صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

السيرة الشعبية للإمام على بن أبى طالب

اذهب الى الأسفل

السيرة الشعبية للإمام على بن أبى طالب Empty السيرة الشعبية للإمام على بن أبى طالب

مُساهمة من طرف منصور في الخميس 14 أبريل 2011 - 17:09

(1)

- فتحه السبعة حصون وحروبه مع الجان والمردة والعفاريت الكفرة

ــ "عرفطة" الجني المسلم يستغيث بالرسول أن ينقذهم من الجن ومردتهم وعفاريتهم عبدة الأوثان

ــ "الهضام" ملك الجان يعبد الأصنام ويرفض الرسالة المحمدية

ــ السيرة تدعى أن جبريل أبلغ النبي أن الله عز وجل اختار ابن عمه لمحاربة كفار الجان

ــ جبريل للرسول: الله يقرئك السلام ويقول لك: إن دمار القوم ودمار صنمهم على يد رجل يحبه الله والملائكة وهو سيف نقمتك وباب مدينتك

ــ حكاية الصنم "المنيع" والحفرة التي سموها جهنم والزبانية الذين يعذبون العصاه

ــ نص الرسالة التي كتبها الإمام على باسم الرسول إلى ملك الجان الكافر



عن
علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه قال: كنت مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم في مسجده المبارك وكان ريح ومطر، إذ سمعنا صوتا جهوريا من وراء
المسجد يقول: السلام عليك يا محمد ورحمة الله وبركاته، فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، فالتفت لنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم وقال: ردوا على أخواتكم السلام رحمكم الله، فقلنا: يا
رسول الله على من نرد ونحن لم نر أحدا، نرد على الملائكة أم على الجان؟،
فقال: بل على أخوانكم الجان الذين آمنوا وصدقوا برسالتي، ثم نادي رسول الله
صلى الله عليه وسلم: اظهر لنا أيها المتكلم لنراك، فظهر لنا شيخ قال علي
رضي الله عنه: وإذا به عرفطة بن شماخ، وكنت به عارفا لان النبي صلى الله
عليه وسلم، قد أرسلني معه إلى قومه، فأحرقت بأسماء الله تعالى وبنوره منهم
زيادة عن خمسين قبيلة من الجن وآمن منهم خلق كثير، فسلم عرفطة على رسول
الله صلى الله عليه وسلم وجلس (بجوار) النبي فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ما حاجتك؟، قال: يا رسول الله قد جئتك لأخبرك عما نحن فيه، الحرب
والوقائع وقتال القبائل الجواهل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مع من يا
عرطفة؟، فقال: مع كفار الجن ومردتهم وكذلك مع عفاريتهم عبدة الأوثان،



جنة المنيع وناره



فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ديارهم قريبة منا أم بعيدة يا عرطفة؟،
فقال: يا سيدي في جبال وأوكار وأودية شتى، قد أهلكنا منهم خلقا كثيرا
واهلكوا منا خلقا كثيرا، وان لهم صنما يسمونه "المنيع"، وقد تعالى الله عز
وجل عن أن يمثل وهو السميع البصير، فصنمهم هذا قائم بخدمة الملك الهضام بن
الجحاف بن عوف بن غانم الباهلي الملقب بمرآة الموت لعنه الله، والصنم
المنيع موكل به مارد يقال له عنريس بن دريس بن إبليس، وله عشيرة عظيمة
وقبيلة جسيمة ونحن في غزوهم وجهادهم، وقد اشتدت بلية القوم وتعاظم أمر
الهضام وكفر بالله تعالى واتخذ من دون الله إلها يسمونه المنيع، وجعل له
جنة ونار وجعل له زبانية وسماهم الغلاظ الشداد، وجعل له ملائكة وسماهم
البررة الكرام، وجعل في جنته الأشجار والأنهار والأطيار، وجعل فيها
المخدرات المنعمات وسماهم الحور العين، وجعل لها عرشا وكرسيا، ومن العفاريت
الطيارين وسماهم الملائكة المقربين، وأنت رسول الله لم يبلغك من ذلك كله،
وقد اشتد تمرد القوم وطغيانهم وكفرانهم لرب العالمين.

(قال
الراوي) فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفطة اشتد به الغضب
حتى كاد يضطرب كالسفينة في الريح العاصف، وسجد على الأرض طويلا ثم رفع رأسه
وقد سكن ما به من غيظ ولمع النور من بين عينيه صلى الله عليه وسلم حتى لحق
عنان السماء ثم أقبل على عرطفة وقال له: انصرف شكر الله سعيك وأحسن إليك
وأنا ابعث إليهم رسولا وهو خليفتي(المطبوع: حنيفى) ونقمتي على أعدائي، فقال
عرطفة: يا رسول الله إذا بعثت للقوم رجالا من الأنس أبادوهم وقتلوهم، فان
عساكر الأنس لن(المطبوع لم) يطيقوا قتال الجن ومردتهم، ولن(ط: لم) يبلغك ما
تريد إلا الفارس الصنديد والبطل الشديد، قالع الحلقة والقصر المشيد ومبيد
الإنس والجن في البئر العميق، مفرق الكتايب ومظهر العجايب والغرايب، صاحب
الحسام القاضب والغمام الساكب ابن عمك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ثم
غاب عرطفة عن أعين الناس، فنظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد
تغير لونه وظهر غيظه واحمرت عيناه وتقوس حاجباه، فعم ذلك على المسلمين
وجلسوا حوله ينظرون إلى الأرض ويحدقون إلى الإمام علي كرم الله وجهه،
ويشيرونه عما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم، والإمام علي لا يتكلم ولم
يرد عليهم.



جبريل يكلف الإمام علي



(قال
الراوي) فبينما الناس في ذلك وإذا بجبريل عليه السلام قد نزل من عند رب
العالمين، فوثب له النبي صلى الله عليه وسلم مسرورا وهو ينادي: لبيك لبيك
اللهم إنا نسألك الفرج منك يا مفرج كل كرب ومزيل كل هم وغم، وخرج النبي صلى
الله عليه وسلم من المسجد، وقال: لا يقم أحد من مكانه حتى أعود إليكم،
وخرج فمكث قليلا ثم رجع إلى أصحابه وهم جلوس كل واحد منهم في مقامه، وقد
تهلل وجهه صلى الله عليه وسلم فرحا وسرورا وجعل النور يشرق من بين عينيه
صلى الله عليه وسلم، فوثب(ط: فتواثب) الناس إليه يسألونه عن أمره.

(قال
الراوي) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اجلسوا بارك الله فيكم، فجلس
الناس جميعا وصمتوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أين سلمان(سلمان
الفارسي: صحابي، توفى سنة 32هـ) وعمار(عمار بن ياسر، صحابي جليل من أوائل
من أسلموا، استشهد في موقعة صفين سنة 37هـ، عن عمر 97 سنه)؟، فأجاباه
بالتلبية: ها نحن بين يديك قل ما شئت يا رسول الله، فإنا لكلامك سامعون
ولأمرك مطيعون، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: سيروا في شوارع
المدينة(وهو ما يعنى أن هذه الواقعة كانت بعد الهجرة المحمدية) ونادوا
الصلاة جامعة بمسجد المختار، الله الواحد القهار، فلما سمع الصحابة منه صلى
الله عليه وسلم ذلك النداء، جعلوا يهرعون إليه من كل جانب ومكان حتى امتلأ
المسجد بالنبي، ثم صعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر( كان النبي يخطب
مستندا على جزع نخلة قبل أن يتخذ منبرا، وذكر انه أول من اتخذ المنبر) وخطب خطبة بليغة فشوق إلى الجنة ونعيمها وحذر من النار وجحيمها.



خطبة الرسول



(قال
الراوي) قال النبي صلى الله عليه وسلم معاشر المسلمين: إن الله جل وعلا
تقدست أسماؤه ولم يتخذ صاحبة ولا ولدا ولا اله غيره بعد، رفع السماء بلا
عمد وأرسى الجبال بلا وتد، وزين السماء بالنجوم الزاهرات والأفلاك
الدائرات، وأجري فيها الشمس والقمر آيات لأولى الألباب، وبسط
الأرضين(مفردها: أرض) بحكمه على تيار الماء وثبتها بالجبال الراسيات، واضحك
تغوير البقاع الجامدات بفيض دموع السحاب المسخرات، وثبت الرياح العاصفات
مخاليب الطيور الصافنات(الطائر الذي مَهَّد لفراخه فراشاً من الحشيش
والريش) وقوى قبة الجبال الراسيات تلاطم أمواج البحار الزاخرات(الزاخر:
الفائض الطامى) وعلق أستار وأوراق الأغصان النضرات

(قال
الراوي) ثم قال رسول الله صلى عليه وسلم: أيها المسلمون، أنا بشر منكم آكل
مما تأكلون واشرب مما تشربون ولا اعلم ما كان ولا يكون ولا يحيط بذلك علما
إلا من يقول للشئ كن فيكون، ثم بعد ذلك أعلمكم أنه قد وفد على عرفطة من
إخوانكم في الدين وهو من الجن المؤمنين، وقد اخبرنا عن اللعين الملك الهضام
ابن الحجاف بن عوف بن غانم الباهلي لعنه الله، قد اتخذ له صنما وسماه
"المنيع"، وصنع له جنة ونارا وملائكة وزبانية(ملائكة التعذيب في جهنم،
يدفعون أهل النار إليها)، فيدخل من أطاعه وأطاع صنمه في جنة، ويعذب بناره
من عصاه وعصى صنعه، وقد غره حكم إبليس اللعين واستدراجه وآهاله( فزعه)،
فلما سمعت ذلك كبر علي وعظم لدي ولا خفف عني ذلك إلا حبيبي جبريل، وقد
آتاني وأخبرني عن ربي عز وجل، وهو يقول يا محمد: الله يقرئك السلام، ويخصك
بالتحية والإكرام، ويقول لك: إني قد علمت بما في نفسك وما قد نزل بك، واني
مبشرك أن دمار القوم ودمار صنمهم على يد رجل يحبه الله والملائكة، وهو سيف
نقمتك وباب مدينتك( نسب للرسول أنه قال: أنا مدينة العلم وعلى بابها)
الذى(ط: التي) ما سجد لصنم قط، وهو زوج البتول(فاطمة الزهراء ابنة الرسول
عليه الصلاة والسلام) والمتولي لدعوتك وحامل رايتك، الفتى الولي مفرق
الكتائب ومظهر العجائب والغرائب، الحسام الغاضب والليث المحارب
والغيث(المطر الغزير) الساكب لبني غالب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم
الله وجهه، وهذه إشارة من عند ربي الأعلى، ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم
كشف عن يده فإذا فيها حريره سوداء، مكتوب فيها بقلم القدر لم يكتبها كاتب،
فلما نشرها صلى الله عليه وسلم ظهر لنا نور له شعاع عظيم، فقال الصحابة: يا
رسول الله اخبرنا بما فيها، فنظر فإذا فيها مكتوب:" بمشيئة الجبار أمر من
الطالب الغالب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه"، ففرح
المسلمون بذلك فرحا شديدا، وقالوا: لقد فاز من أمر الجبار وقربه برسول صلى
الله عليه وسلم وعلى الله الأخيار وأحزن بذلك الكفار.



أرض الهضام



قال
الراوي: ثم أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقبل على أصحابه وقال لهم: معاشر
المسلمين هل فيكم من وصل إلى ديار اللعين الهضام بن الجحاف بن عون فيخبرنا
بما شاهد من أبطاله وأعوانه وكفره وطغيانه، فقام عند ذلك رجل من المسلمين
يقال له عبد الله بن أنيس الجهني رحمة الله عليه(أنصاريا: هو الذي سأل
الرسول عن ليلة القدر، توفى سنة 74هـ) فقال: أنا أخشى أن يداخل قلبك الوهم
والهم عن وصفي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل يا ابن أنيس فإنا لا
نخاف مع الله أحدا، فقال يا رسول الله: أنت بأبي وأمي أن خبره عظيم، أن
الهضام بن الجحاف لما نظر إلى أصنام العرب التي يعبدونها من دون الله عز
وجل، وجعل في سماء القبة حجرا من المغناطيس، وفي أسفل القبة حجرا أخر، وعن
يمين القبة حجرا، وعن يسارها حجرا يوازن بعضها بعضا ويعادل بعضها بعضا،
وأوقف الصنم في وسطها في الهواء يجذبه كل حجر بقوته، وذلك الصنم مرصع
بالجواهر واليواقيت(مفردها ياقوته: من الأحجار الكريمة) النفيسة وكساه
بالحرير الملون، ونصب له كرسيا مرتفعا مكللا بالدر والجواهر، وشده بقضبان
الذهب الأحمر والفضة البيضاء، فما كان من العاج الأبيض كانت كواكبه من
الذهب، وما كان من الأبنوس الأسود كانت كواكبه من الفضة البيضاء، جعل لتلك
القبة بابا عظيما من الذهب الأحمر، وعلق على باب القبة سترا مزركشا، وعلق
من داخل القبة قناديل من اللؤلؤ بسلاسل من ذهب يوقد بطيب
الادهان(ط:الأذهان)، وبني من خارج القبة بيتا عظيما مانعا بالعلو، وجعل سقف
القبة من خشب الصندل وفصل أرضها وحيطانها بالرخام الملون، وجعل من ورائها
بيتا آخر مثل البيت الأول، ومازال كذلك حتى جعلها سبعة بيوت على بعضها بعضا
ولها سبعة أبواب، منها ما هو من العاج، ومنها ما هو من الأبنوس وغير ذلك،
وقدر ركب في تلك البيوت جامات(مفردها جامة: وهى الزجاج) من البللور المختلف
الألوان، فإذا طلعت الشمس على تلك الكواكب أشرق نورها على تلك البيوت
والقبة، وجعل على كل باب حاجبا موكلا به، فإذا ورد إليه وارد (ط: وأراد) أو
قصد إليه قاصد من بعض الملوك أوقفه الحاجب الأول والثاني كذلك، حتى ينتهي
إلى الباب السابع، وكلما جاوز بابا نظر إلى غيره، فإذا هو أعظم من الذي
قبله، فإذا وصل إلى المكان الذي فيه عدو الله الهضام وجده جالسا على
سريره(عرشه، كرسي الملك)، وقد أحدقت به جنوده والحجاب حوله، فإذا وقعت بين
يديه أمره الهضام بقلع ثيابه فيقلعها ويلبسونه ثيابا غيرها، ويقولون له: إن
ثيابك هذه عصيت فيها، فهي لا تصلح أن تدخل على الإله المنيع وأنت تطلب منه
الغفران، ثم يدفع له خاتما من الحديد ويقولون له: إن هذا الخاتم الذي تريد
به عفوه عنك، فإذا ثبت في يدك فقد عفا عنك وقبل توبتك، ثم بعد ذلك يأمر
الملك الهضام بفتح القبة لذلك الشخص، فإذا دخل على الصنم وجد في نفسه شيئا،
فيظن أن الصنم قد قربه إليه، فيقولون له أشد يدك على الخاتم ولا تخلعه
فيغضب عليك الذي أنت طالب رضاه، وكلما قرب من الصنم جذبته السلسلة إلى
ورائه، فإذا كان لا ينقلع الخاتم من يده يأمرونه بالسجود فيخر ساجد، ولم
يزل كذلك حتى يهتف به من جوف الصنم الشيطان الموكل به ويأمره بالقيام فيقوم
فينذر ذلك الشخص مما أمكنه من الذهب والفضة أو جواهر أو جوار أو عبيد أو
خيل قدر ما تصل إليه قوته، وقد استولى اللعين الهضام بهذه الحيل على أموال
الناس.



جهنم



فلما
فرغ من ذلك خرج إلى فلاة (الأرض الواسعة المقفرة، ج: فلا وفلوات) عظيمة
ملء الأرض فجمع الصناع، وأمر بحفر حفرة طويلة طولها أربعمائة ذراع وعرضها
مثل ذلك، ثم جعل لها أساسا وبناها بالصخور العظام، وأوقف عليها ألف عبد
أسود غلاظا، وأفرد لها ألف بعير يحملونها الأحطاب والأخشاب، وألف عبد
يجمعون لهم ذلك ويحملونه إلى الحفرة، وألف يضرمون النار في الليل والنهار،
وسمى تلك الحفرة جهنم، حتى إذا مر بهم طائر احترق من شدة لهيبها، وبني لها
درجات عاليات، ولما فرغ من ذلك بني دائرة واسعة طولها عشرون فرسخا( الفرسخ
حوالي خمسة كيلو مترات) وعرضها مثل ذلك، وجعل طينها المسك والزعفران
وأحجارها من جميع الألوان، مثل الأحمر والأصفر والأبيض والأخضر والأزرق،
وغرس فيها الأشجار وجمع فيها كامل الأوصاف والأطيار، وبني في وسطها دكه
بيضاء من الرخام المختلف الألوان، واتخذ فيها قصور وجعل سقوفها من الذهب
الأحمر والفضة البيضاء، وجعل فيها مجالس وقبابا(مفردها: قبة) زاهرات، وفرش
أرضها من العقيق الأحمر والسندس الأخضر، وجعل فيها جواري أبكار كأنهن
الأقمار، ونظم ذوائبهن بالدر والياقوت، ووكل بأبواب تلك المقاصير غلمانا
مردا(الأمرد: الذى لم تنبت لحيته) جردا وسماهم الملائكة، عليهم حلل من
أنواع الحرير وعلى رؤوسهم عمائم خضر، وجمع في هذه المقاصير من الفواكه
الصيفية والشتوية من أطيب الأثمار، وجعل فيها الأطيار تغرد على الأغصان
بأنواع اللغات، وجعل فيها أصناف الطيب(العطر) المعجون بماء الورد من حول
تلك المقاصير، وفيها الخمر مسكوب والعسل مصبوب واللبن محلوب يصب في قنوات،
فمن أطاع هذا الصنم أدخله هذه الجنة وتلذذ بنعيمها، ومن عصاه أدخله هذه
النار يتلظى بجحيمها، وقد تزايد أمر هذا اللعين الجبار، وشاع بين العرب
بشجاعته وعظم شره حتى لقبوه بمرارة الموت.



وادي القمر



(قال
الراوي): فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك قال: يا ابن أنيس
لقد حدثتني عن أمر عظيم لم اسمع مثله قط، وأين أرضه وبلاده ومستقره؟، قال:
يا رسول الله بأطراف اليمن مائلا إلى العمران في واد يقال له وادي القمر،
فنادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين أمير المؤمنين وحامي حوزة الدين،
مفرق الكتائب ومظهر العجائب ومبدي الغرائب، الليث المحارب والغيث الساكب،
والحسام القاضب ليث بني غالب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فلما سمع نداء
رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وثب قائما على قدميه وانشد
وجعل يقول شعر: لبيك من داع ومن منادي، لبيك نور الله في البلاد، لبيك من
داع إلى الرشاد، فرجت عني كربة الفؤاد، قل ما تشاء يا أكبر العباد، أفديك
بالآهلين والأولاد، (قال الراوي) فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم
تبسم ضاحكا من قول الإمام علي كرم الله وجهه ورضي عنه، ثم اقبل الإمام على
النبي صلى الله عليه وسلم ووقف بين يديه، فضمه النبي صلى الله عليه وسلم
إلى صدره وقبله بين عينيه، وقال: معاشر المسلمين هذا علي ابن عمي ووارث
علمي، وزوج ابنتي وحامل رايتي، وسيف نقمتي، من أساء إليه أساء إلي، ومن
أحسن إليه فقد أحسن إلي، ومن أحبه فقد أحبني، ومن ابغضه فقد ابغضني، اللهم
وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، ثم قال عليه
الصلاة والسلام: أسمعت ما وصفه عبد الله بن أنيس الجهني عن عدو الله هضام
بن الجحاف وتجبره وكفره وجموحه؟، قال: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله:
يا أبا الحسن إن الله أمرني أن أخبرك بهذا الخبر، وقد وعدني ربي بنصرك
وحفظك ورجوعك إلي سالما غانما، فماذا تقول؟، وأمر لك عصابة من المسلمين
وجماعة من المؤمنين تسير فيهم إلى عدو الله الكاف،ر وقد بلغني بأنه تكاسر
من الورود، وان أكثر منهم مددا، وهو القادر على أن لا يبقي منها أحدا.



صمت الإمام



(قال
الراوي) فاطرق الإمام علي رأسه، ثم رفع رأسه إلى النبي صلى الله عليه وسلم
ونظر ولم يتكلم، ثم عاد إلى إطراقه ساعة ولم يتكلم، ثم عاودها ثالثا فعظم
ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تبين في ذلك الوقت في وجوه
المنافقين وقال بعضهم لبعض: إن علي بن أبي طالب كره التوجه إلى الهضام ويحق
له ذلك، ومن يقدر على وصف عبد الله بن أنيس؟، وتكلم المؤمنين على قد ما
وصل إليهم وقال بعضهم: لاشك انه يطلب جماعة يسير بهم إلى عدو الله ولكنه
استحياء رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يذكر له ذلك، وقال بعضهم: إن عليا
كره الخروج من غير جذع ولا فزع، وكثرت الأقوال بين الناس وعظم على النبي
صلى الله عليه وسلم، فقال: يا أبا الحسن ما السكوت والتواني برد الجواب ما
أملت منك إلا انك أمر مبادر والى ما أخبرتك مسارع، فهل لك من حاجة فتقضى أو
كلمة فتمضى؟،(قال الراوي) فلما سمع ذلك الإمام علي كرم الله وجهه من رسول
الله صلى الله عليه وسلم وتبسم ضاحكا وقال: يا رسول الله حاجتي تقضيها
كائنة ما كان، قال: نعم أي والذي بعثني بالحق بشيرا ونذيرا أني اقضيها إن
وجدت إلى قضائها سبيلا، فقال الإمام علي رضي عنه: ألم تأتيك البشرى من عند
المولى الكريم رب العالمين أن ترسلني لهذا الأمر وضمن لك سلامي وحفظ
رعايتي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم يا أبا الحسن، فقال الإمام علي
كرم الله وجهه: إذا كان من يعصمني ويسلمني ويحفظني لا حاجة بأحد غيره، ولا
تبعث لهذا الأمر احد سواي، فحسبي يا رسول الله نصر الله عز وجل وهو خير
الناصرين، واسأل الله جلب المسرة إلى فؤادك.



من الرسول إلى الهضام



(قال
الراوي) فلما سمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم تهلل وجهه فرحا مسرورا
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا الحسن كفاك الله شأنيك واهلك
معاديك، ثم كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكبر المسلمين جميعا عند ذلك
فرحين بما كشف الله من قلوبهم من الهم والكرب وإرغام أنف المنافقين أعداء
الله، قال عبد الله بن أبي(بن) سلول لعنه الله وهو رأس المنافقين
بالمدينة(سيد قبيلة الخزرج، توفى سنة 9هـ، وصلى عليه الرسول، ونزل بعدها
قوله تعالى:"ولا تصلى على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا
بالله ــــ التوبة 84") : هذه أعظم فرحة وحق اللاتي والمعزى لتحرقن عظام
علي بن أبي طالب بنار الهضام، ولو خرج محمد إليه بجميع أصحابه ما قدروا
عليه، ولا بقيتم ترون علي بن أبي طالب بعد هذا اليوم أن هو خرج إليه، ثم أن
النبي صلى الله عليه وسلم دعا بدواة وقرطاس وقلم ودفعها إلى الإمام علي
ابن أبي طالب، وقال له: اكتب يا أبا الحسن إلى عدو الله الهضام كتاب
بالتحذير، فكتب الإمام علي كتابا يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم هذا
كتاب من رسول الله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن عبد مناف داعي الورى
إلى الإنصاف وهاديهم إلى طريق الخير والغفران إلى الهضام بن الجحاف
الباهلي اما بعد، لقد اتصل إلينا ما أنت عليه من التكبر والتجبر والعتو على
الله عز وجل، وما صنعته من جنة ونار يا ويلك والويل ثم الويل لك تتخذ
الحديد والجنادل أربابا من الله عز وجل، أرأيت ما صنعته من نارك لو انك
أمرت عبيدك الذين ينقلون الحطب والأخشاب أن يسكنوا عنه يوما واحدا لسكن
لهيبها وانقطع وهجها وخمد حرها، يا ويلك والويل لقومك، بل لو حملوا إليها
الماء وسكبوه فيها لطفئت حرارتها وذهبت جمرتها، فأين نارك من نار وقودها
الناس والحجارة أعدت للكافرين، لا يخمد حرها ولا يبرد لهيبها وهي لا توقد
بحطب ولا بخشب بل توقد بسخط الله عز وجل، فلا تخمد في ليل ولا في نهار
عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، واعلم
أن نارك التي توقدها إنما هي جزء منها، وهي اثنان وسبعون جزء، وأما جنة
الخلد التي وعد المتقون ففيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، لا يفنى
نعيمها ولا ينقص ثمرها ولا يصفر ورقها، والمؤمنين فيها متنعمون في جوار رب
العالمين وعلى الأرائك متكئون، وأما جنتك التي أحدثتها فلو أمرت بمنع الماء
عنها لجفت أغصانها وفسد ثمارها، فاترك ما أنت عليه من تكبرك على خالقك
ورازقك ولا تنفعك نارك ولا جنتك، فقل معي لا اله إلا الله محمد رسول الله
واشهد لي بالرسالة تكن من الفائزين والصديقين، فان أبيت رميتك بسيف قاطع
وبطل مانع

(قال
الراوي) ثم أن الإمام عليا كرم الله وجهه قرأ الكتاب على النبى صلى الله
عليه وسلم، فاخذ النبي صلى الله عليه وسلم الكتاب بيده الكريمة وطواه بعد
أن ختمه بخاتمه الشريف ثم قال: يا أبا الحسن خذ معك من المسلمين رجلا فإذا
قربت من ديار عدو الله فقدمه أمامك رسولا بهذا الكتاب، فان أجابه إلى ما
دعوناه إليه وآمن بالله وصدق برسالتي فكف يدك فان الله حليم لا يجعل
بالعقوبة على من عصاه، وان أبي هو وعصى فانظر لنفسك وتدبر أمرك واحذر من
الحصون في مسيرك وتوكل على الله، وقل لا حول ولا قوة إلا بالله العلي
العظيم.

السيرة الشعبية للإمام على بن أبى طالب 9490463ala3ribi834722772


يقدمها ويحققها: علاء عريبى *

* مفكر وباحث مصرى

كل الوطن


عدل سابقا من قبل منصور في الخميس 14 أبريل 2011 - 17:14 عدل 1 مرات

_________________
N'attends pas que les événements arrivent comme tu le souhaites.
Décide de vouloir ce qui arrive... et tu seras heureux.
Epictète
منصور
منصور
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 1943
العمر : 40
Localisation : loin du bled
تاريخ التسجيل : 07/05/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

السيرة الشعبية للإمام على بن أبى طالب Empty رد: السيرة الشعبية للإمام على بن أبى طالب

مُساهمة من طرف منصور في الخميس 14 أبريل 2011 - 17:11

(2)


ـ الإمام على يحمل سلاحه وقربة الماء ويخرج بمفرده لمحاربة ملك الجن الكافر

ـ الرسول يودع ابن عمه بالدعاء والبكاء: اللهم لا تفجعني بفقده ولا تحزني من بعده

ــ ورقة بن خضيب المنافق يتربص للإمام على لكي يقطع رأسه ويسلمها لملك العفاريت

ــ حكاية المياه وطعام المسموم وسط الصحراء وقتل على لصاحب المائدة

ــ ابن أبى طالب يحرق مسجدا ويدفن امرأة حية ويقطع أيدي وأرجل شيخ كان يعرض زوجته

ــ قصة السبعين اللذين هجما على الإمام وحاولا قتله هو ومرافقه فى الطريق

ــ أبا الحسن يقتل سبع بأشعاره: أنا السيف المسلول أنا ابن عم الرسول

ــ العبد الأسود هم بقطع رقبة بن أبى طالب وخاف من قوته ودخل في الإسلام

السيرة تشبه الإمام على بالخضر المذكور مع موسى في سورة الكهف

عرفطة
الجني المسلم ذهب في الحلقة السابقة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام
واستغاث به من جبروت الملك الهضام الحجاف الجني الكافر، وحكي للنبي قيام
الهضام بإجبار قومه من العفاريت والجن والمردة بعبادة "المنيع" وهو صنم
ضخم، أعد حوله حفرة كبيرة أشعل فيها نارا واسماها جهنم، وأخرى أشجارا
وفاكهة وانهارا وأطلق عليها الجنة، من يعصى يدخل النار، ومن يحسن اسكنه
الجنة، وطلب من الرسول أن يكون الإمام على بن أبى طالب رضي الله عنه الفارس
الذي سيفده لمحاربة الهضام، لأنه الإنسان الوحيد الذي يقدر على محاربة
الجن والعفاريت وهزيمة الهضام الكافر، وفى نفس الحلقة قرأنا نزول جبريل
عليه السلام إلى الرسول وأقرأه السلام من الله عز وجل، وأبلغه انه سبحانه
وتعالى اختار ابن عمه لمحاربة وقتل الهضام، بعدها دعا الرسول الصحابة إلى
الصلاة بالمسجد، وبعد أن أدوا الفرض وقف على المنبر وخطب وأخبرهم بأمر
الهضام وما نزل به جبريل من تكليف، ثم استفسر من الصحابة عن الهضام، وأخبره
أحد الصحابة بما يعرفه، وقيل إنه يسكن في وادي القمر وهى بالقرب من اليمن،
ونادي الإمام على واستشاره فيما هو فاعل، وبعد فترة صمت وتفكير وافق
الإمام، وجلس يكتب رسالة من الرسول إلى الهضام، خيره فيها بين عبادة الله
الواحد القهار والدخول في الإسلام أو الحرب"، وطلب الرسول من الحضور أن
يتبرع أحدهم بحمل رسالته إلى الهضام، وتقدم جميل بن كثير لتنفيذ هذه
المهمة، واشترط ألا يكون تحت إمرة على بن أبى طالب، ولا يسير معه في رحلة
واحده لأنه لا يطيق هذا، ووافق الرسول وسلمه الرسالة، وودع جميل أهله
والصحابة وانطلق بالرسالة إلى الهضام، إلى هنا وقف الراوي الأسبوع الماضي
بحكايته، واليوم يستكمل سيرة الإمام على بن أبى طالب وسيره وحيدا إلى ملك
الجن والعفاريت الهضام بن الحجاف، وقطعه الحصون السبعة حتى وصل إليه ونصره
الله عليه، وفى حلقة اليوم يستهل الراوي الحكاية بتوديع الرسول للإمام على
بن أبى طالب، بعد أن مضى الإمام على اليوم بالمدينة، وأقسم للرسول أنه سيظل
صائما حتى عودته سالما منتصرا، وهو ما أبكى الرسول عليه الصلاة والسلام،
أو على حد قول الراوي:

فلما
سمع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الكلام من علي كرم الله وجهه(القسم
بالصيام طوال فترة رحلته وحربه) تغرغرت عيناه بالدموع، ثم قال: اللهم لا
تفجعني بفقده ولا تحزني من بعده، اللهم انه وديعتي إليك فأحفظه حتى ترده
سالما إلي يا من لا تخيب عنده الودائع، ثم أن الإمام عليا رضي الله عنه
انصرف إلى منزله وبات الليلة يتحدث مع أولاده، فلما أصبح الصباح قام الإمام
علي رضي الله عنه، فتوضأ وافرغ آلة حربه وتحزم بمنطقته(بحزامه)، وتنكب(حمل
على كتفه) بجحفته(بقربة الماء)، وضم أولاده وجعل يقبل هذا مرة وهذا مرة،
ثم أقبل على فاطمة الزهراء رضي الله عنها وقبلها بين عينيها، ثم خرج إلى
المسجد وصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، ثم قال: يا رسول الله
منك القول ومني السمع والطاعة أتأذن لي بالخروج، فقال له النبي صلى الله
عليه وسلم: لله الأمر من قبل ومن بعد، فإذا عزمت فتوكل على الله، ثم نهض
رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما على قدميه، ونهض الناس معه ولم يبق أحد
إلا خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يوصي الإمام عليا كرم الله وجهه
ويحدثه بما يجري به في طريقه، والناس يتعجبون من سير الإمام علي وحده،
فلما بعد عن المدينة وقف النبي صلى الله عليه وسلم وودع الإمام علي ودعا
للإمام بدعوات تحجب عنه خلق الأرض والسموات ثم أمر الإمام بالمسير، وقال:
سر بارك الله فيك الله خليفتي عليك، (قال الراوي) ثم أن صلى الله عليه وسلم
رجع وأمر الناس بالرجوع، فرجع الناس وسار الإمام طالبا بلاد اللعين الهضام
وحيدا بنفسه ليس معه من يؤانسه إلا الله، وكان المنافقون قد خرجوا جميعا
عند الوداع وهم يقولون: أما ترون هذا علي بن أبي طالب، إذ هو تعرض لمرارة
الموت لم يبق لهذه الديار يعود وهم فرحون مسرورون، يقولون قد فقد علي بن
أبي طالب حين صار لمرارة الموت، والنبي صلى الله عليه وسلم والصحابة يدعون
للإمام بالنصر والتأييد على أعدائه، فهذا ما كان من أمر المنافقين والنبي
صلى الله عليه وسلم

(قال الراوي) وأما ما كان من أمر الإمام علي كرم الله وجهه فإنه سار واستقام به المسير واسلم نفسه لله عز وجل وانشد شعرا:"

أسير وحدي إلى ما قد أراجيه إذ كل ما قدر الله من أمر ألاقيه

لا تكره الموت في بدو ولا حضر إن يدن منك فكن أنت مدانيه

أسير مستلما لله معتمدا عليه في كل أحوالي أناجيه

به الود ومالي عنه من عوض جل الإله فإني من محبيه

مالي سواه ومالي عنه مصطبر وكيف عبد يرجي من مراجيه

صلى الإله على طه وعترته مادام طير على غصن يناجيه

جاسوس المنافقين

(قال
الراوي) فبينما الإمام سائر وقد غاب عن المدينة وإذا بصائح من ورائه
ينادي: يا أبا الحسن سألتك بالله ورسوله أن تقف لي حتى ألحقك، فوقف الإمام
والتفت ورائه، وإذا برجل طويل السواعد عريض المناكب وهو يسرع في خطاه
ويهرول في مشيه، فتأمله الإمام علي رضي الله عنه فإذا هو رجل من أشرار
المنافقين، يقال له ورقة بن خضيب(شخصية خيالية) من أقارب ابن أبي سلول(عبد
الله بن أبي بن سلول، بادر بنشر رواية حادثة الإفك، ت 9 هـ ) المنافق لعنه
الله، وكان الملعون يتجسس الأخبار لعدو الله الهضام بن الجحاف، ويظهر
الإسلام ويكتم النفاق، ويريد بذلك انه يظهر برسول الله صلى الله عليه وسلم
وابن عمه، فلم يجد لذلك سبيلا فلما نظر الإمام خرج في ذلك اليوم وحيدا
فريدا، اقبل ذلك الرجل على قومه النافقين فرحا مسرورا، وقال لهم: الآن قد
بلغت مرادي وبلغت أمنيتي، وها أنا أريد أن أرافق علي بن أبي طالب إلى أن
أجد منه فرصة أو غفلة عند نومه أو سيره، فاقطع رأسه وامضي بها إلى الملك
الهضام لأنال عنده المنزلة العليا وعند الإله المنيع الرفيع، وأتقرب إليهم
وأصير عندهم صاحب قدر واشفي قلبي من العلل، فقال أخوته المنافقين: نشكر
اللاتي والعزى( اسمان لصنمان كانوا يعبدونها في الجاهلية)، وفرحوا بذلك
فرحا شديدا لما يعلمون من شجاعته وقوة قلبه، فما منهم إلا وقد وعد
بصلته(الصلة: العطية والإحسان)، وجعل له جعلا(أجرا أو رشوة) إن وصل إلى ذلك
(قال الراوي) فعند ذلك خرج ورقة بن خضيب ولحق أمير المؤمنين علي ابن أبي
طالب رضي الله عنه معارضا له سالكا طريقا، قال فالتفت الإمام إليه، وقال:
من أنت؟، ومن أين أتيت؟، وإلى أين تريد؟، فقال ورقة: أتيت أريد مرافقتك
ومصاحبتك ومساعدتك على أعدائك، لأنني مبتهج بمحبتك ومجتهد في خدمتك، قال
أمير المؤمنين كرم الله وجهه: من أحبنا لقي بحبنا نعيما، ومن ابغضنا لقي
ببغضنا جحيما وكان الله بما قضى عليما، ارجع يا ورقة لا أنس لي بك والله
اعلم بما أضمرت فجزاك عليه يوم يقوم الناس لرب العالمين، فقال ورقة: يا أبا
الحسن أني ما أتيت حتى استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموافقة
والمسير معك والمساعدة لك على أعدائك، ثم انه(ورقه) لح عليه(الإمام على) في
السؤال بالمخادعة والحيلة، ومع ذلك لم يخف عن الإمام ما أضمره اللعين وما
هو طالبه، فأخذ حذرا منه وولى عنه ناحية إلى ناحية من الطريق وسمح له
بالمسير معه، (قال الراوي) ثم سار الإمام متجانبا متباعدا عنه، وسار عدو
الله إلى جانبه ولم يبدله شيئا وكتم أمره، فقال له الإمام: إن كان ولابد من
مصاحبتي فلا تسألني عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا، فأجابه ورقة إلى ذلك،
وقال: بأبي أنت وأمي، وكيف أتعرض لك في شئ وأنت من بيت النبوة ومعدن
الرسالة، واقتبس منك ومن علمك ولا أنازعك في صنعك ولا أمانعك في أمرك،
وإنما أنا مساعدك في سفرك ومعاونك على أعدائك، فعند ذلك خلى الإمام سبيله،
وجعل يقول:

من صاحب الليث يرجو منه خدعته يسقى من أظفاره كأس الري جرما من يشرب السم لا يأمن عواقبه لو كان يعلم عقبى السم لامتنعا

من أضمر الشر يأتي نحوه عجلا مسارعا قاصدا قد جاء متبعا



المائدة المسمومة

(قال
الراوي) فلما سمع ورقة هذه الأبيات من الإمام لم يرجع عما أضمره(أخفاه)،
بل انه ازداد غيظا على غيظه، ولم يزالا سائرين والإمام علي يقول: حسبي الله
ونعم الوكيل، حتى وجب عليهما(الصلاة) فلم يجد الإمام ماء يتوضأ منه، فسار
إلى أن قرب العصر، فاشرف الإمام على رجل واقف على بئر وقد ملأ سقيه، والى
جانبه مائدة منصوبة وعليها صحف مملوءة بالطعام وأقراص من العيش، فلما نظر
ذلك الرجل الإمام وورقة قال: هلما إلى الطعام الفاخرة والماء البارد بلا
ثمن ولا جزاء، فأسرع إليه الإمام ولم يمهله حتى قبض على أطواقه، وجلد(ضرب)
به الأرض وجلس على صدره وحز رأسه، ثم عمد إلى الماء فأراقه، ثم حفر حفرة
كبيرة وجعل فيها الطعام ورد عليه التراب حتى غيبه، وسار كأنه لم ينبه شيئا،
فقال له ورقة: يا أبا الحسن، قد تجرأت على فعلك وأسرفت في صنعك وظلمت في
حكمك بما فعلت بهذا الرجل الذي يبرد الماء لعابر هذا الطريق، وينصب للجيعان
من غير ثمن ولا جزاء، وتقدمت إليه وذبحته والى طعامه فدفنته والى مائه
فأرقته، وتركتنا نلتهب عطشا، فوالله لقد تجرأت في فعلك وأسرفت في صنعك،
فقال له الإمام: ألم أقل لك لا تسألني عن شئ حتى أحدث لك منه ذاكرا، ارجع
الآن فانك لن تستطيع معي صبرا(انظر: قصة موسى والخضر في سورة الكهف من
الآية 65: 82).

الجارية الحسناء

(قال
الراوي) فازداد اللعين كفرا وامتلأ غيظا وقال: في نفسه كيف ارجع وأدع ابن
أبي طالب، وحق اللات والعزى لا ارجع حتى اقطع رأسه وامضي بها إلى الملك
الهضام وابرد قلبي واشفي غليلي، ثم اقبل على الإمام بمكره وخداعه، وقال: يا
أبا الحسن أنتم أهل الجود والكرم والإحسان والعفو والامتنان، ولست أعود
إلى شئ تكره، فسمح له الإمام بالسير معه، فسار إلى وقت العصر ثاني يوم،
فاشرف الإمام على حوض مملوءة وبجانبه مسجد قد طرح النحل على جدرانه، وإذا
بشيخ كبير جالس إلى جانبه وعنده جارية حسناء وعليها أثواب الزينة وثياب
مزعفرة، فلما وصل إليها الإمام حل منطقته ووضع سلاحه، واخرج زنادا(خشبتان
يقدح بهما النار) كان معه، وقدح( أشعل) منه نارا وأطلقها في المسجد، فاحترق
المسجد سريعا وتساقطت حيطانه، ثم انه حفر حفرة وعمد إلى الصبية فجعلها
فيها ورجمها حتى ماتت، ثم عمد إلى الشيخ فقطع يديه ورجليه وتركه
مخضبا(ملطخا) بدمائه، ثم عمد إلى الماء فتوضأ وصلى وانصرف كأنه لم يفعل
شيئا، (قال الراوي) فلما رأى ذلك ورقة ثار وامتلأ غيضا وحمقا على الإمام،
لكنه خشي من صولته وهجومه عليه، قال له وهو يلين له الكلام: يا ابن أبي
طالب، والله ما أمرك الله ولا رسوله ولا نطق بذلك القرآن، عمدت إلى المسجد
فأحرقته وهدمته والآن عاد خرابا، وعمدت إلى الشيخ فقطعت يده ورجليه من غير
ذنب ولا جناية سبقت منه إليك، ثم عمدت إلى صبية من حسن الناس وجها فرجمتها
حتى ماتت وهي كانت تصلح لمثلك، والله لا نصرت وهذه الفعال فعالك، فتبسم
الإمام وقال: والله لولا إني أريد أن اظهر لك بيان بما رأيته وإلا كنت عجلت
بروحك، ولا كذبت على وعارضتني في شيء لا تعرفه ولا لك عليه طاقة، ولكن
أسامحك وامضي إلى حال سبيلك ولا تتعرض لي فأهلكت، وتدبر أمرك، وانظر إلى ما
أنت له صانع وسيظهر لك، يا ويلك أما رأيت وعاينت؟، وان سألت عنه رسول الله
صلى الله عليه وسلم أخبرك به، فارجع عني واستغنم السلامة وأكرم الناس، من
إذا قد عفا وهذه الثانية؟، إذا عدت إلى الثالثة جازيتك بفعلك، يا ويلك ألم
أقل لك ما قاله العبد الصالح لموسى بن عمران: إنك لن تستطيع معي
صبرا(الكهف: 72)، فقال: يا أبا الحسن اعف عما قلت ولست أعود إلى ما تكرهه،
ودخل على الإمام بمكروه وخداعه وهو يظن أن يظفر به، فسمح له الإمام بالمسير
معه.

سبعان وعبدا أسود

ولم
يزالا سائرين إلى غروب الشمس وهم على غير طريق، فبينما هما سائرين، وإذا
هما بواد فيه عين ماء كثيرة المياه، وبجانبها حظيرة واسعة وعلى بابها عبد
عظيم الخلقة احمر العينين عريض المنكبين مفتول الساعدين، فلما نظرهما قال
للإمام: اعدلوا إلى هذا المنزل الرحب الطيب الخصيب، فقال ورقة عند ذلك:
أعدل بنا يا أبا الحسن إلى هذا المنزل فقد ولا النهار واقبل الليل، فقال
الإمام: سر ولا تتعرض لما ليس لك به علم، فقال ورقة: والله ما بك خوف من
هذا الأسود حيث رأيته يطيل النظر إليك، فلما سمع الإمام ذلك تغير وجهه وقال
لورقة: ويلك امثلي يفزع من ابيض واسود وأنا من أهل العلم والتأويل
والدلالة والتفصيل؟، ثم عطف الإمام ناحية العبد فلما رآه العبد مقبلا إليه
وقف ورحب به وفتح له باب الحظيرة، فدخل الإمام ودخل الأسود في نحوهما وأغلق
باب الحظيرة، فلما وصل الإمام وسط الحظيرة، وإذا هو بجماجم مقطوعة وعظام
مهشومه فوقف ينظر إلى ذلك ويتفكر ويتعجب، وإذا هو بسبعين عظيمين قد خرجا من
جانب الحظيرة، وقصد احد منهما إلى نحوي الإمام والأخر إلى ورقة، فالسبع
الذي وصل ورقة هدر وزمجر، فلما عاين ذلك قصد نحو الإمام وهو يرتعد كالسعفة
في مهب الريح ، واصطكت أسنانه واهتزت ركيتاه من شدة ما نزل به من الخوف
والفزع، وهو ينادي برفيع أصواته أدركني: يا أبا الحسن خالفتك فهلكت، فبالله
عليك يا أبا الحسن خلصني مما أنا فيه، ولا تؤاخذني بسوء أفعالي فأنت من
أهل الكرم والجود، فتبسم الإمام ضاحكا من مقالته، وأما الإمام فلم يعتن
بالسبع الذي وصل إليه ولم يلتفت إلى ميلته، فلما قرب السبع من الإمام صرخ
صرخته المعروفة الهاشمية فتضعضع السبع من شدتها ووقف مكانه وخمدت قوته من
صوت الإمام، وجعل ينادي: أنا السيف المسلول أنا ابن عم الرسول/ أنا مفرق
الكتائب أنا مظهر العجائب/ أنا الحسام القاضب(القاطع) حامل ذو الفقار/ أنا
البحر الساكب القاضب/ أنا ليث بني غالب/ أنا أمير المؤمنين علي بن أبي
طالب/ ثم وثب على السبع بقوته وضربه ضربة عظيمة فمات، ثم حمل الإمام على
السبع الذي حمل على ورقة فوثب عليه ونادي: أنا الليث التمام/ أنا البطل
المقدام/ أنا قاتل اللئام/ أنا مفرج الزحام، فعند ذلك فر السبع داخل البيت
عندما نظر ما حل بأخيه، وجعل العبد يحد النظر إلى الإمام ويتعجب مما فعل،
فجرد صفيحة(رخامة عريضه) هندية وتقدم إلى السبع يحرضه وهو في شدة غيظه على
قتل أخيه، فحرضه على الإمام فعمد السبع إلى الإمام وعمد الأسود إلى ورقة
يريد قتله قبل قتل الإمام، فقال ورقة للأسود: مهلا وقيت(حميت من)
الردى(الهلاك) وكفيت شر العد، فأنني معين لك على أمرك، لعلي اقتله وأخذ
رأسه إلى الهضام لأنال المرتبة العليا، والآن اختلطنا بعدو الملك الهضام،
فان قتلناه فتكون لنا اليد العليا عند الملك الهضام وعند الإله الرفيع،
فعند ذلك فرح الأسود من مقاله ومال علي الإمام وورقة معه وقال: يا ابن أبي
طالب إلى أين طالب فانظر إلى نفسك وتدبر أمرك؟، فلم يلتفت الإمام وهجم على
السبع وضربه ضربة هاشمية بين عينيه، فلما نظر الأسود ذلك أنذهل وعلم انه إن
أقدم على الإمام أرداه(أهلكه)، فرمى صفيحته من يده ونادي: يا ابن أبي طالب
أرفق على أسيرك وأحسن إلي، فاني لم اعلم بك ولا بمكانك حتى سمعت ذكرك من
رفيقك، أحسن إلي يا أبا الحسن أحسن الله إليك، فلما سمع ذلك منه الإمام
قال: اعتزل حتى افرغ من عدو الله وأعود إليك فيقضي الله بحكمه ما هو قاض.

مقتل ورقة

ثم
عمد الإمام إلى ورقة وقال: يا رأس النفاق، قد أظهرت يا عدو الله ما كنت له
ساترا، وما أنت عليه عازم وضامر، فانظر الآن لنفسك وتدبر أمرك فقد آن أوان
قتلك، ثم نادي ورقة: يا ابن أبي طالب، سألتك بحق محمد ابن عمك إلا ما
أبقيت علي وأحسنت بكرمك إلي، فقال له: بعد نفاقك وكفرك ما ابقي عليك هيهات
هيهات، فلما أيقن اللعين بالهلاك قال: يا ابن أبي طالب الظلم لا يفارقك ولا
يفارق ابن عمك، فحدثني عما ظهر لك أنت في طريقك هذه من سوء فعلك مما لا
يرضاه الله، ثم افعل ما بدالك فاني اشهد أنك أنت وابن عمك ظالمان ساحران،
فغضب الإمام من مقاله ورقة غضبا شديدا وقال له: يا عدو الله، أن الله تبارك
وتعالى قد باعد بيننا وبين الظلم والعدوان، وجعلنا من أهل الكرم والإحسان،
ويل لك ولقومك، فأنا اكشف لك ولقومك جميع ما رأيته في طريقنا، أما الرجل
الذي اقبلنا عليه وعنده الماء والطعام فانه كان مسموما، وإنما صنعه للناس
حيلة فإذا أكل احد الطعام وشرب من الماء هلك لوقته فيأخذ ما كان معه وقد
اهلك بهذه الحيلة خلقا كثيرا، فلما أتيته قتلته عمن قتل من الناس، وأهرقت
الماء ودفنت الطعام لئلا يأكل منه الطير والوحوش فيهلكوا، وأما الشيخ الذي
أتيناه بالمسجد وعنده الجارية فإنها بنته، وهو ينكحها للصادر والوارد، فإذا
أنزل عنده سالك طريق عرض عليه ابنته، فان أجابه إلى ذلك كان، وإلا يتركه
حتى ينام ويسرق منه جميع ما معه، فلما قدمت عليه قطعت يديه ورجليه لا جل
سرقته، ورجمت الجارية لزناها حتى ماتت، وأحرقت المسجد، وأما هذه الحظيرة
وهذا الأسود وهذان السبعان فيقتل بهما جميع من أتى إليه في هذه الحظيرة
ويأخذ ما كان معه، ثم إن الإمام تقدم إلى ورقة وضربه بذي الفقار(سيفه) على
رأسه ففلقه نصفين ووصل إلى الأرض وعجل الله روحه إلى النار.

هولب يشهر إسلامه

فلما
نظر الأسود إلى ذلك حار عقله ونادي: يا ابن أبي طالب، امدد يدك فاني اشهد
أن لا الله إلا الله، وأن ابن عمك محمد رسول الله، واني كنت في لجج الضلالة
سارح فلا زلت لك منذ هذا اليوم إلا مواليا، فعند ذلك تبسم الإمام علي كرم
الله وجهه وقال له: خذ سلب(ملابسه وسلاحه) عدو الله وامض حيث شئت مصاحبا
للإسلام، فقال: يا أمير المؤمنين إني لا أكون معك وبين يديك، فقال له
الإمام: هذا جبل بعيد لا يصل إليه كل ضامر سلول، فقال الأسود: هذا الوصف لا
أجده إلا لك يا ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم أنت زوج البتول، وابن عم
الرسول سيف الله المسلول، إلا يا أمير المؤمنين، سألتك بحق ابن عمك ألا
أخبرتني إلى أين تريد؟، فقال له: إني والله أريد الهضام بن الحجاف وصنمه
المنيع وحصنه الرفيع لأذيقه السم الفقيع، فقال الأسود وقد تحول سواد وجهه
إلى الاصفرار لما سمع بذكر الهضام، فقال له: يا أمير المؤمنين، لا تعرض
نفسك للهلاك فطريق ما ذكرته غير سالك، فكيف تصل إليه وبينك وبينه سبعة
أودية وفيها سبعة حصون، وكلها مملوءة بالرجال والأبطال، لا يطير عليهم طائر
إلا منعوه من الجواز حتى يستخيروه، ووصولك إلى صنمه أبعد من ذلك، وان له
جنة ونار ويدخل في جنته من أطاعه ويدخل في ناره من عصاه، وأنا اخشي عليك
مما أعده من الأهوال، فقال الإمام: امض أنت إلى حال سبيلك ومعي ربي تعالى
ينصرني وهو معي أينما توجهت فهو حسبي ونعم الوكيل، ثم قال له: ما اسمك؟،
فقال له: اسمي هولب فقال الإمام: اكتم أمري ولا تبيح بسري، وامض إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم وجدد إسلامك على يديه، فقال هولب: يا سيدي هذا
الذي ضمرت عليه (قال الراوي) فعند ذلك ودع أمير المؤمنين وسار إلى المدينة
قاصدا النبي عليه السلام، وأمير المؤمنين ساير بلاد الهضام حتى ولى النهار
واقبل الليل، فعبد غروب الشمس صلى المغرب والعشاء ثم سافر طول ليلته حتى
لاح الفجر فصلى الصبح ،ثم سار وطاب له السير وقرب الله البعيد وسهل عليه كل
صعب شديد (قال الراوي) حدثنا أمير المؤمنين رضي الله عنه قال: كنت أرى
الجبال الشاهقة أمامي، فبينما أنا أتفكر في الوصول إليها فما ادري بنفسي
إلا وأنا قد وصلت إليها وعولت عليها بحول الله وقوته ولا ادري بتعب ولا
ألم، كل ذلك بحول الله سبحانه وتعالى وبركة رسول الله صلى الله عليه وسلم
ثم انشد وجعل يقول شعرا: طاب المسير بنور الله إذ لمعا/ وبان ضوء الفجر إذ
طلعا.

واد الظل

(قال
الراوي) وسار الإمام علي رضي الله عنه يطوي المنازل ولا يعوج المناهل(مورد
الشرب على الطريق) إلى أن وصل إلى ارض اليمن، جعل يكن بالنهار ويمشي
بالليل إلى إطراف البلاد وشرف على العمران، حتى وصل إلى واد الظل وهو أول
الأودية السبعة، وهو واد معشب اخضر نعمه عظيمة كثيرة النبات والأشجار
والمياه، والظل المديد واختلاف الألوان وحسن الأطيار، إذا فيه رعاة معهم
أغنام، ثم نظر إلى صدر الوادي فإذا هو بحصن حصين وهو يسمى حصن الوجيه، وهو
في صدر الوادي يلوح كأنه لؤلؤة له نور ساطع وإشراق لامع، فلما نظر إليه
الإمام حمد الله تعالى وشكره واثني عليه على تيسير العسير الذي قرب إليه
البعيد وسهل كل صعب شديد (قال الراوي) ثم انه انحدر إلى ذلك الوادي وإذا
عارضه نهر ماء جار يلوح صفاء بياضه والخيل والأنعام والإبل وسائر المواشي،
مرعاه البر الأخر مما يلي ديار القوم والرعاة مجتمعين، ومعهم واحد بيده
غابه يصفر بها، وقد نظره القوم ويرتجزون الأشعار، فنزل الإمام رضي الله عنه
إلى جانب النهر، وقد نظره القوم فلم يخاطبهم، ثم انه حل منطقه وتوضأ وصلى،
فلما رآه القوم يصلي بهتوا إليه ولم يدروا ما هو صانع؟، وقد دهشوا من
ركوعه وسجوده وقيامه وقعوده، فقطعوا ما كانوا فيه من لهوهم ولعبهم وقال
بعضهم لبعض: كأن هذا من بعض كتب العرب، فقال بعضهم إنما هو جنة، وقد أكثر
القوم في الإمام رضي الله عنه وهو مشغول بما هو فيه (قال الراوي) فلما فرغ
من صلاته مال متكئا إلى جحفته، فقال بعض القوم من أين أنت أيها الرجل؟،
فقال لهم: من طين من حمأ مسنون خلقني وقدرني الذي يقول للشئ كن فيكون، فقال
لهم الراعي: ألم اقل لكم انه مجنون قذفته جنية إلى هذا المكان فترك الراعي
قول أصحابه وقالوا: يا هذا من أين أقبلت؟، فقال له الإمام: من عند مولاي
الذي كفاني بنعمته ونعمني بفضله وكرمه فقال الراعي: أفقير مولاك أم غني؟،
فقال الإمام مولى الموالي علمه بحالي يكفي عن سؤالي مالك المشرق والمغرب
والبر والبحر والسهل والوعر والأرض والسماء عليه توكلت وبه استعين، فقال
الراعي: صدقت وبالحق نطقت، أقدم علينا أيها الرجل فالطريق أمامك هذه الصفة
صفة الهناء المنيع وهو في إحسانه بديع، ثم أنهم سروا سرورا عظيما وفرحوا به
فرحا شديدا وقالوا له: يا فتى بلغت السلامة ومناك وأدركت هواك فان أحببت
تأتي إلينا فدونك والجسر عن يمينك واجعل راحتك عندنا لتسر بنا ونسر بك،
فقال لهم: الإمام من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، واني
أرجو أن أكون على الطريق متبع النبي الناصح.


_________________
N'attends pas que les événements arrivent comme tu le souhaites.
Décide de vouloir ce qui arrive... et tu seras heureux.
Epictète
منصور
منصور
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 1943
العمر : 40
Localisation : loin du bled
تاريخ التسجيل : 07/05/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

السيرة الشعبية للإمام على بن أبى طالب Empty رد: السيرة الشعبية للإمام على بن أبى طالب

مُساهمة من طرف منصور في الخميس 14 أبريل 2011 - 17:13

(3)


ــ رعاة الغنم في اليمن يستهزئون بالإمام ويضحكون على كلامه

ــ أمه سمته "زيد" وأبوه سماه "حيدر" والله عز وجل أختار له اسم "على"

ــ إله الملك المغضب يحذر من محاربة على بن أبى طالب ويقول: إنه وحش الفلاة

ــ الإمام على يطير في الهواء ويعبر نهر عرضه عشرين ذراعا

ـ قالوا عنه: إذا وثب جاوز الفرس بالوثبة ويخلع الرأس من الرقبة

ـ ابن أبى طالب يرفع حصانا بفارسه فى الهواء ويلقيه على آخر فيدق عنقه

ـــ صاح فى المغضب: أنا مبدي العجائب، أنا مظهر الغرائب، أنا البحر الساكب، أنا علي بن أبي طالب

ــ الأمام على يواجه 4 ألاف فارس بمفرده ويهزمهم ويدخل ألف منهم إلى الإسلام

ـ الفرسان تستغيث: الأمان الأمان يا ابن أبي طالب ابق علينا وأحسن بكرمك إلينا

ـ حكاية السبعمائة رجل الذين قالوا بعد هزيمتهم: القتل أحب إلينا من دخول السلام

في
الحلقتين السابقتين استهل الراوي سيرة الإمام على بذهاب عرفطة الجني
المسلم إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يستغيث من الهضام بن الحجاف ملك
الجان، أكد أن الهضام يعبد الأصنام ويجبر العفاريت والجان على عبادتها،
وذكر انه صنع من حفرة كبيرة نارا لتعذيب العصاة وأخرى جنة لإثابة من
يطيعونه، وأشار الراوي إلى أن الجني المسلم أكد للرسول عدم قدرة أحد من
البشر على محاربة ملك الجان الكافر، وان الوحيد الذي يمتلك هذه القدرة هو
الإمام على بن أبى طالب، وقد نزل جبريل عليه السلام حسب السيرة وأبلغ
الرسول اختيار الله عز وجل الإمام على لمحاربة ملك الجان الكافر، وقد خرج
الإمام على بمفرده لتنفيذ هذه المهمة، واقتفى أثره في الحلقة السابقة أحد
المنافقين بهدف قتله، ويدعى ورقة بن خضيب(شخصية خيالية)، وهذا الجزء من
الرحلة كان أشبه برحلة سيدنا الخضر والنبي موسى عليهما السلام التي ذكرت في
القرآن الكريم، حيث كان الخضر يقوم بأعمال منافية للأخلاق وللدين ، وكان
موسى يعترض والخضر يؤكد له انه لن يستطع الصبر ويطالبه بالعودة، ويعتذر
موسى ويستمر، وبعد الحادثة الثالثة يشرح له الخضر سبب خرقه للسفينة والدافع
وراء قتل الصبي، ولماذا هدم سور البيت، ويتضح أن جميع هذه الإعمال كانت
لحكمة إلهية، مؤلفو السيرة فعلوا نفس الشيء مع الإمام على، ففي الطريق إلى
وادي القمر قام الإمام بقتل أحد الأشخاص كان يقدم مياه ومائدة مسمومة
للمارة، يأكلون ويموتون ويسرق هو متاعهم وأموالهم، كما قام بقتل شيخ وحسناء
وأشعل النار في مسجد، واتضح أن الحسناء كانت زوجة الشيخ يقدمها متعه
للمارة مقابل مبلغ مالي، وفى حالة رفضهم انتظر نومهم واستولى على أموالهم،
وكان ورقة المنافق يشاهد هذه الوقائع ولا يفسر له الإمام لماذا فعلها، في
الواقعة الثالثة صادفا بالطريق عبدا أسود يدعوهما للمبيت، ما أن دخلا البيت
حتى خرج عليهما سبعان، يتصدى لها الإمام على ويقتلهما، بعدها يقتل
المنافق الذى كشف عن هويته ونواياه للعبد، حيث طلب من العبد مشاركته في قتل
الإمام على وتسليم رأسه لملك الجان، وبعد قتل الإمام لورقه يعلن العبد
إسلامه ويطلب من الإمام مصاحبته، يرفض الإمام ويرسله إلى الرسول عليه
الصلاة والسلام لكي يجدد إسلامه، ويستكمل الإمام رحلته ويصل إلى وادي الظل
في بلاد اليمن، وهو أول الأودية السبعة التي بعد اجتيازها يصل لملك
العفاريت، في وادي الظل التقى مع بعض الرعاة ودار بينهم حوارا عن بلاده
وهويته، حدثهم عن الإسلام والمسلمين وعن الله الواحد القهار، وفى حلقة
اليوم نستكمل مع الراوي الحوار الذي دار بين الإمام على وبين رعاة الأغنام
في وادي النخيل ، حيث كان الحوار قد وصل بينهما إلى طريق مسدود.

(قال
الراوي) فاعرض الأعيان عنه لأنهم لم يفهموا كلامه، وقالوا له: إن كلامك
تخليطا وفي لسانك تفريطا، إن كلامنا لك ضايع فاعرضوا عنه ورجعوا إلى لعبهم
ولهوهم، وأقام الإمام رضي الله عنه مكانه إلى أن وجب العصر فصلاه وإذا
بالرعيان(تجمع أيضا: رعاة، ومفردها: راعى) تصارخوا وتصايحوا، فقال لهم
الإمام: معاشر القوم ما صراخكم؟، فقالوا: ننظر إلى قطيع الظبا(الظبي: اسم
الذكر، والجمع: أظبٍ، وظباء، وظُبيًّ، والأنثى ظبْية) منحدرا من الجبل،
فلما نظر الإمام إلى داره ووثب قائما على قدميه ثم نزع اطماره(ملابسه
البالية، ومفردها: طمر) وسلاحه، وقال لهم: دونكم وحفظ أثوابي وسلاحي،
فقالوا: وأين تريد؟، فقال: أريد هذه الظباء لعلي أنال ظبيا، فلم يبق أحدا
منهم إلا وقد ضحك من قوله واستهزأ عليه، ثم قال بعضهم لبعض: ألم أقل لكم أن
الرجل هائم على وجهه مخبوط في عقله، ثم تركهم الإمام ومضى وهم ينظرون إليه
ويظنون انه لا يبرح من مكانه لعظم خلقته وكبر بطنه، ثم أن الإمام قام حتى
توارى عن أعين الرعاة، وقد قطع الشعاب وهو يشب من ربوة إلى ربوة ومن شجرة
إلى شجرة، ثم أدركها وهي في شدة جريها فقبض على اثنين منها واحدة بيمينه
وأخرى بيساره، وأقبل كأنه الريح الهبوب والظباء في يديه، فلما رأى الدعاة
الظباء في يديه كبر الإمام في أعينهم، ولم يزل الإمام سايرا حتى أتى سلبه(
ملابسه)واستخرج سكينا وذبحهما وسلخهما وأجاد غسلهما، ثم حفر حفرة والتفت
يمينا وشمالا يطلب حطبا فلم يجد شيئا من ذلك الحطب، ورمى في الحفرة حتى
ملاها، ثم قدح زناد وخرج نارا أضرمها في ذلك الحطب فتأججت وصار جمرا فكشف
الجمر عن الحصى، وأخذ الظبيين ورماهما في الحفرة وردم عليهما النار من
فوقهما.

أمه سمته زيدا

هذا
والرعاة ينظرون إليه ويتعجبون من فعله، وهابوا أن يتقدموا إليه وامسكوا عن
سؤاله، فلما فرغ الإمام مما أراد غسل يديه ولبس ثيابه، وقعد ينظر غروب
الشمس لأنه كان صائما، فقال الرعاة: يا فتى نحن ضيوفك الليلة لتطعمنا مما
اقتنصت من الظبا، فقال الإمام: إنما يضاف من يكون قاطنا بالديار، فقالوا
له: سألناك بإلهك الذي تعبد ألا ما عرفنا باسمك الذي تعرف به لأننا رأينا
منك ما لم نره من أحد من غيرك، فقال لهم: اسمي زيد، وكانت أمه سمته زيدا،
وسماه أبوه حيدر، وسماه النبي عليا لما أمره الله أن يسميه بذلك الاسم
الحسن(في التوراة إله بني إسرائيل هو الذي يسمى الأنبياء عند ولادتهم)،
فقالوا له: يا فتى لقد أعطاك الله من الشجاعة ما لم يعطيه لأحد، وبقي القوم
يتحدثون، فبينما هم كذلك إذ وقعت صيحة من الوادي وتتابع الصياح، فجعلت
الرعاة تمرد أغنامها يرومون(يطلبون) أن يجمعوها، وأسرع بعضهم إلى بعض إلى
أهل الحصن والإمام ينظر إليهم، وإذا بخيول مسرعة فظن الإمام أن أهل الحصن
فرحوا له، فلم يكن من أمره إلا انه شد منطقه(حزامه) وقبض على جحفته(بقايا
الماء) فأقبلت الخيل أفواجا في الوادي، وكانت أربعة ألاف، حمية لأصحابهم أن
يطرقهم طارق، وفرت جميع الرعاة في جميع خبايا الوادي يبكون ويتصارخون،
فقال الإمام: تبكون وليس لكم مال ولا نوال(نصيب)، وإنما المال لغيركم وأنتم
مستأجرون، فقالوا له: يا فتى إنما نبكي على أنفسنا، لأن سيدنا الأعظم
الهضام إذا أخذ له مال رجع بالقيمة علينا، يقول: أنتم علمتم مالي لأعدائي،
فلم يرض بالقتل بل يحرقنا بناره، وفعل ذلك بمن كان قبلنا من الرعاة، وقد
رأيت ما دهمنا كثرة الخيل، فقالوا: ولو كان مليكنا الهضام وإلهه المنيع لما
وصلوا إليهم هؤلاء الأقوام، ولم يخلصوا الغنائم من أيديهم، لأنهم قد عرفوا
بالبلية وصاحبهم قد يتم العرب، ولا تقتصر يده إلا عن بلدة واحدة، فقال
الإمام: ما هذا البلد التي لا يضرب إليها؟، فقالوا له: مدينة يثرب مسكن عبد
الله، بها فارس لا كالفرسان ويقال عنه: أنه مفرق الكتائب وهازم الجيوش
ومفرق المواكب، الحسام(السيف) الغاضب، والليث الغالب، والبحر الساكب، ليث
بني غالب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

الملك المغضب

(قال
الراوي) فلما سمع الإمام هذا الكلام تبسم ضاحكا وقال: أيها الراعي ما اسم
هذا الرجل؟، وما الذي يعبد؟، وأين مسكنه؟، فقد حدثتني بعجيب، فقال: يعرف
بالمغضب، وأما معبوده فانه صنعه من الجزع اليماني، وكانت العرب تأتي إليه
وإلى صنمه ليخبرهم بجميع ما يسألونه عنه، فلما كان يوم من الأيام والناس
محدقون به ويسألونه، وقد شكوا إلى ملكهم المغضب من علي بن أبي طالب لما فعل
بسادات العرب من القتل، فقال لهم: يا قومي تأخروا عني لأتقدم إلى إلهي
العظيم، وأشاوره لكم في هذا الغلام وفي المسير إليه، فتأخروا عنه، (قال
الراوي) فعند ذلك تقدم الملك المغضب إلى إلهه وهو معتمد فيه(متوكل عليه)،
واستشاره في حرب علي بن أبي طالب، وقال: إلهي قد سمعت ما ذكرته العرب من
خبر هذا الغلام وشجاعته وشكوا من فعالك، وقد شكونا إلى وإليك، فهل لك أن
تشير لنا أن نسير إليه ونقاتله وأنت أخبر منا بذلك؟، فمهما أمرتنا به
امتثلناه، (قال الراوي) فلما فرغ من كلامه دخل الشيطان في جوف الصنم، ونهى
المغضب عن ذلك، وهو يظن(الملك المغضب) أن الكلام من الصنم، ثم تململ وارتجز
وانشد يقول:

دع ما قصدت من ارتكاب مهالك ومكاره مقرونة ببلاء

لا تطلبن لقاء علي انه وحش الفلاة كذا لسفك دماء

(قال
الراوي) فلما سمع المغضب والعرب كلام الصنم حزنوا من كلامه فخاف الملك،
وخاف العرب ورجعوا عن عبادته وقالوا: إلهك يذل ولا ينصر، فهو(الصنم) أولى
بأن يدك ويحرق فتفرقوا عنه، فعند ذلك تسامعت العرب والقبائل بملكنا الهضام
وصنمه "المنيع" الرفيع، وقيامه على طول الأيام معلقا في الهواء، فعطفت(مالت
واتجهت) العرب جميعهم إليه، ورأوا منه معجزات وكلمهم بالدليل ووعدهم بهلاك
علي بن أبي طالب، وأن يكفيهم مؤنته(الجهد والبذل البدني والعقلي).

حروب الهضام والمغضب

فانصرفت(اتجهت)
وجوههم إليه وأقبلوا بجمعهم عليه، فعظم ذلك على المغضب واستنجد بالعربان
وبذل لهم الأموال، فجرى بينه وبين صاحبنا الهضام حربا شديدا ما شهدت
العربان مثله، وأقاموا مدة من الشهور يقتلون حتى فني أكثر الجماعات،
وافترقوا على ما هم عليه من العداوة والبغضاء، وبقي كل واحد منهم يغير على
صاحبه كما ترى، وكانت العربان سعت بينهم بالصلح على أنهم يجتمعون جميعا
ويسيرون إلى علي بن أبي طالب ولم يكن قد انفصل بينهم أمر، فتبسم الإمام علي
ضاحكا من قوله، ثم اطرق برأسه إلى الأرض ساعة وهو متفكر في أمر الحصون
التي بينه وبين عدو الله الهضام، فاجمع أمره على ملاقات المغضب وقومه،
واقبل على الراعي المخاطب له وقال: إلى أين هؤلاء القوم سائرون، فقال له:
يا فتى، أما هو فبيننا وبينه فرسخين في مضيق بين جبلين، يجمعون السابقة إلى
المضيق ثم يقع البيع والشراء فيها ليأخذ كل واحد ما يخصه وينصرف إلى محل
سبيله، أو يقصد كل واحد منهم مكانه ومحل نومه، فقال الإمام: يا ويلكم فما
منع صاحب هذا الحصن عن لحاقهم، فقالوا له: يا فتى تجلى إلهنا بالبركة أن في
كل حصن ألف رجل، ولو اجتمع كل من في الحصون لكان هو كفئا للجميع.

يعبر النهر طائرا

فلما
سمع الإمام ذلك الراعي المخاطب له أخذ سيفه ودرقته(ترسه)، وحزم وسطه
بمنطقته(حزامه)، ثم أتى إلى جانب النهر، وثبت عزمه ووثب فارتفع في الهواء
ارتفاعا عاليا، فعبر بتلك الوثبة إلى جانب النهر الآخر، وكان عرض ذلك النهر
أكثر من عشرين ذراعا، ففزع الرعاة بما عاينوه وذهلت عقولهم خوفا من
الإمام، فقال لهم: مهلا يا قوم لن ينالكم مني إلا خير إن شاء الله تعالى،
فان غبت عنكم حتى جن الليل فاخرجوا ما في الحفيرة وكلوه فأنتم أحق به من
النار، فقالوا: إلى أين تريد؟، فقال لهم: أريد أن الحق القوم فعسى أن أنال
منهم خيرا، فظن الرعاة انه يطلب منهم رفدا(إعانة) أو معاونة، فقالوا له:
يا فتى ان وقعت عينهم عليك لم يسمعوا كلامك دون أن يسفكوا دمك وهم أربعة
ألاف فارس، وملكهم المغضب أعظم من الجميع وأكثرهم أذية، ومع ذلك أن وهبوك
شيئا أخذ منك فلا تعرض نفسك للهلاك، فقال لهم الإمام: لا صبر لي عن القوم
لابد من اللحاق بهم، فلم يكن غير قليل حتى لحق بالقوم ونظر الخيل والأسنة
تلمع، فقصر الإمام في مشيه حتى دخل القوم في المضيق والسابقة معهم، وليس
لذلك المضيق منفذ غير هذا الذي دخلوا منه بأجمعهم، أتى الإمام إلى فم
المضيق وجلس تحت درقته حائما من وراء صخرة، قابضا بيده على سيفه وهو يسمع
حديث القوم في بيعهم وشرائهم وقد غابت الشمس فصلى الإمام المغرب في مكانه،
وقال: اللهم ارزقني من عندك فطرا حلالا طيبا.

بداية المعركة

ولم
يزل القوم كذلك إلى أن دخل الليل وطلع القمر وامتلأت الأرض بنوره، فبينما
هو كذلك إذ سمع بعار غنم ورغاء(صوت) ابل، فإذا هو بشويهات( تصغير وجمع
شاة:الضأن والماعز والظباء والبقر والنعام وحمر والحش) وفرسين ومطيتين(ما
يمتطى من الدواب، كالبعير والناقة، تجمع: مطايا ومطي)، سرج وفارس معتقل
برمحه ولامته، فقال الإمام: يوشك أن هذا قسم هذا الفارس، فكن الإمام إلى أن
خرج الفارس وما معه من فم المضيق، فلما قرب الإمام لم يمهل عليه وضربه
فوقع على الأرض قطعتين، فاخذ الإمام جميع ما معه وتركه ورجع إلى مكانه، فلم
يكن إلا هنيهات وقد أقبل آخر على مثل وهو ينادي بصاحبه المعين: قف حتى
أجمع سهمي بسهمك ونسير جميعا، فلم يرد عليه، فما استتم كلامه إلا وقد وافاه
الإمام ولوي شماله إلى يمينه وقبض عليه ودق عنقه في الأرض، وضم الجواد إلى
الجواد والماشية، وجر الرجل الأول من الطريق إلى خارج المضيق وجر صاحبه
إليه، ورجع إلى مكانه فلم يستقر فإذا هو بصهيل خيل ورعاة ابل وبعار غنم
وثلاثة فوارس من وراء تلك الأغنام والإبل والخيل، فتفكر الإمام فيما يحتال
به عليهم ساعة حتى خرجوا من المضيق، فأسف الإمام من خروجهم وخاف أن ينبههم
قبل أن يفرغ منهم، فتقدم الإمام إلى احدهم وضربه بالسيف على مراق
بطنه(المرق: ما رق من الشيء، تجمع مراق، ومراق البطن: ما رق منه ولان في
أسفله) فسقط إلى الأرض نصفين، فالتفت إليه صاحباه، فوثب الإمام عند
التفاتهما وضرب احدهما فجندله(صرعه)، وأراد الثالث فسبقه إلى داخل المضيق
وهو صارخ مستغيث بأصحابه ويقول: أدركوني فقد هلك أصحابكم وهلكتم جميعا
فاطلبوا لأنفسكم الخلاص، فقالوا باجمعهم: يا ويلك ما الذي دهاك، فقال يا
قوم: انه بباب المضيق موت نازل وهو لكل من خرج منكم قاتل، فصاح به المغضب
وقال: يا ويلك، وسأله عن حاله، فاخبره بما رأى وعاين من أمير المؤمنين،
فقال له (الفارس): أيها السيد(المغضب) رأيت من شجات مزعجات لا تكون لبشر
قط، ولكنه سماوي الفعال، فصاح به اللعين وقال: لعل أن يكون معه جيش كثير،
فقال: يا مولاي ما معه غيره وهو أسعى على إقدامه، إذا وثب جاوز الفرس
بالوثبة ويخلع الرأس من الرقبة، فصاح به المغضب وقال: لا أم لك، لعله يكون
من بعض عمار(الجن) هذا المكان، ثم التفت إلى رجلين من قومه عرفوا بالشدة
والقوة والمراس، فقال لهما المغضب: انظرا إلى ما يقول الجبان.

من أنت؟

فنهضا
على أقدامهما وركبا خيولهما وسلا سيوفهما إلى أن قرب من باب المضيق فصرخا:
من الطارق لنا في هذا الليل الغاسق؟، من المعترض لنا فى سطوتنا؟، فإن كنت
من الجن فنحن من مردة الجن، وان كنت من الأنس فنحن من عتاة الإنس، فمن
أنت؟، يا ويلك انطلق قبل أن نرميك بالعطب ونحللك بالويل والغضب، هذا
والإمام ساكت لم يرد عليهما جوابا وهما على وجل، والإمام قد لصق بالأرض إلى
إن وصلا إليه وحاذياه بفرسيهما، فوثب إليهما كالأسد وقبض بيده على جواد
الأول ورفعه من الأرض ثم حذف(رمى) به الجواد الثاني، فوقعت الصدمة على
رجلين من الفرسين، فاندق الفرس الثاني واندق صاحبه، وسقط الأول على أم
رأسه فأنشج شجة عظيمة من حيث خرج من المضيق صارخا مستغيثا بقومه، فبادروا
إليه وقالوا له: ما ورائك؟، قال: ورائي البحر المغرق والموت المفرق،
فقالوا: صف لنا ما رأيت؟، قال: فإني رأيت ما لا يقدر القارئ على وصفه،
فقالوا: ما هو لا أم لك؟، فقال: هل رأيتم رجلا يحمل فرسا براكبه؟، قالوا:
لا، قال: هذا الرجل حمل فرسا براكبه ثم صدم به الأخر فدق الفرس وراكبه،
فلما سمع القوم ذلك ذهلوا وحاروا، وقالوا: كيف يكون ذلك؟، وكيف يتفق أن
رجلا يفعل هذا الفعل؟، فقال: هاهو بباب المضيق فمن أراد أن يعلم الأمر
بالتحقيق فهذا بباب المضيق فينظر إلى ما نظرته من التصديق، فلما فرغ من
قوله حتى وثب المغضب بنفسه وصاح عليه وضربه بسيفه فقتله، وقال له: قبحتك
اللات والعزى، تبا بك ولمن ذكرت، أمن الرجال هذا من لا يخاف سطوتي؟، ثم
قال: احتفظوا على أنفسكم حتى أعود إليكم، فقال له قومه: أيها الملك معك
أربعة ألاف فارس من صناديد العرب والسادات، وتتقدم أنت بنفسك دونهم ونحن
نعلم ان فيك الكفاءة لأهل الأرض في الطول والعرض ولكن نخشى عليك أن يكون
هذا من عمار الجان أو من الجن الأشرار فنخاف عليك من طوارقهم، فقال لهم:
بحق اللاتي والعزى لابد لي من الدنو إليه، فإن كان من الإنس قتلته، وان كان
من الجن أبدته، ثم انه حزم وسطه وجرد سيفه، وكان عدو الله عظيم الخلقة
كبير الجثة شديد الهمة، فتوجه إلى الإمام وهو يبربر كالأسد وينشد ويقول:

أيها الطارق في ليل غسق وفاتكا فينا بسر قد سبق

إني أنا المغضب واسمي قد سبق اقطع الهامات في يوم الفرق

مصرع الملك المغضب

(قال
الراوي) فلما سمع الإمام قول المغضب علم انه كبير القوم ورئيسهم فقال: هذا
والله بغيتي ومرادي اللهم سهل ساعته، قال: واقبل عدو الله منفردا بنفسه
حتى وصل إلى المضيق، فنظر إلي القتلى وهم مجندلون فتحقق الأمر وارتعدت
أوصاله وقال: وحق اللاتي والعزى لقد صدق صاحبنا فيما قال وإنما ظلمناه
بقتلنا إياه، ثم انه وقف بباب المضيق وهو ذاهل العقل، وقد سمعه الإمام رضي
الله عنه تعالى عنه وهو يقول: وحق اللاتي والعزى ما فعل هذه الفعال أحد
الأمم السابقة، ولا قوم عاد وثمود، ولا يقدر على ذلك إلا الغلام الذي يقال
له علي بن أبي طالب، فلما سمع الإمام مقالته تقدم إليه وهو على مهل فلما
دنا منه ووصل إليه، نظره عدو الله فتحير، فبينما هو كذلك إذ وثب إليه
الإمام وهجم عليه ولوح بحسامه(سيفه) وقال: ويل لك ولآبائك وأجدادك أبا
المنعوت بهذه الفعال، أنا مبدي العجائب، أنا مظهر الغرائب، أنا البحر
الساكب، أنا علي بن أبي طالب (قال الراوي) فلما سمع عدو الله ما قاله
الإمام علم انه هو لا محالة، فارتعدت فرائصه وأيقن بالهلاك، فصرخ بأعلى
صوته وقال: يا قوم أدركوني قبل أن اهلك فتهلكوا جميعا، فلما سمع القوم
صراخه أجابوه، فلما نظر الإمام سرعه القوم هجم على عدو الله وقد امسك
جوارحه فلم يستطع فوافاه الإمام بضربة هاشمية علوية على صدره فمسحت صدره
وذراعيه، فسقط عدو الله إلى الأرض قطعتين، وقالوا: وحق اللاتي والعزى

مالنا
بقتال الجن من طاقة، فقال رجل منهم اسكتوا حتى أخاطبه فان كلمني عرفته ايش
يكون إن كان انسيا أو جنيا؟، ثم تقدم إلى ناحية فم المضيق وقال: أيها
الشخص المريد اخبرنا بما تريد؟، (قال الراوي) فلما سمع الإمام علي رضي الله
تعالى عنه ذلك أجابهم وقال: أريد منكم كلمة النجاح والفوز والصلاح، وهي أن
تقولوا معي بأجمعكم: لا اله إلا الله محمد رسول الله، فلما سمع القوم ذلك
قالوا: وحق اللاتي والعزى ما هذا إلا جني، وقال بعضهم ما هذا إلا بشر مثلكم
آدمي، وما نرى من الرأي إلا أن نكون في مكاننا حتى يصبح الصباح فينكشف لنا
هذا الأمر، فلما اجتمع رأيهم على ذلك تأخروا إلى ورائهم في داخل المضيق،
فلما رأى الإمام رضي الله عنه تأخرهم وما عزموا عليه، تقدم إلى عدو الله
وجز رأسه، ثم قام فذبح كبشا من الغنم التي آخذها أولا وسلخه وأضرم نار
وشواه وأكل حتى اكتفى وحمد الله، وقام بين يدي الله تعالى راكعا وساجدا حتى
طلع الفجر فصلى صلاة الصبح ثم تحزم وأخذ سيفه وحجفيه ونزل إلى فم الوادي،
فلما طلعت الشمس نظر إليه القوم بأعينهم وهو في فم المضيق يرمق إليهم
كالذئب إذا عاين قطيع غنم، فقال بعضهم: وحق اللاتي والعزى، ما هو جني ولو
كان جنيا لغاب عند انتشار الصباح، وما هو إلا منفرد بنفسه يريد أن يقتلنا
ونحن أربعة ألاف فارس، والصواب أن نتقدم إليه عشرة عشرة (قال الراوي) فتقدم
للإمام عشرة من فرسانهم فلما وصلوا إليه حملوا عليه فقتل منهم سبعة وبقي
ثلاثة فولوا منهزمين، فقال لهم جنادة ابن عامر(شاعر جاهلي من شعراء هذيل)
وكان قد تقدم عليهم بعد المغضب: انطلقوا إليه عشرين عشرين، فأتوا عليه
وافترق عليه العشرون، فلم تكن إلا ساعة حتى قتل منهم سبعة عشر وهزم
الباقون، فجعل الإمام كلما قتل منهم رجلا يجره برجله حتى يخرجه من المضيق
ليتسع له المكان، وقد تزايد صيانة(حماية) القوم وشاوروا بعضهم بعضا فاجمعوا
على أن يحمل عليه مائة فارس، فحملوا باجمعهم كحملة رجل واحد ومقدمهم جنادة
ابن عامر، فصاح على الإمام: ألا أخبرنا وما الذي تريد؟، فقال لهم: أصم
أنتم لا تسمعون يا ويلكم أم عمي لا تبصرون؟، ألم أقل لكم إني عبد الله وابن
عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا مفرق الكتائب، أنا ليث بني غالب،
أنا علي بن أبي طالب.

جنادة بن عامر

(قال
الراوي) فلما سمع القوم بذكره خافوا ورجفت قلوبهم، وقالوا يا فتى: عجبنا
من أن تكون هذه الفعال لغيرك والآن فأنت صاحب هذه العجائب، فأعلمنا بما
تريد ونحن معك على ما أنت عليه، فقال لهم: أريد منكم أن تقولوا باجمعكم: لا
اله إلا الله محمد رسول الله، وأنا انصرف عنكم راضيا وفي الآخرة مستشفعا
ولمن عاداكم معاديا، قال: فنظر بعضهم لبعض وهموا بالإسلام ولكن خشوا جنادة
بن عامر المقدم عليهم، فقال جنادة: الذي ذكرته دونه بعيد ودونه ضرب شديد
فلا نكون لك طائعين وإنما نحن لك متقدمون، ثم تقدم إليه جنادة وقال لعبده:
كن معي معينا على كتافه، جردا أسيافها وحملا على الإمام رضي الله عنه، فلما
قربا منه رفع الإمام درقته(ترسه) وصدم بها صدر جنادة فادهشته الصدمة، ثم
قبض على سراويله ومراق بطنه ورفعه في الهواء، والتفت إلى العبد وقد ولى
هاربا فأخذ سيفه وقصده وقال: إلى أين يا ابن السوداء؟، فأزعجه ثم بادره
فضربه على رأسه فسقط على الأرض قطعتين.

إسلام ألف رجل

(قال
الراوي) فلما نظر القوم إلى ذلك تأخروا إلى ورائهم وقالوا لبعضهم نحن
نطاوله(نماطله) إلى أن يضجر وليس معه ماء ولا زاد، فإذا انصرف عنا مضينا
إلى حال سبيلنا، فسمعهم الإمام وعرف ما قد عزموا عليه فقال لهم: يا ويلكم
إن كنتم أملتم مطاولتي حتى انصرف عنكم، فذاك أمل بعيد، وعشاي أغنام تقوم
بي(تكفينى) أياما كثيرة، ولم يقطع الله رزقي ما دمت حيا وان فرغت هذه
الأغنام يرسل الله إلي الطير فارميه بالنبال فأكل لحمه واستنشق بالريح
فيغنيني عن الماء، وأنا اظهر لكم بيان ذلك، فأخذ نبله ووضعها في قوس ورمى
بها طيرا طائرا فوقع إلى الأرض طريحا، فأخذه وذبحه وأزال ريشه وشواه وأكله،
فلما رأوا منه ذلك تيقنوا أن لا طاقة لهم به فالقوا أسلحتهم أجمعين
واستسلموا إلى أمير المؤمنين، ونادوا بأجمعهم: الأمان الأمان، يا ابن أبي
طالب ابق علينا وأحسن بكرمك إلينا، فقال لهم: إن كنتم صدقتم في قولكم،
فليكتف بعضكم بعضا حتى انظر حقيقة أمركم، قال: فأقبل القوم يكتف بعضهم بعضا
حتى أوثقوا أنفسهم جميعا (قال الراوي) فعند ذلك تقدم الإمام رضي الله عنه
وقال لهم: لكم واحدة من اثنين إما أن تقولوا لا اله إلا الله محمد رسول
الله، وأما أن تموتون فاسلم مع الإمام من القوم ألف رجل، وأبو عن الإسلام
سبعمائة رجل وقالوا القتل أحب إلينا، فقال الذين اسلموا: نحن نشهد أن لا
الله إلا الله وان محمدا رسول الله، وقالوا له: يا إمام لولا أن إلهك إله
عظيم قدير لما فعلت ذلك بنا، وأما الآن فقد رضيناه إلهنا. فقال لهم الإمام:
لا يصلح إسلامكم عندي حتى تضعوا السيف في أصحابكم الذين أبوا عن الإسلام،
فوضعوا السيف فيهم إلى أن قتلوهم عن أخرهم، فجمع الإمام الأموال على بعضها
وحازها، وأقبل عليه القوم الذين اسلموا معه وقالوا له: يا ابن عم رسول الله
صلى الله عليه وسلم، اجعلنا معك نعينك على أعدائك، فقال لهم الإمام: دعوني
في شغلي وسيروا إلى منازلكم أدعو من بقي منكم إلى الإسلام، فقالوا له:
سمعا وطاعة ولو أمرتنا أن نطلب الهضام لما يكبر علينا في رضاء الله ورسوله
ورضاك، فقال لهم الإمام رضي الله تعالى عنه: أنا له طالب وسترون من نصر
الله ما يسركم، فقالوا له: يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه، وهذه
الغنائم ما تصنع بها؟، فقال: إني سائر بها إلى ما شاء الله يفعل فيها،
فقالوا له: افعل ما تريد فما منا من معترض لك فيها، فقال الإمام رضي الله
عنه: أريد منكم خمس رجال يساعدوني على سوقها، فما استتم كلامه حتى برز له
خمسة رجال من شجعانهم، وقالوا: يابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحن
غلمانك وخدامك، ومهما أمرتنا به امتثلناه، وتقدموا إلى تلك الغنائم فساقوها
بين يدي الإمام رضي الله تعالى عنه، وهو سائر مسرور بما فتح الله على يديه
ولم يزالوا سائرين إلى أن دخلوا وادي الظل.



_________________
N'attends pas que les événements arrivent comme tu le souhaites.
Décide de vouloir ce qui arrive... et tu seras heureux.
Epictète
منصور
منصور
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 1943
العمر : 40
Localisation : loin du bled
تاريخ التسجيل : 07/05/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

السيرة الشعبية للإمام على بن أبى طالب Empty رد: السيرة الشعبية للإمام على بن أبى طالب

مُساهمة من طرف منصور في الخميس 14 أبريل 2011 - 17:16

(4)


ــ الإمام يصل وادي الظل وهو يحمل رأس الملك المغضب في يده

ــ رعاة الأغنام يشهرون إسلامهم ويحذرون الإمام من الملك الهضام

ــ الملك المنتقم يقود فرسانه لقتل الأمام على بن أبى طالب والتمثيل بجثته

ــــ أتباع ابن أبى طالب يقتلون الشيوخ ويعلقون الحصن خلف الملك

ــ عبيد الملك يقيدون النساء ويستولون على السلاح ويحرسون الأبواب

ـ الإمام على يطيح برؤوس أشجع فرسان الملك المنتقم

ـ المنتقم يستغيث ويطالب الإمام بعدم قتله ومنحه فرصه لعرض الإسلام على جنوده

ـ على بن أبى طالب يعبر النهر طائرا ويسبق المنتقم وفرسانه إلى الحصن

في
الحلقة السابقة اقتفى الإمام على أثر الملك المغضب وهو يقود أربعة ألاف
فارس، بعد أن أغاروا على الرعاة وسلبوا منهم الأغنام والماشية وما يمتلكون
من أموال وثياب وغيره، وقد وصل المغضب ورجاله إلى مضيق بين جبلين لكي
يقتسموا ما سلبوه، ووقف الإمام بجانب بوابة المضيق وهى المخرج الوحيد
للمكان، وقام بقتل كل من يخرج منه، حتى خرج الملك المغضب وحز رأسه، وانتهت
المواجهة بإشهار بعض الفرسان إسلامهم ورفض البعض الآخر، وقيام الذين أشهروا
إسلامهم بقتل من رفضوا استجابة لأمر الإمام على بن أبى طالب، وبعد أن
فرغوا جمع الإمام الغنائم من أموال ومواشي وأغنام، وعرض عليه من أسلموا أن
يساعدوه فيما هو ذاهب إليه، ورفض الإمام مشاركتهم وأكد أنه قادر على
مواجهته بمفرده، ثم طالب بأن يساعده خمسة رجال على قيادة الماشية، وحسب نص
السيرة في الجزء الذي ننشره اليوم برز له خمسة رجال من شجعانهم، وقالوا: يا
بن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن غلمانك وخدامك ومهما أمرتنا به
امتثلناه، وتقدموا إلى تلك الغنائم فساقوها بين يدي الإمام رضي الله تعالى
عنه وهو سائر مسرور بما فتح الله على يديه، ولم يزالوا سائرين إلى أن دخلوا
وادي الظل الذي فيه الرعاة، وكان الإمام رضي الله عنه لما قتل عدو الله
المغضب أخذ رأسه معه، فلما أتوا إلى وادي الظل تأمل الرعاة فعرفوا الإمام
رضي الله عنه، ونظروا سائقة الغنم الخمس رجال ورأس عدو الله المغضب مع
الإمام، فلما تأملوا ذلك فرحوا فرحا شديدا، وكانت الرجال لما أخذت مواشيهم
كبرت بليتهم خوفا على أنفسهم من أصحابها وأيقنوا بالقتال، وقال: اهربوا،
وقال بعضهم: كيف نهرب ونترك أهلنا؟، وقال بعضهم: على رسلكم حتى ننظر أمر
صاحبنا ولقد رأينا منه شجاعة عظيمة، أما رأيتم كيف قفز وعدي النهر بوثبة
واحدة إلينا؟، وقال بعضهم: يا ويلكم تتوهمون الأباطيل من الأماني وتظنون أن
رجلا واحدا يصل إلى أربعة ألاف فارس شجاعان عوابس، ولم يزل القوم على ذلك
متقلبون إلى أن ذهب النهار فباتوا قلقين بقية ليلتهم إلى أن برق ضياء الفجر
وطلعت الشمس، فبينما هم كذلك الرجاء والأمان إذ طلع من بطن الوادي طالع
فتأملوه فإذا هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والغنائم بين يديه والخمس
رجال يسوقونها معه، فلما رأى القوم ذلك بهتوا وقالوا: انه ما خلصها من
المغضب وقومه إلا بعد قتال شديد، وصاروا في هذا ومثله إلى أن قرب منهم
الإمام رضي الله عنه، فلما وصل إليهم قام رجل من رجالهم يقال له جنبل بن
وكيع(شخصية خيالية) وقال: أنا أساله لأن اللسان يقصر عن وصف هذا الإنسان
الجليل المقدار، ولولا أرادنا ما كان نزل عندنا، ولو كرهنا لقتلنا عن آخرنا
وأخذ سلبنا(ما يسلب: مثل الثياب والمال وسلاح ودابة ..) ومواشينا، ولكن
لابد أن أخاطبه وأجاوبه مجاوبة القاصد للمقصود، فان خاطبني لا يخفى علىَ ما
عنده، فقالوا له: افعل ما بدالك وما تريد، (قال الراوي) فتقدم جنبل بن
وكيع إلى الإمام رضي الله عنه ورحب به، وقال: يا فتى الفتيان إن الذي بين
يديك من الغنيمة هولك وأنت أحق به من غيرك، لأننا يا مولانا تحت الرجاء
لكرمك متطاولون إن مننت فلك ما أحسنت وان فعلت غير ذلك فيحق ما فعلت، لأننا
يا مولانا لم نقم بشئ من واجبك، ولم تكن لنا معرفة بك حتى عرفنا باسمك
هاتف بالأمس وزجرنا زجرا شديدا واخبرنا بك وباسمك، وأعلمنا بأنك البطل
الصبور زوج البتول(لقب مريم العذراء أطلقته الشيعة على فاطمة الزهراء،
والبتول في اللغة المنقطع عن الحاجة لغيره، وسميت مريم العذراء بالبتول
لأنها كانت منذورة لله تعالى أي منقطعة إليه، أو لأنها مبتلة لم تتزوج)
وابن عم الرسول مفرق الكتائب ومظهر العجائب، الحسام القاضب والأسد الطالب
ليث بني غالب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ثم أن جنبل بن وكيع انشد
يقول:

أنت الذي بفعالك يضرب المثل ومن قبالك يخشى السهل والجبل

أنت المنكس رأس القوم من فزع بذي الفقار ونار الحرب تشتعل

من سالموك ففي عيش وفي رغد ومن يعاديك مقضى دونه الأمل

فان عفوت فأهل العفو أنت وان هلكت يا ضرغام يا بطل

الحق لاح ينا لما حللت بنا وفي يديك رجاء الخوف والأمل

(قال
الراوي) فلما سمع كلام جنبل بن وكيع تبسم الإمام ضاحكا من قوله لأنه فصيح
اللسان، وقال له: يا ويحك من ذلك علي اسمي، فاعلمه جنبل بقول الهاتف وما
كان من أمره، فعند ذلك نظر الإمام إليهم فرأى أحوالهم قد مالت إلى الاصفرار
من شدة ما أصابهم من الخوف من هيئة الإمام رضي الله تعالى عنه، فلما رأى
الإمام كرم الله وجهه منهم ذلك قال لهم: ابشروا يا قوم بما يسركم فنحن باب
السلامة ولنا الشفاعة في الناس يوم القيامة، دونكم وسابقتكم وليأخذ كل واحد
منكم ما كان يرعاه لسيده وارجعوا على مكانكم، فعند ذلك ردت ألوانهم إلى
الاحمرار ونهض كل واحد منهم وأخذ ما كان يرعاه لسيده، ثم اقبلوا نحو الإمام
كرم الله وجهه وقالوا: يا سيدنا ألا تستعين بنا على أمورك وتستنهضنا في
حوائجك لنجازيك على بعض، وان كنا لا ندرك مداركك فعرفنا يا مولانا إلى أين
تريد؟، وإلى من تكيد؟، فقال لهم الإمام: يا قوم أني أريد صاحبكم الملك
الهضام الجحاف وصنمه المنيع الذي فتن به العباد، فنظر القوم عند ذلك بعضهم
لبعض وقالوا: يا فتى من كانت هذه الفعال فعاله ما يبعد عليه ما يطلبه، ولكن
صاحبنا الهضام في جمع غفير وعسكر جسيم(ضخم) وحصون مانعمه، فدبر ذلك بحسن
رأيك وها نحن معك فيما تريد، إن استعنت بنا أعناك لما وليتنا من الإحسان
والتكريم الذي بدأتنا به.

إسلام الرعاة

(قال
الراوي) فتبسم الإمام رضي الله عنه ضاحكا من قولهم وقال: إني لا استعين إلا
با لله وبالمؤمنين، قالوا له: يا مولانا نفديك بالآباء والأمهات اخبرنا عن
ما هي كلمة الإيمان؟، قال: هي كلمة خفيفة على اللسان ثقيلة في الميزان وهي
أن تقولوا معي باجمعكم: لا الله إلا الله محمد رسول الله، قال جنبل بن
ركيع: أما أنا فأقولها غير متأخر عنها، لما قد ظهر لي من الآيات والبراهين،
لولا أن لك إلها واحدا عظيما وهو على كل شئ قدير، ما وصلت إلى ما وصلت،
وأنا يا مولانا اشهد أن لا الله إلا الله، وان ابن عمك محمدا رسول الله،
فلما نظر أصحابه إلى إسلامه واسلموا جميعا وحسن إسلامهم، كانوا واحدا
وأربعين رجلا رعاة، ففرح الإمام بهم وبإسلامهم وقال لهم: يا قوم لا يصح
إسلامكم إلا بكف قناع الحق وبذل السيف في أصحابكم فقالوا: والله يا سيدنا
لو أمرتنا أن نقتل آبائنا وأولادنا في رضاء الله ورسوله ورضاك لفعلنا ذلك،
فشكرهم الإمام ودعا لهم وقال: يا قوم هل عند أهل الحصن علم بأخذ سائقتكم(ما
يساق وهى الأغنام والماشية)؟، قالوا: نعم وقد سبق الخبر من حصن إلى حصن
حتى انتهى إلى الملك الهضام فأرسل لنا هجانين(مفردها هجان، وهو راكب الجمل)
وواعدنا بالعذاب وبعده القتال، وقد اغتاظ غيظا ومع ذلك فهو من بقية
التبابعة، وان الملك المنتقم من جماعته وان له جثة لم يحمله إلا الخيل
العتاق، وقد جعله في أول حصن من الحصون، لأن الملك الهضام يخاف من مكره،
فلذلك أبعده وجعله في أول حصونه، فلما سمع الإمام منهم ذلك الكلام تبسم
ضاحكا، وقال لهم: إذا أرجعتم سائقتكم هذه إلى حصنكم ووصلتم إلى صاحبكم، فلا
تكشفوا له عن خبري ولا عن اسمي، فعسى أن يخرج إلي وان يقضي الله ما هو
قاض، فقال جنبل: يا سيدي إن خرج معه قومه وأصحابه وجميع عشائرهم وهم فرسان
في القتال ونخاف أن يحول بينك وبينه حائل فتلومنا على ذلك، فقال لهم
الإمام: إن الله فعال لما يريد، فإذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، ثم
أقام القوم بقية يومهم إلى أن دخل المساء فرجعوا بالسابقة إلى حصنهم، وكان
أهلهم قد قطعوا الرجاء من مواشيهم، فلما رأوا الرعاة قد أتوا بالسائقة إلى
حصنهم تباشروا ووقع الصياح قي جميع جهات الحصن: بأن السايقة رجعت، فجاء
القوم ولم يعلموا ما كان السبب في ذلك، فلما سمع القوم المنتقم بذكر الخبر،
وكان المنتقم في هذا الوقت متكئا فاستوي جالسا، وقال: يا ويلكم ما هذا
الأمر العجيب؟، فقالوا: انه بلغنا عن الرعاة: انه لما غار عليهم المغضب
وأخذ المال وساقه ومضى به، كان عندهم رجل غريب عابر سبيل، فمازال في أثر
القوم حتى دخلوا المضيق، فسد عليهم باب المضيق ومازال يقتل منهم واحدا بعد
واحد، حتى خرج إليه المغضب بنفسه فقتله وحز رأسه وجاء بها معه، وأتى بالمال
العظيم معه وقتل منهم خلقا كثيرا، وأتى بسابقتنا سالمة ودفعها إلى الرعاة
باجمعها.

الملك المنتقم

فلما
سمع المنتقم هذا الكلام قهقه بالضحك الشديد حتى كاد أن يقع على قفاه، وقال:
كذبوا وحق اللاتي والعزى وحق الإله المنيع، ولا أظن إلا أنهم هموا بأخذ
السابقة فسد عليهم الطريق الإله المنيع، فلم يجدوا لهم منفذا ينفذون منه
فرجعوا إلينا بهذه الحيلة، ثم أمر بإحضار الرعاة فأحضروهم بين يديه، وقال
لهم: بأي حيلة أردتم أخذ السابقة لأنفسكم وضربتم عنا الحيلة، وحق المنيع إن
لم تخبروني وتصدقوني إلا قتلتكم جميعا (قال الراوي) فعند ذلك نظر بعضهم
إلى بعض وتطاولوا(مدوا عنقهم ونظروا) إلى جنبل بن ركيع لأنه كان سريع
الجواب، فقال: اعلم أيها السيد العظيم أن من قطعت أنامله سرى الألم في جسده
جميعه، ومن حاد عن طريق الحق وقع في المضيق، وما كنا نخرج من بلادنا ونترك
أولادنا وإلهنا المنيع الذي يحفظنا وإذا سألناه أعطانا، ونترك ما صفاه من
العيش ونتعرض للمنيع فيرمينا في المهالك والدواهي، ويحرقنا بناره وليعلم
إلهنا المنيع حقيقة أمرنا والخافي في سرنا فلا تكذبنا أيها السيد في قولنا،
فإن الذي طرقنا هو من عطفات المغضب الذي كان يطرقكم كل عام فلا بقيتم ترون
له غرة أبدا مادام الجديدان وبقى الزمان فقد قتله وقتل معه خلق كثير من
قومه، فقال: يا ويلكم ومن فعل بهم هذا الفعال؟، ومن ذا الذي قدر عليهم؟،
قال: فعل بهم رجل غريب من العرب وأنا أصفه لك كأنك تراه، هو غلام بطين تجلس
الوحوش حواليه للمباشرة وحسن منظره ومنطقه بالصواب، ويقلع الشجرة الراسخة
الأزلية.

الخروج لقتل الغلام

(قال
الراوي) فلما سمع المنتقم وصف جنبل بن ركيع عظم ذلك عليه لما وصفه من شجاعة
الإمام رضي الله عنه، ثم قال المنتقم: ويحك يا جنبل وأين يكون هذا
الغلام؟، قال هو قريب من بلادنا، فلما سمع ذلك المنتقم صرخ في قومه
وعشيرته، فاجتمع إليه القوم وحضروا بين يديه، فقال: يا قوم إن هذا الرجل
الذي رد سائقتكم وقتل عدوكم قد انتهى، فقالوا: السمع والطاعة يا ايها السيد
نحن لكلامك مطيعون، ثم توعدوا بالخروج إليه في غدا، وكانت تلك الليلة التي
قدم فيها الرجال من عند أمير المؤمنين، فلما برق ضياء الفجر وفتح باب
الحصن خرجت الرجال، فلما تكامل القوم خرج خلفهم المنتقم، وهو مشتهر بلبس
الأحمر والأصفر فركب جوادا من عناق الخيل، وقد لبس افخر ما عنده من لامة
حربه وخرج من حصنه بجميع قومه، وسار المنتقم أمام قومه وهو يرتجز وينشد:

ليس الهجوم على الرجال بعزة يدعي شجاعا مهلكا بمناجل

بطل شجاع نازل بفنائنا أوفى العدة نائل أو نازل

سيروا بنا نلق الغلام بجمعنا لنراه حقا مثل قول القائل

(قال
الراوي) فعندما نظر جنبل إلى ما عزم القوم قال: يا قوم أني أريد أن أسبق
قبل القوم إلى الإمام رضي الله تعالى عنه فأخبره بذلك، ثم سار جنبل وقد حاد
عن الطريق وسار في بعض الشعاب إلى أن وصل إلى الإمام فسلم عليه فرد عليه
السلام وقال له الإمام: ما وراءك يا جنبل؟، فقال سيدي حفظك الله وانعم عليك
انظر إلى أمامك وقد أتاك المنتقم بجميع قومه، فقال الإمام: إنه غنيمتي ورب
الكعبة، ولكنه قد عظم عليك ما رأيت من الجيوش يا جنبل، والذي بعث ابن عمي
رسولا وبالحق بشيرا ونذيرا، لو خرج إلي ملككم بجميع جيوشه لكنت ألقاه
بمفردي، فقال جنبل: يا سيدي إن الهضام إذا ركب يركب معه خمسمائة ألف عنان
سوابك في النزال من قومه خاصة، غير ما يتبعهم من الرقيق والغلمان والعبيد
فكيف تلقاه ومعه هذا الجميع كله؟، فقال له الإمام: والذي بعث ابن عمي بالحق
بشيرا ونذيرا، انه إذا برز إلى الهضام أتلقاه وحدي ولو يكون معه جميع من
في الأرض من الطول والعرض، فان ثقتي بربي جل وعز فقل وأوجز، فقال: سيدي
المنتقم لم يترك في الحصن رجل يرجى، بل خرج بهم إليك والمنتقم بعد يمثلهم،
فانظر ماذا ترى وما تأمرني به أنا وأصحابي فإنا لكلامك سامعون؟، فلما سمع
الإمام ذلك جازاه خيرا، ثم قال له: بل الذي أمركم به أيسر مما ذكرت واقرب
مما إليه أشرت، فقال جنبل: ما الذي تأمرني به؟، قال الإمام رضي الله عنه:
يا جنبل خذ أصحابك الذين اسلموا معك وادخلوا الحصن وأغلقوا الأبواب
وأوثقوها من داخل، ولا تدعوا أحدا يدخل عليكم وأنكروا أمركم واتركوني أنا
وهذا الجيش، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم، ينصر الله من يشاء
وهو على كل شئ قدير، فلما سمع جنبل ذلك من الإمام التجم عن الخطاب، فقال:
يا سيدي نخاف أن يسمع بذلك الملك الهضام فيأتينا بجيوشه، فقال له الإمام:
يا جنبل إن لك نفسا وأجلا مقسوما، فإذا جاء اجلهم لا يستأخرون ساعة ولا
يستقدمون.

إغلاق الحصن

(قال
الراوي) فلما سمع جنبل من قول الإمام رضي الله تعالى عنه قال: إن كان الأمر
كما ذكر فوالله لامتثلن لما أمرتني به، ثم قال جنبل لأتباعه: إن كنتم
آمنتم بالله ورسوله واتبعتم وليه فأطيعوه واسمعوا قوله ولا تبالوا من الموت
إذا نزل، فلما سمعوا ذلك تباشروا بما بشرهم به جنبل من قول الإمام من
الخلود في جنات النعيم، وهانت عليهم أرواحهم في مرضات ربهم، وقالوا: يا
جنبل ما الذي تريد أن تصنع؟، فقال جنبل ادخلوا الحصن على بركة الله ورسوله
وأغلقوا بابه وأوثقوه وتحصنوا فيه، ولو دهمكم الملك الهضام بجيوشه وعساكره
ما وصل إليكم لأنه حصن منيع كثير الطعام والماء، فان طال بكم الحصار لم
تنالوا منه، وان حدث في هذا الغلام حادث فان ابن عمه محمد صلى الله عليه
وسلم، (قال الراوي) فلما سمعوا مقالة جنبل وثبوا إليه، وقالوا له: أنت
علينا مشير فسر بنا على ما تحب وتختار، ثم أن جنبلا أخذهم وتقدم بهم إلى
الحصن، فلما وصلوا إلى باب الحصن وجدوا عليه جمعا كثيرا من النساء ينظرون
أزواجهن وأولادهن وملكهم المنتقم، فلما وصل جنبل وصحابه إليهن جعلوا
يفسحوهن عن الباب لداخل الحصن، فاستحيت النساء من ذلك وقالت: يا ويلكم من
عبيد ما أقل أدبكم، وما الذي نزل بكم حتى تفعلوا ذلك؟، فقالوا: يا ويلكن
ألم تعلمن أن هذا الغلام الذي نزل بكن ودهمكن في أزواجكن وأولادكن هو
العذاب الواقع والسم النافع ابن عم الرسول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب،
قد أتى إليكم بجيش وقد كمنوا في الشعاب، وقد نزل إلى سيدكم المنتقم بجيشه،
وقد أمرنا بحفظ الحصن وما فيه والحماية عنه، فمن كان عندها سلاح فلتأتنا
به، واجمعوا الجنادل(الصخر) والأحجار (قال الراوي) فلما سمع النساء ذلك
بادرن إلى أماكنهن واتين بجميع الأسلحة، ثم اقبل جنبل على أصحابه وقال: يا
قوم إني أخاف أن يضرب الشيوخ علينا الحيلة ويمكروا بنا، فقال أصحابه: وما
الذي ترى؟، قال: الرأي عندي أن تمضوا إليهم وتقتلوهم فلا حاجة لنا بهم.

قتل الشيوخ وربط النساء

(قال
الراوي) فمضى العبيد وقتلوا الشيوخ عن آخرهم، قال: فلما رأت النساء ذلك
تصارخن، فقال جنبل لأصحابه: أوثقوهن كتافا واطرحوهن في بعض زوايا الحصن،
ففعلوا وطابت خواطرهم ووقفوا على أعلى السور وأشهروا سيوفهم ونصبوا الأعلام
وفرقهم جنبل في جوانب الحصن، فهذا ما كان من أمر جنبل وقومه، وأما ما كان
من خبر عدو الله المنتقم فانه قد سار بقومه حتى أشرف على أمير المؤمنين،
الذي لم يكبر عليه عظم كثرتهم، بل انه أظهر ميله إلى الحرب، وكان على شاطئ
النهر مما يلي حصنهم وديارهم، فوثب قبل وصولهم إليه وثبة عبر بها إلى
الجانب الأخر، وأقبل إلى الجسر وتأمله فإذا هو من الخشب مركب على أعمدة،
فضرب بيده على ما يليه من الأخشاب فقلعها من موضعها وأزالها من مكانها،
وكان عليه كثير من التراب فانهال جميع ذلك في النهر وذهب به الماء، وانقطع
الجسر وعاد الإمام مكانه وصار متكئا على جحفته غير مكترث، ولم يزل الإمام
جالسا مكانه إذ أشرف عليه القوم وما زالوا سائرين إلى أن وصلوا إليه فنظروا
إلى النهر فرأوه وقد قطعه الإمام وحده فعظم عليهم ذلك وتعجبوا منه،
وقالوا: وحق زجرات المنيع ما يفعل هذا رجل واحد، ثم أنشد يقول:

يا أيها الرجل الجميل فعاله نعم المعارك قد فعلت صنيعا

لك عندنا مال وأحمال جزا أني لأمرك في الأمور مطيعا

يطير في الهواء

(قال
الراوي) فلما سمعه الإمام بادر بالغضب ووثب وثبة الأسد وتجرد من
أطماره(ملابسه البالية) ثم جرد سيفه وأخذ جحفته( القربة، مايجتحف بها
الماء) وعدو الله باهت لا يدري ما هو عازم عليه، ثم تقدم الإمام إلى شاطئ
النهر بوثبة واحدة واجتمع وانفرد من الأرض فعدا النهر بوثبه وهجم على عدو
الله وقال له: أنت عدوي وأنا عدوك، وأنت طلبي وأنا طلبتك يا ويلك أفق من
رقدتك، أنا العذاب الواقع أنا الأسد الزؤر والوحش الجسور وزوج البتول وابن
عم الرسول، ممزق الكتائب ومظهر العجائب ليث بني غالب علي ابن أبي طالب،
(قال الراوي) فمال إليه الفرسان من كل جانب ومكان، ولما سمع المنتقم مقالته
وعلم انه علي بن أبي طالب ارتعدت فرائصه وصرخ بصوت قوي وقال لقومه: يا
ويلكم أدركوني من قبل أن تفقدوني من بينكم، فهذا الغلام الذي خرجت بكم إليه
وقدمت بكم عليه هو علي بن أبي طالب، فمالت الفرسان ووثب إليه الإمام وضربة
ضربة بسيفه عرضا فارمي عدو الله بنفسه إلى الأرض ونادي: يا ابن أبي طالب
ليس العجلة من شأنك، فرمى الإمام السيف عنه وقال: يا عدو الله وعدو نفسك قل
ما أنت قائله، فعند ذلك حمل عليه القوم حملة واحدة قوية وهجموا بكثرتهم
ودهموا بجمعهم، ثم قام عدو الله وحمل على الإمام وقد قوي عليه قلبه وشد
عزمه بإنجاد قومه له وقال: يا ابن أبي طالب هذا ما جنيته لنفسك وإن لم ترد
سائقتنا إكراما منك إلينا بل أردت الخديعة والدخول حصننا والذي أملته بعيد
يا ابن أبي طالب يا عدو المنيع وعدو الآلهة العظام، فما بقي محمد ابن عمك
ينظر إلى طلعتك، فإن الحياة عادت حراما عليك بعد هذا اليوم، فقال الإمام:
كذبت يا ملعون ولا أزول عنكم حتى أذيقكم كأس الموت والحمام(قضاء الموت و
قدره) وأنا الأسد الضرغام والبطل المقدام ممزق الكتائب ومظهر العجائب ليث
بني غالب علي بن أبي طالب، فلما سمع المنتقم ذلك ثار من الغيظ وقال لقومه:
احملوا عليه بكثرتكم وميلوا عليه بكليتكم، ثم صرخ جديعة بن كثير(شخصية
وهمية) وكان غلاما كثير الجسارة وفارسا مشهورا، فحمل عليه الإمام ولم يمهله
حتى ضربه عرضا فرمى رأسه مع رقبته، فلما نظر القوم ذلك حاروا ودهشوا من
فعاله وهابوا أن يتقدموا إلى ورائهم وهم ينادون إلى أين يا ابن أبي طالب
لنذيقك اليوم المعاطب؟، وظنوا أنهم قادرون على الإمام (قال الراوي) فصرخ
فيهم الإمام صرخة الغيظ المشهورة في القتال، ثم حمل فيهم وصاح: إلىّ يا
أولاد اللئام وحق رب الكعبة لا أزول عنكم حتى أبدد(أفرق) شملكم، ثم حمل
عليهم الإمام ووضع درقته(ترسه) في صدر القوم، وانشد يقول:

أنا الخطاب والجزار ادعي أمير المؤمنين فهل معاني

أنا قرم(سيد أو فحل) الهياج الهاشمي هدمت لخيبر بدء الزمان

أفيض على الأرامل بالعطايا وأكرم جيرتي في كل آن

وهل نار الحروب سوى علي فدونكم تروني بالعيان

(قال
الراوي) فلما سمعوا ذلك نظر بعضهم إلى بعض والمنتقم مطرق لكلام الإمام
كإطراق الحصان لصلصلة اللجام، فعند ذلك أقبل عليه قومه وقالوا له: أيها
السيد ما الذي تأمرنا به؟، قال لهم: هل تتبعوني؟، قلوبكم مملوءة من الحزن
والوجل شقيتم من قوم تتبعون الشعار وقد جللكم، فما تم كلامه حتى برز إلى
الإمام من القوم غلام رشيق وبيده عتيق وهو على مضمر من الخيل العتاق، فتقدم
إلى المنتقم وقال: أيها السيد وحق المنيع لآتيك برأسه سريع، فقال المنتقم:
ابرز إليه فلك كل المكارم، فلما خرج الغلام من بين القوم، قال الإمام: ظهر
لي شجاعته فأحببت أن يكون مثله لله ورسوله، فناديته: يا غلام أرى سيدك
قدمك للمهالك فارجع فاني لك ناصح، فلما سمع الغلام كلام الإمام تبسم ضاحكا
وقال: أنا ما انزعج إلا من نار المنيع، فقال: فعطف عليه الإمام وضربه عرضا
على صدره فخرج السيف من ظهره فسقط أبو الهراش.

المنتقم يواجه الإمام

(قال
الراوي) فلما نظر المنتقم ذلك مشى إلى الإمام وله جسم كالبعير ونادى برفيع
صوته: يا ابن أبي طالب ان البغي مسرعة الرجال وسهام الأبطال، ومن زها بنفسه
وعجب بشجاعته أورده ذلك موارد العطب، ومن سل سيفه ظلما قتل به رغما، (قال
الراوي) ثم أن الإمام حمل على عدو الله وحمل الآخر كذلك وتقارنا وتحاربا،
وشهد القوم منهم مشهدا عظيما ما روى الرواة مثله، قال الإمام: فوجدت عدو
الله صبورا على الضرب جسورا على الطلب، ثم أن الإمام جمع نفسه وقد كثر
بينهم العراك والقلق، وقد احمرت الحق، فعلم الإمام من عدو الله التقصير وقد
اشرف على الهلاك فنادي ابن أبي طالب وقال للمنتقم: أرفق قليلا أرفق قليلا
حتى اخاطبك بكلام لك فيه المصلحة، فتأخر عنه الإمام وقد طمع في إسلامه،
وقال في نفسه: والله اشتهيت أن يكون مثل هذا الأسد الأروع في الإسلام ثم
تأخر عنه وقال له: قل ما تشاء، فقال: يا ابن أبي طالب، أنا قد أرحمك لحسن
فعالك، ورأيت أن أعفوا عنك وأطلق لك السبيل لأني علمت انك قد أشرفت على
الهلاك، فانا ابعث إليك بفرس ومطية وأزودك الماء والزاد، واهب لك من
الأموال ما يكفيك وترجع إلى ابن عمك سالما غانما، وأنا اشهد لك بين القبائل
والعربان بالشجاعة والبراعة، ثم حمل الإمام مع كلامه وقال: يا ويلك اشر
لنفسك وأهلك وأولادك وجميع قومك أن يقولوا: لا الله إلا الله محمد رسول
الله، ثم حمل الإمام وطلب انجاز الوعد، فنظر عدو الله إلى الإمام، وقد عزم
على قتله وصمم بعد أن ارتعدت فرائصه وصار يرتعد كالسعفة في الريح البارد
فنادي وقال: يا ابن أبي طالب الصدق أو في سبيل، فبالله أبقني فان لي في
القوم مالا وأهلا وأولادا، فإن ملت إليك يقطعوا بيني وبين أهلي وأولادي
وجميع مالي، فخلى سبيل حتى أخاطب قومي فان أجابوا إلى ما أريد كان الرأي
الحسن، وان خالفوني دبرت أمري وخالفتهم وفارقتهم، فقال له الإمام: افعل ما
بدالك وأنت بين الجنة والنار فامض إلى أيهما شئت، وطمع الإمام في إسلامه
فخلى سبيله، فرجع المنتقم إلى قومه وقد تعضعضت أركانه وخمدت نيرانه، فقالوا
له: أيها السيد الكريم ما فعلت بهذا الغلام؟، فقال المنتقم: وسطوة المنيع
لقد نازلت الإبطال فما رأيت غلاما اصبر من هذا على القتال فما الرأي في
أمره وما تفعلون؟، فقالوا: نحن معك فالذي ترضاه لنفسك رضيناه لنا والذي
تأمرنا به فعلناه، فقال يا قوم: إن هذا الغلام يريد منا أن نرفض عبادة
المنيع الإله الرفيع ونعبد إلهه، ونشهد لا بن عمه بالنبوة ونكون معيرة
العرب في المحافل، قالوا: وما نرى جوابنا إلا إننا نمهله بقية يومنا هذا
إلى أن ينسبل الظلام فنسير إلى حصننا ونتحصن فيه من داخله، ونوفق أقفاله
فلا يستطيع الوصول إلينا، ونرسل رسولا إلى الملك الهضام فيأتيا بجنوده
وعساكره، وأهله كل حصن يمدوننا بالنصر على عدونا فقالوا جميعا: افلح الله
رايتك أيها السيد، هذا هو الرأي السديد فاتفق رأيهم على ذلك ثم قالوا: دبر
هذا الأمر بعقلك انه لا يصلح إلا لمبارزة كسرى وقيصر.

الهروب إلى الحصن

(قال
الراوي) فلما اختلط الظلام نظر الإمام إلى جهة القوم، وإذا هو برجل خارج من
جيش المنتقم مسرعا إلى جهة الحصن فظن انه رسول فلصق بطنه وتأمل، فإذا هو
بأخر قد خرج من ورائه وأخر في أثره، وهم ينسلون واحدا بعد واحد هربا إلى
الحصن، فلما رأى ذلك الإمام علم أنهم عزموا على الهروب إلى الحصن، فأخذ
سيفه وجحفته وجعل يزحف على بطنه كالحية على وجه الأرض إلى أن وصل إلى جانب
النهر، وجمع نفسه ووثب فعدي النهر، ولم يعدل عليهم بل عدل عنهم، وأسرع إلى
جهة الحصن يريد الوصول إليه قبل أن يصل إليه أحد منهم، فمازال الإمام يسرع
في سيره فلم يكن إلا أقل من ساعة حتى وصل إلى الحصن ولم يصل إليه احد قبله،
فنظر إلى أعلاه فرأى العبيد على أعلي السور، وقد رفضوا الرقاد(النوم)
وأداموا على السهر بكليتهم، وقد خلعوا العذار(جانب من اللحية) في مرضاة
الملك الجبار، فلما نظر أسرع جماعة منهم وهموا أن يرموه بالأحجار، فنادي
الإمام: لا ترموا بأحجار وافتحوا إلى الباب شكر الله سعيكم وأمنكم من
عدوكم، فعرف القوم صوته ففتحوا له الباب وفرحوا به فرحا شديدا، وكانوا قد
آيسوا(يئسوا) منه، وقالوا: يا سيدنا أقلقتنا بإبطائك وكثر خوفنا عليك،
ونوينا على القتال إلى أن نقتل عن آخرنا في مرضاة ربنا، فجزاهم الإمام
خيرا، ثم قالوا: فما كان خبرك حتى أبطأت علينا؟، فقال: ما يكون إلا الخير
والسلامة وفي هذه الليلة يظهر لكم إن شاء الله تعالى تمام الكرامة، ثم قال
لهم الإمام: اخرجوا بأجمعكم خارج الباب، ولا تمنعوا أحدا من الدخول، وأنا
أبلغكم منهم المأمول، فقال جنبل بن ركيع: يا سيدي وما الذي عزمت عليه؟،
قال: أن اضرب رقابهم، فذهل القوم من كلام الإمام وخرجوا بأجمعهم إلى خارج
الحصن، فلم تكن إلا ساعة وإذا بالقوم مقبلين وفي أوائلهم ذؤيب بن ياسر
الباهلي(شخصية وهمية)، فقال له جنبل ما وراءك يا ذؤيب؟، فقال: لا تسألني عن
الموت الفاصل، ثم هم ودخل في الحصن والإمام يسمع كلامه ثم ضربه ضربة قسمه
نصفين ثم سكت وأخفى حسه، فبينما هو كذلك إذ دخل أخر فقاربه الإمام وضربه
ففلق رأسه عن جسمه، (قال الراوي) فبينما هو كذلك إذ دخل آخر فقاربه الإمام
وضربه فأزال رأسه عن جثته.

_________________
N'attends pas que les événements arrivent comme tu le souhaites.
Décide de vouloir ce qui arrive... et tu seras heureux.
Epictète
منصور
منصور
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 1943
العمر : 40
Localisation : loin du bled
تاريخ التسجيل : 07/05/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

السيرة الشعبية للإمام على بن أبى طالب Empty رد: السيرة الشعبية للإمام على بن أبى طالب

مُساهمة من طرف منصور في السبت 7 مايو 2011 - 13:29

( 5 )


ـ الإمام يطير فى الهواء ويعبر النهر ويسبق الملك المنتقم وجيشه إلى الحصن

ـ أمر رجاله أن يخيروا جنود المنتقم بين النطق بالشهادة والدخول فى الإسلام وبين الموت بالسيف

ـ الملك المنتقم يعرض أحمال من الذهب الأحمر والجواهر على الإمام على والنبى محمد مقابل تركه يعبد الأصنام

ـ المنتقم يفضل الموت عن الدخول فى الإسلام ويهدد الإمام بالخطاف الهندى الحميري

ــ الإمام يحضر نساء رجال المنتقم ويأمر بقتل المرأة التي ترفض إشهار إسلامها

ــ ثلاثمائة فارس يتطوعون لمساندة الإمام على في حربه ضد مروع الوحوش

ـــ جميل بن كثير رسول النبي محمد لملك الجن الكافر يفتتن بجنته وناره ويسجد للمنيع مائة سجدة

ــ ناقد بن الملك الهضام يخرج على رأس جيش لقتل الإمام على بن أبى طالب

بدأت
السيرة بإستغاثة الجني المسلم عرفطة بن شماخ بالنبي محمد عليه الصلاة
والسلام، من جبروت ملك الجن الكافر الهضام بن الحجاف الذي صنع من الحجر
إلها أسماه المنيع، وجعل له نار وجنة ولكل منهما زبانية وحور عين، يدخل
النار الذي يعصاه، ويحسن للمطيع بدخول الجنة، وهما مجرد حفرتين، وطلب من
الرسول أن يرسل له الإمام على بن أبى طالب لأنه على حد قوله هو الوحيد
القادر على محاربة الجن والعفاريت والانتصار عليهم، ويستشير الرسول الصحابة
وخلال استشارته لهم ينزل جبريل ويخبر الرسول باختيار الله عز وجل الإمام
على لمحاربة الملك الهضام، ويتم تكليف على ويخرج بمفرده للمهمه، وفى الطريق
إلى اليمن وهو المكان الذى يعيش بقربه الملك الهضام، يتبعه أحد المنافقين
بهدف انتهاز فرصة وقتله، ويمر الإمام بوقائع تشبه قصة الخضر وموسى المذكورة
فى القرآن، فيقتل رجل يقدم للمارة الماء والطعام المسموم، ويقتل أسود،
ويقتل رجل يقدم زوجته للمارة، ثم يقتل المنافق الذى طلب مصاحبته فى رحلته
بعد أن فسر له سبب قتله كل هؤلاء، بعد ذلك يصل الإمام إلى وادى القمر فى
اليمن ويقتل هناك الملك المغضب وينتصر على جيشه الذي يصل تعداده أربعة ألاف
فارس، وقد عرضنا فى الحلقة السابقة عرضنا للجزء الخاص بوصول الإمام على
إلى وادي الظل، وهناك واجه الامام بمفرده الملك المنتقم ورجاله، حيث قام
بمحاصرتهم في وادي ضيق وقتل منهم أشجع فرسانه، وكاد ان يقتل الملك المنتقم،
لكنه خدعه وجعله يتركه بحجة عرض الإسلام على رجاله، وبعد دخول الظلام
ينتبه الإمام على إلى هروب المنتقم ورجاله نحو الحصن، فيسبقهم ويطير فى
الهواء ويعبر النهر، ويصل قبلهم إلى الحصن الذى كان قد ترك فيه بعض العبيد
الذين أشهروا إسلامهم، وامرهم بغغلاق الحصن عليهم، وفى بداية هذه الحلقة
نبدأ مع الراوي من دخول الليل ومحاولة أول رجل من رجال المنتقم الهرب إلى
الحصن،(قال الراوي) فلما اختلط الظلام نظر الإمام إلى جهة القوم، وإذا هو
برجل خارج من جيش المنتقم مسرعا إلى جهة الحصن، فظن انه رسول، فلصق بطنه
وتأمل فإذا هو بأخر قد خرج من ورائه وأخر في أثره، وهم ينسلون واحدا بعد
واحد هربا إلى الحصن، فلما رأى ذلك الإمام علم أنهم عزموا على الهروب من
الحصن، فأخذ سيفه وجحفته(القربة، ما يجتحف بها الماء) وجعل يزحف على بطنه
كالحية على وجه الأرض إلى أن وصل إلى جانب النهر، وجمع نفسه ووثب فعدي
النهر ولم يعد عليهم بل عدل عنهم، وأسرع إلى جهة الحصن يريد الوصول إليه
قبل أن يصل إليه أحد منهم، فمازال الإمام يسرع في سيره فلم يكن إلا أقل من
ساعة حتى وصل إلى الحصن ولم يصل إليه أحد قبله، فنظر إلى أعلاه فرأى العبيد
على أعلى السور، وقد رفضوا الرقاد وأداموا على السهر بكليتهم(جميعهم)، وقد
خلعوا العذار(يقال خلع فلان عذاره انهمك في الغي ولم يستح ) في مرضاة
الملك الجبار، فلما نظر أسرع جماعة منهم وهموا أن يرموه بالأحجار، فنادي
الإمام: لا ترموا بالأحجار وافتحوا إلى الباب شكر الله سعيكم وأمنكم من
عدوكم، فعرف القوم صوته ففتحوا له الباب وفرحوا به فرحا شديدا وكانوا قد
آسوا(يئسوا) منه وقالوا: يا سيدنا أقلقنا بإبطائك وكثر خوفنا عليك، ونوينا
على القتال إلى أن نقتل عن آخرنا في مرضاة ربنا، فجزاهم الإمام خيرا، ثم
قالوا: فما كان خبرك حتى أبطأت علينا فقال: ما يكون إلا الخير والسلامة،
وفي هذه الليلة إن شاء الله يظهر لكم تمام الكرامة، ثم قال لهم الإمام:
اخرجوا بأجمعكم خارج الباب، ولا تمنعوا أحدا من الدخول وأنا أبلغكم منكم
المأمول، فقال جنبل بن ركيع: يا سيدي وما الذي عزمت عليه؟، قال: إن اضرب
رقابهم، فذهل القوم من كلام الإمام، وخرجوا بأجمعهم إلى خارج الحصن.

الموت الفاصل

فلم تكن
إلا ساعة وإذا بالقوم مقبلين وفي أوائلهم ذؤيب بن ياسر الباهلي(شخصية
وهمية)، فقال له جنبل: ما وراءك يا ذؤيب؟، فقال: لا تسألني عن الموت
الفاصل، ثم هم ودخل في الحصن والإمام يسمع كلامه، ثم ضربه ضربة قسمه نصفين،
ثم سكت وأخفى حسه، فبينما هو كذلك إذ دخل آخر فقاربه الإمام وضربه ففلق
رأسه عن جسمه، (قال الراوي) فبينما هو كذلك إذ دخل آخر فقاربه الإمام وضربه
فأزال رأسه عن جثته، وإذا بضجة عظيمة فتأملهم، وإذا هو بعدو الله المنتقم
راكبا على بعيره وحوله غلمانه وشجعانه، وقد أحاطوا به من كل جانب، فلما
وصلوا إلى باب الحصن أناخوا البعير(يقال للجمل والناقة بعير، ج: أباعر
وأباعير وبعران ) ثم حملوا عدو الله وانزلوه، فتقدم إلى باب الحصن يريد
الدخول فوقف والتفت إلى أصحابه، وقال لهم: يا ويلكم ألزموا باب حصنكم إلى
أن تتكامل أصحابكم وادخلوا الحصن وأغلقوا بابه وتحصنوا، ثم أن عدو الله
تركهم على الباب ودخل الحصن ومعه رجل من جماهير قومه، فرفع جنبل صوته يسمع
الإمام وقال: يا مولاي يبلغك الإله مأمولك وأعطاك سؤالك، لقد أبردت بعقلك
قلبي وسررت خاطري، فعند ذلك فهم الإمام إشارة جنبل، وكان للحصن بابان من
داخل بعضهما، فوقف الإمام رضي الله عنه عند الباب الثاني، وأخذ سيفه وجحفته
ثم أقبل على عدو الله المنتقم وحواليه السيوف مسلولة، وهو في وسط القوم
كعلو الفارس على الراجل، فلما وصل إلى الإمام وثب عليهم وصاح صيحته
المعروفة الهاشمية، وقال: إلى أين يا لئام؟، إلى أين المفر من إبن عم خير
البشر؟، فلما سمع القوم ذلك ولوا هاربين يمينا وشمالا، وصار عدو الله وحده
واقفا باهتا لا يدري ما يصنع فنادى: يا ابن أبي طالب أحسن إلي وابقي بكرمك
علي، فقال الإمام: أتخدعني يا عدو الله، والله إن لم تقر لله بالوحدانية
ولمحمد ابن عمي بالرسالة لأقتلنك اشر قتلة، فقال له: يا ابن أبي طالب بحق
ابن عمك محمد إلا أبقيت علي، فعند ذلك أخذ الإمام عمامته بعد أن ألقاه على
الأرض وكبه على وجهه وأوثق كتافه وجمع يديه إلى رجليه وتركه لا يستطيع ان
يتحرك وعمد الى القوم، فقال لهم: قولوا نشهد أن لا اله إلا الله وان محمدا
رسول الله، فقالوا باجمعهم: نشهد أن لا اله إلا الله، وان بن عمك محمدا
رسول الله، فقال لهم الإمام رضي الله عنه: ما يتحقق عندي إسلامكم فقالوا
له: يا ابن عم رسول الله هذا حقيقة إسلامنا، قال: نعم، (قال الراوي) فعند
ذلك جردوا سيوفهم وعمدوا مع الإمام إلى الباب الذين هم داخله، ففتحوه
فوجدوا القوم قد دخلوا كلهم من الباب الأول، واجتمعوا عند ذلك الباب الذي
من داخله أمير المؤمنين فخرجوا لهم وحطوا السيف فيهم.

الإسلام أو الموت

وأقبل
جنبل وقومه من خلفهم وصاحوا فيهم: الله اكبر فتح ونصر، هذا والإمام رضي
الله عنه يقول: أمروهم أن يقولوا: لا الله إلا الله وإلا نفنيكم عن آخركم،
فمن قالها ارفعوا عنه السيف ومن أبى فاقتلوه، فما زالوا كذلك إلى مضى ثلث
الليل، فنادي القوم بأجمعهم: الأمان يا ابن أبي طالب ونحن أسراك وفي يدك،
فقال لهم رضي الله عنه: لن يؤمنكم من سيفي إلا أن تقروا لله بالوحدانية
ولمحمد الرسالة وإلا أفنيكم عن أخركم فصاحوا باجمعهم: نحن نشهد أن لا اله
إلا الله وان ابن عمك رسول الله، فأمر القوم أن يرفعوا عنهم السيف، فما مضى
نصف الليل الأول إلا وقد كفاه الله القوم ولم يبق عندهم من يقاتل أبدا،
وأقبلت الرعاة وجنبل إلى الإمام، وقبلوا يديه وهنئوه بالسلامة وبما فتح
الله عليه في تلك الليلة، فحمد الله تعالى واثني عليه ثم خر ساجدا لله
تعالى في وسط الحصن شكر الله تعالى، (قال الراوي) فلما فرغ الإمام من سجوده
ورفع رأسه واستوي قائما أمر بإحضار عدو الله المنتقم، فاحضر بين يديه فأمر
بحل كتافه وقال: يا عدو الله وعدو نفسك انك على شفا جرف(على حرف بئر لم
تبن بالحجارة)هار( انهار أو هدم ) إما إلى النار وإما إلى الجنة، يا ويلك
اقر لله بالوحدانية ولمحمد بالرسالة تفز في الدنيا والآخرة واصرف عنك
المحال ودع عبادة الأصنام.

المنتقم يرشوا الإمام

فقال
المنتقم: يا ابن أبي طالب اجعل لك جعلا أرسله إليك والى ابن عمك في كل عام
من جميع ما تختاره من الصنوف المثمنة من الجواهر والذهب الأحمر وما أشبه
ذلك، فقال له الإمام: يا ويلك أما مالك ومال قومك ومال ملكك إن شاء الله
تعالى احمله كله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن أقتلك وأكسر
صنمك، وأنت والله ما يخلصك من سيفي إلا قول لا الله إلا الله محمد رسول
الله، فقال: يا ابن أبي طالب أما هذه الكلمة لا أقولها أبدا، وإن عجلت قتلي
فلي من يأخذ الثأر، وها هو أمامك المسمى بالخطاف هندي الحميري يقتنص
الوحوش في فلواتها(فلاة: صحراء) والأسود في غاباتها، فلما سمع الإمام ذلك
من عدو الله فار(غلى واعتمل) بالغضب وقال: الذي أوصلنا إليك يوصلنا إلى
غيرك، وأما أنت فقد عجل الله بروحك إلى النار، ثم قام الإمام على قدميه
وضرب عدو الله المنتقم بذي الفقار(اسم سيفه) فأزال رأسه.

قتل النساء

(قال
الراوي) ثم الإمام عليا رضي الله عنه أمر بإحضار النساء فأحضرت بين يديه
فعرض عليهن الإسلام، فمن أسلمت اقرها في مكانها ومن أبت وكل بها من
يقتلها(هذا الكلام بالطبع مخالف للشريعة الإسلامية)، فلما فرغ الإمام من
ذلك جمع الأموال وجمع ذلك كله في دار عدو الله المنتقم وقفل عليه وختمه
وأوصى بحفظه، ثم اقبل الإمام على القوم وقال لهم: إن الله سبحانه وتعالى قد
دعاكم للإسلام ومن عليكم بالإيمان وأنقذكم من ظلمات الكفر والطغيان، واني
ماض عنكم فالله في أنفسكم فلا تكفروا بعد إيمانكم ولا تنافقوا في إسلامكم
آمل الله الرجعة إليكم عن قريب إن شاء الله تعالى بعد بلوغ ما أريد من
ملككم الذميم واصرف شره وشر صنمه وشيطانه الرجيم، فقالوا جميعهم: يا ابن عم
الرسول أنا لن نؤمن إلا بحقيقة أمرنا وقد علم الله صدقنا، وأراد لنا
الحياة واطمأنت أنفسنا ونسير معك وبين يديك، فما يكبر علينا أن نقاتل بين
يديك ملكنا وأهلنا، فلما سمع الإمام منهم ذلك سر بمقالتهم وعزل لهم مائة
رجل يمكثون في الحصن، وأمر عليهم جنبل بن خليل الباهلي وأوصاه بالشفقة على
من في الحصن ووصاهم بحفظ ما فيه، وأمر على الرعاة جنبل بن وكيع، فقال جنبل:
يا أمير المؤمنين بالذي بعث ابن عمك بالحق بشيرا ونذيرا لا تأخرني عن
المسير معك لحرب قومي وقتال عشيرتي، يطول دهرنا وزماننا ولا اتركه حتى يشفي
غليل قلبي وما قدمت من ذنبي، فجزاه الإمام خير على كلامه وقال له: يا جنبل
فان الله كريم لا يعجل على من عصاه، ثم أن الإمام دعا بعبد يقال له حصن بن
شنبش(شخصية وهمية من شخوص السيرة) وأمره على الرعاة وأوصاه بحفظ السائقة
والأموال وأوصاه يروحها كل ليلة إلى داخل الحصن.

وادي الحديق

ثم سار
الإمام وأخذ معه ثلاثمائة فارس طالبين حصن رامق ووادي الحديق وصاحبه الأمير
عليه الخطاب بن هند الحميري الملقب بمروع الوحوش، فساروا وقد أخفى الله
أمرهم وما جرى لهم، فلم يعلم أحد من أهل الحصون والأودية، وأما الملك
الهضام فقد اشتد كفره وطغيانه وتجبره، وقد شاع في العرب ذكره وعظم خطره
وكان يركب كل سنة ثلاث مرات إلى صنمه، فإذا دخل عليه خر له ساجدا من دون
الله عز وجل، فلا يرفع رأسه حتى يهتف الشيطان بصنمه ويأمره بالقيام، (قال
الراوي) فبينما عدو الله في تزايد كفره إذ ورد عليه كتاب رسول الله صلى
الله عليه وسلم مع جميل بن كثير العابد(وهو الذى تبرع فى بداية السيرة حمل
رسالة الرسول إلى الملك الهضام مشترطا عدم رئاسة على بن أبى طالب له، وهو
من شخوص السيرة) فاستأذن في الدخول على الملك، قيل له: اصبر حتى نخبر الملك
بقدومك، ثم أن الحاجب أخبر الوزير بقدوم ذلك القاصد فأخبر الملك بذلك،
فقال: أيها الملك انه أتاك اليوم قاصد، يذكر أنه من عند محمد صاحب يثرب
وابن عمه علي بن أبي طالب، واستأذن في الدخول عليك والوصول إليك فأوقفه
الحاجب واخبرني بخبره وها أنا أخبرتك، (قال الراوي) فلما سمع الملك الهضام
بذلك عظم عليه وقال: أو قد ذكرني محمد مع من ذكر، وعرض لي مثل ما عرض
لغيري؟، أيظن إني كغيري من العرب وان الهي كسائر الآلهة، ثم أمر ببساط
مجلسه فبسط وستوره علقت وبعث أكابر قومه فأقامهم حوله بالسلاح
والنشاب(النبل واحدته نشابة، ج: نشاشيب ) وبأيديهم العمد والحرب، ولبس
الملك تاجه المرصع باليواقيت والجواهر واظهر نعمته، وأقام ترجمانه بين يديه
لأجل ما يبلغ الكلام إلى القاصد، ثم أمر بإحضار قاصد رسول الله صلى الله
عليه وسلم بين يديه، فتبادرت غلمانه وحجابه إلى جميل بن كثير فأتوا به أسرع
من طرفة عين، وقالوا له: اجمع عقلك وبين فضلك وانظر لمن تخاطب واعلم من
تكلم، ثم دخلوا به إلى أن وقف بين يديه.

رسول النبي للهضام

فلما
نظر جميل إلى مملكته وسلطانه وحجابه وغلمانه وتاجه الذي على رأسه، ويواقيته
والقوم محدقون به إلتجم عن الكلام وتبلد عن السلام، فغضب الملك لذلك وعرف
الغضب في وجهه، فاضطرب القوم لذلك وماج بعضهم ورفعوا العمد والسيوف وتوقوا
خطاب الملك لكي يبادرهم بسوء، فنظر الترجمان إلى ذلك، وكان صاحب عقل وأدب
وفضل، فقال للملك: اعلم أيها الملك أن هيبة المملكة ومرتبة السلطنة تلجم
الناظر عن الكلام عن مقالته فى النظم حتى تدهشه عن السلام، (قال الراوي)
فذهب عن الملك ما كان قال به، ثم قال الترجمان لجميل: إن الملك يقول لك
ويلك من أنت؟، ومن أين أقبلت؟، وإلى من قصدك؟، ورسول من أنت؟، قال جميل ابن
كثير: أنا رسول صاحب يثرب محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وقد حملني هذا
الكتاب وأرسلني إليك لأطلب الجواب، ولا أطلب شرا ولا ضرا وقد أزعجني من
هيبة الملك، فتبسم الملك الهضام ضاحكا وقال: هلم إلى بكتابك، فتقدم إليه
جميل وناوله الكتاب، ففكه وقرأه وفهم مضمونه ومعناه وقهقه حتى كاد أن يقع
على قفاه، (قال الراوي) ثم التفت الهضام إلى جميل وقال: يا ويلك صف لي هذا
الغلام المذكور في الأرض(لاحظ أن الراوي جعله في البداية يغفل النبي محمد
تماما ويسأل عن الإمام على بن أبى طالب، ولا يسأل عن النبي محمد ولا عن
ديانته)، فقال جميل: أيها الملك إن الكفر أقبح بالعبد الدنئ فكيف بالسيد؟،
فإن أحببت أن اصف لك فلي عليك شرطان، أحدهما إن وصفته لك فلا يكبر على
الملك فيقتلني بغير ذنب وأنت أغنى الناس عن ذلك، والثاني أخاف أن أصف لك
شأنه العظيم فيبلغ غيره فأكون كذابا، وأنا الآن أسالك أيها الملك: أن لا
تسألني عن هذا السؤال فإني لا قدرة لي عليه، فقال الملك: إن قلت ما فيه على
الحق فلا خوف عليك إن كنت صادقا، فقال جميل: أيها الملك إنه غلام موصوف
بالشجاعة معروف بالبراعة، أخف من البرق إذا لمع وأسرع من الفهد إذا وثب حسن
اليقين، (قال الراوي) فلما فرغ جميل من كلامه تبسم الهضام ضاحكا وقال: وحق
زاجرات المنيع(الصنم الذي يعبده) لقد وصفت صاحبك وأحسنت في وصفه، فدع عنك
هذا الكلام واقصر عن وصف هذا الغلام، واعمل في خلاص نفسك قبل حلولك في
رمسك(قبرك، تجمع: رموس وأرماس) وقل لأي شئ اتبعت محمدا وأمنت به؟، فقال
جميل: على أن ينقذني من النار ويدخلني الجنة التي هي دار القرار، فقال
الهضام: ومتى يكون هذا الأمر؟، فقال جميل: إذا قامت القيامة وقامت الخلائق
من التراب إلى الاجتماع في دار الحساب، فقال الهضام: قد أخبركم صاحبكم محمد
أنكم تموتون وتصيرون رفاتا ويختلط اللحم هذا باللحم، والعظم هذا بالعظم،
وتمضي عليكم الدهور والأعوام، ثم تعودون بأجساد وأرواح، ثم يكون بعد ذلك
حساب وعقاب وجنة ونار؟، فقال له: نعم، قال له: وإلى أين هذه النار وهذه
الجنة؟، قال: شئ لا يفنى ولا ينقضي فعجل يا ويلك بالعاجل ودع الأجل.

جنة المنيع وناره

(قال
الراوي) ثم التفت اللعين إلى بعض أولاده وكان اسمه ناقد وقال له: قم يا بني
اكشف له عن الجنة والنار(حفرتان كبيرتان، وهما من صنيعة الملك الهضام)
وخيره بين الدارين فإن اختار المقام في دار النعيم فدعه يأكل من فواكهها
وثمارها، ثم أخذ ناقدا جميل وذهب به إلى الجنة وقد رأى جميع ما فيها ثم قال
ناقد: اتبعني حتى اكشف لك عن دار هي أحسن من هذه، ثم أخرجه وعمد به إلى
النار، وقد كان أرسل إلى العبيد الموكلين بها الذين سموهم الزبانية، فأمرهم
بإضرامها وتقويتها، فلما أن قرب منها ناقد وجميل، قربه وأطلعه في درج عالي
مبني من الرخام الملون حتى انتهى إلى أعلى الدرج، فقال ناقد لجميل: أتختار
أي الدار أردت؟، فلما أشرف جميل على النار ونظر إلى قعرها وكثرة زفيرها
قال: أبعدوني عنها وامضوا بي إلى الجنة، فلما دخل فيها جميل وتوسطها
واستنشق ريحها وتصايحت به حورها، افتتن جميل واحتوى الشيطان على قلبه، فسلب
الله تبارك وتعالى منه الإيمان ومال إلى ملتهم ورفض الإسلام، (قال الراوي)
فعدل من ورائها جميل لعنة الله عليه إلى تلك الآلات والستور والآنية من
الذهب والفضة فقال للجارية: لمن هذه؟، قالت: لك وأنا لك وجميع هذا لك حتى
تمضي من وقته وساعته إلى الإله المنيع، فهو إلهنا الأعظم، فتخر له ساجدا
وتقر له بالعبودية، فقال لها: حبا وكرامة أنا أسجد له مائة سجدة، ثم خرج
جميل وناقد ابن الملك معه لأنه كان يوصي الحور العين أن يخاطبه ويقلن له
ذلك.

ارتداد رسول النبى

فلما
خرج جميل قال ناقد: إلى أين تريد؟، قال: إلى الإله المنيع والرب الرفيع
أسجد له وأقر له بالعبودية، فقال له ناقد: أفلحت يا هذا ونجحت، ثم أقبل
ناقد راجعا إلى الصنم، فما زال كذلك حتى قرب من الأبواب وما زالوا كذلك حتى
دخلوه فيها وهمت المتنعمون في الجنة أن يدخلوا معهم فمنعهم الحاجب من
الدخول، فتصايحوا بناقد وقد قالوا له: دعنا ندخل إلى ربنا المنيع إلهنا
السميع فننظر إلى معجزاته ودلائله وآياته؟، (قال الراوي) فأذن لهم ناقد
بالدخول وهو أمامهم قابض على يد جميل لعنه الله، فمازال يدخل من باب إلى
باب إلى أن دخل البيت الذي فيه الصنم، فنظر القناديل توقد بأطيب الادهان،
ونظر الصنم معلقا في الهواء لا يرفعه عمود من تحته ولا علاقة من فوقه، فحار
جميل واندهش وأعطاه ناقد خاتما من الحديد الصيني كبيرا، فأخذه جميل بيده
وتقدم إلى الصنم، فلما شم الصنم رائحة المغناطيس جذبه بالقوة المركبة من
الحديد، فلما نظر جميل إلى ذلك حار فعلم ناقد ذلك منه فقال: يا ويلك أسجد
فإن الإله قد قربك إليه، فعند ذلك سجد جميل لعنه الله وسجد معه جميع القوم،
فأقبل الشيطان اللعين الموكل بالصنم فدخل جوفه وجعل يهذي بكلام التضليل،
(قال الراوي) فصاح به الخدم من كل جانب ومكان يقولون: يا جميل ابشر بالخير
الجزيل، فقد جاد عليك المنيع بالكرم والتفضيل، وقد خرجت من ذنوبك كيوم
ولدتك أمك، فرفع رأسه ورفع الناس رؤوسهم، فلما فرغ تمسح القوم به تبركا
وهنوه على ذلك وقبلوا يديه وكذلك ناقد، ولم يزالوا من حوله محدقين إلى أن
وصلوه الجنة التي يزعمونها، فلما دخلها استقبلته صاحبته الطاغية بكأس من
خمر وقالت له: خذ هذا الكأس فهو تمام الفرح وزوال العمر، ولم يبق بعد يومنا
هذا ولا نصب، فتناول الكأس من يدها وتجرعه وأبعده الله تعالى عن بابه
وطرده عن نبيه ونام مع صاحبته وكفر بالله العظيم، ثم آن ناقدا أتى إلى أبيه
وأخبره بذلك، ففرح الهضام فرحا شديدا وقال: وحق المنيع لو وصل إلينا علي
بن أبي طالب لفعلنا به مثل هذا، وكان يصير إلى ما صار إليه صاحبه وينسى ابن
عمه، وهل يرى هذا النعيم والعيش السليم ويتباعد عنه؟، ومازال الملك في
كفره وطغيانه.

صرخة الصنم

قال:
فلم يمض إلا يومان أو ثلاثة بعد أمر جميل والقوم في لهوهم وسرورهم والسدنة
من حول الصنم، قد هجع القوم في بعض الليالي، إذ صرخ الصنم صرخة عظيمة
فازدحم على الأبواب وقام الملك من على سريره وأولاده حواليه، فقال الملك
لولده الأصغر: وكان اسمه غنام انظر يا بني المنيع، ولاشك انه وقع بنا أمر
فانظر ما هذا الخبر؟، فمضى غنام ورجع وهو طائش العقل فقال: يا أبت انه صراخ
المنيع ولاشك انه وقع أمر، فركب الملك من وقته وركب أولاده من حواليه،
وسار بهم الملك حتى دخل الصنم بعد سكوته، فلما دخل عليه الملك صاح واضطرب
ونطق الشيطان من جوفه ينشد ويقول: قد حل في ساحتكم ليث بطل ورمى شجعانكم
كلا بالخيل هذا على قريب قد وصل فادهموه بالسيوف والنبل، ثم اقطعوا منه
بعزمكم الأمل فهو لكم وفي يديكم قد حصل، (قال الراوي) وكانت هتفة الصنم قبل
أن يصل الإمام إلى حصن الوجيه، حين قتل المغضب وخلص السائقة وردها وتعوق
بعد ذلك حتى فتح الحصن، فلما سمع الملك من صنمه هذا الكلام قال: يا الهي
ويا سيدي لا وقفته بين يديك ذليلا، ثم إن الملك التفت إلى ولده ناقد وكان
أكبر أولاده فقال له: يا ناقد اسجد لإلهك فانك لعدوه قاصد وله قائد وعن
قريب تأتي به حقيرا ذليلا، فخر ناقد ساجدا للصنم فسمع عنده ضاحكا واسبشار
وفرحا وسرورا من الصنم: يا ناقد ارفع أمرك وأسرع بالاستعجال وجمع الأبطال
وتأتي به في القيد والأغلال منسكا في أسوأ حال، فلما سمع ناقد قام مسرعا
ووقف مع أبيه إلى منزله، فقال الملك: يا بني انك وافر العقل تام الفضل وان
إلهك لا يحذر إلا من أمر عظيم، وهذا الغلام المذكور علي بن ابي طالب، وأنه
قد شاعت بين العرب أخباره، وقد ظهر أنه فارس صنديد وقرم(سيد) عنيد، إلا أن
إلهك وعدك النصر عليه، وأخبرك أنه وحيد فريد، فامض إليه وخذ من تختاره من
قومك وعشيرتك، وأوصيك إذا لقيته فحذره من ناري وشوقه إلى جنتي، فإن ركن فجد
بالعفو عليه، وابسط جناح الإحسان، وإن أبى فاغتنم انفراده بأنك آمن من
ناصر ينصره ومعين يعينه، ولا شك انك تجده عند حصننا الأقصى وهو حصن الوجيه
نازلا مع الرعيان.

ألف فارس لمحاربة الغلام

(قال
الراوي) فعند ذلك قام ناقد على قدميه، وجعل يخترق الصفوف ويتصفح وجوه
الرجال وينتخب الأبطال واختار أن يأخذ من صناديد(الصنديد الشجاع) القوم ألف
فارس، فلما لاح ضياء الفجر خرج ناقد وقومه وقد تزينوا بزينتهم المدخرة
عندهم، ولبسوا فوق رؤوسهم التيجان المرصعة باليواقيت والجواهر المثمنة
وركبوا الخيول العربية، وناقد بن الملك الهضام أكثر منهم زينة وله ذوائب
تبلغ إلى مؤخرة سرجه، وهو مقلد بسيفين عن يمينه وعن شماله وبيده رمح خطي،
فلما تكامل أصحابه وعزموا على المسير ركب أبوه يشيعه ويوصيه ويحرضه على
الإمام رضي الله عنه إلى أن بعد عن الحصن، فرجع الملك إلى حصنه وصار ناقد
وهو يجد المسير، فبينما هو سائر إذ لاحت غبرة عظيمة فتأملها وقال لقومه: ما
تكون هذه الغبرة العظيمة؟، فقالوا: لعل أن تكون غبرة رمال أو ظباء شاردة
أو زوابع عاقدة، فقال لهم ناقد: لو كانت كما تقولون لكانت منفرجة وهذه عقدة
معنقدة، فتأملوها جميعا فقال بعضهم: وحق المنيع إن هو إلا جيش، وقال بعضهم
غير ذلك، فتحير القوم من ذلك ووقفوا جميعا، فبينما القوم واقفون متحيرون
إذا انكشف الغبار ولاحت الأسنة(أسنة الرماح) ولمعانها وهي تبرق كالبرق
وكواكبها زاهية، فذهل القوم من ذلك ولم يعلموا انه جيش الإمام علي رضي الله
عنه، وكان الإمام قد نظر من بعيد فقال لقومه: يا قوم ألا ترون ما أرى؟،
فقالوا: يا ابن عم رسول الله ما ترى؟، قال: أرى جيشا كبيرا، فتأمل القوم
فنظروا جيش ابن الملك، فقال: يا معشر المسلمين لا شك أن أصحاب الحصون قد
بلغهم خبرنا، فهل منكم من يسرع إليهم فتقدم إليه جنبل بن ركيع، وقال له: يا
مولاي أني لكلامك سامع ولأمرك طائع، أؤمرني بما تشاء وتختار فإني وحق ابن
عمك محمد لا أخالف لك أمر، فجزاه الإمام على ذلك خير وقال له: أنت لها يا
جنبل فأسرع إليهم، فان كانوا من أعدائنا فلا بأس أن تخدعهم بخديعتك، و أذكر
لهم أنكم ظفرتم بي وأمسكتموني، وأنكم سائرون بي إلى الملك الهضام لتأخذوا
منه الجزاء والإكرام، ثم قال له الإمام: بادر وفقك الله إلى مسيرك.

يهوى كالبرق

فمشى
جنبل ابن وكيع إلى أن قرب من جيش ابن الملك الهضام، فوجدهم قد جردوا السيوف
وعزموا على القتال والحرب، فنظر جنبل إليهم وإذا هو ناقد بن الملك وكان
أعرف الناس، وكان جنبل صاحب خديعة كثير المكر والحيل، فلما عرفه وتحققه
وعرف انه ناقد بن الملك، ترجل جنبل عن جواده وأقبل يسعى على قدميه، فلما
قرب من ناقد خر ساجدا لله تعالى، فلما نظر إليه ناقد عرفه وظن انه ساجد
إليه فقال: يا جنبل ارفع رأسك فقال: يا مولاي عبدك و ابن أمتك، فقال ناقد:
اركب جوادك فركب جواده، فقال له ناقد: يا بن وكيع ما وراءك؟، وما الذي بلغك
من خبر هذا الغلام الكثير الانتقام علي بن ابي طالب؟، فقال جنبل: اسمع يا
مولاي بينما نحن فى سرحنا وغنمنا على ما جرت عادتنا ونحن في الظل مجتمعون
نرتع ونلعب، إذ حضر إلينا غلام من أعلى الوادي وهو يهوي كالبرق يهرول في
مشيه ويوسع في خطواته، ثم اجتمع ووثب وثبة عدي النهر يثب كالأرنب ويخطو
كالأسد، يقصر الليث عن وثبته في عظم خلقته وكبر جثته، كبير الساعدين بعيد
ما بين المنكبين، فتحققناه وتقربنا منه وتصايح أهل الحصن، ونزل إليه سيدنا
المنتقم فنازله في ميدان الحرب، فلم يزل به ومعه حتى عثرت رجله في حجر فوقع
على وجهه، فترامت عليه الرجال والأبطال فأخذوه باقتدار أسيرا وملكوه، وصار
في أيديهم حقيرا ذليلا، ثم كتفناه وحملناه بعد أن جندل منا جماعة كثيرة من
الرجال والشجعان والأبطال، فاجمعنا على قتله فمنعنا من ذلك سيدنا المنتقم،
وأمرنا بحمله إلى الملك المكرم ليحكم فيه بما شاء ويمضى فيه ما أمره
المنيع الإله الرفيع، فلم نجسر أن نسير به إلا في عدة من الأبطال والرجال
الفوارس، وهذا يا مولاي جملة أمرنا وغاية خبرنا، (قال الراوي) فلما سمع
ناقد ذلك ما قاله جنبل تهلل وجهه فرحا وسرورا ثم قال وحق المنيع لقد فرحتم
بهذا الغلام واستوجبتم فعلكم الإكرام، وما خرجت من مكاني لهذا الغلام
الكثير الانتقام فحصل لكم بلا ملام، لكن يا جنبل ارعيني وصفك لهذا الغلام،
فعد إلى قومك وأمرهم أن يسرعوا إلينا ويقدموا بهذا الغلام علينا، فعاد جنبل
راجعا، وقال: يا أبا الحسن لقد أتيتك بطير سمين، وهو ابن الملك في ألف
فارس، قال فسار الإمام حتى وصل إلى عسكرنا، فقال ناقد: وجبت لك البشارة يا
جنبل، فأين هذا الغلام المسمى بعلي؟، فلم يتم كلامه حتى تقدم الإمام إلى
ناقد وأسفر عن لثامه وقال له: ها أنا معدن المواهب، أنا المشهور في
المناقب، أنا علي بن ابي طالب.



_________________
N'attends pas que les événements arrivent comme tu le souhaites.
Décide de vouloir ce qui arrive... et tu seras heureux.
Epictète
منصور
منصور
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 1943
العمر : 40
Localisation : loin du bled
تاريخ التسجيل : 07/05/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

السيرة الشعبية للإمام على بن أبى طالب Empty رد: السيرة الشعبية للإمام على بن أبى طالب

مُساهمة من طرف منصور في الإثنين 6 يونيو 2011 - 23:45

(6)


(قال
الراوي) فلما سمع ناقد كلامه قمح جواده بالسوط وصرخ في قومه وقال: يا قوم
أن جنبلا خدعكم ولم ينجيكم من القوم إلا القتال الشديد فاقرنوا المواكب
وصفوا الصفوف فنفرت الرجال للحملة، فقال الإمام لأصحابه: احملوا بارك الله
فيكم وعليكم، وبقي ينظر لعلي أن يقع نظره على ناقد فيقبضه، قال: فحملت
الرجال على الرجال واختلط الجمعان ووقفوا السيف بينهم، قال: فبينما الإمام
ينظر ناقد، فإذا هو قد وجده حسن الوجه صغير السن، فلما نظره الإمام أشفق
عليه أن يقتله، وكان لا يرحم كافرا قط غيره، فبينما الإمام وناقد حملا على
بعضهما وإذا بصياح عال، فإذا هو صاحب حسن الرامق ويسمى الخطاف وكان قد أرسل
إليها أصحاب ناقد، وقالوا له: الحق بن الملك فانه مع علي يشد القتال، فلما
أشرف عدو الله الخطاف على ناقد قال: يا مولاي ما يكون للملوك قتال، ارجع
ودعني مع هذا الغلام، ثم تقدم الخطاف إلى الإمام وهو ينشد ويقول:


مالي أرى القوم في كرب وفي حرج قد مر بلواجمهم بالويل والكفر

وكلهم جزعوا من خوف سيف علي نسل الكرام المسمى من ذوي مصر القوم قوم اله يعرفون به من الحديد ومن جزع ومن صفر

لا تركن عنا تحت ذلته حتى اطوف به في البدو والحضر

(قال
الراوي) ثم حمل عدو الله وجعل يخوض المعممه بسيفه وقاتل في ذلك اليوم قتالا
شديدا، فبينما هو يكر على المسلمين وإذا صوت الامام رضي الله عنه وهو
يقول: أنا ابن الابرار من نسل هاشم المختار أنا ماحق الاشرار، فلما سمع
عدوالله صوت الامام ونهراته وزجراته ومهارته في الحرب، وهو يخطف الفارس من
سرجه ويضرب به الثاني فيقتل الاثنين فهابه القوم، ولم يزل السيف يعمل والدم
ينزل الى وقت العصر فافترقوا وقد ملئت عرضا الوادي بالقتلى وتراجع
الفريقان في أماكنهم، ورجع الامام الى عسكره يترنم ويقول شعر:

حرمه الحرب بغيتي ومرادي وطريقي إلى فنا الاوغاد

يا ابنة الطهر لو رأيت حروبي وشهودي وشدتي وجلادي

وولوج الحسام في منهل النقع لا شفى من اللئام فؤادي

(قال
الراوي) فاستبشر به وفرحوا وهنئوه بالسلامة، فرجعت الطائفة الاخرى الى
موضعها خاسرة، فلما أصبح الصباح تراجع الفريقان وقام الحرب والطعان، ثم قال
الامام: إن القوم أكثر منا عددا وأقرب منا ديارا وأني اخاف من نجدة تنجدهم
فيكثر علينا الامر ويكثر علينا الشر، وأني أرى من الرأي اننا نبادرهم قبل
أن يبادرونا، وذلك أهيب لنا في قلوبهم وارهب في نفوسهم، ثم قال لاصحابه:
قفوا مكانكم حتى أسير بين الصفين واطلب البراز فعسى ان يخرج عدو الله
الخطاف بلا تعب، فقالوا: يا سيدنا إن في القوم أسدان أحدهما ناقد بن الملك،
والأخر الخطاف فاخذوهما وقد عرفتهما بالأمس، قال الامام: حسبنا الله ونعم
الوكيل، ثم خرج الامام منفردا بنفسه وأخذ رمحه وغير حلته، فلما تمثل بين
الصفين قال الخطاف لناقد: من هذا الذي تعرض للقتال وطلب البراز؟، قال ناقد:
هلا تعرفه؟، قال: لا ، قال: هذا علي ابن ابي طالب، فقال الخطاف: إني أراك
يا ناقد كثير الوصف له لعلك كثير الارتعاد منه، قال: نعم، فبينما هم كذلك
إذ زحف الامام عليهما حتى قاربهما ثم نادى: هل من مبارز؟، هل مناجز؟، فلم
يبرز إليه أحد فحمل على الميمنة فقلبها على الميسرة، وقال: ما شاء الله
تعالى ورجع الى مكانه ونادى: هل من مبارز؟، هل من رواح الى قابض الارواح؟،
فلم يجبه أحد فحمل على الميسرة فقلبها على الميمنة وقال: ما شاء الله ورجع
صوب القلب ونادى: أين من زعم انه كريم، فلم يتم كلامه حتى انقض عليه ناقد
وهو على جواد أشقر وبيده رمح طويل حتى صار بين يدي الامام ونادى: يا غلام
الرفق بالمرء يوصله إلى مناه، فاكشف لنا عما تريد فلعل أن تكون الاجابة
عندنا والانعام، والان قد كشفت لنا عتابك ولعمري قد كنت متطاولا لرؤيتك،
فقل ماأنت طالب وما مرادك؟، فاعجب الامام من كلامه وقال له: مرادي أن تقول
لا اله إلا الله محمد رسول الله، فإذا قلت ذلك وأقررت لله بالوحدانية فلك
مالنا وعليك ما علينا، وأما صنمكم الذميم فسوف يظهر فيه العبر واكسره
أمامكم كسرة الحجر، وترجعون إلى عبادة الرحمن فتكونوا شركاء لنا واخواننا
في الإسلام، فقال له ناقد: يا ابن أبي طالب دونك إلى أم خاطر وموت باتر،
فقال له الامام: دونك والقتال، قال فوقف ناقد يتكلم في نفسه ويقول: وحق
المنيع وزجراته لو تركناه حيا لغشنا في منزلنا وطرقنا في مرقدنا، ولعمري
أني أجد في كلامه حلاوه ولمنطقه مراره، أني أرغب وأخشى أن يفعل ربي الأعظم
ما يشاء، فقال الامام: يا ناقد اطلق لسانك بالوحدانية لله تعالى، وأشهد
بالرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم يمح عنك ما سبق، قال ناقد: ما أنا بالذي
يفعل ذلك ويبقى له العار والشنار(العيب)، فلما سمع الامام كلامه علم ان
لابد له من لقائه، فتقاربا وعظم الجدال والفريقان ينظران، فمازال حتى مضى
النهار وأقبل الليل، فخاف الامام أن يدركه الليل ولم ينل منه ما أمله، فحمل
عليه الامام وكان قد ظهر له من ناقد التقصير، فطمع فيه وجعل يدبر عليه
الحيلة من أين يأخذه؟، فتصارخت الأبطال وتزاعقت الشجعان وإذا بالمشركين
يصرخون ويقولون: خرج الخطاف وانذهل العسكران والخطاف ينادي: لا تعجل يا
غلام علينا فنعجل عليك وابق علينا نبق عليك، فوثب الامام على ناقد وقبض
عليه فتعلق به وتعاركا طويلا، فادركهما الخطاف فتعلق بهما وماجت الخيل
فأخفاهم عن الأبصار، وسمعنا صراخ الخطاف وقد همد، وسمعنا هدرات(تردد الصوت
فى الحنجرة) الامام وزجراته(صياحه) ثم خمدت(هدأت)، فلم يسمع لهما حس هذا
والغبار متزايد، وقد طال على الناس المطال ولم يبق أحد من الفريقين إلا
وآيس(يأس) من الامام رضي الله عنه فقال جنبل: نحن فرطنا في الامام إذا
تركناه مع هذين الأثنين ولم نخرج إليه ولم نساعده ولم ننجده ونفديه
بأنفسنا، وأي عذر لنا عند الله فاجمعوا امركم واحملوا باجمعكم فعسى أن نخلص
سيدنا وأميرنا، وأنه قد وقع بين حجرين دامغين ولا خلاص له من بينهما إلا
أن يشاء الله، وقد رام كل فريق أن يحمل على صاحبه، وقد زاد القلق واشتد
الأرق وأزورت(مالت) الحدق(جمع حدقة، حدقة العين) وإذا بصرخة عالية، وإذا
بالإمام قد خرج من المعركة وهو يقول: فتح ونصر وخذل من كفر هذا وناقد في
يده كالحمام في مخالب الباز ونظروا وإذا بفارس هارب من تحت العجاج فتأملوه،
فإذا هو الخطاف واما ناقد فصار مثل العصفور في يد الباشق فسلمه الامام لا
صحابه وقال: يا معشر الناس ان القوم قد خمدت جمرتهم فاحملوا عليهم بارك
الله فيكم وعليكم فقالوا: يا أميرنا الليل قد أقبل والنهار قد أدبر، فقال
لهم الامام: اضرموا النيران فإنها ليلة كثيرة الأهوال والله أعلم بالمآل،
(قال الراوي) فعلوا ذلك واقبلوا على السهر والرصد وهم جلوس قابضون على
أسلحتهم، وتولى الامام حرس المسلمين إلى أن أصبح الصباح، وأما المشركين
فهربوا مع الخطاف إلى الحصن، فقال عسكر ناقد: يا خطاف تمضي إلى حصنك وتخلي
ابن سيدنا في الأسر، اما وحق المنيع فلا نسلمه لعلي إلا أن قتلنا عن آخرنا
ولا لأي شئ خرجت معنا وقد رميت سيدنا ورجعت وأنت سالم، فقال الخطاف: يا
ويلكم لقد قاتلت ومانعت عن نفسي وسعيت في خلا صه فما استطعت ولو أن لعلي
كفء لما خلصت من يديه، فقالوا له: امض إلى حصنك ونحن إذا أصبح الصباح سعينا
في خلاصه، وأما الإمام فانه لما طلع الفجر اذن وصلى باصحابه صلاة الصبح،
ثم أقبل يحرض الناس على القتال ويقول: يا معشر الناس اعلموا انكم في غمرة
ساهون وكنتم تعبدون الأوثان فانقذكم الله واسعدكم بفعلكم وهذا عدوكم
بازائكم، ثم أن الامام دعا بناقد وقال له: يا ناقد لقد نفذ فيكم القضاء
وقيدك رب السماء وأنت في امل فهل لك ان تبقي عليك قبل ان تسكن برمسك(الرمس
القبر) قال: يا ابن ابي طالب اتنجي منك ناج بعد أن كان بيني وبينك من
الوحشة والبغضاء والعداوة، قال الامام: يا ناقد إذا كان قلبي مبغضا على
كافر واسلم وأقر بالوحدانية لله ولمحمد رسوله بالرسالة بدلت البغضاء
بالمحبة وانقلبت الوحشة بالمودة، فإذا قررت بهما بطيب عيشك وتفوز بخير
الدنيا والاخرة، قال: يا ابن ابي طالب من يخلصني من المنيع قال له: إن طول
الله عمري لتنظرن صنمك المنيع بامر هائل شنيع وتراه في النار التي وصفتها
ملقى حريقا فقال يا ابن ابي طالب لا شك فيك ولا فيما اظهرته وفعلته فقد
وهبت نفسي لك في هذا اليوم ولا ابالي بما يلحقني من المنيع ولا من ابي وذوي
حسبي وانا اقول اشهد ان لا الله الا الله واشهد ان محمدا رسول الله وقد
افلح من آمن بربكم وخاب من كذبكم وها انا اقاتل بين يديك في القوم لله
ورسوله ولك ولا بغك الرضا (قال الراوي) فسر الامام سرورا عظيما وقال له
البس آلة حربك واركب جوادك حتى تخرج الى قومك ثم امر المسلمين بالركوب
فركبوا خيولهم وفعلوا ما امرهم به الامام فلما تقاربوا من المشركين قال
الامام لناقد يا ناقد ابرز بين الصفين وادع قومك الى الاسلام فلعل الله
يهديهم كما هداك فخرج ناقد فخرج وهو راكب على جواده ولا بس آلة حربه فلما
نظروا إليه فرحوا فرحا شديدا ولم يبق احد منهم الا عرفه، وقد ظنوا ان
الامام اطلقه فلما قرب ناداهم باعلى صوته: يا قومنا قد ظهر الحق وانكشف
الغطاء وجاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا، يا قوم عدوا عن
الضلالات واعتذروا لرب البرايا يغفر لكم ما مضى، وها هو آت يا معشر قومي
وعشيرتي ليبلغ عني كبيركم وصغيركم، أني قائل اشهد ان لا الله الا الله
واشهد ان محمد رسول الله، لا احول عنها ولا ازول وما انتم اشد مني باسا ولا
اقوى مراسا، وهذا باب قد فتح الله طريقه لكم ولا ح لكم بحقيقة، فكونوا
مثلي تفوزوا بالشهادة وتكونوا من أهل السعادة، فما كان غير ساعه من الزمان
حتى ظهر من القوم كردوس عظيم نحو ألف فارس، ولم يزالوا سائرين حتى وقفوا
عنده وإذا هم من أصحابه الذين خرجوا معه من عند ابيه وهم يقولون: يا سيداه
لنا اسوة بك والذي تختاره احنا نرضاه، ونحن نشهد ان لا اله الا الله وان
محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا تصديق ايماننا، ثم عطفوا على
قومهم اصحاب الخطاف ووضعوا فيهم السيف البتار، وحملت المسلمون معهم والامام
في اوائلهم وناقد الى جانبه، فلم تكن الا ساعة حتى ولت المشركون ولم يزل
السيف الطعن واقعا فيهم وكان الخطاف على ساقه العسكر فقاتل قتالا عظيما
فلما ولت اصحابه ولى طالبا للحصن فدخل الحصن هو واصحابه ثم ان الامام جمع
الغنائم وكثرت المسلمون واشتدوا بناقد وعزمه وقوته وصار المسلمون نحوا من
الف وخمسمائة فارس وكلهم ابطال عوابس فتبعوا اصحاب الخطاف ولم يزالوا معهم
الى باب الحصن فدخلوا الحصن واغلقوا بابه ونزلت المسلمون عليه بقية يومهم
وقد امتلات الحصون بذكر الامام وقد قذف الله في قلوبهم الرعب (قال الراوي)
ثم ان الخطاف لما دخل الحصن قال اصحابه يا سيداه ما وراءك وما الذي دهاك
وبشره رماك فكان لا يقدر ان يرد جوابا من شدة الخوف فقال لهم اغلقوا الباب
وحصنوا انفسكم ففعلوا ما امرهم به وهو جالس فلما سكن روعه سألوه ما دهاك
قال يا قوم قد ذهب زمانكم فقالوا ايها السيد بين لنا ما وراء كلامك فقد
ارعبت قلوبنا من خطابك فقال يا قوم قد دهمتكم المحمديون وهم ليوث ابطال
يقدمهم الليث المغوار الذي كانه صاعقة من السماء قد نزلت واخذت قلوب الرجال
مفلق الهام وقد احتوى على ناقد بن الملك واتباعه وقد خطفه من سرجه فانظروا
لا نفسكم فان عليا لاحق بكم (قال الراوي) فلما سمع قومه ذلك ضجوا بالبكاء
ضجا شديدا وتصارخوا بالويل والعويل فبينما هم كذلك في صراخهم إذ ظهر ابليس
اللعين في صورة شيخ كبير قد افناه الزمان منحني تكاد جبهته تصل الى الارض
وعليه جبة صوف في شكل الرهبان وبيده عكاز ووسطه مشدود بخيط من صوف وفي
رجليه نعلا ن من خوص النخل فلما نظره القوم تنافروا يمينا وشمالا يصرخ بهم
ما تنازكم وانا رسول المنيع ارسلني اليكم حتى ارى ما بكم من الجزع وشدة
القلق الفزع لاسكن قلوبكم وابرز لقتال عدوكم فازيل عنكم الشدة وابطال
البكاء والحزن من الاعداء وإذا اشرف عليكم هذا الغلام اتولى انا قتاله
دونكم ولا اريد منكم بصيرا ولا معيا أو إذا رأيتموني قد وصلت إليه واحتوية
عليه وقد ظهر المنيع بجنوده ونيرانه ودخانه، فمن أراد ان يسبق الى خيل
القوم وسلاحهم فليبادر الى ما شاء، فلما سمع القوم سجدوا للصنم ثم رفعوا
وزاد فرحهم قال مروع الوحوش: أيها الشيخ اني لا ظنك من جند المنيع الهنا
فقال له ابليس: أجل وأنا رسول بينه وبين عباده لا ني اسبق الناس الى عبادته
وخدمته فجازاني بهذه الكرامة فكونوا في امامكم حتى تروا ما يسركم من قتل
عدوكم فقالوا ايها الرسول انا لنراك اضناك الكبر وانا لا نوقن ان لا طاقة
لك على الحرب والنزال وشدة القتال فقال لهم ابليس لعنه الله كيف تشكون في
المنيع وتقولون انه لا يقدر على شئ فقالوا انا لا نشك في ذلك ابدا ونعرف ان
المنيع له عزم عظيم ولكن نريد ان نرى شيئا من برهانك لنكون على علم وتطمئن
به قلوبنا فلما سمع منهم ذلك قال لهم ان المنيع لو اراد هلاك هذا الغلام
قبل وصوله اليكم لفعل ذلك ولكن يريد ان يستدرجه الى ان يوقعه في ايديكم حتى
يذيقه العذاب والهوان وتنشرح صدور الرجال وتنالوا عنده المرتبة العليا
والفخر الزائد العميم وبعد ذلك يهلكه فانه ذو عزم شديد وانا اريكم بيان ذلك
وبرهان المنيع الاله الرفيع وشدة قدرته ثم بسط يديه واوما بها الى الحصن
فخيل لهم انه قد رفع الحصن فوق اصبعه وشاله ثم عاد فوضع بين يديه فراى
القوم الحصن كما كان في مكانه فخر سجدا للجميع فقال لهم ابليس يا قوم
ارفعوا رؤوسكم ثم غاب عن اعينهم فلم يروه (فقال الراوي) فعند ذلك قال لهم
مروع الوحوش ابشروا يا قوم فقد جاءكم الفرج فلما سمع القوم ذلك لبسوا
سلاحهم وآلة حربهم وتفرقوا في جوانب الحصن وضربوا على سوره سرداقا من جلود
الفيل ونصبوا الرايات والاعلام وعزموا على الحرب والقتا ل وقد اصلحوا شانهم
فبينما هم كذلك إذ اشرف عليه الامام رضي الله عنه واصحابه معه على مهل
وعليهم الهيبة والوقار فانحدر الامام الى الوادي واشرف على حصن رامق وقد
اظهرت الحدائق والشمس قد اصفرت لغروبها ثم نزل وامر اصحابه با لنزول فنزلوا
من حول الحصن وانسدل الظلام واضرموا النيران وتحارس الفريقان والامام رضي
الله عنه متولى حرس قومه بنفسه يحوم عليهم كحومه الليث على اشباله (قال
الراوي) فقال عدو الله الخطاف مروع الوحوش لا صحابه اني لم ار رسول المنيع
صنع في ابن ابي طالب شيئا وها هو نازل با يذائنا بالسلامة، فقال له قومه لا
تستبطل قول رسول المنيع فقال لهم احفظوا حصنكم وانزلوا من داخله لئلا
ينقبوه عليكم ويدهموكم فابتدروا جماعة من القوم الى ذلك وعدو الله الخطاف
يدور على سور الحصن لينظر ما وعده به رسول المنيع وهو قلقان شاخص الى جهة
الامام رضي الله تعالى عنه لا يعلم بغير ذلك بينما الامام مع اصحابه إذ لاح
لهم برق نار واضرام شرار وقد بان من ناحية الشرق ولاح البرق فحقق إليه
الامام وقال لمعت نار مارد نراه يتعرض لي ولا صحابي (قال الراوي) ثم ان
الامام رضي الله تعالى عنه ايقظ اصحابه وامرهم بالجلوس ورفض الامام فنظروا
الى تلك الناروهي قاصدة وشرارها متوقدة فقال جنبل بن ركيع يا امير المؤمنين
ما هذا النار فقال الامام يا قوم سكنوا روعكم وطمنوا قلوبكم فانها نار
الشيطان ولا سبيل له على اهل القرآن وجنود الرحمن فبينما الامام يخاطب قومه
إذ تزايد لهيبها فما نظر الامام الى ذلك اخذ رمحه وخط به خطا حول اصحابه
وناداهم اجتمعوا ولا تتفرقوا واذكروا ربكم واصبروا ثم جعل الامام رضي الله
عنه يقرا القران ويتلوا ايات الله العظام واسمائه الكرام عند الرسم الذي
خطه برمحه وهو دائرية حول اصحابه ولم يبق احد من خارج الرسم غيره ثم قال
معشر الناس اني ضربت عليكم حصنا حصينا فلا يخرج منكم احد ومن خرج لا يلومن
الا نفسه واتركوني انا لهم والله المعين والناصر عليهم انه على كل شئ قدير
فقال ناقد يا ابا الحسن فالتفت الامام رضي الله عنه مبتسما غير مكترث بما
ظهر وقال يا ناقد انت اقدمك لمبارزة الرجال والابطال فليس عيك طاقد على
قتال الجان فقال ناقد لا والله يا ابا الحسن لا انزع الله ما اعطاك واتم
عليك ما اولاك (قال الراوي) فبينما الامام يخاطب ناقد إذ وصلت النيران إليه
ثم اشتدت ودارت حوله اصحابه وصارت كالسرداق المنصوب عليهم وهي دائرة بهم
من كل مكان وتزاعفت الجن با على اصواتهم وصار لهم نباح كنباح الكلاب ففزع
كل من كان مع الامام وخافوا وايقنوا بالهلاك ويئسوا من انفسهم ومال الامام
رضي الله عنه إليها بعضهم والتصقوا وامسكوا عن الكلام هذا والنيران قد خمدت
باذن الله تعال فبينما هم كذلك وسمع مروع الوحوش الخطاف اصوات وضجات وهو
من داخل الحصن حتى نظر الى النيران وهي محاملة بالامام وقومه فنادى الخطاف
قومه وقال لهم كيف رأيتم بصر الاله المنيع لقد خاب عن عاده وخالف امره
ورضاه فدونكم الغنيمة الشاملة والمسرة الكاملة ان تدركوا ابن ابي طالب قبل
ان تلهيه فتاتوا به ذليلا حقيرا الى الملك الهضام والاله المنيع فيحكم فيه
بما يشاء ويختار وتكون لكم الخلع والاكرام والمراتب العظام ثم اسركم لهذا
الغلام (قال الراوي) فقال له الرجل يسمى جندب بن عميرة الحميري وكان رجلا
مكينا شجاعا رزينا له بصيرة وعقل وراي سديد يامروع الوحوش الزم مكانك فهو
اصلح لك وقابل ابن ابي طالب وانت في حصنك فهو ايسر لك واعلم ان هذا ناره
اعظم من هذه النار وسيف محمد يطفئ هذه النيران وانا اعرف ما لا يعرفه غيري
انا محترق النيران فلما سمع الخطاف ذلك الكلام نهره وزجره وقال له اسكت لا
ام لك لقد صرت شيخا كبيرا ولاعقل لك ولا سكن معك سرى الخوف من ابن ابي طالب
حتى صار ممتلئا به قلبك وظهري من بين عينيك يا ويلك ايغلب ابن ابي طالب
الهنا المنيع وجنده ويكذب رسوله فيما قال لنا ويعدنا بالمحال واني لااعلم
ان ياتيهم الصباح الاوهم رمادا ويحك اما رايت رسول المنيع كيف رفع الحصن
على يديه حتى كدنا ان نخر على وجوهنا لولا تضرعنا إليه ولو اراد ان يقلب
عليهم هذا الجبل لقلبه عليهم ولو اراد ان ان يخسف بهم الارض لخسفها بهم قال
له جندب اما انا فقد نصحتك وحذرتك وما قلت اليوم مالك امرنا واما انا فلا
افارق مكاني ملازما لموضعي الى ان انظر ما يكون فقال له مروع الوحوش الخطاف
كن مع النساء وعليك با لحرس ثم تركه نزل مغضبا وقال لقومه دونكم واعداكم
فانحدر مع القوم مسرعين فلما خرجوا من الحصن امر جندب بغلق الباب خلفهم
وابثاقه با لاقفال وقال لمن بقي معه في الحصن انظروا لا انفسكم واحفظوا
حصنكم فما اظن عدتم تنظرون قومكم بعد هذا اليوم ابدا فهذا ماكان من عدوالله
الخطاف وقومه واما ماكان من امر الامام رضي الله عنه فانه لما احتاطت به
النار من كل جانب ومكان نادى برفيع صوته يا معشر الجان باي شئ تتعرضون وعلى
توهجون وانا عذابكم النازل وسهمكم مقاتل انا أبو الزلازل انا ابن عم
الرسول الفاضل انا البحر الساكب انا المذكور عند المطالع والمواهب انا ليث
بني غالب انا امير المؤمنين علي ابن ابي طالب (قال الراوي) فاحترقت تلك
النيران واهلك اشخاصهم وقتل مردتهم فولوا ناكسين ووصلوا الى الرسم الذي
رسمه امير المؤمنين فلما وصلوا إليه تراجعوا عن اصحاب الامام ولم يستطيعوا
إليه وصولا وصار الرسم حصنا بين الجان وبين اصحاب الامام ولم يصبروا على ما
طرقهم فخرج منهم ناس هاربين والى الامام طالبين فمازالوا عن الرسم حتى
كادوا ان يهلكوا ويحترقوا وكانوا سبعة انفار ومنهم جنبل ابن ركيع وناقد بن
الملك من اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما دارت بهم النار وقبايل
الجان نادوا برفيع اصواتهم يا سيداه يا علياه يا محمداه يا رباه فلما سمع
الامام اصواتهم اسرع الامام إليهم وهجم عليهم فتسافر الجن عنهم يمينا
وشمالا عند وصول الامام فخلص الامام قومه وقال لهم ما حملكم على ذلك ولم
خالفتم امري فقال جنبل يا سيدي ضعف اليقين وصولة الجان فما هذا وقت ملام
وكن مخلصا لنا ولنفسك من هذه الاهوال فتبسم ضاحكا من قوله وهو غير مكترث
(قال الراوي) فبينما الامام كذلك إذ سمع صوت مروع الوحوش وهم ينادون الى
اين يا ابن ابي طالب من عذاب المنيع الواصب لقد غرك الذي ارسلك الى المنيع
انا مروع الوحوش الخطاف ثم تقدم الى الامام وهو يظن انه ظافر به فقال على
دونك فافعل بي ما اردت فظن عدوالله ان امير المؤ منين قد اسلم نفسه فقصد
نحو الامام وهو يقول إذ خلد القوم بذل اسرهم هذا علي قد اتى بشره وقومنا قد
فزعوا من سحره لا ذيقه عذاب اسره (قال الراوي) فلما سمع قوم الامام قول
الخطاف زاد اضطرابهم وكثر قلقهم ثم صاح بعلو صوته لا يتداركني احد ولا
يشاركني في ابن ابي طالب فسمع الامام وقومه ذلك من الخطاف وكان جهوري الصوت
فلما سمع الامام واصحابه ذلك ارتخفت قلوبهم وتقدم مروع الوحوش الى الامام
وهو يظن انه في قبضته فنظر إليه وهو كانه سابقة ريح عظيم فلما نظر مروع
الوحوش الى الامام وهو على هذه الحالة اندهش وارتعش وندم على خروجه من حصنه
ثم انه انقى سلاحه من يده وقال يا ابن ابي طالب ابق على اسيرك وحسن الي
بكرمك فتقدم الامام الى مروع الوحوش واوثقه كتافا بعمامته واخذه اسيرا فما
اخذ مروع الوحوش ولى اصحابه هاربين والى حصنهم طالبين وهم لا يصدقون
بالنجاة يسلم الامام مروع الوحوش الى جنبل وناقد ثم سار الامام نحو النيران
وهو يقول يا شرحبيل اسكنوا البراري وستوطنوا خلاء القفار لئلا ترموا
بالدمار من عند رب قادر قهار انا علي لمرتضى الكرار وابن عم الصطفى المختار
انا علي ولي الجبار مبيدكم بالحد والشفار ومحللكم بالويل والدمار فما اتم
كلامكه حتى ولى الجن هاربين ووصل الامام الى اصحابه فاستبشروا بقدومه
فاقبلوا يسالونه عن حاله وما كان ليلته وهو يحدثهم فبينما هم في الحديث إذ
سمع صراخ جنبل وناقد وهم ينادون يا ابا الحسن ادركنا قبل ان تتركنا فلما
وصل الامام الى ناقد وجنبل وجدهما يبكيان فقال لهما الامام ماهذا البكاء
وقت الفرج فقال ناقد يا سيدي لما عمتنا الاهوال واشتغلنا عن مروع الوحوش
بانفسنا فحل الخطاف وثاقه وفر هاربا الى حال سبيله فلما سمع الامام ذلك صعب
عليه وكبر لديه ثم قال لا باس علكم طيبوا خواطركم فهو الذي بعث ابن عمي
بالحق بشيرا ونذيرا لاورينكم فيه ما يسركم وانا اعلم ان لا ملجا لعدو الله
غير حصنه فيا قوم الله سبحانه وتعالى قد كشف عنكم ما كنتم فانهضوا الى
اصحابكم واخوانكم ولا تزولوا عن اماكنكم الى الصباح فاني متبع اثر القول
وصاحبكم الخطاف فان صبح الصباح ولم آت لكم فاقصدوا انتم الى الحصن فتجدوني
فيه فسار الامام الى ان وصل الى الحصن فراى القوم على اعلى الحصن وقد وقدوا
نيرانهم فرآهم الامام في ضوء النار وهم لا يرونه وقد وصل القوم المنهزمون
الى الحصن وهم تحت الذلة فبينما هم كذلك تقدم الامام رضي الله تعالى عنه
الى قريب من الباب والمنهزمون ينادوا لجندب بن عميرة الباهلي ويقولون افتح
لنا الباب فلما فتح تقدم الامام واختلط بالقوم وصار من جملتهم ودخل القوم
يكرشون بعضهم بعضا وهو لا يصدقون بنجاة انفسهم فدخل وجلس وهو قابض على سيفه
فلما تكامل القوم في الحصن اغلقوا بابه ووقفوا في ازقة فاقبل عليهم الذين
في الحصن وقالوا يا ويلكم ما الذي نزل بكم فاخبروهم بالذي جرى لهم مع
الامام فلما سمع القوم ذلك ذهبت افراحهم وقال بعضهم لبعض ان انسانا وحده
يغلب المنيع وجيشه فقال جندب بن عميره يا ويلكم اما سمعتوني وانا انصح
صاحبنا مروع الوحوش فاني النصح فيا قوم وحق المنيع ان كانت يد ابن ابي طالب
علقت بصاحبنا الخطاف فهو مخلص روحه من جسده فقال جندب يا قوم إذا اتاكم
الى الحصن فاسألوه انتم في الحصن الامان فانه يأمنكم لا يخونكم وهو كريم
(قال الراوي) فوثب الامام قائما في وسطهم وزعق بهم وقال ها انا قد جئتكم
ووصلت اليكم ها انا ممزق الكتائب ها انا ليث بني غالب ها انا امير المؤمنين
علي بن ابي طالب فلما سمع القوم ذلك من الامام انقطعوا عن الكلام فقال له
جندب الحميري يا ابن ابي طالب انت من السماء نزلت ام من الارض خرجت ام من
الباب دخلت فقال لهم من الباب دخلت فلا يخلو امركم من كلمتين اما ان تقولوا
نشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله واما ان تقولوا لا وتموتون
جميعا (قال الراوي) فلما سمع القوم مقالته نظر بعضهم الى بعض فقال جندب يا
ابن ابي طالب اني قد اشرت بذلك على قومي فابوا اما انا اشهد ان لا اله الا
الله وان محمدا رسول الله آمنت بالله وبرسوله ثم التفت الى قومه وقال يا
قوم ما يقعدكم عن رشدكم فنادى القوم عن لسان واحد قائلين لا الله الا الله
محمدا رسول لله فلما سمع الامام رضي الله تعالى عنه منهم شكرهم وجازاهم
خيرا وفرح با سلامهم فرحا شديدا ثم قال لهم يا قوم لا يتم اسلامكم ولا يكمل
ايمانكم حتى تقاتلوا اباءكم واخوانكم وعشيرتكم فان قتالهم فرضا عليكم
فقالوا با جمعهم يا ابن عم رسول الله انا نقاتل معك وبين يديك حتى نرضاك
ونرضي الله ورسوله فجزاهم الامام على ذلك خيرا .



_________________
N'attends pas que les événements arrivent comme tu le souhaites.
Décide de vouloir ce qui arrive... et tu seras heureux.
Epictète
منصور
منصور
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 1943
العمر : 40
Localisation : loin du bled
تاريخ التسجيل : 07/05/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى