صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.
صدى الزواقين Echo de Zouakine
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

الافتراضي والواقعي

اذهب الى الأسفل

الافتراضي والواقعي Empty الافتراضي والواقعي

مُساهمة من طرف said في السبت 2 فبراير 2008 - 15:24

هل يعرف القرن الواحد والعشرون هيمنة الافتراضي على الواقعي•••؟
" ترجمة وتقديم: ذ• عبد الرحمان العمراني




تدخل التأملات الواردة في هذه المقالة لفيسنتي فيردو، الكاتب الاسباني والتي نترجمها الى العربية ضمن ما يمكن تسميته بسوسيولوجيا الاحساس بالمعيش اليومي، او سوسيولوجيا المزاج العام، مزاج المرحلة l'air du temps فهي ليست مقالة أكاديمية تتولى تقديم الظواهر المستجدة بالوصف والتحليل والتصنيف البارد، ولا هي خطابا إيديولوجيا يحث على الفعل والانفعال ويقترح الوصفات والبدائل لما هو مستقر من أوضاع وبنيات، إنها بالاحرى محاولة متميزة لاستكشاف خبايا الشعور العام وتموجات المزاج الجماعي للمجتمعات الغربية المتطورة وهي تلج عتبة الالفية الثالثة، محاولة أن تبتعد عن روح الاحتفالية المنتشية التي عالج بها عدد من "المثقفين الاعلاميين" إرهاصات وملامح ما أصبح يعرف بالزمن الجديد، مؤكدين بتصميم وثقة تستعصي على الفهم، على قدرة عالم التواصل على إنتاج "لوغوس جديد" يجعل كل شيء رخوا مريحا وشفافا• وعلى الرغم من نهاية أية حقبة تاريخية كبيرة وممتدة كنهاية قرن من الزمن عادة ما ترتبط لدى الباحثين ولدى الحركات الاجتماعية والتيارات الايديولوجية على السواء بالتأرجح بين التفاؤل والتشاؤم، بين التصورات الحالمة والرؤى الكارثية، فإن تأملات فينستي حول طبيعة المرحلة القادمة تبتعد عن هذه الثنائيات المألوفة التي تصل ذروتها في الانتاجات والابداعات الفنية لمراحل الانعطاف والتحول• حقا، ان التفكير في مراحل الانعطاف والتحول يتسم عادة بالصعوبة، ويكون محفوفا بالمنزلقات، ذلك ان التحول مخاض، والمخاض بطبيعته حركة لم تستقر بعد على ضفة او جانب، ومن هنا تمرده على كل معالجة مفاهيمية هي بحكم الوظيفة تثبيت للمتحرك قصد تفسيره، لكن فيسنتي يقبض على ناصية هذا المخاض عند نقطة الوصول، ذلك ان الاتجاهات العميقة الماثلة أمامنا ونحن في بداية القرن الحالي بدأت في التبلور حسبما يبدو من ارتسامات فيسنتي منذ بداية العشرية الاخيرة للقرن العشرين• من الطرائف التي سجلتها الصحافة الفرنسية المهتمة بمواكبة الحقل الثقافي ان هيئة تحرير المجلة الفرنسية الشهيرة "XXsiécle" المتخصصة في التاريخ المعاصر لم تقم بتغيير اسم المجلة بما يواكب حركية المرور الى القرن الحالي، وكان التعليل الذي قدمته هيئة التحرير لذلك أننا حتى مع الانتقال الى عتبة الالفية الثالثة لازلنا نسبح في صميم الفضاء السياسي والثقافي العام الذي صاغ الافكار والتيارات ورسم الحوادث والاتجاهات الكبرى خلال القرن المنتهي: هل هو نوع من الحنين الى ماض كانت توازناته مفهومة ثابتة ومقروءة؟ هل هي مقاومة للجديد القادم الذي يرفض الافصاح عن نفسه وينفث أمام مرجعيتنا المألوفة والمتعبة ركاما من الرماد او دخانا كثيفا أسود يحجب الرؤية والرؤيا ويضبب الآفاق؟ هل هي رغبة في صيانة الماضي ولو بالتحنيط اذا لزم الامر؟ ان فينستي يقارب الموضوع بطريقة مختلفة، فهو من جهة يشير الى ان العدد من المفاهيم الرائجة التي أغرقت السوق الثقافي والسياسي حد التخمة من قبيل ما بعد الحداثة، وما بعد الاقتصاد، والفن ما بعد الانساني، ان هذه المفاهيم ليست في نهاية المطاف سوى "إيماءات غاضبة يسببها ألم العجز عن القطيعة باتجا المستقبل" مما يجعل استعادة الماضي واستحضاره تعويضا رمزيا عن فراغات الحاضر ونوعا من مقاومة الاتجاه العام نحو هيمنة الافتراضي على الواقعي، الذي تسجله بداية الالفية الثالثة بكل ما قد تعنيه هذه الهيمنة من تداعيات ونتائج تعيد صياغة مفهوم الواقع ذاته• تبقى الاشارة الى أن الفن والحركات الفنية على امتداد العصور الحديثة لعبت دوما دورا رائدا في تنقية المسالك وتعبيد الطرق الموصلة الى المشاريع والتصورات والمرجعيات والحساسيات الجديدة، ولذلك استحق الفن - دائما نعت الطليعية، لكن المشكلة، حسب فيستني ان الحركات الفنية اليوم تبدو كما لو أنها بصدد فقدان الوظيفة الاستشرافية التي لازمتها باستمرار• والسؤال الذي يتداعى من ذلك هو: إذا عجز الفن، فهل تقدر السياسة؟ " فيسنتي فيردو .
said
said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4523
العمر : 56
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الافتراضي والواقعي Empty رد: الافتراضي والواقعي

مُساهمة من طرف said في السبت 2 فبراير 2008 - 15:27

لقد كان من المنتظر أن يعطينا حدث الانتقال إلى القرن الواحد والعشرين احساسا بالغبطة والانشراح، لكن يبدو الآن أن لا أحد يرغب في مغادرة رحاب القرن المنتهي، فعلى الرغم من مآسيه المتعددة، وفر لنا القرن العشرون نوعا من الدفء الشبيه بدفء الاسرة، بوجباتها المألوفة وخلافاتها الاخوية الصغيرة• اما القرن الحالي الذي دخلنا عتبته فإنه يبرز كعالم مجهول، محمل بنزعة عداء، عالم تلفه سلطة الواقع الافتراضي•وخلافا لروح التعطش و التوثب التي طبعت القرن التاسع عشر ازاء التطورات العلمية والتقنية المرافقة للحداثة بدا القرن العشرون المنتهي مرتاحا لما حققه، فقليلة حقا هي القرون التي انتهت بمثل هذا الاحساس بالرضى عما انجز وتحقق، ونتيجة لذلك يتبدى القرن الحالي وهو في بدايته مترفا بأدواته ولعبه التكنولوجية،وشواغله الاخلاقية متراوحا بين البيوتيكنولوجيا ومختبرات الاستنساخ الاصطناعي فيما يظهر الاقتصاد الجديد رمز المستقبل هشاشة واضحة• تزامن الانتقال من القرن التاسع عشر الى القرن العشرين مع ثورتين صناعيتين، هائلتين: ثورة الفحم والحديد من جهة، وثورة البترول و الكهرباء من جهة ثانية، وكان الدخول الى القرن العشرين صاخبا ومدويا، مطبوعا بآليات التراكم، متساوقا بين محركات الاحتراق الضخمة والأحلام الثورية الجميلة، بين حركة الفنانين الطليعيين المناهضين للاوضاع القائمة، و بين المتخصصين في الزوايا المعتمة للاشعور•• كل ذلك تم على رافعة الكهرباء والمياه السيالة بسخاء والسيارة واجهزة الراديو، في تلك الأجواء كون الناس فكرة جميلة عن المستقبل وغمرتهم آمال عريضة ونزوعات أخلاقية عارمة واستقرت في اذهانهم قناعة بصفة اليقين - بأن واقع الاشياء لا يمكنه أن يتطور الا باتجاه الاحسن والاجمل بفضل اسهامات التكنولوجيا وتدخل الادارة الانسانية• ومقارنة بالقرن التاسع عشر، الرومانطيقي، الشاحب والمتهالك، فقد بدا القرن العشرون معافى ومفعما بالحيوية•ان ما يحدث اليوم مع الانتقال الى الالفية الثالثة، يبدو شيئا مختلفا تماما، فالعالم الذي يرسم في الافق يتبدى لنا ضبابيا وتجريديا مملا، عالما افتراضيا اكثر منه واقعيا، عاطلا، اكثر منه مشتغلا، فردانيا اكثر منه اجتماعيا، فبعد دوي الصناعة الثقيلة، هذا هو ذا زمن الصمت المطبق للاعلاميات وبعد الدوران المحلل للمحركات الضخمة، هاهو ذا زمن اشارات التواصل الالكترونية الباردة، وبعد اللهيب الاحمر المتوهج للافران العالية، هاهو ذا زمن اللمعان الخافت والسريع لآلات الليزر• لقد تحول المجال الانتاجي من طبيعة ثقيلة كثيفة الى طبيعة خفيفة سلسة ولزجة، وتميل الأجسام اليوم الى الرقة المتناهية فيما تنحو الاشكال الهندسية عموما الى اعتماد الحد الادنى من الكثافة التعبيرية، اما الرسائل و الإشارات الدالة فيتم نقلها بأقل الكلمات الممكنة، وليس هناك اليو م موضوعات أو مجالات لا تتعرض لغواية وسحر الشفافية، من حسابات وارصدة الاحزاب السياسية الى اندماج المقاولات والشركات العملاقة الى تجارب التكنولوجيا المعملية• ولا يقتصر الامر على هذه المجالات، بل يتعداها ليشمل صيحات الموضة والالعاب والالبسة واجهزة الحاسوب وادوات الطبخ، وحتى المظلات الواقية من المطر، فازاء رأسمالية الاستهلاك التي تزامنت مع عصر "الاينوكس" تنهض اليوم رأسمالية الشفافية التي تؤسس لنفسها اخلاقيات جديدة، حفيفة، سلسة ونابذة للألم والخشونة• ما العمل والسبيل اذن من أجل تمثل هذه الحقيقة الجديدة وغير المشخصة للقرن الواحد والعشرين؟ لا مناص من الاقرار اولا ان الانخراط في زمن القرن الجديد يصطدم برفض الاجسام الذهاب باتجاه الافتراضي والشبحي، ومع ذلك يبقى السؤال مطروحا: أليس الانسياق العارم صوب الافتراضي هو ما يرمز إلى التقدم ويشكل عنوانه؟ وبخصوص مفهوم التقدم ذاته، او ليس من باب المفارقات الكبرى أن مقولة التطور قلما جوبهت بما تجابه به اليوم من تشكيك على نطاق واسع، ومن فتور في الحماسة إزاء مقتضياته ودلالاتها؟ خلال الستينات من القرن الذي ودعناه كانت النظرة الى فكرة التقدم ايجابية، ولازلنا نتذكر - على سبيل المثال - المضمون الاحتفالي للدراسات المستقبيلة التي تفننت في تمجيد مستقبل سيقوم على مزيج من الرفاه والتسلية، لكن ومنذ الازمة البترولية لسنة 1973 وخلاصات منتدى روما club de Rome حول "حدود التطور" فقد غادر التفاؤل المزاج العام ولم يعد يسكن النفوس والقلوب، وبدأ العالم الغربي منذ ذلك الحين يعيش على ايقاع الفكرة القائلة بأن المستقبل قد لا يكون مملكة للسعادة والرخاء، وان هناك احتمالات كبيرة بتمخض نتائج كارثية عن التجديدات التقنية التي افتتن بها الناس في السابق• خلال الستينات كان هناك شغف كبير بتصوير عمليات غزو الفضاء، ووقفت فئات اجتماعية عريضة تنتظر على أحر من الجمر اطلالة المساء الاحتفالي للاشتراكية ذات الوجه الانساني، وطفح على السطح امل كبير في مقدم سلام أشبه ما يكون بسلام حالة الطبيعة الاولى، معطر -عند الحركات الهيبية آنذاك - بعطر الماريغوانا، من كل ذلك لم يتبق شيء يذكر عدا ذلك المفهوم الغامض وغير المجسم، مفهوم الزمن الجديد The new age لقد خبا بريق الخيال العلمي والملابس الحديدية لـ Paco Rapani تبدو مجرد أقنعة بالية لعهد سابق، أما الشيوعية فتبدو ـ في الأكثر ـ كمذهب غرائبي النكهة والمضمون• يبدو كما لو أن التاريخ يرفض السير إلى الأمام، كل الإيديولوجيات المهيّجة والمعبأة غادرت الساحة من بابها الواسع، حيث تعطي هذه الساحة اليوم الانطباع للمتجول في جنباتها بأنها باتت تنبذ التيارات المذهبية ولا تقبل غير الشفافية المطبوعة بافتقار سؤال المعنى والمآل•
said
said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4523
العمر : 56
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الافتراضي والواقعي Empty رد: الافتراضي والواقعي

مُساهمة من طرف said في السبت 2 فبراير 2008 - 15:28



هل من دلالة بعد هذا للتوقعات بالنسبة لمستقبل القرن؟ ألا تكون هذه التوقعات بمثابة تصريف لمجهود هائل من أجل استثمار عاطفي غير مضمون النتائج ومأمون العواقب؟ هل هناك من طوباويات جديدة يمكن السعي إلى تحقيقها بالتعبئة والإصرار؟ ألا يكون ذلك بمثابة مهمة عصيبة في سياق ما وصلت إليه المرحلة الراهنة من إحباط سياسي عام؟إن العالم الذي نعيش اليوم في أحضانه يتأرجح بين الأوتوماتيكيات الرقمية التي تمليها ـ أو تفرضها ـ التكنولوجيات الرائدة، وبين روح التشكيك التي تشيعها وسائط الاتصال، وبين نوع من القدرية، قدرية البحبوحة الاستهلاكية التي يفرضها السوق المعولم• وهذه العناصر الثلاثة مجتمعة تتمظهر كمؤشرات على الفراغ الإيديولوجي المفزع الذي يحوم كطيف فوق كل الأشياء: ففي مجال العلوم يطمح علم الجينات إلى إقامة نوع من ما ـ بعد الجنس أو النوع، وفي المجال التكنولوجي يعمل الانتشار غير المراقب للأنترنيت ـ انتشار بدون أفكار ـ على إذكاء انزلاقات جديدة تفسح المجال لما بعد ـ المواطن post - citoyen ، نوع من المواطن المجرد الذي يشتري ويسافر ويُغير هويته عن بعد من خلال الأنترنيت• وهكذا إذن، فإن علم الجينات والأنترنيت والسوق المعولم الواقعة جميعها في ممالك على الحدود بين الروحي والتقني، تفرز من ذاتها سلطة غامضة، مبثوثة في كل الزوايا، مستعصية على التحكم والمراقبة• تقليديا كان الإيمان بالتقدم يسير جنبا إلى جنب مع الثقة في قدرة الناس على ضبط وتوجيه مجموع القوى المادية لما فيه صالح المجتمع ونموه• إن الخوف من التقدم يستقر في الأذهان ويتملك العقول حينما يتبلور إحساس عام لدى الناس بأن تلك القوى المادية صارت تتجاوزنا وأنها قد تجرفنا في سياق مساراتها الهادرة وغير المتوقعة••• انهيار الاقتصاديات الصاعدة، انهيارات متواترة لكبريات البورصات الغربية، أمراض بالجملة (الإيدز، الإيبولا، الريوكسين، مرض ماربوغ، جنون البقر••• إلخ) كل هذه الكوارث لها قاسم مشترك وطابع مميز يتمثل في عدم قابليتها للمراقبة والتفسير• ومن فرط تواتر النتائج والتأثيرات غير المتوقعة يتعزز بشكل تدريجي لدى الناس، خوف غامض من حاضر يبدو غير منتظر، منقطع ولولبي الاتجاه والمسار• إن عصرنا هذا عاد الى إنتاج مآسي وفظاعات جرى الاعتقاد بأن المجموعة البشرية قد ودعتها الى غير رجعة، حيث بدا التاريخ في نهاية القرن العشرين، وكأنه يرفض السير الى الأمام، بدا كما لو أنه يعيد صقل أحداث وحوادث مر بها العالم خلال مراحل سابقة من القرن ذاته، الحركات القومية المتطرفة، العنصرية، معاداة الأجانب، الحروب الإثنية والدينية في قلب القارة الأوربية، الأوبئة في افريقيا والهند، الحركات النازية الجديدة، خطر الانتشار النووي وغيرها من الكوارث والمخاطر التي تغذي الإحساس بعودة فظاعات سابقة• نفس الانطباع تفرزه الأزمة الاقتصادية ومعدلات البطالة المرتفعة المسجلة في بداية التسعينات، والتي أغرقت العالم ـ لفترة ـ في شبح الخوف من ظرفية الثلاثينات• الانطباع ذاته نقف عليه حين نتأمل مجال الفن، فبعد الإجهاد على امتداد عقود من الزمن في الإعلان عن نهاية فكرة الطليعة، ها هي ذي الحركة الفنية تكرر نفسها في دورة لولبية تجعلنا نشعر في كل مرة أننا نشاهد ما سبق أن شاهدناه في السابق• أما الحركات المناهضة للعولمة في سياتل وواشنطن وبراك وبارس والتي تم تقديمها والنظر إليها، كما لو أنها كانت تحمل جديدا حاسما، فلا يجوز أن ينسينا زخمها الهائل أو المعالجات الإعلامية المكثفة بصددها أنها حركات تنشط اليوم بزعامة نفس الرموز والزعامات التي أطرت الحركات الاحتجاجية للستينات: سيلفيا هارت، جون زيرزان، بول دريسدان، إن حركية هؤلاء تعيد إلى الذاكرة ما كان يصطلح عليه بالثورات الثقافية المضادة خلال مرحلة احتلت فيها الساحة الإعلامية أسماء مثل جاك كيرو ومالكم لوري وألين كينسبرغ• المابعد The post أو التضخم المتكرر للمعتاد ذاته: إن الرفض اللاواعي للمستقبل، المصحوب بغياب مشروع جديد أدى ـ فيما أدى إليه ـ إلى انتعاش الرغبة في استرجاع الماضي، ويظهر هذا جليا في مجال الفنون التشكيلية، إذ نرى كيف تمتزج اليوم الواقعية بالانطباعية، والتجريد بالتبسيطية، وتتقاطع الاتجاهات الطليعية بالفنون الشعبية، ولا يقتصر هذا المنحى العام على مجال الفن، بل يمارس تأثيره في مستويات أخرى ومنها مستوى الاختيارات الثقافية والموضة (على افتراض أن هناك اختلافا اليوم بين الثقافة والموضة)• إن الاحتفالات وتخليد الذكريات، ذكريات الأحياء والأموات والنجاح الواسع الذي تلاقيه الرواية التاريخية، ثم إن الشغف بالأشياء والأشكال الكلاسيكية وبالمتاحف وبإعادة النبش في مخزون التقاليد والفلكلور وإعادة إحيائهما، وكذا ترميم المآثر والأبنية القديمة والعودة إلى كل ما يرمز الى الريف والحياة الريفية•• كلها ظواهر تبرز أن وراء كل صيحة تبدو جديدة أو براقة، تتخفى رغبة غامضة في استرجاع الماضي واستعادته • مثل هذا الولع برحلات استكشاف الماضي واستعادته لم يكن له نظير خلال نهاية القرن التاسع عشر ولا حتى قبل ثلاثين سنة من اليوم•• لنتذكر أن شعار "هنا والآن" الذي صرخ به الشباب ملأ الحناجر مطالبين بالثورة الاجتماعية والسياسية والثقافية كان يترجم في العمق تعلقا بالحاضر المباشرو الآني، أما اليوم، فإن الناس يودون لو لم يكن الحاضر موجودا، أو على الأقل أن لا يكون موجودا بتبعاته وانعكاساته ونتائجه، أن لا يكون محملا بواجبات ومسؤوليات إزاء المستقبل، انهم يودون لو يكون الحاضر بمثابة رحلة مستقرة على حدود القرن ومشارفه، سيما وأن هذه المرحلة وقد استبد بها الخوف وتملكها بالكامل، لم تعد تقوى على الإطلالة باتجاه المستقبل خوفا من أن تجرف هذه الإطلالة كيانات ورموزا يتعلق بها الناس ويحبونها كذكريات جميلة رغم أنها فقدت معانيها ودلالاتها ومضمونها التاريخي العميق• إن الرغبة في استرجاع الماضي واستعادته ليست ظاهرة جديدة ، غير أنه ينبغي تسجيل ملاحظة أساسية تبرز الاختلاف في آليات الاسترجاع، بالقياس الى السابق: ذلك أن الأسفار باتجاه الماضي، في حقل الفنون اليوم مثلا، لم تعد تتم بغرض توسيع الأفق وإثراء المعنى، بل على العكس من ذلك، فإن رحلات استكشاف الماضي لا تعمل إلا على اجتثاث شذرات وعناصر من هنا وهناك، بعيدا عن سياقاتها الأصلية واستجابة لحاجيات استهلاكية ليس إلا• لا وجود اليوم لإرادة واضحة لمعاكسة سير الأشياء أو سبر غورها، أو مناهضة الأوضاع المستقرة، أو تقديم ما يزعج الراحة أو يخض النفس أو يحث على الرجة، ما يحرك الناس هو هاجس البقاء، لم يعد مقبولا إزعاج الناس بأي شكل من الأشكال، ومن أجل أي هدف كان، وصار كل المطلوب - والمقول - العمل على تسليتهم• تشتغل آلية استرجاع الماضي كما يشتغل مهرجان حافل بالتسلية وخفة الروح، كل شيء يبدو مزيفا، ويصبح الزيف حصنا منيعا ضد قلق الحقيقة ورعونة الواقع• يتم اللعب بالعقود والحقب الزمنية تماما كما يلعب الفنان البهلواني بكراته، ينقلها من يد الى أخرى يشيع الغموض وسط رقعة اللعب ويسعى الى أن يحجب عن الناظرين سريان الزمن في نوع من اللامبالاة• إنه الهروب - أو محاولة الهروب - من الحدود الزمنية، لعل في هذا الهروب ما يعفي الناس من الوقوف على انهياراتهم• استعادة الماضي تشتغل أيضا على شاكلة نظرة عين ميثولوجية، يبرق في ثنايا جفونها الحاضر والمستقبل، القديم والجديد، إن آلية الاسترجاع تمكن الناس لا فقط من استحضار الماضي، بل هي توفر لهم - وهذا أهم - نوعا من الاحساس بأن الزمن توقف عن السير والانسياب، وأن لا شيء قد يباغتهم أو يفاجئ وجودهم، إحساس بقابلية الزمن للرجوع الى الوراء• يبدو الحاضر متنقلا بين جنبات معرض للتسلية والترفيه: ترسانات بكاملها من الأساليب والأشكال الضابطة لإيقاع اليومي المعيش تقدم نفسها منفردة أو مجتمعة، مستقيمة أو مقلوبة، كسلع معروضة في سوق عالمية صغيرة وفي مرحلة (نهاية قرن وبداية آخر) أصبح فيها كل شيء مرصودا للبيع بالمزاد العلني كما في معرض بحدود لامتناهية• في هذا السياق فإن ما بعد - الحداثة، لا ترمز، في نهاية التحليل سوى الى نهاية المرجعيات والحكايات الشمولية، مما أفسح المجال لأكوام ورزم من الحكايات الصغيرة، حكايات بدون تواريخ، بدون أهداف أو انشغالات حول سؤال المعنى والمآل، حكايات أشبه ما تكون بحلقات فيلم متلفز قابلة للإعادة المكرورة في حركة عود على بدء• تمور الساحة الثقافية اليوم بصخب الحديث عما بعد الحركة النسوائية، والفن ما بعد الانساني، وما بعد - الاقتصاد• هل يعني ذلك ولادة جديد حاسم علي صعيد تلك المجلات، أم أن الأمر لا يعدو كونه امتدادا أو لنقل نموا بالتضخم لما كان قائما وموجودا من قبل بعيدا عن منطق الحركة أو مفهوم التراكم؟ ضمن هذا التوجه يتعين أن نقرأ هذا السعي الحثيث الذي نلاحظه في الحياة اليومية لإطالة امد كل الأشياء، وحيث يتم ذلك، لا من أجل إعطاء الأشياء وجودا متجددا أو مختلفا، ولا بغرض تثوير الواقع لمعيش ومناهضة أسسه، ولكن فقط من أجل تأجيل شبح النهاية الى أقصى حد ممكن• إن الرغبة المهووسة بإطالة أمد الحياة البشرية بالوسائل الاصطناعية والعقاقيرية هي مؤشر بالغ الدلالة والترميز على هذا الهاجس المرضي الجديد، وأكثر من أي وقت مضى تبدو حياة الناس مشدودة الى ما يشبه التنفس الاصطناعي، حياة كمية ولا مبالية، قائمة في كل مرة على التنوع والتعدد، لكنه تعدد للقديم وتنوع لذات المعتاد بدون مشروع كبير أو أفق مفتوح• هل نحن سائرون نحو هيمنة الافتراضي على الواقعي؟ يمتلئ العالم الغربي بالوسائل المادية والسلع من كل صنف، ولكنه يشكو من فقر فظيع على صعيد المعنى والأهداف، أينما أدرت عينيك ستجد أجهزة الهاتف النقال والحواسيب، المفكرات الإلكترونية والأجهزة العالية التقنية المثبتة على لوحات سياقة السيارات، ستجد الاعتماد المكثف على المعلوميات من طرف المقاولات والشركات الكبيرة والصغيرة، ستجد عددا لامتناهيا من وسائط الاتصال (دون أن يصاحب ذلك فعلا تبلور موضوعات جديدة للتواصل)• لقد أصبحت صيغة الما بعد Post تعبيرا مجازيا عن القطيعة، لكنها قطيعة باتجاه الماضي، إن هذا التعبير المجازي ليس في نهاية المطاف سوى إيماءة غاضبة يسببها ألم العجز عن القطيعة باتجاه المستقبل• هنالك بالطبع تلك الفئة من عناصر النخبة التي تفننت في تقديم الوصفات الجاهزة حول تحولات الألفية، هناك ايضا تلك الفئة من رجال السياسة وخبراء الاقتصاد، التي تجهد نفسها في التنظير والصياغة المفاهيمية للنظام العالمي الجديد، هنالك أيضا فئة الرادكاليين والأصوليين، من كل حدب وصوب الذين يصرون بحماس فورا أنهم صاروا قاب قوسين أو أدنى من النجاح في رد خصومهم السياسيين عن غيهم، أو عن ميوعتهم، لكن يبدو أن لا شيء مما تطرحه هذه الفئات كلها يمكن إدراجه ضمن مجال الواقعي، إذ يبدو المستقبل أعمى أو ابكم، محاطا بسور زجاجي ضخم منتصب على حدود القرن المنتهي، تتحطم على قوائمه في كل محاولات القفز أو لمرور الى آفاق أخرى• إعادة استكشاف الماضي وتخزين مستقبل مستهلك مسبقا في الذاكرة، هو شعار عالمنا في مجال الفكر وفي مجال الأشكال والأساليب• هل كان القرن العشرون آخر قرن واقعي وصلب؟ حيث السلطة للواقعي على الافتراضي، للنقود المعدنية علي النقود الرمزية غير المرئية، وحيث الأسبقية للحياة على تقنيات إطالة أمد الحياة، وحيث للإيديولوجيا الأسبقية على الفرجة، وللواقع أسبقية على واقع الفرجة؟ منذ أن كتب آرثر كلارك حكايته الخيالية ا لشهيرة "أوديسا الفضاء" سنة 1968، صارت سنة 2001 تمثل في المتخيل العام النقطة التي يفترض أن يطلق فيها الناس العنان لأحلامهم وطوباوياتهم بدون حدود، ويبنون المدن الفاضلة• لكن الزمن الواقعي - الحقيقي الموازي للسنة الميثولوجية في عمل آرثر كلارك جاء محملا بمخاوف القرن الماضي: التهديد النووي، البطالة المعممة، التحكم الجيني وتبعاته القانونية والأخلاقية، الفساد السياسي والارتشاء، عصابات المافيا، الكوارث البيئية، الإرهاب••• إلخ• جاء هذا الزمن الواقعي محملا بكل هذه المخاوف والفزاعات ومحروما - يا للخطورة - من الدعم الهائل الذي كان يوفره التعلق والايمان بالتقدم• القرن الذي دخلنا عتبته والمفتقد لجاذبة الجديد ينحو الي معاداة وتدمير كل الأعمال والإبداعات العاطفية والفوارة بالحماس، سواء اتخذت صبغة المعالجة المفاهيمية أو اتخذت صيغة ميثولوجية، وهي الإبداعات التي كانت قد انتعشت خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وحتى عمليات غزو الفضاء التي كان ينتظر منها أن تفتح الطريق نحو حقيقة رمزية جديدة لم تعد أكثر من حلم معلق في الهواء•• حيث تطوف المركبات الفضائية اليوم حول هوامش الأرض دون اقتناع أو حماسة، تغطي في الأحسن والأكثر المسافة الفاصلة بين العواصم المتقاربة، أما حكايات الكائنات الفضائية فلم تعد تثير فضول أحد عدا الأطفال الصغار ومحبي السينما العجائبية• لقد توقف الناس عن التفكير - أو الأمل - بمستقبل زاخر بالتكنولوجيا وطافح بالسعادة والفرح وتملك الجميع هاجس الحاجيات اليومية الضاغطة، السكن، الشغل والأقساط المختلفة والمتزايدة للتأمين، وعوض انتظار الفرح الذي كان من المفروض أن يوفره قرن مرح لا حدود فيه للإمكانيات المتاحة، صرنا نرى اليوم ونلمس كيف يرفض الناس الانخراط في مغامرة الواقعي•

مجلة البريد الدرلي (يناير 2001)
2008/2/2
الإتحاد الإشتراكي
said
said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4523
العمر : 56
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى