طلبَ بيتًا فأرتجَ عليه فَسارَ إلى جَبلٍ حَتىَّ إذا بلغَه اتَّكَأ على بَعيره فانثالتِ القَوافي عليه انثيالا. هذا الجَبلُ الرَّائيُّ ليسَ سورًا، ولَكِنَّه مَوسومٌ بـ "التَّعالي الأرضيِّ" كَما طابَ لأدونيس أنْ يقولَ. للجَبلِ رَمزيةٌ في التُّراثِ الثَّقافيِّ العَربيِّ إنْ دينيًّا أو أدبيًّا. يَطيبُ لي أنْ أجْعلَه جبلا رائيًّا كلَّما اتَّسعَ كَلامٌ لي عنْ زَمنٍ غَائمٍ يُؤطِّرُ أوْ يُؤسطِرُ مَا قَبْلَ القَصِيدَةِ، وذَلكَ مَوضوعٌ ثانٍ. لمْ يكنْ شَاعرُ سلا يَودُّ خُروجًا عنْ أيِّ شَيءٍ. سَافرَ عبدُ الرَّحمن حجِّي إلى لندن وقالَ رَائيةً فيها ومَا تهيَّأ له أن يَتنكَّبَ مَسارًا تَقليديًّا. سارَ جَعفر النَّاصري إلى باريس وأنشَأ نونيةً بَسيطيةً كَأنما هيَ وقوفٌ على طللٍ جَاهليٍّ. أقامَ أحمدُ الصبيحي في فيشي فأتى بتائيةٍ طويليةٍ تقليديةٍ أنكرَها عليه التأمُّلُ الحاذقُ للشِّعر. كَانوا هناكَ يَتلبَّسُهم هنا روحًا وتعبيرًا. لمْ يخرجُوا لأنَّ الشَّاعرَ المَغربيَّ كَانَ رهينَ محابسَ ثَلاثةٍ: المُؤسَّسةِ والمجتمَع ونِظامِ الكَلام. قال أبو العَلاءِ ما لا يُتركُ إذا هوَ رهينُ محبسَين، وما قالَ الشَّاعرُ المغربيُّ لأنَّ حُرِّيتَه، في الكِتَابةِ، كَانتْ شبهَ رَحيلٍ في الغِيابِ عن الذَّاتِ، في حين ذوَّتَ المعرِّي كُلَّ شيءٍ شعرًا وشَرحًا ورسَالتيْ غُفرانٍ وصَاهلٍ وشَاحج. يحضُرني، الآنَ، عبدُ الفتَّاح كيليطو وكتابُه: "أبو العَلاءِ المعرِّي أوْ مَتاهاتُ القول". هَلْ كَانَ خُروجُ الشَّاعرِ المَغربيِّ إلى الدَّاخلِ ؟ طبعًا لا يُمكنُ أنْ يَكونَ جَوانيًّا، بلغةِ المتَصوِّفةِ، حَيثُ إصَاخةُ السَّمع إلى دَبيبِ النَّمل في دَمِ الكِتابَةِ، ولكِنْ إلى داخِل السُّور حَيثُ الأزقَّةُ الضيِّقةُ والدُّورُ التَّقليديَّةُ. أليستْ هَندسَةُ المعمَار طَريقةً في التَّفكير ؟
بذا خَشيتْ قَصيدَةُ سلا الرَّقراقَ. تهيَّبَتِ المدَى الأزرقَ المفتوحَ على اللانهَائيِّ. اللانهَائيُّ مِعطفُ الرِّيح. يَكَادُ يَكونُ فرقٌ بينَ الرِّيح والرِّياح في القُرآن الكَريم. الرِّيحُ عُتوٌّ والرِّياحُ خِصبٌ ونموٌّ. ومنَ الغَرابةِ ألا نجدَ احتِفالا شِعريًّا بالرَّقراق في قَصيدَةِ سلا إنْ عندَ المتقَدِّمين أوْ لدن المتأخِّرين الذين قَفَّوْا عليهم بما يُنتجُ مُفارقةً لعلَّنا بَاحثُون فيها.
خَرجَ النَّاثرُ السَّلويُّ محتقبًا مَقالتَه يَنشُدُ الرِّيحَ مِعطفًا ليَكتُبَ. لا قولَ شَفهيًّا، ولا نظامَ عَروضيًّا، ولا قافيةً مُتواترةً، ولا جُنوحَ إلى استدعاءِ اللُّغةِ مَوسميًّا. كَأنَّ رَقراقَ الكِتابَةِ انتعلَ جَسدَه وحَثَّ خَطوًا يُفتِّحُ أبوابًا ويَتلمَّسُ أعتابًا ولا يَلتمِسُ، ثمَّةَ، أسبابًا لكِتَابَتِه كَما أشارَ، سلفًا، محمَّد الأخضر. تحوَّلتِ اللُّغةُ منْ وَداعَةٍ إلى اندلاعَةٍ تشُبُّ في الذي تَرهَّلَ منْ جَسدِ الكَلام.
كَأنَّ سَعيد حجِّي الأمارةُ الأولى لثَقافَةِ سلا. كَأنَّ السَّعيدَ طَرحَ ما كَانَ جابًّا ما سَبقَ. لنْ أترجِمَ له فقدْ تَكفَّلَ شيخُنا أبوبكر القَادري بذلكَ زَمانَ كَانَ القومُ ليسوا بِعَارفينَ عنه إلا ما قُرئَ في كِتَابٍ مَدرَسِيٍّ تَناقلنَاه أوْ تَناقلَنا في المَدارسِ الإعدَاديةِ. ثمَّةَ مَقالةٌ له بعُنوان "شَبابٌ غفلٌ" ألقيَتْ إلى التَّلاميذِ. لا أحدَ يَزعمُ أنه أولاها قيمتَها في تلكَ اللَّحظةِ، لَكِنَّها ارتَسَمتْ وشمًا. أديبٌ سَلويٌّ في كِتَابٍ مدرَسيٍّ. كُنَّا نهتزُّ اعتِدادًا، نحنُ المنبتِّين عن الأدبِ المغربيِّ فضلا عن السَّلويِّ منه. كَانَ جُلُّ ما نَتلقَّفُ من النُّصوصِ ذا ميسَمٍ مَشرقِيٍّ، قَديمًا وحَديثًا، وإذا تَرفَّقَ بنا الواضعُون أدرجُوا ما لعلَّه أندَلسيٌّ عبرَ النُّونيةِ الرّندِيةِ، أوْ ما لعلَّه مَغربيٌّ مثل ربيعيِّةِ ابن زنباع / ابن بيَّاع السَّبتيِّ. يَسألُني فتًى، كَانَ مِنيِّ: أوَ كُنتَ منَ المنبتِّين أمْ منَ النَّابِتين في التَّلصُّصِ على الكِتَابةِ المَغربيَّةِ ؟ أسألُه: هلِ اختلَفتَ إلى مَا ألفَيتَ، بَينَ يَديكَ، مُؤلَّفاتٍ مَغربيَّةً بحثًا عنكَ فيها أمْ أنَّ المصَادَفةَ كَانتْ تَسيرُ بفِعلِها القِرائيِّ إليكَ ؟ أعَدْتُ، أمس، قِراءةَ طهَ حُسين "معَ أبي العلاء في سجنه". قالَ لي مُستَوحِيًا بول فاليري:".. ولَكنِ اعْجَبْ للمصادفات، واعْجَبْ لقَولِ فاليري نَفسِه إنَّ حياةَ رجُلٍ من النَّاس ليستْ إلا سِلسِلةً من المُصَادفَاتِ، واعْجَبْ لقَولِ أبي العَلاءِ نَفسِه في أولِ اللزومياتِ، إنَّه إنما قَالَ ما قَالَ بقَضاءٍ لا يَشعرُ كَيفَ هُوَ."
قُلتُ: ماذا قالَ أبو العَلاءِ ؟ بَسطتُ يدًا إلى رفٍّ منَ المكتَبةِ. سَحبتُ الدِّيوانَ: قال في فاتحته: "كَانَ منِ سَوالفِ الأقضيةِ أنيِّ أنشَأتُ أبنيةَ أوراقٍ، تَوخَّيتُ فيها صدقَ الكَلمةِ، ونزَّهتُها عَن الكَذبِ والميطِ، ولا أزعمُها كَالسِّمط المتخذِ، وأرجُو ألا تحسبَ من السّميطِ، فمنهَا ما هوَ تمجيدٌ لله الذي شرفَ عن التَّمجيدِ، ووضع المنَن في كلِّ جيدٍ. وبعضُها تذكيرٌ للنَّاسِين، وتَنبيهٌ للرَّقدةِ الغَافلينَ ..5". مُصادَفتانِ، أولاهما أنَّ الفَتى أصَابَ شيئًا كَانَ أدبًا مغربيًّا قَديمَا ومَعاصِرًا. قَرأ "نُبوغَ" العَالم العَلم عبدِ الله كَنون قَبلَ أنْ "يَبقلَ عارضُه"، وما اطمَأنَّ إلى ما انتَظمَه منْ كِتابةٍ، ومنَ الغَرابةِ أنَّ بحثًا قد أعدَّه لنيلِ الإجازةِ في اللُّغةِ العَربيّةِ وآدابها كَانَ بعُنوان "عبد الله كَنون وأثرُه في الثَّقافَةِ المغربيَّةِ" بجُرأةٍ لا أحسبُه مُقتدِرًا عليها الآنَ؛ وقد أعادَ فيه قراءةَ "النُّبوغِ" ومُؤلفاتِ الرَّجُل برمَّتِها؛ ومنْ عَجبٍ أنَّ هذا البَحثَ ذاتَه لمْ يَسلمْ من "الزِّياراتِ غير الودِّيةِ" التي أشرتُ إليها في تَصدِير هذا الكِتابِ حينَ تأبَّى على القَوم ألا تمتدَّ اليدُ إلى "الحياة الأدبية في سلا"، وألا تَشتدَّ في طلبِ المزيدِ، وألا تحتدَّ في اعتبَار مادتها ملكًا مشاعًا، حتىَّ إذا كتبُوا عن سلا سَقطَ، من الإحالةِ, خبرٌ عن الرِّسالةِ وما إليها.
هِيَ مُصَادفَةُ إلمامٍ بالثَّقَافةِ المَغربيَّةِ قديمًا وحَديثًَا. كَانتْ تَنشِئةً في دَارةٍ ذاتِ مَكتبَةٍ حفلتْ بالمطبوعَاتِ المَغربيَّةِ إنْ كتبًا وإنْ مجلاتٍ وجَرائدَ. أوَكُنتَ تحفلُ بما حَفلتَ به لوْ أنَّ المُصَادفَةَ أقامتْ لكَ محفلا آخرَ مختلِفًا أمْ أنَّ شَأنكَ كَانَ إلى ما لَستَ أنتَ تَعرفُ ؟ جَلستُ إلى عبدِ الله كَنون في منزله بطنجة ولمْ أعْدُ طورَ الإجَازةِ أسألُه عَنْ سيرتِه الذَّاتِيةِ / الثَّقافيةِ. أنجزَ البَحثُ بإشرافِ المَشمُولِ برحمةِ الله د / عَلال الغَازي الذي كَانَ مُبتَهِجًا به، وأنا الفَتى الكَاتبُ
ما أبهتُ بما كَتبتُ ولا انتَهيتُ إليه احتِفاءً. لمََِ أسردُ ما حَدثَ ؟ وما عَلاقتُه بمقالةِ سلا ؟ وما صِلتُه بسَعيد حجِّي ؟ هَلْ حقًّا أنَّ كلا مُسيَّرٌ لما قُدرَ له ؟ لا أريدُ خَوضَ كَلام في الجبرِ والاختِيَارِ. هِيَ المُصَادفَةُ مِثلمَا قالَ بها طهَ حُسين، المُصَادفَةُ الأولى. ثَانِيتُها أنَّ نُتفةً مِنْ قَولةِ أبي العَلاءِ تجوهِرُ روحَ مَقالَةِ سلا وتُبلورُ سَعيَ السَّعيدِ بها حينَ اعتَبرتْ أنَّ بَعضَ إنشَاءِ الأوراق "تَذكيرٌ للنَّاسينَ، وتَنبيهٌ للرَّقدَةِ الغَافلينَ". رُبَّ قَائِلٍ: ذاكَ دأبٌ تُراثيٌّ في الكِتابَةِ وما به منْ جِدَّةٍ ؟ ورُبَّ سَائِلٍ: ولَكِنْ أليسَ المبَاينَةُ جَاريَةً على نَوعيةِ تَلمُّسِ السَّبيلِ إلى إنشَاءِ الأوراقِ ؟ كَانَ الرَّقراقُ واقفًا يَنظرُ إلى النَّاثرِ السَّلويِّ يَقفزُ، إلى أعلى، لِتَطأ قَدمَاه الرَّملَ المبَعثرَ هُنا وهُناك. لمََِ يَقولونَ عنْ أعْمِدةِ المطبوعَاتِ الإعلاميةِ أنهارًا ؟ كنتُ أمُرُّ على التَّسميَةِ وإنْ وَقرَ في الصَّدرِ ما يَتلَجلجُ أسئِلةً. هِيَ أنهارٌ تَسيرُ إلى المطلَقِ. تَفتَّحَ الأفقُ عُلبةً سِحريةً لا تَعرفُ منْ أينَ مأتَاها إلا بالسُّكونِ إليها حَركَةً لا تَنتهِي.
الصِّحَافةُ نهرٌ يجري إلى مَا لا يُرى. قيلَ إنَّكَ لا تَسبَحُ في ماءِ النَّهر مَرَّتين. الصِّحَافةُ نهرٌ ليسَ للسِّباحَةِ. لعلَّها نهرٌ يَعلو لتَرتَبكَ الحُدودُ بينَ ما كَانَ وما يكُونُ. نهرٌ يُعيدُ الأسوارَ إلى جِبلَّتِها، وكَأنها لمْ تكُ أبدًا ذاتَ رقَابَةٍ وحِجَابةٍ. مَقالةٌ سلا خُروجٌ إلى الرَّقراقِ لعلَّه كَانَ خُروجًا بيدٍ عَلائيةٍ رائيةٍ، دَانيةٍ / نائيةٍ. أمِنَ الأقضِيةِ أنْ تنشَطَ الطِّباعةُ في سلا وأنْ يَصدُرَ عَنها ثلاثُ جَرائدَ في عَقدٍ ثَلاثينيٍّ كَانَ حَاسمًا في تحَوُّلاتِ المجتَمع الثَّقافيِّ في المغربِ ؟
لامُصَادفَةَ في تَصَدُّرِ سلا المَشهَدَ الإعلاميَّ في المغربِ. تهيَّأ لها سَعيد حجِّي منذ غَضارةِ الصِّبا، وسَافرَ إلى المشرقِ. هُوَ الذي رَأى. وإذ آبَ ابتَدأ التَّفكيرُ في مَشروعٍ ثَقافيٍّ يمسُّ طِباعةَ الآثار المَغربيَّةِ ويَسعَى إلى إصدارِ جَريدةِ "المغربِ". هُمْ ثلاثةٌ كَانوا ذَوي ريادةٍ: سَعيد حجِّي ومحمَّد حصَّار وعبدُ اللطيفِ الصبيحي في ذا العَقدِ الثَّلاثينيِّ. سَوفَ يأتي، بَعدَهمْ بثلاثةِ عُقودٍ رجلٌ رأيتُ، فيه، سيماءَ مقَاليةِ السَّعيد وملامحَ كِتابةِ حصَّار، ووُثوقيةَ أسئلةِ "الجيل الرَّاهن" لدى عبدِ اللطيف الصبيحي. رَجُلٌ قضى، ولما يَكتهلْ بعدُ، كما سَابقوه، وكَانَ، عِلاوةً على ذلكَ شاعرًا وبَاحثًا أكَاديميًا؛ إنَّه خالي أبوبكر المريني الذي تركَ ما ينيفُ على أربعين مُؤلفًا وقدْ رَحلَ في الأربَعين مِنْ عمرِه.
مَثَّلَ سَعيد حجِّي المقالةَ ونظَّرَ لها، وكَانَ مَسكونًا بهاجسِ التَّطورِ. كَانَ ثورةً على البِلى، وعَاصفةً على الاستِكَانةِ، ودَاعيةً إلى نُشدانِ مَرفأ محصَّنٍ لتَلافي نوءِ الجهلِ والتَّخلُّفِ. كَانَ، كَغيره منْ مقاليي سلا والمغرب، جَهيرَ صوتٍ بالإصلاح الشَّاملِ. كَانَ مِنْ زُمرةِ المُوجِّهينَ، وإذا شئتَ منَ "المُعلِّمينَ" الذين يُنبِّهونَ إلى مَواطنِ الزَّللِ، ويَكشِفُونَ عنْ مَكَامنِ الخَللِ، ولا يَهدأ لهم بالٌ أو يَقرُّ قرارٌ حَتىَّ يروا الداءَ قدِ انزاحَ، وصَحائِفَ التَّخلُّفِ إلى انطواءٍ.
تَوخَّتِ المَقالةُ الأدَبيةُ تحديدَ مَفهوم الأدَبِ، وإبرازَ إجْرائيتِه في الحَقل المجتمعيِّ. وصَدفَتِ النَّقديَّةُ عن التَّقريظِ وعَنِ المعهودِ في بابِ التَّعريفِ بالكتُبِ. أقبَلتْ تَنظرُ في العَمليَّةِ النَّقدِيَّةِ، وتضعُ لها أصُولا وذُيولا. اسْتوحَتِ المجتَمعيَّةُ الواقعَ، فَعرضتْ جملةً منْ مَظاهرهِ بوعيٍ أحيانًا، وبلا وعيٍ حينًا. وكَانتِ المقالةُ المَسرحيَّةُ عكسًا لنَشاطِ النَّادي الأدبيِّ في ذلكَ القطاع، وأكَّدتِ القَصصيَّةُ بوادرَ نَشأةِ المقالةِ القَصصيَّةِ في سلا.
والحقُّ أنَّ الفكرَ المَغربيَّ في سلا انطلقَ، في تأمُّلِ قضيَّةِ النَّهضةِ، من اقتِناع يرى الإصلاحَ مَنفذًا من التَّخلُّفِ إلى التَّطورِ، ومنْ يقينٍ يَنصُّ على أنَّ التَّحوَّلَ لا يتمُّ إلا إذا شملَ التَّعديلُ المرافقَ المجتمعيَّةَ. لذلكَ سَخَّر الأدباءُ إمكانَاتِهم لتدبُّرِأمرِ الواقع شموليًّا دونَ تجزيئ. ما كَانَ لهمْ حصرُ اهتِمام في مجالٍ دونَ آخرَ، ولا تخصُّصٍ في ميدانٍ وإهمالِ ما يُحاقله، لأنَّ وضعَ المغربِ، لحظتئذِ، ألزمَ مُثقَّفيه بالخوض في كلِّ الظواهرِ درسًا ونقدًا، بحُكم قلَّتهمْ، وبموجبِ تعدُّدِيةِ
المسؤولياتِ التي نهضوا بها، وباعتبارِ أنَّ الوظيفةَ اقتضتْ منهمْ تَأطيرًا وتَسييرًا وتَدبيرًا.
بذا ألفينَا الأدَباءَ يَنظرونَ في الأدبِ تحديدًا لماهيتِه وبَسطًا لتَصوُّرٍ حَقيقيٍّ له، مُبرزينَ ما يَكونُ فَاعلا في إيجادِه. وكَانُوا، في كُلِّ ذلكَ، يُحلِّلون الكِتابةَ الأدَبيَّةَ، شعرًا ونثرًا، دَاعينَ إلى تَبنيِّ الأشكَالِ الحَديثةِ، قَائلينَ بالإعلام منبرًا لها لينبُغَ جيلٌ جَديدٌ منَ الكتَّابِ. ألفينَاهمْ، وقدِ التفتُوا إلى الماضي التفاتَ موقفٍ. موقف تَمَيَّزٍَ بتُؤدةٍ وأناةٍ وحَصافةِ تَقديرٍ يدعو إلى التَّغيير. لمْ يَتنكَّروا للماضي.لمْ يُنادوا باطِّراحه اطِّراحًا يحدُوهمْ الإيمانُ الرَّاسخُ بكَونِ
الحاضرِ لنْ تمرعَ جَوانبُه إلا إذا التقَى بتراثِه ارتواءً وامتلاءً. هكَذا أخذَ التُّراثُ قيمتَه العِلميَّةَ في تَصوُّرهِم. وإذْ ثاروا على ثَقافةِ التَّنميطِ وأدبِ الاجتِرار، حَدَّدُوا الحِقبةَ التَّاريخيةَ التي تمرَّدُوا عليها، وهيَ القرونُ الثَّلاثةُ الأخِيرةُ، لمَّا سادَ التَّصنُّعُ، وابتعدَ الأدباءُ عن مجالي الحياةِ ليُمارسُوا التَّرفَ الفِكريَّ والجَماليَّ.
كَانتِ الدَّعوةُ إلى وَضع تاريخِ المغربِ مطمحًا لهم. واعتبرَ بعضُهم "النبوغَ المغربيَّ في الأدَبِ العَربيِّ" خطوةً رائدةً في التَّاريخ الأدَبيِّ، وحَاولوا اختصَارَ المَسافةِ التي تَفصلُهم عن التُّراثِ، فَقالوا بتَحقيقِ المَخطوطاتِ ونَشرِها. ألفينَاهمْ مُهتمِّينَ بالوَضعيةِ التَّعليميةِ. نَقدُوا المُؤسَّساتِ، وبيَّنُوا جانبَها السالبَ، بَرامجَ وطرائقَ تربويةً، وألحُّوا على اعتِمادِ مواد تُسايرُ النَّهضةَ وبيدَاغوجيةٍ تُوافقُ التَّطورَ، وأنشَأوا مؤسَّساتٍ أخرَى، جَسَّدتها المَدارسُ الحرَّةُ، لتَلافي تماهي
الذَّاتِ، ولصَونِ الثَّقافةِ القَوميَّةِ من السُّقوطِ في الانبهار. ألفَينا المقَاليين مُنشغلينَ بالمجتَمع وما يحبلُ به عَاداتٍ وتقاليدَ لا تُوائمُ عَصرًا حَديثًا، وليسَ فيها ما يَعكسُ حَيويَّةَ الماضي، وإنما هيَ مَظاهرُ تُكرَّرُ بآليةٍ، وليسَ فيها ما يتميَّزُ بفَاعليةٍ في خِدمَةِ المجتَمع وإدارةِ دَواليبه. ألفينَاهمْ نَاقدينَ سلوكَ الفردِ، مُنبِّهينَ إلى مَزالقَ في تَعامُلِه معَ الذَّاتِ أولا، ومعَ الغير ثانيًا، مُوجِّهينَ الجمهورَ إلى نهج سُلوكٍ مُغاير أقومَ وأمثلَ، ولنْ يَتيسَّرَ ذلكَ إلا بالإقبَالِ على العِلم،
وممارسَةِ الحرِّيةِ في أجلى مَظاهرها. ألفَينا الحرِّيةَ مطلبًا حَيويًا مُتناهيًا في كُلِّ شَيءٍ. حُريةٌ تمسُّ الحقوقَ السِّياسيةَ، والواجباتِ المجتمعيَّةَ، والمَسؤوليةَ الحَضاريةَ، والمُؤسَّساتِ الثَّقافيةَ بكافَّة أشكالها. حُريةٌ كَانتِ الصِّحافةُ واجهةً لها، ودأبتِ الجَمعياتُ الثَّقافيَّةُ، ومنها النادي الأدبيُّ الإسلاميُّ، على تَطبيقِها بمختلِفِ أشكالِ الحِوارِ.
مَقالةُ سلا تَأخذُ النَّهرَ إليها. تَستَردُّ هُويَّةَ السَّفرِ إلى الآتي. تَسْتبدُّ بكلِّ الإتاحَةِ المُمكِنَةِ في الكِتَابةِ. تَستَمِدُّ كَينُونتَها منَ المَعيش اليَوميِّ في تَدبيرِ الكَلام. لا نِظامَ جَاهزًا كَانَ يحجرُ على وثَباتها إنْ فِكرًا وإنْ لُغةً. لا شَفاهةَ تُقلِّصُ مسَاحةَ ارتيَادِ أفقِ المُختلِفِ. لا جُلوسَ إلى الذَّاكِرةِ لتَرتيبِ سِجِلِّ أجْوبَةٍ قبلَ استِفتَاءِ العَالم بأسئلَةِ الانتبَاهِ إلى حَادثٍ تَنَصُّلٍ منْ تَبعَاتِ الحدَثِ. لا اكتِفَاءَ بإعَادةِ تَوضيبِ دَفترِ الأشيَاءِ كَما انتهَى في كُنَّاشَةٍ يمهرُهَا التَّقييدُ والتَّسويدُ والتَّقليدُ. لا اختِفاءَ خَلفَ ما قيلَ لتَلافي ما يَتعيَّنُ أنْ يُقالَ إلى الرَّقراقِ حينَ يَتقدَّمُ مُشتَعِلا إلى اقتِراح الإبدَالاتِ والإنزالاتِ. تُركَتِ الأسوارُ شَاهِدَةً على الغُبارِ يَعدُو خَارجَ المدَار. تَركَتْ مَقالةُ سلا الشُّعَراءَ واجمين وُجُومَ مَنْ هالَه انتِقَالُ الأمرِ مِنْ حَالٍ إلى حَالٍ. هَلِ استَقالَ البَيانُ التُّراثيُّ ومَالَ حَيثُمَا مالَ تَكسيرُ النَّمَطِ إلى ريَاضةِ مَقامٍ ثانٍ مِنْ مَقامَاتِ الكَلامِ ؟ كَادَ يَكونُ الشِّعرُ، في سلا وفي المغربِ، لاهثًا إذا يُحاولُ الاقتِرابَ مِنْ سَحابٍ، مَرقَ كَالسَّحَابِ، إلى أفضِيَةٍ لعلَّها تَرتَّبَتْ عنْ أقضِيَةٍ، كَما قالَ أبو العَلاءِ، تَنفتِحُ لتَنفتِحَ على تَعدِيلٍ وتَبدِيلٍ وتحويلٍ يَبتني أنظِمتَه الذَّاتيةَ بذاتِه.
ذَكرتُ قولَ أبي العَلاءِ:
لا تَظلمُوا الموتى وإن طالَ المدَى إنِّي أخافُ عَليكـمُ أن تلتقـوا
ذَكرتُ قوله في هَذا "العُبور إلى الماءِ .. بَعدَ العَقديْن"، وأوجَسْتُ خِيفَةً منَ الرَّقراقِ أنْ يَكُونَ ألحَّ عَليَّ فَقرأتُ، مَا كُتبَ خَلفَ السُّور بعَينِ باحِثٍ ما تَنكَّبَ سِيرةَ شَاعرٍ في الذي يَزعُمُ عُبورًا إلى الماءِ .. قبلَ العَقديْن، ومَا ترتَّبَ، عنْ ذلكَ، مِنْ تَقدمَةٍ لمقالةِ سلا، في تَوهُّجِها، على القَصيدَةِ، وما عَقبَ الأمرَ من إيلاءِ الشِّعر محَافظَةً قُصوَى على أنظِمَةٍ ذِهنيةٍ تُفرغُ "اقترافَ" الشِّعر مِنْ جِنَّتِه وهَذيانِه، وكَأنَّ القَومَ، وراءَ سُورٍ تَاريخيٍّ، كَانوا يَسعَونَ إلى مَسٍّ وقدْ رأى منهمْ انصِرافًا إلى هُدوءِ جَنانٍ وحِكمَةِ بَيانٍ. وذَكَرتُ البَيتَ العَلائيَّ مُستَفسِرًا: وإذا أنتَ، كنتَ هناكَ، في ذلكَ الزَّمنِ الذي تَنعَى على شُعَرائِه ما نَعيتَ، ماذا صَادرٌ قَولا عَنكَ يا صَاحِبي ؟ أوجَسْتُ خِيفَةً. لعلَّ الرَّقراقَ لنْ يَكونَ لي صَديقًا. لعلِّي اختَلفتُ، مِثلَ سِوايَ، إلى "كتَابةٍ طينيةٍ" على الأسوار، ثمَّ لعلِّي كنتُ أوجَسْتُ خِيفَةً منْ وافدٍ إلى الرَّقراقِ كيْ يُنكِرَ عليَّ ما انتَظمتُ به شعرًا لا اقتدارَ لي على حَوكِ ثوبٍ مُغَايرٍ له، وكَيْ يُسرفَ في السُّؤالِ عنِ المَعرفَةِ والسُّلطَةِ والمُؤسَّسَةِ وعنْ إبدَالاتها المَوقعيَّةِ، وكَيْ يُلحِفَ في تَقصِّي أثرِ خُطايَ على الرَّملِ، هناكَ، زمنًا آخرَ تَجَاوزَ عَقديْن منَ السِّفارِ بينَ الأسوارِ والرَّقراقِ، وكَيْ يَقطِفَ، مِنْ ثغاءِ أفُقٍ أزرقَ، شُجَيراتٍ كَبُرتْ، بَغتةً، في القَصِيِّ السَّحيقِ منَ الكَلامِ. ولعلِّي مُنعِمٌ وَجْسًا منْ صَوتٍ خَفيٍّ يَصحُو، غِبَّ انتهَاءِ البيتِ العَلائيِّ إليه، ليَمحُو ما عَنَّ له منْ تَأويلاتٍ أنا مُطمئِنٌّ كلَّ الاطمِئنَانِ إلى احتِمالِ وقعِها ورَجعِها، وليَدحُو مَسارًا تأمُّليًا في ما أخذَته باقترافِه كِتابةً غيرَ فَاعلةٍ، ثمَّ ليَحملَني، في الطَّريقِ إلى حَرفِه، مُتلفِّعًا بخَوفي منْ كَشفِه، حَتىَّ أحمِلَه إنفَاذَ حُدوثٍ تَاريخيٍّ مَا كَانَ له إلا أنْ يَكونَ. الهَسيسُ القَادمُ منْ صَحَائِفَ أسلمَتني يَديها قَطائِفَ ضَوءٍ في العَتمَاتِ الأولى منَ العَتبَاتِ، وتنَائِفَ احتقَبتْ يَديَّ في ابتدَاءاتِ اللُّغةِ التي انتزعَتْ وُريقاتِ مُفَكِّرةٍ لي شَردتْ، بيني وبيني، وأنا أحَدِّقُ في فراغٍ نَصيٍّ أخِذتُ به، وأنا أحْدِقُ بمنعَرج خَطيٍّ كَأنَّه عَصَاتيَ، بِكلِّ مآربها، إلى النَّهرِ.
وثَبَ الرَّقراقُ، مِنْ سُترتِه النَّائِمةِ في حِكَاياتِه، إلى حِكَاياتي هاتفًا بي: هَا وثبتْ أسوارٌ، على قَدرٍ، إلى خَبرٍ عنكَ وعنِّي، فمَا قَولكَ بَعدَ تأهُّبِ عَقدين ونَيفٍ إلى سُؤالِ انتبَاهِكَ، والفَتى يُهِلُّ واقفًا على شَيءٍ من سِرِّكَ في طيِّ سِتركَ ؟ فما أنتَ قَائلٌ بي ؟
وثبْتُ به، كأنَّ العَقديْن ما نهبَا العُمرَ إذا نهبَا، والحِكَايةُ تخلُصُ بي إليَّ: أكَانتْ لي الحِكَايةُ عنْ مكَانِ أنا منه الإشَارةُ للبَيانِ ؟ أنا سَمرُ اللَّيالي في مَداه ورَقرقةُ المثالثِ والمثاني أمْ السَّفرُ الذي أسرى لجينًا إلى الكَلمَاتِ سَافرةَ المَعاني، أم القَمرُ انتَضَى سَيفَ التَّجلِّي وبادَرني لأمحو تُرجماني، أم الخبرُ الذي كَانَ انسلالا إليَّ منَ المعتَّقةِ الدِّنانِ، وقدْ شَردتْ مُعلَّقَتي انوجَادًا بِسينِ الكَأسِ تَسلبُني زَماني، أم الخَدرُ انتبَاهٌ منْ حُروفٍ أنا منها الذُّؤابةُ للعيانِ، أم الشَّذرُ اكتِناهٌ للطيوفِ التي نامتْ عيونًا في بيَاني ؟
كَانَتِ الكِتابةُ عن سلا كِتابةً عنِ الذَّاتِ. لا كَانَ البَحثُ العلميُّ بمنبَتٍّ عنِ الواقفِ عليه. وقَفتُ على نهرٍ يفرُّ إلى صَمتِه منذ آمادٍ. وقَفتُ أستَرقُّ عُنفوانَه كَيْ يأذنَ أنْ أستبقَ بيانَه. خَرقتُ طاقةً لي لأظفرَ بشذرةٍ مَنفيَّةٍ في صَحيفةٍ، ولأعبرَ هامشًا بمؤلفٍّ إلى ما أجَاذبُه، لِفقًا إلى لِفقٍ، ليرتَسمَ المعنى. طرقتُ، منَ الفراغ، بابًا ثمَّ بابًا واستَوثقتُ أنني بالغٌ أسبابًا تَكونُ للكِتابَةِ أعتابًا. لا حِيادَ في الكَلام إلى الحُروفِ ولا لُغَةٌ بَيضاءُ في يدِ العِبارةِ. كُلُّ كِتابَةٍ عن الأدبِ أدبٌ، وكُلٌّ اختِلافٍ إلى الشِّعر شعرٌ. خَبرتُ المَناهِجَ، بَعدُ، فَعنَّ لي أنَّها، خارجَ النصِّ لا تعدُو بَرمجياتٍ آليةً، فكَتبتُ سلا سِفرًا مُوثَّقًا وآليتُ ألا أختِمَه إلا شِعرًا، ولمْ لا ؟ ولَكِنَّ التَّوجُّسَ كلَّه منْ بَيتٍ قالَه أبو العَلاءِ المعرِّي.
* المَعرفَة / المُؤسَّسَة / السُّلطَة في الثقافة المغربيَّةِ في سلا. 424 – 443 ( 2012 )


العُبورُ إلى الماءِ .. بعدَ العَقدَين / مصطفى الشليح 925028113928766702735797689187492148590794854805n
عبدالله
عبدالله

ذكر عدد الرسائل : 1760
العمر : 49
تاريخ التسجيل : 26/06/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى