صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

القصر والسلطة والسماء...في جذور الخطاب الديني

صفحة 1 من اصل 2 1, 2  الصفحة التالية

اذهب الى الأسفل

القصر والسلطة والسماء...في جذور الخطاب الديني Empty القصر والسلطة والسماء...في جذور الخطاب الديني

مُساهمة من طرف izarine في الجمعة 23 يوليو 2010 - 18:46

يُعتبر التفكير
في الإسلام اليوم ضرورة من الضروريات التي تكتسي طابعا استعجاليا اليوم
بالنسبة للمسلمين أنفسهم، وبالنسبة لغير المسلمين أيضا. ومع ذلك، فإنّ
إعمال هذا التفكير هو ورش كبير وصعب يبقى، رغم كلّ الإيجابيات الكبيرة
التي تحقّقتْ، مفتوحا على مصراعيه لإنجازه. إنّ التفكير بالنسبة لي معناه
فهم دلالات الدّرس الذي تحمله هذه الديانة، ومعناه أيضا الوعْي بأسسه،
بعيدا عن كلَ ما يكتسي طابع القداسة. إنَ الفهم، المقصود هنا، يقوم على
إلقاء الضوء على مختلف التشريعات التي جاء بها النّص القرآني. ومن ثمّ،
فإنّ النصوص التي تتكوّن منها هذه السلسلة من الحلقات تساهم بكل تواضع ضمن
هذا الطموح. وهي تسعى إلى تسليط الضوء على الجذور العميقة والاجتماعية،
والتاريخية العميقة إذن، لمثل هذه التشريعات. وهي تنطلق من قناعة مفادها
أنّ سرّ تلك التشريعات يكمن في تاريخ البشر، الأمر الذي لا يمسّ في شيء
محتواها القدسي. إنّ المسلمين اليوم مهتمون أكثر، في سياق مغامرة الحداثة،
بمعرفة بأسس ديانتهم الخاصّة من خلال إنجاز قراءة عقلانية. وقد آثرتُ أنْ
أتناول بالتحليل مظاهر محددة من الممارسات الدينية، ولم أقُم بشيء آخر سوى
إنجاز قراءة أخرى للحجم الهائل من المعطيات التي أوردها المفسّرون العرب
والمسلمون قديما. وأعتقد أن رفع المظهر الأسطوري والخرافي، بمعنى التمييز
ما بين الحدث الأسطوري والحدث التاريخي، تمرّ من هنا. وقد فضّلتُ أن
أتناول بالتحليل مظاهر حاضرة بقوّة في الحياة اليومية للإنسان المسلم،
والتي تبدأ من شعائر الصلاة إلى السلطة، وإلى مختلف الوقائع الاجتماعية.
إنها عناصر تنطوي على أهمية قصوى تهمّ وتشغل بال المؤمن وغير المؤمن.



محمد الناجي
ترجمة: مصطفى النحال
الاتحاد الاشتراكي
01-7-2010


عدل سابقا من قبل izarine في الجمعة 23 يوليو 2010 - 19:18 عدل 1 مرات
izarine
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1855
العمر : 60
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

القصر والسلطة والسماء...في جذور الخطاب الديني Empty الفتوى في الإسلام كانت أداة قطيعة مع الممارسات السابقة على الإسلام

مُساهمة من طرف izarine في الجمعة 23 يوليو 2010 - 18:47

يفرض علينا
الخروج الشهير للشيخ شكيب المغراوي ( حول زواج البنات في سنّ التاسعة)
العودة إلى جذور الفتوى، ولكن أيضا إلى جذور المجتمع الإسلامي، الموزّع ما
بين ما هو ألوهي وبين ما هو بشري، بين الحديث وبين القديم.
كان يكفي
صدور فتوى عن فقيه لكيْ تُزرع الفتنة وبذور الشقاق داخل مجتمع يحمل شعار
الثقة العمياء في النفس. المثير أكثر في المسألة هو أنّ الفقيه لم يكنْ
على خطأ بصفة قاطعة وكلّية، لو تجشّمنا فقط عناء الاستماع إلى منطق
اجتهاده في الأفق الديني طبعا. بل أكثر من ذلك، إنّ من حقّه الاستشهاد
بزواج الرسول من عائشة وهي في سنّ التاسعة. وقبل كلّ هذا وقبْله، فإن
مسألة الزواج من فتيات في هذه السنّ لم تكن غريبة كلّ الغرابة عن المغرب.
إذْ بإمكان المرء إيراد أمثلة كثيرة من نصوص تنتمي إلى القرن التاسع عشر
تذْكر سنّ الزواج في العاشرة من العمر، بل واٌقلّ من هذه السنّ. وقد كان
الفقهاء يبرّرون مثل هذه الزّيجات بوجود فتيات تكن لديْهنّ رغائب ودوافع
جنسية مبكّرة، أو بنات من أصول فقيرة يُخْشى أنْ ينغمسْن في عالم الدعارة.
فلا بدّ أن الفقيه تصفّح نُسخا من الكتب الصفراء التي تعود إلى الأزمنة
القديمة. فلا يزال قدماؤنا أحياء يُرزقون بيننا!
لكنْ، وبعيدا عن التفاصيل المقدّمة عن سنّ الزواج الذي سيفرضه الواقع
الاجتماعي الجديد في نهاية المطاف، فإنّ المشكل، سواء تعلّق الأمر بفقيه
أو بغيْره، هو يرتبط بتحوّّل اجتماعي وبمواجهة بيْن منطقيْن اثنيْن، وبين
رؤيتين للعالم. نحن إذن أمام مؤشّر عن وجود انتقال جوهريّ في المجتمع. فهل
المغرب يوجد في طوْر انتقال فكريّ وإرادي، أم أنّّ الأمر يتعلّق بالأحرى
بانتقال طارئ وفجائي يطرح مشكلة انتظامه؟
ضدا على كل الذين يعلنون بأعلى أصواتهم وجود انتقال لا مثيل له في المغرب،
مليء بالمشاريع الكبرى وبالديمقراطية، تؤكّد فتوى الفقيه، وحالة التوتّر
التي تلتها وترتبت عنها، أنّ مجتمعا مُركّبا مثل مجتمعنا ينزع دائما نحو
«التركيب «. بمعنى أنه يميل نحو التراضي وليس نحو التناقُض. بتعبير آخر،
نحن نريد حماية وضعية المرأة الحديثة، ولو جزئيّا على الأقلّ، لأننا
مضطرون لذلك، بالنظر لظهور بنيات جديدة للحياة الاجتماعية، لكن دون المسّ
مساسا كبيرا بالعنصر الديني، رغم تجاوزه في التشريع المتعلق بالعديد من
قطاعات الحياة الاجتماعية. وبعد انفصاله عن حضور مدونّة الأسرة، بات
العنصر الديني يدافع بكلّ ما أوتي من قوّة، ويهدد قطاعات أخرى. فهل يُعتبر
الضجيج المثار حول فتوى بالإمكان التغاضي عنها زوبعة في فنجان؟ كلاّ، إن
المسألة أخطر من ذلك بكثير، ويتعلق الأمر بالأحرى بمسألة وجود تيارات
اجتماعية عميقة. بتعبير آخر، يتعلق الأمر باختيار المجتمع الذي ينبغي
علينا من الآن فصاعدا الإعلان عنه بكلّ وضوح، إذا ما أردنا السّير بخطى
ثابتة وبعزم على درب الحداثة. هذا الاختيار مسكوت عنه في غالب الأحيان. إن
قوّة الخطاب الديني اليوم تفرض الصمت على المقتنعين بالحداثة. هذه الحداثة
التي تتقدم بكل تأكيد، غير أنها تقوم بذلك بوجه مقنّع، وهي تزحف باحتشام
داخل المعيش اليومي، ولا تجرؤ على الكشْف عن هوّيّتها، وتتدثّر بالقديم في
غالب الأحيان. ومن ثمّ، فما دام الصّمت يلفّ هذه المسألة، فإنّ الفتاوَى
ستنتشر وتتكاثر بشدّة. إن اللجوء إلى الفتاوى له دلالة قوّية جدا على
المجتمع فيما يخصّ النموذج الاجتماعي الذي يفترضه. إنه واحد من الأمكنة
الأشدّ رمزية للقطيعة الثقافية التي تستدعي حداثة حقيقية مبنيّة على
الديمقراطية وعلى المواطنة. يتعلق الأمر، إذن، بالقيام باختيار واضح ما
بين مجتمع الفتوى والمجتمع الحديث، ما بين مجتمع راشد ومجتمع قاصر، ما بين
مجتمع هو سيّد مساره ومجتمع دائم الاستناد إلى السماء وإلى حرّاسها من أجل
تدبير حياته اليومية. لحدّ الساعة، وما دام منطق الفتوى هو الغالب، فإنّ
مجتمعنا يمكن أن نطلق عليه صفة «مجتمع قاصر»، بما أن الفتوى ما فتئتْ هي
المعبر المفروض لتحقيق الإصلاحات الاجتماعية.

بين العتاقة والحداثة
الفتوى تشريع يمكن أن تمليه وتسنّه سلطة دينية، من أجل إضفاء الشرعية أو
نزعها عن ممارسة ما. فهي في هذه الحالة سلاح في يد حرّاس المعبد الذين
يحرصون على احترام التقيد الصارم بتعاليم الدين ومكافحة كلّ شكل من أشكال
الزّيْغ. بل هي وسيلة لاحتواء ومراقبة التحوّل الاجتماعي، والدعوة إلى
احترام النظام.
غير أنّ الفتوى يمكنها أن تكون أداة للحداثة كذلك. إنها الوسيلة المناسبة
لإدخال التجديد والابتكار، للتفاوض على أرضية دينية دون التعرّض لغضب
السماء. هكذا على الأقلّ يتمّ النظر إليها من طرف القوى السياسية
التقدمية. غير أنّ مثل هذه الخطوة الإيجابية، تتحقق باللجوء إلى أمير الذي
يعود إليه أمر الإعلان عن تشريع أو تفويضه إلى هيئة مخصصة لهذا الغرض. هو
سلاح ذو فائدة كبيرة، ويمكن أن يفضي إلى إحراز تقدم معين، دون أن يكون
نتيجة قرار جماعي. إنّ وجود وسيط مع السماء هو أمر ضروري دائما. لذلك، فمن
الأهمية بمكان النظر في مضمون الفعل نفسه لهذه الفتوى، وفي دلالتها
العميقة باعتبارها رسالة. فهل نحن رغم سلطتها في الحداثة أو في العتاقة؟
هل نحن داخل مجتمع ترتبط فيه آلية اتخاذ القرار بالمجتمع الحديث، أنّ هذه
الآلية تولّدها عملية متحكّم فيها، ديمقراطية وعقلانية، أم نحن في مكان
آخر؟

في جذور الإفتاء
كانت الفتوى، في البداية، أداة قطيعة فعلا مع الممارسات السابقة على
الإسلام، والتي كانت ترتبط بقضايا تتصل بالعلاقات الاجتماعية مثلما كانت
تتصل بالميتافيزيقا. وفي عهد الرسول؟، كانت الفتوى مرتبطة بما هو إلهي،
بسبب قوّة الضرب الضرورية لإقناع المؤمنين والمترددين معا. وبما أن الأمر
يتعلق بالتشريع لما هو جديد، فإن الممارسة كانت ذات طبيعة سماويّة، لأن
القطائع لم تكن يومها ترتبط بما هو أرضي.
إن استمرارية تقليد «القَيْل»، استمرارية من يملك التحكّم في القول،
ويتكلّم بيقين وثقة في النفس قصد إعطاء الأوامر، هي التي توجد في سرّ
الآلهة. وهو امتياز كان يُعطى في المقام الأوّل للكهنة، لكنه انتقل فيما
بعد إلى الملوك. كان يتعيّن، لقبول قرار غير مألوف، أو ابتداع أمر ما،
نزول إشارة من السماء. وهكذا، فعن نزول آية تتعلق بالإرث حيّرت الناس
الذين كانوا ينتظرون غشارة من السماء بهذا الشأن. وبعبارة أخرى، لقد
تصرّفوا كما اعتادوا التصرّف من قبل. وبما أنْ لا شيء نزل، فإنهم ذهبوا
ليسألوا الرسول عن الأمر. نحن إذن أمام ممارسات كان معمولا بها وسارية
المفعول في شبه الجزيرة العربية لما قبل الإسلام. السّيد هو الوسيط بين
الناس وبين السماء. هو «القيْل»، الوحيد الذي بإمكانه الاتفاق مع السماء،
والوحيد القادر على الحسم في الخروقات. مع النبيّ محمد، سوف يغدو النظام
عقلانيا ودقيقا، بما أنّ التوحيد الدّيني يفرض مثل هذا التصرّف. إنّ الآية
المشار إليها اعلاه تقول بكلّ وضوح بأنّ الفتوى فعل يرتبط بالألوهي، أي
يرتبط بالله شخصيّا :« وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ
يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ...». اللهُ
إذن وكلامُه هما، حسب النّصّ القرْآني، مصدر التشريع ومصدر الفتوى.
izarine
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1855
العمر : 60
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

القصر والسلطة والسماء...في جذور الخطاب الديني Empty من كلام السّيّد إلى كلام الله

مُساهمة من طرف izarine في الجمعة 23 يوليو 2010 - 18:48


السماء
تحسم، وبفضل تدخّلها فإن قرار السيد يربح مسافات من القدسي، ومما لا ينبغي
مناقشته فيه. إن الكلام الذي كان يعود إلى الملك أو إلى الكاهن، صار يأتي
مباشرة من السماء. وبناء عليه، بات كلام السّيّد مدعوما ومكرّسا من طرف
السّيّد المطلق. إنّ صعوده إلى السماء يعطيه القوّة والإقناع. وبالتالي،
فالملكُ يُنتزع من كلامه لصالح السماء لكي لا يغدو فيما بعد سوى تعبير عن
إرادة الله. من هنا تكتسي الفتوى تلك القوّة التي لا يمكن اعتراضها وذلك
بسبب أصولها وجذورها الإلهية. إنها ممارسة قديمة استعادها الدين الإسلامي،
وحرص على إفراغها، في مرحلة أولى، من الامتيازات الاعتباطية للسّيد،
ومنحها للسماء. لنذّكر بأن الرسول، حينما كان يسأله الناس عن مسائل لها
علاقة بالدين، لم يكن يجيب بصورة مباشرة عن هذه المسائل، بقدر ما كان
يعوّل ويعتمد على الوحي. هذا السلوك ينطوي على تفسيرات عدة، من بينها ما
يتعلق بالرغبة في الأخذ بزمام التشريع.
لقد كان هناك بالفعل عدد كبير من الكهنة ومدّعو النبوة يزعمون بدورهم أن
لهم صلات بالسماء، خلال مرحلة زمنية كانت مناسبة وملائمة لظهورهم.
فبامتناعه عن الردّ بشكل مباشر بنفسه على تساؤلات الناس، كان الرسول يقطع
الطريق في وجه كلّ زاعم، وكان يترك كلام الله يسود باعتباره سيدا مطلقا.
كان ينبغي القيام ليس فقط بنزع الشرعية عن مدعي الوصول إلى سر الآلهة، بل
كذلك حرمان حجْب أصوات جميع الآلهة العربية السابقة لفائدة الله. إن كلام
السّيّد، خليفة الله في الأرض، سيصبح مضمونا أكثر فيما بعد. وفعلا،
فمع توطيد الإسلام، وتعزيز الدولة، ستغدو الفتوى هي الحلّ المعمول به
والسائد لمواجهة المشاكل التي كان يطرحها اتساع الإمبراطورية والتطور
الاجتماعي. وقد تكلّف الفقهاء بالإجابة المباشرة عن تساؤلات الناس. ومن
ثم، فإن الدور القديم للقيْل، انتقل إذن إلى الخليفة أو إلى أمير
المؤمنين. نحن إذن أمام تشكّل لهذا التشريع الذي ينخرط ضمن أشكال وصيغ
تأسيس الحكم وسلطته على مستوى التنظيم الاجتماعي. هذه إذن هي الكيفية التي
انفصل بها امتياز السلطة ظاهريا، وهي تمرّ عبر السماء، قبل أن تهوى ثانية،
وهي أقل مثار للنقاش، في يد السلطة. غير أنّ الغيب سوف يظلّ هو الأصل
والمصدر، ولا خيار أمام الناس سوى الخضوع لإرادته. في منطق الفتوى، يبقى
الوسيط، الذي يعرف لكونه وصل إلى أسباب الغيب، هو الوحيد القادر على سنّ
القوانين.

الفتوى، الفتية، الفتى

الفتى هو الشاب، وينطبق اللفظ بصفة خاصة، على ريعان الشباب. غير أن
الكلمة هي كذلك مرادف لعبد، وهي الكلمة المفضلة عند الرسول والتي كان
ينادي بها العبيد، والقرآن بدوره يستعملها بهذا المعنى: «وإذ قال موسى
لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا» ( سورة الكهف آية رقم
60 )، ملقبا بها مرافق موسى لأنه كان يخدمه خلال رحلته. كما نجدها بمعنى
أوضح في الآية 30 من سورة يوسف حيث نقرأ: «وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي
الْمَدِينَةِ امْرَأَة الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ
شَغَفَهَا حُبّاً إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ
مُبِينٍ»(يوسف:30)..الكلمةُ تشير إلى العبد دونما اعتبار لسنه، الفتى
للمذكر، والفتاة للمرأة الشابة أو المسنة، والكلمة تشمل المملوك والعبد
بصرف النظر عن أنْ يكون بالضرورة عبدا - سلعة. ذلك أن الكلمة بصفة عامة
ترتبط بمن هو طريّ، ومن تم إذن بالّلين والطيع. وعند تطبيقها على الفتاة،
فإنها تعني بأنها بلغت السن الذي ينبغي أن تخضع فيه للمراقبة، وتحجب. ينتج
عن هذه العناصر أن لفظة «فتوى»، التي يمكن ترجمتها في المعنى العادي ب
«جواب»، تحيل على معنى الأقلية.
كما لو أن الجواب المقصود يتوجه إلى شخص قاصر يعجز بمفرده عن إيجاد طريقة.
وهذا هو المعنى الذي يوحي به الشباب وريعان الشباب. إنّ العبودية التي
يفترضها استعمال كلمة «فتى» للإشارة إلى العبد، تبرز أكثر هذا العجز الذي
هو نصيب مثل هذه الوضعية. الفتوى لا توجّه فقط إلى شخص قاصر، بل إن هذا
الأخير، بالنظر إلى وضعيته بصفته عبدا، ليس حرا في تصرفاته، بقدر ما يعود
ذلك إلى سيده. إنّ استعمال الكلمات ليس مسألة مجانية، رغم أنّ التحولات
الحاصلة في العلاقات الاجتماعية، تميل إلى غسل طبقات المعاني عن عدد لا
يستهان به من المفردات.
وعلى صعيد آخر، فإن اللفظة الأخرى التي تستعمل للدلالة على الاستفتاء هي
«السؤال». والحال أن السؤال بدوره ينطوي على معنى الحاجة. فالسائل هو الذي
يطلب، هو الفقير الذي لا يستطيع الإنفاق على نفسه، والذي يضطر لمد يده
للآخرين، نحن إذن أمام مجتمعات تحت الوصاية، محكومة في الأصل بما هو فوق
طبيعي، وتنتظر منه أن ينيرها بإشاراته في الطريق الذي ينبغي أن تسلكه،
والأعمال التي يجب القيام بها. ويعود فكّ رموز هذه الإشارات إلى وسيط يلجأ
إليه المجتمع لهذه الغاية. وفي مجتمع يسير بسرعة فائقة يكون هذا الوسيط
معترفا به، ولا تكون سلطته وهويته موضعا لأي التباس. ومن ثم فإن إنتاج
الفتوى يكون جد متمركز. وخلافا لهذا، وفي مرحلة الأزمة، يتكاثر الوسطاء.
إن التحول الهائل، رغم سلبياته وإيجابياته، وأزمة الحقل الديني والهوياتي
اليوم، تترجم مثل هذه الوضعية. فعلى شاشات التلفزيون، وفي مواقع الأنترنت،
وحوامل أخرى، تنتشر الفتاوى بصورة مدوّخة.
فكل من يرى نفسه أقدر على تأويل إرادة السماء يدلي بدلوه. إن المشكل في
مجتمعنا هو أن مجموع الفاعلين، إسلاميين أو غير إسلاميين، ليسوا قادرين
على التحرر، ولو همْسا، من سلطة الحقل الديني الذين يعلنون جميعهم
الانتساب إليه صراحة. تظل الفتوى، بالنسبة لهم، طريقة ليس فقط لتحقيق
التركيب والانسجام مع السماء، بل إمكانية حقيقية للدفع بالإصلاحات إلى
مداها. فباعتبار الفتوى مفتاحا لكل أشكال التقدم والازدهار، يظل السياسيون
«الحداثيون» يتخبطون في منعرجات الدّيني، رافضين في الوقت ذاته تبني منظور
حداثي حقيقي. العنصر الديني المقصود يظل إذا مفتوحا على مصراعيه أمام
النزعات المحافظة التي تعطيها ممارسة الفتوى سلاحا ثمينا.
لا وجود لحداثة معينة بدون مخاطر، وبدون شجاعة، وبدون مشروع. إن العلاقة
بالدّيني عامل محدد في هذا الأفق. فهي السبيل الوحيد للقطع نهائيا مع
تهديد الفتاوى من خلال سحب البساط من تحت أرجل أصحابها. وهو شرط الوصول
إلى وضعية المجتمع الراشد.
izarine
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1855
العمر : 60
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

القصر والسلطة والسماء...في جذور الخطاب الديني Empty وكان عرشُه على الماء

مُساهمة من طرف izarine في الجمعة 23 يوليو 2010 - 18:50

ماءُ السلطة

«وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام،ٍ
وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ
عَمَلا» (1)

الماء، مَعْبر ضروريّ نحو السلطة

أيْن كان الله قبل أن ينفخ الحياة في عباده؟ بهذه العبارة كان المسلمون
يأتون متسائلين عند الرسول. وكان هذا الأخير يردّ عليهم قائلا:» كانَ في
عماء (سحاب كثيف، دخان) ما تحته هواء وما فوقه هواء، وخَلق عرشه على
الماء» (2) . غير أنّ هذه الرواية، التي تجعل الشكوك تحوم حول الطبيعة
الإلهية، لم تكنْ محطّ إجماع كاف من طرف جميع رجال التفسير. ففي رواية
أخرى، نقرأ أنّ الرسول قال: «كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه عَلَى
الماء»(3) . الماءُ، على كلّ حال، سابق على كلّ شيء. هو سرّ التحكّم في
الحياة والسيطرة عليها. ومن أجل خلق العالَم، جلس الله على عرشه، أيْ على
مصدر سلطته، على الماء. وبعد ذلك، خلق السماء والأرْض.
ومن ثمّ، فإنَّ الماء هو المعْبر الضروريّ لتولّي الحكم. وفي السماء، وعلى
الأرض، نجد توازيات مثيرة للغاية. يقول الزمخشري في كشّافه: «الملك من له
مسكن واسع فيه ماء جار، وكانت منازلهم واسعة فيها»(4 ) . والأقرب من
الاستشهاد المرتبط بالإله لحظة خلق الكوْن، هو ما يُحكى عن فرعون بأنّ
الماء كان يجري من تحت قصره، بل وتحت عرشه لعلّوه (5) . إنّ نموذج الحكم
في مصْر، القائم على التحكّم في وسائل الرّيّ داخل وسط صحراويّ قاحل،
ملائم جدّا لهذه الوضعيّة، حيث مكانة الملك تلتبس بمكانة الآلهة. نقرأ في
النّصّ القرآني: «وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ
أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي
أَفَلا تُبْصِرُونَ»(6) .
إنّ الأولوية المعطاة لمراقبة الماء، نجدها في الشهادات المتعلّقة بالملوك
في تنظيم علاقاتهم برعاياهم. المِلْكُ، وهي اللفظة التي تعني المِلْكية،
تدل كذلك على البئر التي تكون في ملكية الشخص بصورة تامّة وحصرية7. وهكذا،
فإنّ الملْكية الخاصّة هي، أوّلا وقبل كلّ شيء، ملكية الماء، كما لو أنّ
الأمر يعني أنه في باطن الماء يكمن أساس كلّ ملكية وكلّ سلطة. وهذه اللفظة
تشترك مع لفظة «مُلْك» في نفس العائلة اللغوية، لأنّ المُلك هو أيضا أحد
أسماء الماء(8 ) . الماءُ، في الذاكرة العربية، يتصل اتصالا وثيقا
بالأمير. كلمة البئر المشار إليها أعلاه تعني البدء. البدء (أو البادئ) هو
الأوّل، السيّد، وليّ الآخرين. بحيث ترتبط الكلمة بما هو سابق. كما
يستعملونها للإشارة إلى خلق الإله للكون وللمخلوقات. كما تشير أيضا إلى
البئر الإسلامية، أيْ البئر التي تمّ حفرُها بعد مجيء الإسلام فوق أرض
«مَوات» لا سيّد لها. يتعلّق الأمر، بعبارة أخرى، بمنبع الحياة، في حين
أنّ البئر القديمة (القَليب) ليس لها سيّد معروف ومعترف به(9).
هذا الترادف بين السيادة وبين الماء يوجد بوفرة داخل اللغة. فالرجل الكريم
هو الكوثر أو النهر(10)، كما أنّ الجود أو الكرم هما كذلك المطر الغزير.
فتدبير الأعمال وتسييرها لا يمكن تصوّره من دون مراقبة الماء والتحكّم
فيه. إنّ هيمنة الأقوياء على بلوغ منابع الماء هو نسبيا ظاهرة مشتركة
تعبّر عنها تعبيرا قويّا الأمثال العربية(11 ) . بلوغ الماء لوحده يمنح
صفة النُّبْل. وقد كان الشعراء العرب يمدحون من اجتمعت فيه هذه
العلاقة(12) . الماء موضوع خوف وإعجاب في الوقت ذاته؛ فهو يبعث إلى السيّد
صورة القوّة التي يكتمل بها، هو الزّفّار أو الماء الجارف.
من هنا نفهم جيّدا تلك العلاقة القوية، في النّصّ القرآني، ما بين العرش
والماء. نجد صورة عنها في المظاهر الفخمة داخل القصور. فحين استقبل النبيّ
سليمان ملكة سبأ بلقيس، بني لها، في طريقها، قصْرا من زجاج أبيض يجري من
تحته ماء تسبح فيه الأسماك. ووضع عليه عرشه في الوسط، وجلس عليه محاطا
بالطيور والشياطين والناس(13 ) . استعراضُ القوّة واضح هنا: ذلك أنّ ملك
الملوك يجلس على الماء، ماء المجاري ومياه المحيطات التي ترمز إليها هنا
الأسماك السابحة. وهو استعراض للقوّة موجّه إلى ملكة متعوّدة على مثل هذه
الرموز. فالملك سليمان، المحاط بالأسماك في الروايات القديمة، يوجد عند
النقطة المفصلية بين الإلهي وبين المَلَكي، وهو النموذج الكامل لمثل هذا
التّوليف.

التحكّم في الماء تحكّم في الآخرين
سئل الرسول ذات يوم:» كيف يحيي الله الموتى، وما آية ذلك في خلقه؟ قال:
(أما مررت بوادي أهلك ممحلا ثم مررت به يهتزّ خضرا) قلت: نعم يا رسول
الله. قال (فكذلك يحيي الله الموتى وتلك آيته في خلقه)». إنّ الله يمنح
الحياة للناس بالماء الذي يبعث به من تحت عرشه مثل المنيّ الذي يخرج من
الذكور ويبعث الحياة في الخلْق(14).
هكذا، إذن، فالملك يملك الماء في منبعه، وهو الغيْث، المطر الرحيم
والمُعين. ومن هذه الكلمة اشتُقّتْ كلمة الإغاثة(15 ) . والماء ليس مصدر
غنى فقط، بل إنّه يعزز سلطة السيّد على رعاياه كذلك. إنه ورقة رابحة
أساسية بالنسبة للتحكّم والسيادة. هكذا كان الملوك يسهرون على امتلاك
الأراضي الغنية بالماء. إنهم يفضلون الماء ويرغبون في القرب منه، لا
ينفصلون عنه مثل رغوته.» (16) . ففي القُرب منه يقيم الملك ويشيّد
قلاعه(17 ) . ويسجّل الجاحظ أنّ المدن « لا تُبنى إلا على الماء والمرعى
والمحتطب»(18 ) .

1 ـ القرآن الكريم، سورة هود، الآية 7
2 ـ تفسير الطبري، الجزء السابع، ص. 6
3 ـ الرازي، التفسير الكبير، المجلد التاسع، الجزء الأول، ص. 150
4 ـ الزمخشري، الكشاف، الجزء الأول، ص607.
5 ـ نفسه، الجزء الرابع، ص. 251
6 ـ سورة الزخرف، الآية 51
7 ـ ابن دريد، جمهرة اللغة، ص. 981
8 ـ مجمع الأمثال، الجزء الثاني، ص. 347
9 ـ تاج العروس، الجزء الأول، ص، ص. 110، 111
10 ـ نفسه، الجزء السابع، ص. 436
11 ـ الحطيئة، الديوان، ص، ص. 23، 24
12 ـ الأخطل، الديوان، ص. 30
13 ـ الزمخشري، الكشاف، الجزء الثالث، ص. 358
14 ـ نفسه، الجزء الثالث، ص، ص. 583، 584
15 ـ المتنبي، الديوان، الجزء الأول، ص. 317
16 ـ نفسه، الجزء الثاني، ص. 292
17 ـ الأغاني، الجزء 22، ص. 123
18 ـ الجاحظ، البيان والتبيين، ص.
325
izarine
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1855
العمر : 60
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

القصر والسلطة والسماء...في جذور الخطاب الديني Empty الماء أساس السلطة وخادمها

مُساهمة من طرف izarine في الجمعة 23 يوليو 2010 - 18:53

لنُشِرْ إلى
أنّ ما نسمّيه اليوم: «السّدّ»، كان يعني الوادي الذي تشكّل فيه الكتل
الحجرية خزّانا من الماء الطبيعي. ما يهمّنا هنا هو أنهم كانوا يطلقون
عليه اسم «السدّة». أي، بعبارة أخرى، الكلمة التي معناها بابَ السلطان،
عتبة الازدهار وبحبوحة العيْش(1 ) . وممّا له دلالته هنا أنّ العتبة
السلطانية تتصل اتصالا وثيقا بالماء، إلى درجة استعارة تسمية بابه الذي
يربطه بالخارج. وهو الأمر الذي يكشف لنا أكثر عن الجذور المَلَكية للعرش
الجاثم على الماء. إنّ وثاقة هذه العلاقة يؤكدها ما ترويه الأخبار
القديمة. ويبدو أنّ سكان إثيوبيا لم يكونوا يشربون قطرة ماء واحدة بدون
إذْن من الملك وإلا لقوا حتفهم(2 ) .
وقد كان العرب يطلقون على أبنائهم اسم «أبناء ماء السماء»، وذلك بالنظر
لأهمية الماء في الصحراء. وكان أحد الأسياد يحمل هذا الاسم « سمّي عامر:
ماء السماء، لأنه كان يجيء في المحلّ فينوب عن الغيث بالرفد والعطاء «(3)
. وكانت الأسرة الحاكمة المشهورة بني المنذر، ملوك العراق، تحمل هذا
الاسم، الذي ورثته على الأرجح من والدة النعمان ابن امرئ القيس(4) .
الله، مطعم عباده، يوفّر لهم ضرورياتهم وحاجياتهم، أيْ يوفّر لهم الرّزق
المرادف للمطر. لقد كان الرّزق، عند الساكنة التي تعيش على الزراعة
الشتوية والرّعي، داخل وَسط صحراويّ، هو هذا وليس شيئا آخر.
نِعمُ وأفضالُ الملك تُقارَن بالماء الذي ينفخ الحياة في الحقول، وبالتالي
الذي يعطي الحياة والأمل(5 ) . وفي أيامنا هذه، ومع تنويع وسائل العيش
والثّورات الزراعية والصناعية التي تحقّقتْ، لمْ يعدْ لماء السماء، في
التمثّلات الشعبية، ذلك الوضع الاحتكاري باعتباره مصدرا للماء الحيّ
الوحيد. من هنا نفهم جيّدا اهتزاز أساس السلطة الإلهية مع دخول الحداثة،
لأنّ أساس السلطة تحوّل مع القدّم التقني والعلمي الذي تحقّق. إنّ الآية
القرآنية تنخرط، إذن، في سياق تاريخيّ محدّد، هو سياق شبه الجزيرة
العربية، وتراث الإمبراطوريات القديمة لمصر وما بين النّهرين، مثلما تصف
ذلك كتبُ الأخبار، والأحاديث التي ترويها الديانات التوحيدية. لقد كانتْ
العلاقة بالماء، في المجتمعات القديمة، حاسمة ليس فقط في الوصول إلى
الموارد، بلْ في اكتساب وضع اجتماعي كذلك.

شرّابو الأنقُعِ أو المتمرّدون
رغم توصية الجاحظ بقوله:» لا تقيموا ببلاد ليس فيها نهر جار «(6)، فإنّ
الجميع لم يكن مقتنعا بهذه الحقيقة. لذلك خاطب الحجاج، الحاكم الأموي
ببغداد، العراقييّن المتمرّدين قائلا: «إنكم يا أهل العراق شرّابون عليّ
بأنقع»، محيلا في ذلك على الطائر الذي لا يرد الماء الجاري، لأنه يفزع من
القناص، فيعمد إلى مستنقعات المياه الراكدة في الفلوات(7) .
ومن ثمّ، فإنّ هناك جماعات متمرّدة لا تقبل بالخضوع، تأخذ مسافتها إزاء
السلطة وإزاء موارد الماء. وفي هذا السياق، فإنّ معجم الحيوان يسلّط ضوءا
كبيرا على هذا العنصر. وهكذا، فكلمة «بعْل» تنطبق على النّجود القاحلة
التي لا تهْطل فيها الأمطار إلا مرّة واحدة في السنة. كما تشير الكلمة إلى
النبات غير المسقيّ، ومن بينها النّخلة التي تمتح الماء بواسطة جذورها،
متجاهلة ماء النّاس وماء السماء. هكذا، إذن، يوجد الماء قريبا من السماء،
بحكم علوّه، ومنغرسا بشكل قويّ داخل الأرض المُطعمة. المُستويان معا
يرمزان إلى النُّبل والقوّة، اللذيْن يجعلانها قادرة على متْح الماء من
الأعماق البعيدة، مستخفّة بذلك بالماء السّهل المتوفّر والسطحي، خلافا
لسائر النباتات الهشّة للغاية(8 ) . إنّ الحرية الخالصة عند العرب، هي
حرية الإنسان الذي لم يكونوا أسلافه خاضعين راكعين أبدا. وبالنسبة
للجماعة، هم أولئك الذين لم يركعوا لسلطة ما. ثمّة مثال آخر هو مثال
الوعول التي تأكل الأفاعي في الصيف، وعندما تشعر بالحمّى، تتوجّه طلبا
للماء. وحين تحصل على الماء، فإنها مع ذلك تكتفي بالدوران حوله، وتخشى
بغريزتها الشرب منه خوْفا من أنْ يفعل السّمّ فعله فيها. تدور إذن وتدور
إلى أنْ تشرب بدون أنْ يلحق بها ضرر(9 ) .

الماء، توسّل وقرب مَلَكيّ
يجعل غيابُ الماء الناسَ والبهائم في حالة مثيرة للشفقة. فهم يصبحون
بمثابة أشباح هائمة تحوم حول منابع مجفّفة دون أن تتمكّن من الشرب. فهي في
هذه الحال إذن مصابة بالهُيام، وهو داء قديم نستعمله نحن اليوم لوصف حالة
العاشق الولْهان. وتسمى «الحائمة» كذلك لشدّة عطشها وبقائها مذعورة حائرة
(10 ) .
الخوف من مثل هذه الوضعية، والأمل في إطفاء العطش، يحملان على التوّسُّل.
ومن ثمّ، فالضّعف والخضوع، الناتجان عنهما، يوجدان في مستوى بحيث أن
التضرّع إلى الله طلبا للمطر يحمل اسما دالاّ على الصّوت الخافت وغير
المفهوم (11) . ويروى أنّ الرسول « كان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا
عند الاستسقاء، فإنه كان يرفعهما حتى يُرى بياض إبطيه» (12) . العلاقة بين
الماء والصلاة إذن علاقة قويّة. ومن جهة أخرى، فإنّ من معاني «الوِرْد» أو
الشرب، أنه جزء من القرآن يُتلى عند كلّ ليلة. أي معناه الصلاة بعبارة
أخرى. إنّ التهديد بالجفاف والعطش بالنسبة للبهائم، والطعام ووسيلة
الإنتاج بالنسبة للبشر، قد جعلا من الماء مادّة نفيسة مرغوبا فيها ومشتهاة
بامتياز. إلى حدّ أنّ الكلمات التي تشير إلى هذا السعي، تعبّر عن معنى
«طلب الشيء وكلّ شيء». ومن هنا، فكلمة «قَرْب»، التي تدل على معنى البحث
عن الماء ليلا، هي نفسها الكلمة التي أعطت جميع المفردات الدالة على
القُرب، ومنها القُربان وهو: «ما تقربت به إلى الله عزّ اسمه تبتغي به
قربه، وكذلك إلى الملك» (13 ) . لذلك فإنّ التحكّم في الماء يُعتبر سلاحا
فعّالا وفتّاكا في يد العبودية. فالماءُ يستدعي الالتماس لأنّ ما يطلبه
المرء في المقام الأوّل هو الماء. إنّ مراقبة مصادر الماء معناه تجفيف
الاستعطافات والالتماسات البشرية التي يفعل فيها العطش فعلها على مستوى
اللاّشعور. فالعنصر السائل هو بكلّ تأكيد جهز كبير من أجهزة السلطة.
أهمّية الماء في المُلك توجد في تدبير العلاقات بين المَلِك وبين أقربائه
ورعاياه. من بين أقربائه نجد أولئك الذين يُطبق عليهم اسم «أسباب
السُّلطان». السبب هو العلّة، وهو يشير هنا إلى والشُّفعاء، وهم نوع من
الوُسطاء يجعلون المرء يصل إلى السلطان (14) . هذه المكانة لدى الملك يتمّ
اكتسابها عن طريق الزواج. ويملكها أحد أفراد العائلة الملكية عن طريق
المصاهرة. وهؤلاء الوُسطاء يوجدون بكثرة داخل المجتمعات التي يُهيمن عليها
المنطق الانقسامي. وقد كان أحد ملوك حمير يُلقَّب ب «ذو الأسباب»، أي الذي
له وُسطاء كُثُر. إنّ أهمية هذه الوظيفة فيما يتعلّق بالماء، تتجلّى في
كوْن أنّ هذه التسمية مشتقّة من الحبْل الذي يُستعمل في جلب الماء من
البئر، والوصول إليه، وهو الذي يسمّى «السبب». وهذا معناه أنّ بلوغ الماء
يفترض المرور عن طريق الملك. إنّ التحكّم في موارد المياه من شأنه تفسير
هذه العلاقة القائمة بين الحبل الذي يجلب دلو الماء من البئر وبين
الملك(15) . ومن المعروف على كلّ حال أنّ السلالات الكبرى كان لها دور
مركزيّ في حفْر الآبار(16) .
من هنا نفهم كيف أنّ الملوك يجلسون، من الناحية الرّمزية، على الماء.
فبقدر ما هو مصدر لا محيد عنه لبقاء الإنسان على قيد الحياة، بقدر ما هو
أساس للسلطة بالنسبة للملوك في المناطق والأصقاع القاحلة.

1 ـ تاج العروس، الجزء الخامس، ص، ص. 10، 11
2 ـ الأغاني، الجزء 22، ص. 158
3 ـ تاج العروس، الجزء 19، ص. 541؛ الجزء الخامس، ص. 222
4 ـ نفسه، ص. 538
5 ـ جمهرة رسائل العرب، الجزء الرابع، ص. 283
6 ـ الجاحظ، نفسه، ص. 325
7 ـ الفائق، الجزء الرابع.
8 ـ تاج العروس، الجزء 14، ص. 56
9 ـ ابن دريد، الاشتقاق، ص. 11
10 ـ الأغاني، الجزء 21، ص8؛ وانظر الفائق، الجزء الثاني، ص. 333
11 ـ الزمخشري، الكشاف، الجزء الثاني، ص. 139
12 ـ ابن ماجة، الصحيح، الجزء الأول، ص. 344
13 ـ المحيط في اللغة، الجزء الخامس، ص. 403 وما بعدها.
14 ـ الأغاني، الجزء 17، ص. 73
15 ـ تاج العروس، الجزء الثاني، ص، ص. 65، 66
16 ـ ابن هشام، السيرة النبوية، الجزء الأول، ص، ص. 146، 151




عدل سابقا من قبل izarine في الجمعة 23 يوليو 2010 - 19:09 عدل 1 مرات
izarine
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1855
العمر : 60
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

القصر والسلطة والسماء...في جذور الخطاب الديني Empty السُّدّة العالية بالله

مُساهمة من طرف izarine في الجمعة 23 يوليو 2010 - 18:54

جاء في القرآن
الكريم:» أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء
لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا»
( سورة الفرقان، الآية 45). الظّلّ مرادف للمدّة الزمنية التي تمتدّ من
الفجر إلى مطلع الشمس. وهو كما يقول الرازي «الأمر المتوسّط بين الضوء
الخالص وبين الظلمة الخالصة (...) وهذه الحالة أطيب الأحوال»(1 ) . يضيف
النص القرآني :»ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً» (الفرقان:
الآية 46). الظّل سابق على الشمس في نظام الخَلق. والشمس بطبيعة الحال هي
التي تبرز أفضاله ونعمه. فبدون ظلّ لا وجود للحياة إلا لجهنّم.
والملك لا يكون ملكا إلاّ بتحكّمه في مجال الظّلّ، أي في الحياة. وهذا
التّحكّم يستمدّه من الله الذي هو ظلّه على الأرض(2)؛ نقرأ في النّص
القرآني ما يلي: «يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي
الأَرْضِ» (سورة ص، الآية 26). وهذه الصفة خوّلتْ له بأنْ يكون راعيا
ودرعا واقيا. فَأَنْ يكون المرء ظلاّ لشخص آخر، فالظل: المنعة والعزّ.
يقال: فلان في ظل فلان، أي في عزه»3. فالديمومة هي الجوهرية هنا، وهي
ديمومة خالدة في الجنّة، مكان الظّل بامتياز.
ظلُّ جفْنة
الدخول في ظلّ رجل قويّ، هو التمتّع بثقته، والحرص على الإدانة له
بالاعتراف والوفاء. وفي هذا السياق تؤكّد السيرة النبوية على مزايا
الاستفادة من ظلّ لله التي تعني السكينة والسعادة الأبديّة «الشهيد في ظل
الله وفي ظلّ عرشه»(4) . فالعرش أيْ المُلك، هو أوّلا السقف الذي يحمي من
تقلّبات الأحوال ونوائب الدّهر. والمَلِك يلتبس مع الظّلّ ومع سقف البيت.
من ذلك افتخار إحدى القبائل بمن كان «كالخيمة الممدودة الأطناب»(5 ) .
إنها صورة قويّة للحماية أنْ يمنح المرء المأوى والغطاء (6 ) . وبمجرّد ما
يصبح الأمر يتعلّق بعلاقات السلطة، فإنّ الظّلّ يتجرد بطبيعة الحال من
كثافته الفيزيائية لكي يعبّر عن الدّعم والعوْن والحماية من ضدّ الأعداء
من الشدائد والمحن بصفة عامّة (7 ) . وفي هذا السياق تتحدث كتب الأخبار عن
«ظلّ جفنة». ومفادها أنّ أحد الأعيان، في مرحلة ما قبل الإسلام، كان
معروفا بكرمه وحدبه، وكانت له جفنة يستظلّ بها. و»كان يأكل منها القائم
والراكب لعظمها». الظّل يلعب هنا وظيفة إطعام الجائعين وحجّاج الكعبة
القادمين من أصقاع بعيدة. هذا المظهر في غاية الأهمّية بحيث أنّ محمّدا
نفسه، بحسب ما ترويه السيرة النبوية، قد حضر طعامه، وذاق منه، واستظلّ
بذلك من الشمس (8 ) .
إنّ توفير أسباب العيْش للآخرين هي إحدى الصفات المفضّلة عند السيّد.
ونذكر في هذا الصدد أنّ الله توجّه بهذه العبارات لآدم، وهما يتحدّثان عن
أمور الجنّة :» إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى، وَأَنَّكَ
لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى» (سورة طه، الآيتان 118-119). إنها
مكافأة الخضوع. وعلى الأرض، أليْس الأكل الوفير، والشرب الغزير، والملبس
والاستظلال من الشمس هي الأقْطاب التي يستند عليها كلّ ما يهمّ الإنسان (9
) .
البيت الكبير
هكذا إذن يحمي بيت الملك الكبير رعاياه. وقد كان من عادة أعيان العرب
قديما إقامة خيمة للناس العابرين. الظلّ هو الخيمة، والشهيد، يقول الحديث،
في خيمة الله وتحت عرشه. كانتْ للناس العادييّن خيام صغيرة من الصّوف أو
من جلد الناقة. أما الملوك فقد كانتْ خيامهم واسعة كبيرة مشدودة بقوّة
ومحروسة بشدّة، وتتوفّر على ظلال وافرة (10) . وقد كان يُطلق على فرعون
اسم «ذو الأوتاد « (11) ، التي تعني عند الرّحّل، البيت المطنّب بأوتاده،
أيْ الخيمة المشدودة إلى الأرض بقوّة، والتي تحمي من العواصف، وتشكّل ملجأ
آمنا ومثاليا (12) . إنّ حجم الخيمة يعطي صورة واضحة عن المكانة
الاجتماعية، ذلك أنّ الظّلّ قد أعطى اسمه للخيام الواسعة الفسيحة المصنوعة
من الخيش، أو في غالب الأحيان من جلد الناقة، وهي خيام يُطلق عليها اسم
«المِظلّة» أو «المَظلّة»، وهي بمثابة جناح واسع منقسم إلى بيوت. وقد يكون
هذا الجناح كبيرا جدّا ومزيّنا بوفرة؛ ولهذا السبب بالذات يسمّونه
«البيت». إنه قلْبُ القبيلة، ومقرّ إقامة سيّد القبيلة الذي يصون شرفه.
ومن ثمّ، فهو البيت الرّمزي للجماعة. أمّا باقي الخيام، الأقلّ حجْما
منها، فهي الأَخْبية (مفردها: خِباء) وهو «ما كان من وَبَر أَو صوف ولا
يكون من شَعَر، وهو على عمودين أَو ثلاثة، وما فوقَ ذلك فهو بَيْت (...)
وهو دون المَظَلَّة» (13) .
وإذا كان الظّلّ مرادفا لرغَد العيش، للجنّة، فإنّ الجنّة التي هي «ظلّ
ممدود» (سورة الواقعة، الآية 30)، قد وُصِفَتْ كما يلي:» مثل الجنة التي
وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها» (سورة الرعد، الآية
35). فالظّل دائما يوفّرالحماية والرعاية والأمن. وفوق الأرض، فهي رمز
للملك وللسلام الذي يشعّ من حوله. ففي مملكة سبأ، بمدينة مأرب، تروي
الحكاية أن أحد الفرسان ظلّ يركض في جنانها طيلة شهر بكامله « من أولها
إلى آخرها لا تواجهه الشمس، ولا يفارق ظلها؛ لاستتار الأرض بتلك الأشجار،
وإحاطتها بها، فكان أهلها في أطيب عيش وأرفعه، وأهنأ حال وأرغده، هذا
الصفاء في الفضاء، والطيب في الهواء، والتدفق في الماء»(14). الظلّ مرتبط
بالسلطة، لأنها محمّلة بجميع أفضاله التي لا يمكن اختزالها في الظّلّ الذي
يحمي الشّمس مؤقّتا.
السّدّة العالية بالله
ظلّ الفجر كامل وتامّ لأنّ الشّمس غائبة، هذه الحالة تعيد إنتاج حالة
الخلق حيث الظّلّ لم يكن يعاني لا من الغياب ولا من اختزال حمولته. الظّل
الكامل هو ظلّ الذي يسبق الشمس، وليس ذلك الظّل يليها، أو الفيء، أي
العودة. الشمس باعتبارها حرارة محرقة، ولكن أيضا باعتبارها ألوهية قديمة
تطرح مشكلا. لذلك فإنّ هناك احترازات واحتياطات كانت مفروضة في الصلاة.
ويُحكى عن الرسول أنه قال: « إذا كان أحدكم في الفيئ فقلص عنه الظل، وصار
بعضه في الشمس وبعضه في الظل فليقم، فذلك مجلس الشيطان». وقد كان الرسول
يوصي المؤمنين بألاّ يؤدّوا صلاتهم ما بين شروق الشمس ووسط النهار، وبأن
ينتظروا إلى أن يكون ظلّ الرمح في أدنى مستوياته (15 ) . وتدقيقا، عندما
تغادر الشّمس مقرّها. الشّمس، باعتبارها مصدرا للحياة والموت، هي ألوهية
منخرطة دائما في عقليات العصر. ومن ثمّ، فإنّ السجود قبل وسط النهار كان
معناة إهداء الصلاة لها.
إنّ مجيء الشمس تجعل من الظّلّ هبة ثمينة يتحكم فيها ويوزّعها على خدّامه.
والوصول إلى مثل هذه الهبة يفترض الخضوع والإخلاص. وهذا ما يهتم به باب
الملك أو السدّة. الكلمة تشير في البدء إلى الباب، الإغلاق أو الفتح الذي
بواسطته ندخل إلى البيت (16 ) . وهذا هو المعنى الذي يتكرّر في غالب
الأحيان في السيرة النبوية، وبالضبط بالمعنى الذي يشير إلى باب السلطان
(17) . هكذا كانوا يطلبون من الرسول السماح لصهره علي بن أبي طالب وفاطمة
بالدخول عنده، وكانا ينتظران عند السّدّة. وهو كذلك المظلّة التي تقي من
المطر، وتعني حتى البلاط (18) . وحسب كراع، فإنّ السدّة هي السقيفة على
باب الدار؛ والسّدة جريد يُشَدّ بعضه إلى بعض (19) . ويبدو أنّ الكلمة قد
عرفت امتدادا بالموازاة مع تشكّل السّلطة وامتدادها. البابُ، المظلّة،
الظَّلّة، السقيفة، لينتهي إلى الدلالة على البلاط ككلّ، الفِناء، أو ما
نطلق عليه اليوم في المغرب اسم «المشور». وقد كان في السابق، عند العرب
القدامى، يعني ذلك الفضاء الذي يوجد أمام خيمة سيّد القبيلة التي تأتي
للاجتماع فيه (20) . يتعلق الأمر بكلمة خاصة بالسلطة، وإنْ كانتْ قد ظهرت
للوجود داخل فضاء البيت.وفي جميع الحالات، فإنها تضع خطّا فاصلا بين
الخضوع واللاخُضوع. هناك فرز يتمّ يقوة بالتصفية، ولا يفتح الباب إلاّ
لأولئك الذين حصلوا على إذن من الملك. لنسجّل كذلك أنّ الباب السلطاني كان
يُسمّى أيضا «سُدفة الأمير»، التي هي مرادف للدخول في الظلمة، حيث الليل
يشرع في منازعة ما تبقّى من ضوْء النهار. نحن إذن ما بين المباركة
والإقصاء، وبالتالي فإنّ هذه الكلمة الأخيرة هي التي أعطتْ كلمة
«السِّدافة» أو الحجابة، أي وظيفة الفرز المرتبطة بباب السلطان (21) .
فالظّلّ، بما يفترضه من سلطان وقوّة، لهو أحد أسس السلطة. ومن ثمّ
فالسُّدَّة تحيل كذلك على مراقبة الماء. وهكذا، فقد رافق الظّلّ السلطان،
باعتباره رمزا للسلطة. لذلك نجده ملازما للمظلّة السلطانية التي تُزيّن
بثوب خاصّ دلالة على الرفعة والشرف، والتي تسمّى العَمارة. وهي العبارة
التي كانت تعني الدعاء بطول العمر «عَمَّركَ الله» (22 ) .
ومهما يكن من أمْر، فإنّ القُرب من الملك يعني الحصول على امتيازات
متعددة، حيث يعطي الملك الظّلّ لراعاياه وخُدّامه. وقد كان من بين الألقاب
التي تُطلق على ملوك اليمن لقب «تُباع»، أي التابع الذي يعني الظّل أيضا.

1 ـ الرازي، التفسير الكبير، المجلد الثاني عشر، الجزء الثاني، ص. 77
2 ـ ابن الأثير، النهاية، الجزء الأول، ص. 52
3 ـ ابن دريد، جمهرة اللغة، ص. 265
4 ـ ابن الأثير، النهاية، الجزء الثاني، ص. 94
5 ـ الزمخشري، الكشاف، الجزء الرابع، ص. 73، الهامش 1
6 ـ رسائل العرب، الجزء الرابع، ص. 310
7 ـ ابن الأثير، النهاية، الجزء الثالث، ص. 160
8 ـ ابن الأثير، النهاية، الجزء الثالث، ص. 43
9 ـ الرازي، التفسير الكبير، المجلد الحادي عشر، الجزء الثاني، ص. 108
10 ـ مجمع الأمثال، الجزء الأول، ص. 444
11 ـ «وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ»، سورة الفجر، الآية 10
12 ـ الزمخشري، الكشاف، الجزء الرابع، ص. 72 و33
13 ـ لسان العرب، الجزء الحادي عشر، ص. 418
14 ـ تاج العروس، الجزء الحادي عشر، ص. 39
15 ـ ابن الأثير، النهاية، الجزء الثالث، ص. 75
16 ـ تاج العروس، الجزء الأول، ص. 103
17 ـ جمهرة اللغة، ص. 111
18 ـ الفائق، الجزء الثاني، ص، ص. 168، 169
19 ـ كراع، المنجد، ص. 224
20 ـ تاج العروس، الجزء الخامس، ص، ص. 10، 11
21 ـ تاج العروس، الجزء الثاني عشر، ص. 266
22 ـ تاج العروس، الجزء الخامس، ص. 262



عدل سابقا من قبل izarine في الجمعة 23 يوليو 2010 - 19:09 عدل 1 مرات
izarine
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1855
العمر : 60
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

القصر والسلطة والسماء...في جذور الخطاب الديني Empty الأعتابُ الشّريفة ...

مُساهمة من طرف izarine في الجمعة 23 يوليو 2010 - 18:56

ثمّة كلمات أو
عبارات مألوفة لديْنا، ومع ذلك فإننا نجهل محتواها ومسارَ تكوّنها بكلّ
تأكيد. وفي هذا الصدد، فقد انكبّ المؤرخون كثيرا على دراسة المخزن دون أنْ
يولوا لهذه الكلمات الأهمّية التي تستحقّها. ويُعتبر ابن زيدان، أحد
مؤرّخي المخزن، هو الأكثر انتباها لهذا المعجم. لكن ما يهمّنا هنا هو
تكوّن وتشكّل هذه العبارات والألقاب. وهو ما سيساهم بكلّ تأكيد في التعرّف
على الجذور التاريخية للدولة المغربية. وإذا كنا في الحلقة السابقة قد
حلّلنا عبارة «السدّة العالية بالله»، فإننا سنولي الاهتمام الآن لعبارة
«العَتَبة السّلطانية».

تموّجات في التعريف

تُستعمل كلمة «العَتَبة» (جمعها: أعتاب وعَتَبات وعُتُب)، في الاستعمال
العادي، للدلالة على عتبة الباب التي تجتازها الأرجل. لكن قد تعني كذلك،
بحسب المصادر، الدرجة العليا من السّلّم، وقطعة الخشب الموجودة في الجزء
الأعلى من الباب. وأخيرا، فإنها تعني العوارض الخشبية التي تسند الباب.
ويعرّفها معجم المحيط في اللغة (الجزء الأول، ص. 445) باعتبارها «السقيفة
العليا للبيت». معنى ذلك أنها تشير إلى مختلف مكوّنات تأطير الباب
والإحاطة به، كما لو أنها تشهد على تعقيده وحمولته الخاصّة. ولذلك فإنها
تستمد ذريعتها من هذا التعقيد للفت الانتباه، على التوالي، إلى القِطع
والمكوّنات المحيطة بالعتبة السلطانية، والتي ينبغي تذكّرها من أجل
اجتيازها وتخطّيها.

درجات وهميّة مؤسِّسة للمكان العالي

تعود لفظة «عتبة»، التي نستعملها لوصف «العتبة الشريفة»، على الأرجح، إلى
البدايات الأولى لظهور البيوت المَلَكية، حين كانَتْ دار المُلك الفتيّ،
الحديث العهد، هي مركز الحياة الاجتماعية، والملجأ الحامي من مختلف
الاعتداءات وتقلّبات الأحوال. ومن الوارد أنْ تكون هذه الدار موجودة في
مكان عال، أو متوفّرة على أدراج ومراق هائلة احتفظت عبارة «الأعتاب
الشريفة» بذكراها. لكن، مع اتساع مساحة الدولة، وتزايد أعداد محيط الملوك،
صارت العبارة ضربا من الخيال الذي لا يمكن ربطه بالدرجات والمراقي
الحقيقية التي تسمح بالدخول إلى القصر.
تقوم العبارة إذن على مجموع المراقي التي يتعيّن اجتيازها بُغية الوصول
إلى القرب من الملك، والحصول على نعمه وأفضاله. لكن المثير في الأمر،
وبصفتها بالخصوص أعلى الباب، فإنّ العتبة مرادفة للحاجِب، سواء بمعنى
الستار أو بمعنى البوّاب. هذا الأخير الذي سيرتقي فيما بعد إلى مرتبة
الحاجب في المعجم المَلَكيّ (تاج العروس، الجزء الأول، ص. 406؛ والجزء
الثاني، ص. 201). من المحتمل جدا أنْ تكون هذه العارضة، في السابق، تحمل
علامة تشير إلى مساكن الملوك. وبالتالي، كان ذلك يحميها من الناحية
الفيزيائية أو الرمزية من خلال إخفاء طلاسم تعمل على صرف الأنظار الخبيثة.
وفي جميع الحالات، فقد انتهت العبارة بأخذ مسافاتها بالقياس إلى طبيعتها
الأولى، لكي تنتقل للإشارة إلى شخص الملك، الشّخص نفسه، وإلى القصْر
الملكي. لقد باتتْ، إذن، واحدة من العلامات التي لازلنا نستعملها اليوم
لتشريفه، والتعبير عن الامتثال له.
ثمّة عنصران يؤكّدانها في مثل هذه الوظيفة. فالنعت الشريف، أوّلا، هو الذي
خلّصه من معناه العادي المتداول، المعنى الدّالّ على عتبة عادية توجد في
بيوت وضيعة، وأعطاه بالمقابل معنى العلوّ والسموّ. فليْس الباب، مهما كان
جليلا، هو الذي يعطي المهابة والجلالة، وإنما ذلك الشّرَف الذي يتمّ
اكتسابه عن طريق الانتساب المَلَكي، أي الانتساب إلى شَرفه، وبالضّبط إلى
علوّه وسموّه، على اعتبار أنّ الشّرف كان يعني في البداية وضعية عالية
تطلّ على كلّ ما يحيط بها، والتي تعني القوّة وعدم القدرة على الوصول إلى
الشخص المراد. فيما بعد، تحوّلت هذه الوضعية الاستراتيجية، التي انتزعها
السّادة بحدّ السيف، إلى وضعية اجتماعية تزعم الانتساب إلى أصل متحرّر من
كلّ خضوع سابق، وبالتالي لا يمكنه أنْ ينتج إلاّ السّادة وليس الرعايا
أبدا. إنّ قوّة السيف، والبسالة الحربية، تشكّلان الصرح الأوّلي الذي تقوم
عليه الأسس الإيديولوجية للسلطة، بإفرازها لسلالة السّادة. وفيما بعد، سوف
يحلّ محلّهما الرأسمال الاجتماعي ونظام الوراثة.
يعني «الاعتتابُ» الارتفاع قصد الوصول إلى مكان مرتفع. هكذا ترتبط كلمة
«عتبة»، عبْر بُعد الارتقاء، بالارتفاع وبالعلوّ، لكن يبقى، رغم ذلك، أنّ
النعت الشَّرَفي هو الذي يؤكّد الدور الرئيسي لهذا الملمح. وبالتالي، فإنّ
«الأعتاب الشريفة» تشهد على ارتفاع البيت الملكي، وتعمل في الوقت ذاته على
كشف النقاب عن أصله. وهو يحيل كذلك على فضل الملتمس الراغب والطّامع في
الوصول إلى الملك. الأعتابُ مرادفة لدرجات السلّم ومراقيه، الأمرُ الذي
يعطي صورة واضحة على حمولته السّياسية. هناك درجات يتعيّن على المرء
ارتقاؤها، وصعوبات ينبغي تجاوزها من أجل الوصول إلى الأعالي، إلى المكان
السّامي الذي يوجد فيه الملك. العتبةُ إذن تجاور للدّرجة. إنّ إدخال
السُّلَّم في هذا السياق له دلالته الكبرى فيما يخصّ أهمّية الفارق في
الارتفاع، لأنه يفترض صعودا وارتقاء لا يتحقّقان باليد الفارغة، وبالتالي
يتطلّب الأمر وجود دعامات وركائز. ومن أجل إبراز حجم الصعوبات، فإنّ الجبل
هو الذي يتمّ إعطاؤه مثالا باعتباره هدفا للصّعود.
غير أنّ هناك عنصرا ثانيا ذا أهمية بدوره. فكلمة «عتبة» في المفرد، ورغم
الافتراض بكوْن المقصود منها هي الدرجة الأخيرة، فإنها لا تكفي لوحدها
لتحميل المفهوم ما يحتمله. ومن ثمّ، فإنّ وضعية الملك تستدعي كلمة في صيغة
الجمع، وهي «الأعتاب»، التي من شأنها تقوية وتعزيز المسافة التي تبقي
رعايا الملك بعيدين عن مكانه العالي. فكما هو الشّأن بالنسبة للسماء، التي
لا يكتفي فيها الله بسماء واحدة، فإنّ كثرةَ الدرجات ضرورة أساسية للملك.
فهذا الأخير يحتاج لحُجُب متعددة تقوّي تحكّمه في مختلف دوائر محيطه. ومنه
هنا تغدو «الهَيْبة» شديدة، وسرُّ الجلالة كثيفا. وعليه، فالأعتابُ لا
يمكن النظر إليْها بصفتها معطى فضائيا يترجم، عند الضّرورة، تعدّد العتبات
والقُصور. بل إنّ الأمر يتعلّق هنا بوضعيات وبتراتُب وببَنينة للمحيط
المَلَكي. ومن ثمّ، فإنّ ترجمة العبارة بالعَتبة الشريفة، مثلما هي الحال
دائما، معناه تفقيرها إذا نحن لم نأخذ في الاعتبار كلّ حمولتها.



عدل سابقا من قبل izarine في الجمعة 23 يوليو 2010 - 19:10 عدل 1 مرات
izarine
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1855
العمر : 60
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

القصر والسلطة والسماء...في جذور الخطاب الديني Empty الصَّفْحُ والغَضبُ

مُساهمة من طرف izarine في الجمعة 23 يوليو 2010 - 18:57

لذلك فاللفظةُ
تحتاج إلى حمولات أخرى من أجل فهم أدقّ للسلطة المَلَكية. فهي تتضمّن
التهديد كذلك. الملك هو المتحكّم في مصائر النّاس. وإذا كان يتعيّن طلب
رضاه، فإنه ينبغي أيضا، من باب الاعتراف، خشية غضبه. فالتهديد يسود في باب
القصْر، بالنسبة لجميع المتنافسين الذين يكشفون عن نوايا داخلية لأخذ
السلطة. فالعَتبة، إذن، هي الصعوبة القصوى، وكلّ الأضرار يمكن أنْ تأتي
منها، بلْ يمكن أن تكون قاتلة. تحيل الكلمة كذلك على الغضب والتوبيخ
(العِتْب، العِتاب)، ولكن أيضا على إرضاء طلبات الملتمسين. وهناك من
المؤلّفين من يذهب في هذا الاتجاه (أحمد الفيّومي، المصباح المنير، ص.
421). فالملك قائد شرس ورحيم في الآن نفسه. وهكذا فالأعتاب الشريفة، من
خلال هذا البعد، مفهوم فعّال للسلطة الملكية، ونمط خاص من أنماط تنظيم
العلاقات مع الرعايا. لا نجد لهذه الكلمة استعمالا مباشرا في القرآن، لكن
بالمقابل نعثر على تلميحات غير مباشرة من خلال بعض الاشتقاقات التي تتصل
على وجه الخصوص بالرحمة الإلهية، مثل «العُتبى» التي يمكن أن يمنحها الله
لعباده، لكن يرفضها للكافرين (خمس مرّات من بينها سورة فصلت، الآية 24):
«فَإِن يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا
هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ».
إنّ «الأعتاب» في الحقيقة، وبمعنى من المعاني، دالّة على التراتُب
الاجتماعي، وعلى الهرميّة بمختلف أصنافها، بما فيها القمّة التي هي الملك.
فالشّرف والنبل، الذي يتحدّد بالأصل وبالحرّيّة، وسحرُ الأزمنة الأولى،
الذي تحوّل وزاد من حدّته الحجاب والبروتوكول، كلّها عناصر وضعت على رأس
هذا الهرم حدّا يجعل من الملك شخصية استثنائية، تضْفي عليها السماء طابع
الشرعيّة. إنها شخصية جدّ محاطة وجدّ مطلوبة ومرغوب فيها. لنسّجل بأنّ
الجذر اللغوي الذي أفرز كلمة «عتبة»، هو الذي أفرز كذلك كلمة «تبع»، التي
تعني تابعي الرجل أو صحبته. وفي السّياق ذاته يُطلق على البقرة التي
يتبعها ولدها اسم «المُتْبِع»، وعلى ولدها اسْم «التّابع» (جمهرة اللغة،
الجزء الأوّل، ص، ص. 254، 255). ومن المثير أنّ مثل هذه الإحالة على
القٌرب، يعزّزها، فيما يهمّنا هنا، معنى كلمة «تٌبَّع»، التي تشير إلى ملك
حمير وحضرموت. والكلمة في الجمع هي «التبابع». ومن المثير أنها تُطلق أيضا
على البيت الذي وُلد فيه النّبيّ محمد بمكّة (المحيط، الجزء الأوّل، ص.
449). ومن ثمّ، فإذا كانت العتبة تعلن عن المسافة والصعوبة عند باب القصر،
فإنّ عكسها، وهي «تبع» تكشف عن مكانة الرفقة، وتفتح آفاقا أمام التابعين
الذين يمكنهم الطّمع، مع ما يتطلّبه الأمر من حرص وإصرار، ( فعل «تَعَتّب»
يعني الالتصاق بالباب، وعدم الحركة) في الدخول إلى الحاشية أو إلى البلاط
الملكي. هذه الإشارة إلى الصلة عن طريق العلاقة العكسية بين الكلمات تطفو
من جديد، بحكم مركزيّتها، في المكان، من خلال كلمة «عتبة» نفسها، حين تكون
مرادفة للمرأة، أيْ مرادفة للصُّحبة الأكثر قُربا، لمفتاح الدخول إلى
البيت، والمالكة لنمط ضبط العلاقات مع الأصدقاء والضّيوف. وبكلمة واحدة،
فهي التي تضبط العلاقة مع الخارج. وقد كان الزمخشري، في كتابه (أساس
البلاغة) من الأوائل الذين أشاروا إلى هذا المعنى، مستشهدا بحديث مشهور
لإبراهيم جاء فيه: «أَبْدِلْ عتبةَ بابك»، كناية على استبدال المرأة (ص.
528).
وهذا يغدو الأمر مفهوما عندما نعلم بأنّ عبورَ واجتيازَ الدّرجات التي
تسمح بالدخول إلى القصور، يمرّ عبر مختلف البدائل المنتشرة على طول الطريق
المؤدّية إلى الملك. لذلك نفهم أيضا أنْ الكلمة تنطوي على الكثير من
البلاء والاختبار إلى درجة توظيفها في الحديث عن أهوال وشدائد الموت. وفي
هذا الصدد، جاء في حديث نبويّ أنّ عائشة قالت:»إنَّ عتبات الموت تأخذها».
ومع ذلك فإنّ هذا التحذير يجد تبريره حين يعلم المرء أنّ محيط الملك يُعدّ
وَسَطا معتادا على الدسائس والضربات التحتية. إنها طريقة للتذكير بأنّ
الطريق التي تمنح رعاية الأعتاب الشريفة مزروعة كلّها بالألغام.

الجَنابُ الشّريف
الجَنْبُ، الجانبُ، الجَنَبَةُ ( جمعها: الجُنُبُ والجوانبُن ونادرا ما
يُجمع على جنائِب)، هو أوّلا جانب جسم الإنسان، أو هو الجانب بصفة عامّة،
والنواحي والهامش. ويسمّى «الجَنابُ» كذلك (المحيط في اللغة، الجزء
السابع، ص. 127). وبالنسبة للإنسان، فهي كشحه بدءا من الإبطيْن. نحن إذن
داخل مسألة تبدأ بجسم الإنسان، الذي تستمدّ منه الكلمة أصلها، وبالضبط في
العضو، الجارحة. أي أننا داخل أحد الأعضاء المتحرّكة، قبل أن تُستعار
للإشارة إلى محيطها القريب، كما كان الأمر بالنسبة لليد اليُمنى واليد
اليُسرى. «الجارحة» تدل على أعضاء الإنسان، ومنها على وجه الخُصوص اليد
والرِّجْل، وبصفة أخصّ اليد. وقد امتدّ معناها كذلك ليشمل الحيوانات
المفترسة والطيور الكواسر، لتحمل بصمات العنف المرتبط بها ارتباطا قويّا.
وفي مستوى آخر، ففي الاستعمال المتداول لم تَختَفِ العلاقة بجسم الإنسان،
ذلك أنّ «الجَنْب» يشير دائما إلى جزْءا، أو طَرَفا من شيء، وبخاصّة طرف
كائن حيّ وما يمكن أنْ يلحقه من أذى (تاج العَروس، الجزء الأول، ص. 377).
هذا الترابط المعجمي الذي تقدّمه القواميس العربية ينطوي على خصوبة في
غاية الأهمّية.

من الجسم الفيزيائي إلى الجسم السياسي
إنه ترابط خصب من حيث أنه يوضّح طبيعة تطوّر العلاقات ما بين الجسم الملك
البشري وبين جسمه السياسي. وليس جسم الملك هو الظّلّ، الذي لا يكاد الناس
يشيرون إليه اليوم، الذي يرتسم خلف جسمه السياسي. بل بالعكس، إليه يعود
أمْر الخطوات الأولى في تكوّن المَلَكية. لقد كان حضور الملك مرتبطا به.
واللغة هنا تأخذنا إلى ما قبل تاريخ هذه المؤسسة، تأخذنا إلى مؤسسة السيّد
التي سبقتها وأعلنت عن قدومها، حيث القوّة، والمواجهة الجسدية، هما
العنصران المؤسّسان. فالسيّد هو الذي يستحقّ هذه الصفة بفضل ما كان يتميّز
به من شجاعة وإقدام. هو الذي يجازف بحياته ويحمي حياة أتباعه. وهو الذي
يتحكّم فيهم، تتغذّى منها بصورة تدريجيّة سلطته التي ستعمل على إنضاجها
مقوّمات وعناصر أخرى فيما بعد. إنّ السلطة والقرابة التصاعدية الذي تعكسه
المفردات المشتقّة من الجسم ومن أعضائه، تكشف، بصورة رمزية أساسا اليوم،
عن الواقع الجسدي للبدايات الأولى للسلطة. لقد تقدّم الجسم السياسي اليوم
بصفة نهائية، مخفيا ومواريا في باطنه الصّراعات والنزاعات المؤسِّسة. وفي
كلّ الأحوال فإنّ ذاكرة الجسد تظلّ حيّة في ثنايا اللغة.
السلطةُ تتخلّص، في أحسن أحوالها، من الجسد الذي أوصلها إلى قمّتها
وأوْجها. «جَنْبُ الله» هو الجانب الإلهي، أيّ ما يعني بصورة حَرْفية: كشح
الله الذي اعتمد عليه الكثيرون لكي يخلصوا إلى وجود إله يتوّفر على أعضاء:
« أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ،
وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ» (سورة الزمر، الآية 56). يسعى اللفظ
لكي يكون مُفرغا نهائيّا ومجرّدا منْ أيّ مظهر فيزيائي. لقد قام العضوُ،
الذي كان هو البدء، بتوظيف ما يجاوره، وأعطى اسمه إلى ما بات تابعا له،
وذلك من أجل التعبير، في نهاية المطاف، عن السلطة المتولّدة عن هذه
القوّة. نحن إذن عند النهاية القُصوى التي بدأت أوّلا بالجسم الفيزيائي
للمَلِك، وانتهتْ بحجب هذا الأخير أمام الحضور القويّ والكاسح للجسم
السياسي الذي لا يتحقّق بصفة حصريّة إلا في الله العليّ القدير.

من بلاط البيْت الكبير إلى المشور

تنطوي كلمة «جَناب»، التي يتمّ إلصاقها بالملك، على سائر المعاني التي
ترتبط بالجَنْبِ، والتي هي مرادفات شبه تامّة لها، غير أنّ الأمر نادر،
ويبدو بمثابة استثناء وامتياز مخصّص للشخصيات السّامية، كما تشهد بذلك
المراسلات الموجّهة إليها. إنها تشير إلى «جانب» ذي شأن أكبر، أيْ إلى
إشعاع وسلطة أكثر اتّساعا. من الناحية الفضائيّة أوّلا، يعني «الجناب»،
الدّال على مكان للتوقّف، وساحة واسعة متصلة بالبيت الكبير، التي ستصبح
فناء وبلاطا للقصر، حيث يقوم الزّوّار بالانتظار، ويستقبل الملك الناس في
المناسبات الكبيرة. ومن ثمّ، فالصّفة الشريفية «الجَناب الشريف» تضفي
المشروعية، وتسمو باللقب فوق التحوّلات والوقائع المادّية لتكوّنها. وهي
بذلك تؤسّس للمكان السامي. فالكلمة، كما هو الشّأن بالنسبة لكلّ مرادفاتها
ومقابلاتها المشتقّة من «الجنب»، انفصلتْ عن بُعدها الفضائي لكي لا تختصّ
إلاّ بتمييز الشخص المَلَكي، والتعبير عن مدى سلطته وسلطانه. هذا الانتشار
لفضائل الجسد على محيطه، والذي يعود إليه مجموعا في صورة صدى، يصفه الرازي
على الشّكل التالي:» الجَنبُ سُمّي جنبا لأنّه جانب من جوانب ذلك الشيء،
والشيء الذي يكون من لوازم الشئ وتوابعه يكون كأنّه جند من جنوده، وجانب
من جوانبه. فلمّا حصلت هذه المشابهة بين الجنب الذي هو العضو، وبين ما
يكون لازما للشيء وتابعا له، لا جرم حسن إطلاق لفظ الجنب على الحقّ والأمر
والطاعة» (الرازي، التفسير الكبير، المجلد الرابع عشر، الجزء الأوّل، ص.
6). المثير في الأمر، وكما هو الشّأن بالنسبة لمجموع المفردات المرتبطة
بالملوك، هو أنّ الحجاب ليس بعيدا عنّا. فالجناب مفتوح في وجه الجميع،
غيْر أنه لا يعدم أنْ ينطوي على الحجاب. والمِجْنَب هو هذا الحجاب، لأنه
حين نستعمل كلمة «جنب» للحديث عن البيت فإنّ دلالتها تغدو هي «وضع الغطاء
عليه». ومن ثمّ، فإنّ هذا المعجم يكشف عن شساعة كبيرة وهامّة حين يتعلّق
الأمر بالسُّلطة.
فهو يسجّل لحظة من لحظات تشكّل السلطة المَلَكية. لذلك فاللجوء إلى
«الجانب» ينمّ عن الكثير من الدلالات من هذه الزاوية، وبصفة خاصّة من حيث
إنه يفصل تدريجيّا الجسد عن محيطه. لذلك ينبغي النظر إليه بصفته تتويجا
لسيرورة قادت إلى الأخذ بزمام السلطة. «الجانب» أو «الجنْب»، وهو الأمر
الذي يدلّ على واقع واحد، مُعبّران كذلك لكونهما يشيران إلى انتصار أزال
وضعية المواجهة الجسدية، أي وضعية الخصْم أو النّدّ. وبتعبير آخر، أزال
وضعية المُنافس. وبالتالي فإنّهما لمْ تَعُودا تَقْبَلان إلا بوجود
التّابعين والخدم والمحيط. إنّ اللغة مرآة تعكس استيهامات السلطة، وهي
استيهامات ليست غريبة عن الهندسة المتحرّكة للكلمات ولتقاليبها. وهكذا،
فعندما يتقدّم المرء أمام الملك، فإنه يكون «بيْن يديْه»، مما يشير، في
نظر بعض المؤلّفين، إلى جانبَيْ الأمير، الجانب الأيمن والجانب الأيسر.
ومعنى هذا أنه حتّى ونحن أمامه، فإننا نوجد في وضعية دونيّة بالقياس إلى
وضعيته. ومن ثمّ تنعدم وضعية «وجه لوجه». إنّ «الجانب» يعبّر عن الطبيعة
جدّ المعقّدة لعلاقة السلطة. فهو الموطن الطبيعي للخدم والمرؤوسين من جميع
الأصناف. وهو يترجم ويستحضر باستمرار، على سبيل الذكرى، اللّحظة
التّأسيسية، لحظة مجْد الإنسان المِقدام والفاتح.



izarine
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1855
العمر : 60
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

القصر والسلطة والسماء...في جذور الخطاب الديني Empty لُغة الجوار والسّلطة

مُساهمة من طرف izarine في الجمعة 23 يوليو 2010 - 19:07

تُدخل كلمتا
«اليمينُ واليسارُ» تمييزا بين الصفوف، وبين الصدارة، وبين الأدوار داخل
الجناب، وداخل المحيط، وداخل القرب. وهما تبعثان إشارات عن التصنيف، وعن
إعطاء الحظوة ونزعها، وتطلعان حاشية المَلك على المنعم عليهم أو على الذين
يكون من المغضوب عليهم. «الجانب» يمنح الوضعية الوحيدة التي توافق عليها
السلطة لخدّامها ورعاياها. فهم تابعون للرئيس، يضاعفون من قوّته. هم
بمثابة امتداد لأعضائه، وإسقاط له. الرئيس يجعل من الحضُور الضروريّ
لأتباعه، في مقدّمة ومؤخّرة موكبه، أو داخل ديوانه، من حيث أنهم خَدم
مقرّبون أو حُرّاس أمنه، حضورا مفَكّرا فيه وهميا داخل الجَناب. وهكذا،
فإنّ الجماعة التي تسبق بالضرورة الملكَ، من أجل تغطيته، يُطلق عليها اسم
«المُجنّبة» كمرادِف للذي يُقاد، للذي يُؤخذ على سجيّته، والتي يعرّفها
المعجم المَلَكي من خلال تسميتها على هذه الشاكلة، إلى جانبه وليس أمامه،
كما هو الأمر في الواقع. في حين أنّ الفريقيْن اللذيْن يحيطان به من
خاصرتيْه، اليمنى واليسرى، هما اللذان يُطلق عليهما اسم «المُجنّبتان»،
كما لو أنهما يأخذان مكانهما من تلقاء أنفسهما في المكان الوحيد الذي يعود
إليهما بصورة طبيعيّة(1) ! إنّ التعيين الفضائي الواقعي لم يكن يستفيد
دائما من اللغة. ومن ثمّ، فالذي ينطوي على معنى في هذا السياق هو علاقة
السّلطة، العلاقة التي تأمرُ الجماعات فعلا بأنْ تقوم أو لا تقوم به. وبما
أنّ «الجانب» يعبّر تعبيرا حقيقيا، من الناحية الفضائية، عن محتوى هذه
العلاقة، فإنه يتمّ توظيفه.
يُشير الخطاب القرآني إلى «الجُنُب» في
آية تتحدث عن عبادة الله: «وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ
شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى
وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ
وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ
إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا» (2) . وهي تنخرط
في واحدة من التذكيرات بالدوائر المتعددة للسلطة وللتبعية. فاالله هنا هو
المركز، يليه الوالدان (باعتبارهما بدائل على صعيد الخلق الإلهي للناس) ،
ثمّ اليتامى والمساكين والجيران والمسافر. إنها حالات ووضعيات تجد فيها
التبعية مكانا خصبا تقيم فيه. ما يهمّنا هنا هي علاقة الجوار المنظور
إليها من خلال ثلاثة أصناف. فالنّص القرآني يتحث أوّلا وقبل كلّ شيء عن
«الجار ذي القُربى» (الجار العائلي). العلاقة الفضائية تبرزها العبارة
بواسطة العلاقة الاجتماعية، لكي تعطي للعلاقة نبرة أكثر قوّة ووقْعا. بعض
مفسّري القرآن يجعلون من هذا «الجار ذي القُربى» الجار المسلم، غير أنّ
هذا الوجه من التأويل ليس محطّ إجماع عموما. والبعض الاخر يقول إنّ الأمر
يتعلّق بالزوجة، وهنا سنكون إذن أمام نموذج لا يلعب فيه التوزيع الجغرافي
دورا مركزيّا، لأنّ الزوجة تقيم مع زوجها في بيته، وبالتالي لا أهمّية
للفضاء هنا. يتعلق الأمر بالأحرى بمحيط السّيّد، وهو ربّ البيت هنا،
والنواة المحتملة لأيّة سلطة. نحن إذن أمام تراتبية لعلاقات الجوار
المباشر. وهنا تُعطى الأهمية للعلاقة الاجتماعية بصورة كبيرة. وهناك من
المفسّرين من يذهب إلى أن المقصود هو المرافق في السفر، الأمْر الذي يبقى
في سياق المنطق نفسه (3) .
النوع الثاني هو جار «الجُنُب»، أي الجار القريب. وهنا مرّة أخرى نجد أن
بعضا من المفسرين يقولون إن المسألة تتعلق بالمرأة، وبرفيق السفر، أو
بالرفيق عموما. المهمّ في الأمر هو أن علاقة القُرب هي المقصودة، بما أنّ
الفضاء موجود مسبقا في لفظة «الجنب»، التي تعيد تشكيلها هنا أيضا العلاقة
الاجتماعية. مفسّرون آخرون يؤوّلونه بالجار البعيد الذي لا تربطه علاقة
قرابة، أو الذي ينتمي إلى قبيلة نائية. هذه الفئة، في الحقيقة، هي التي
سوف تهيمن داخل المدن حيث يأتي الناس من كلّ حدب وصوب، للبحث عن وسائل
العيش، على إثر التوسّع الإسلامي والتطوّر الحضري. ذلك أنّ تطوّر التجارة،
والأنشطة الحِرفية، وتزايد أعداد الأقوياء والمجموعات المسلّحة، عملت على
تغيير قواعد شَغل واحتلال الفضاء الذي كان فيه الجوار المباشر يرتبط في
المقام الأول بالعائلة. ينبغي إذنْ تدبير هذا الجوار الجديد المتنوّع
والمتحرّك، والعمل، حين يتعلق الأمر بالسلطة، على أنْ تخترق التّبعية
والعبودية هذا الجوار من البداية إلى النهاية. وهكذا، فإنّ دوائر القرابة،
خارج الأقرباء، المرتبطين بالسلالة أو غير المرتبطين بها، قد أُعيد
تنظيمها تبعا للقرب من الرئيس. فالأجانب وُضعوا في خانة مجموعة الجيران
الذين ينحدرون من أصول أجنبية، وكذلك في خانة الصحبة القريبة، «الصّاحب
الجُنُب»، التي تضمّ أيضا الأشخاص المنتمين إلى الدائرة الأولى والخدم
والصحبة. وقد جرى هذا التصميم ضمن منظور ديناميّ يُدرج ليس فقط أولئك
الذين يحيطون بالمركز أو بالبيت أو بالقصر، بل يدرج كذلك أولئك الذين
يتحركون متنقلين مع الرئيس، والذين يأتون لتكريمهن ويقترحون عليه خدمته
(اللاّزق، أو الغريب المعوز هو الذي يطلب بإلحاح تقديم خدماته).
تبدو هنا جليّا ظاهرة الجدب-الإبعاد. ذلك أنّ مركزة السلطة تضع الخدم
والتابعين على هامش السيّد، على جواره وفي جانبيْه، مع العمل على تمكينهم
من قُرب متغيّر لكنه فعلي، جاعلا منهم جزءا منه، بل وباسطا عليهم أياديه،
أي قوّته التي هي ثمرة تراكم سابق لقوّة اليد وبطشها. كما يجعلهم في وضعية
الغموض بسبب الهشاشة المرتبطة بوضعيتهم الهامشيّة. وتشير كلمات «مجانبة»
و»جِنابا» و»جانَب»، أي التواجد بالجانب، إلى معنى مضادّ وهو الابتعاد.
«الجُنُب» في اللغة العربية هو المكان النائي، كل ما هو أجنبيّ. فللجانب
إذن معنى الابتعاد واتخاذ الحيطة والحذر.
وكما هو الشأن بالنسبة للحاشية والبلاط، فإننا نجد في هذه اللغة المتعلقة
بالهامش، القُربَ والبُعدَ، الثقة والحذرَ، الحبَّ والكراهيةَ في الوقت
ذاته. منزعان اثنان متناقضان يخترقان هذا المعجم ويفسران التعارض الذي
يسكنه. فلكي يترسّخ المُلْكُ، فإنه يحيط نفسه منطقيا، لتعزيز مشروعيته
وسموّه، باللجوء إلى وضعيات تابعة، إلى خدم وحشم وتابعين من مختلف الأصناف
بمن فيهم العديد من الأجانب، لكن خارج أيّ أطماع محتملة إزاء العرش. فمن
جهة، لا يتواجد هؤلاء المنتسبون الجدد من أجل إسعاد القرابة البعيدة أو
القريبة، والتي تضمر لها احتقارا دفينا. ومن جهة ثانية، فإن المنتسبين
القدامى ، من خلال تعزيز مواقعهم، ونسيان أصولهم، يلجأون إلى كلّ أنواع
الدسائس والمكائد من أجل الحيلولة دون دخول منتسبين جدد. هذه الدينامية
التي تجعل الملك منفلتا من رقابة الدائرة الضيّقة، المتمثّلة في علاقة
الأبوّة، هي التي تفسّر، عبْر توسيع دائرة المنتسبين إلى القصر، لماذا
ينطوي المعجم المتّصل بمحيط الملك بالعديد من المتناقضات. وهذه المتناقضات
هي التي تترجم مجمل رالنزوعات والتّوترات التي تجري داخل محيط الأمير.
فالقادمون الجدد، الذين يوصلون الأخبار إلى الملك، ولا يُعرف من أين أتوا،
يحتقرهم أولئط الذين يعتبرون أنفسهم هم أقرباؤه الشرعيّون. ومن ثمّ فإن
فعل «جانب» معناه انتساب المرء إلى جماعة غريبة عنه. و»الجنابة» هي خلاف
القرابة. وهي مرادف للمنيّ وتحيل عادة على الشخص الناقص والمشين، والذي
يتعيّن عليه البقاء في مسافة بعيدة عن الآخرين، ولا يقترب حتى يتطهّر:
«وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا» (سورة المائدة، الآية 6). غير
أنّه يصعب تحقيقه التطهّر، إذا ما أخذنا في الاعتبار العلاقة الاجتماعية،
حين يكون الأصل الذي ينحدر منه الفرد أصلا وضيعا. لكن من الممكن أن يكون
هذا المعجم دالاّ على ظهور وتطور المُلْك، وعلى اتساع حجم الرئاسة
بانفلاتها من الإطار المحدود للقرابة والقبيلة، وإدماج شبكات التابعين له.
غير أنّ الأجنبيّ، الذي يلعب دورا مركزيا في هذا الانسلاخ، يكون محطّ شكّ
وريبة أيضا، مثلما توحي بذلك لفظتيْ «الأجنبيّ» و»الأجْنب» الذي لا يخضع.
كما نجد في هذا المعجم فئة الذين انسلخوا عن قبائلهم، ويوجدون خارج دوائر
التماسُك الكلاسيكية، أي أولئك الذين يُطلق عليهم اسم «المتفرّدون»،
والمستعدّون للاسترقاق. هم الذين يشار إليهم احتقارا بكلمتيْ «الجانب»
و»المُجتنَب».
لعبارة «الجَنَابُ الشريف»، إذن، تاريخ طويل خلفها. فهي توضّح مختلف مظاهر
تنظيم المَكانة المَلَكية، المكانة التي تتعلّق على وجه الخصوص بالعلاقات
بين جسميْ الملك. كما تعرض العبارة أيضا للعلاقة المركّبة التي يربطها هذا
الأخير بمحيطه، في تشكُّله وفي تطوّره.

1 ـ تاج العروس، الجزء الأوّل، ص. 378
2 ـ سورة النساء، اللآية 36
3 ـ ابن كثير، التفسير، الجزء ال,ل، ص، ص. 645، 647

izarine
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1855
العمر : 60
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

القصر والسلطة والسماء...في جذور الخطاب الديني Empty الجلالة

مُساهمة من طرف izarine في الجمعة 23 يوليو 2010 - 19:08

تُطلق «جلالة»
و»جلال» على الرّجل المسنّ الذي حنّكته التجارب وعركته الأيام. ومن ثمّ
فإنّ الحكمة والتبصّر عنصران أساسيان مكوّنان لهذه الوضعية. وهما خصائص
مركزية لشخص الملك. وتفسر الإحالة على السنّ أن الملك هو أب الأمّة، وهي
الصفة التي يستمدها، في الحقيقة، من زمن بعيد. الحكمةُ تحيل على تدبير
وتسيير شؤون البلاد، وهي ترتبط بالسنّ الذي يفرض نفسه، بحكم التجربة
المتراكمة، بصفته العنصر المحدد للوصول إلى الرئاسة. في الواقع، إنّ الأب
هو الذي تولّد عنه السيّد، كما تولّد عنه فيما بعد، وبعد تطوّر طويل،
مفهوم الملك. إنّ ظهور السلطة داخل العائلة البطريركية هو الذي أفرز في
الأصل هذه الوضعية. فالأب، الذي كانت سلطته مقتصرة في البدء على القرابة
العائلية الصغيرة والمحدودة، بسط هذه السلطة، داخل العائلات القوية التي
تهيمن على العائلات الأخرى، على دوائر أخرى خارجية.
وهكذا، فعامل
السنّ المحدِّد عند الأب، هو أساس السلطة، وذلك من خلال إعطائه أسبقية على
سلالاته. وبالتالي فإن شرعية السلطة العائلية الطبيعية التي لا نقاش فيها
قد انتقلت بصورة تدريجية إلى مجموعات أوسع، بموازاة مع التوسّع التدريجي
والمتنامي لفضاءات ومجالات التحكم. وهكذا استمرت منقوشة في ذاكرة الرئاسة
التي تطالب بهذا الحق الطبيعي الذي كان يؤول في البدء إلى الأب داخل
البنيات الضيقة. إنّ خيالَ القرابة يبقى مطالبا به بصفة صريحة ما دامت
البنيات الجماعية تسمح بذلك لكي لا تستمر فيها بعد إلا على المستوى
الرمزي. غير أنّ الحكمة والحنكة المتولدين عنها، سوف يلتقيان في
مفهوم»الجلالة»، ومع ذلك، لا يمكن فهم هذا المفهوم بالشكل اللائق إلا من
خلال التذكير بوضعية التحكم والهيمنة التي كانت للأب داخل العائلة. فداخل
هذه الأخيرة، لا تفترض السلطة أي احتجاج، بسبب علاقة التبعية الحقيقية
التي يوجد عليها الأبناء إزاء الأب، المُطعم والحامي.
بتعبير آخر، فإن مفهوم»الجلالة» يتصل اتصالا وثيقا بظهور السلطة، على
الرغم من كونه يبدو فيما بعد كأنه لا يرتبط بهذا التشكل، ويزعم في الوقت
ذاته أنه يستمد مشروعيته فقط من الصفات والمزايا التي ينطوي عليها. ومن
ثم، فمن خلال انفصاله عن القرابة وعن العائلة، أسّس هذا المفهوم انسجامه
الخاص به، محلقا بأجنحته الخاصة، فالرئيس يُنعت بهذا الوصف، وصف الجلالة،
لأنه مختلف وخارج عن المألوف. وسوف يتسع اللفظ ليشمل مجموع أهل وأقارب
الرئيس، الذين سيتصفون بالوصف نفسه. من هنا يجري الحديث عن «قوْم جِلّة»
أو جماعة الأسياد. هكذا انفصل اللفظ عن أصله الأوّلي لكي يشير إلى شرف
متاخم ولصيق بهذه الجماعة.
هذا الانصهار داخل المصطلح نفسه لبعض من الصفات الأكثر أهمية في مجال
النبالة والشّرف المؤسسة للسيادة، نلفيه قبل ذلك في معجم الحيوان. وفي هذا
السياق يشار إلى سنّ النّاقة بفعل «جَلّ». و»الجُلالة» بالضم، هي الناقة
البدينة («الجُلال» هو كلّ شيء ضخم)، و»الجِلّة» هي النّاقةُ المسنة،
ومفردها «جليل». وللتذكير فإن لفظة «جليل» كانت تعني في الأصل عضوا ضخما
من بين أعضاء الجسم. فهل يعود الأمر إلى أعضاء العائلة، أو إلى أعضاء
الجماعة الذين تبدو عليهم آثار النعمة والتغذية الجيدة، ويخدمهم الأعضاء
الآخرون، وبالتالي ضخمت أجسامهم وصاروا بدينين؟ ثم إنهم يميلون إلى العيش
لفترات أطول من غيرهم، ويصبحون، جرّاء ذلك، ذاكرة للجماعة، ورمزا لوحدتها
وديمومتها. وضعيّة مثل هذه تقوّي مكانتهم بصفتهم محظوظين، وذلك من خلال
تحوّلهم إلى طبقة للأشراف تنتجالأسياد. وهناك معنى آخر يعضّد من هذا
الافتراض، وهو يشير إلى كلّ ما هو ثمين ونفيس داخل البيت، كالزرابي وسائر
الأثواب والأقمشة الثمينة التي يطلق عليها اسم «الجِلّ». ومن ناحية أخرى،
فإنّ لفظة»الجُلة» تعني القُفّة الواسعة المملوءة بالتمر، مما يحيل صراحة
على الوفرة والنعمة.
يبدو أن القدم والغنى والحكمة في تدبير أدنى الأعمال وأجلّها ( الجلال)
كلها عناصر محددة في تشكيل الجلالة، في تشكيل هذه الصفة الخاصة بالملوك.
لكن، ليست النعمة والوفرة هما اللذان تشير إليهما هذه الألفاظ. بل إنها قد
تشير كذلك إلى التافه من كلّ شيء، أو حتى إلى البقايا التي لا قيمة لها.
إن تجميع المتقابلات هو بالضبط ما يعزّز « الجلال» باعتباره نعتا إلهيّا،
بما أن الله هو أصل الخلق، مهما كانت طبيعة هذا الخلق. فالاعتبارُ يتّجه
نحو الخالق، نحو السيّد وليس نحو الموضوع. وهكذا، فكلمة «الجليل» يوصف بها
الرجل المحترم، المقدَّر، الذي يُنصت إليه، وهو الذي أعطى «الجلالة» الذي
تولّد عنها اللقب المَلَكي. فالجلال هو هذا الاعتبار المدفوع إلى حده
الأقصى، والذي لا يمكنه افتراض الاقتسام والاشتراك لأنه يتوجّه ليس إلى
واحد، وإنما إلى الواحد، الأحد. ومنه جاء أحد أسماء الله الحسنى الأقل
إثارة للنقاش، والذي لا نستعمله إلا له: «ذو الجلال». تجد التسمية
الإلهيةُ تفسيرها بالعمل الخارق والفريد المتمثل في الخلق، وكذا باستحالة
وصف الذات الإلهية، أو أخذ فكرة دقيقة عنها بواسطة الحواس، وبخاصة بواسطة
العين. فاللفظ يصف إذن المكانة الأسمى، ويشير إلى طابعه الاستثنائي
والخارق. وبناء عليه، فإنّ إلحاقه بالله يجد تبريره بواسطة هذا الرتبة،
لأنه لا يُستعمل في أوصاف الشرف، خلافا لأوصاف أخرى جرت العادة أن يوصف
بها كبار قوم شبه الجزيرة العربية. هذا على الأقلّ ما تذكره كتب التفسير
والأخبار. بل إنه من المحتمل أن يكون هذا اللفظ قد رأى النور مع ظهور
الإسلام. كلمة «الجليل»، التي أتت من نفس الجذر اللغوي، تستعمل في الكلام
المتداول دون أن تكون مختصة ومقتصرة على الأشراف والأقوياء. وقد امتدت
لتشمل عامة الناس المتصفين بحكمتهم وحنكتهم، الأمر الذي أفرغها تماما من
حمولتها الأصلية، بفعل هذا الابتذال نفسه. وفي هذا السياق، فإنّ اللفظ
المرادف للكتاب، وهو «المجلة»، التي كانت تعني كلّ ما هو مكتوب، ينطوي
بالفعل على الحكمة.
إنّ رهان السلطة، في نهاية المطاف، يوجد متاخما ومحايثا في كلمتي»الجلال»
و»الجلالة» اللتين عمل انفصالهما الشكلي على حلّ مشكل المنافسة بين
السلطتين الإلهيّة والمَلَكية.
من هنا نفهم جيدا كيف أن كلمة «الجلالة» تعبر تعبيرا قويا وأمينا عن
الوضعية المَلَكيّة، وترتبط بها، خلافا لوضعيات أخرى كالفخامة التي تستعمل
اليوم للحديث عن رؤساء الدول. إنّ الجانبَ الألوهيّ الملازم للمُلْك هو
الذي يُفسر اللجوء إلى مثل هذا النعت: فـَ» الجلال» لله، و»الجلالة»
للملك. وبهذا المعنى يتحدث عنه القرآن: « ويبقى وجه ربّك ذو الجلال و
الإكرام» ( سورة الرحمان، الآية 27).
الجلالُ، بهذا المعنى الذي أشرنا إليه، لا ينتُج عن القوة، كما هو الشأن
بالنسبة للرفعة، لأن ذلك قد يؤدي إلى إعادة النظر في مكتسبات اللقب، ولأنه
سيجعل منه صفات تَمَّ بلوغها بواسطة العنف، وإذن من خلال مواجهة أعداء
معيّنين، حتى وإن كانوا يستحقّون ذلك. إنه لقب متصل بالخَلْق، بحكم أنه
يعطي الحياة للأشياء و للكائنات، وهذا ما يجعل منه اسما خاصا بالسيد
الأوّل، وليس بالسيد الذي ترتبط إنجازاته بما قام به من حروب، وإنما بالذي
يعلم ويعرف ويقوم بما لا يعرف الآخرون القيام به. لا ينبغي أنْ ننسى بأنّ
الإسلام قد ظهر في مجتمع متعدد الديانات، حيث يتعين على الله أنْ يثبت
سلطانه بعيدا عن باقي الآلهة. مثل هذا المحتوى، الذي يبرز مسالة الإبعاد
هي التي تفسر اللجوء إلى هذا اللفظ لتمييز الوضع الملكي.
وهكذا، فإنّ شرعية السلطة الملكية تنتمي إلى نظام خاص، يفوق الأنظمة
الأخرى لكونها شرعية لا تُقارن معها. إنها شرعية لا تنتمي، إذن، إلى
التاريخ الذي ليست نتيجة له، بقدر ما تمتح جذورها وأصولها من طبيعتها
الذاتية التي تستمدّها من الإلهي وتقتسمها معه. فهي لا تنتمي، والحالة
هذه، إلى شيء يمكن التفاوض بشأنه مع عامّة الناس. وهذا ما يفسّر ذلك
الطابع الانتهاكي والتدنيسي المتمثذل في اغتيال الملوك. ومن جهة أخرى فإن
للجلال كذلك مبرّر آخر، وهو أن الذّات الإلهية لا يمكن إدراكها بالحواس،
لأن الحواسّ لا يمكنها تمثّله. وبتعبير آخر، فإنّ حجاب النّور الباهر
والساطع هو الذي يجعل الله غير مرئيّ، لأنّ الإنسان لا يمكن التحذيق فيه
في حضرته.
إنّه السّّرّ، الغيب، الذي هو خاصية يتميّز بها الملوك أيضا، والذين لا
يمكن إدراكهم بدون حجاب قاتم يحيط بهالتهم، ويساهم في إضفاء الطابع
الألوهي عليهم. وبما أنّ معجم الجمل يقدّم عوْنا كبيرا في المقام الأوّل،
دلخل المجتمع الرّعوي العربي، فيما يخصّ العلاقات بين الناس، فَلْنذكّرْ
بأنّ كلمة «جُلُّ» تدل على تلك المادّة التي تغطّون بها الدّابة، والحصان
على وجه الخصوص بهدف حمايته. حمايته من البرد، أو حمايته بصفة عامّة، من
خلال فصل الدّابة عن الخارج وحجبها. وتسري الحماية بالطبع ضدّ كل ما يمس
الإنسان، ليس فقط الصعوبات العابرة، بل كذلك من الموت والفناء المترتّب
عنه.
فهذا الحجاب بالضّبط هو الذي أدّى إلى ظهور الله، وزوّد الملك بالهيبة
التي بدونها يصبح الملك مجرّدا من سرّه. ومن جهة أخرى فإنّ الحجاب لا يكون
بالضرورة مادّيّا. فهناك عدد من كبار الملوك الذين كانوا في أوجهم، لم يكن
لديهم حجاب، ومع ذلك فقد تألّقوا في حكمهم. فهو سرّ الجلالة الذي يرتبط
بتمثلات الرئيس أكثر مما يرتبط بشيء آخر.

izarine
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1855
العمر : 60
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

القصر والسلطة والسماء...في جذور الخطاب الديني Empty الحاشية

مُساهمة من طرف izarine في الجمعة 23 يوليو 2010 - 19:11

لا
شيء أكثرَ إيحاء بخصوص الدلالة العميقة للممارسية الطقوسية، أو للمؤسسة،
من تشكّلها. فهذا التشكّل هو الذي يلقي الضوء على وجوهها الخفيّة التي
غطاها الزمن بطبقات متتالية من النسيان. وفي هذا السياق تعدّ دراسة السلطة
مثالا بارزا على ذلك. إنّ ممارسة السلطة اليوم، سواء أكانت سلطة مَلَكية
أم رئاسية، ليست لها علاقة كبيرة بمقدماتها. لقد أخذت الدولة حجما كبيرا
من خلال الممارسة البيروقراطية والجيش. وبالتالي لم تعد العلاقة بالرئيس
علاقة مباشرة، بفعل هذا الحجم الهائل، وبفعل الإكراهات الجديدة المتعلقة
بممارسة السلطة ذاتها. هذه الوضعية تحجبُ طبيعة العلاقة الأصلية التي
تعتبر أساسية من أجل فهم آليات المؤسسة.
تندرج مختلف المظاهر التي تهمّ المَلَكية في علاقتها بالخارج، كلّها
عمليّا داخل إشكالية العلاقات القائمة ما بيْن المركز وبين المحيط. هذا ما
ينطبق على طبيعة العلاقات بالمحيط (محيط الملك)، مثلما يتبيّن ذلك من
«الجَناب الشريف» و»الأعتاب الشريفة»، ومن مراقبة هذا الأخير عبْر
«السّدّة العالية بالله» و»العرش»، والتي تعالج على وجْه الخصوص العلاقة
بالعرش وصولا إلى التحكّم في الماء وفي وسائل الإنتاج.
الكلمة التي تهمّ محيط الملك بصورة مباشرة هي «الحاشية»1، وهي الأكثر
تعبيرا، إنْ فيما يخصّ تشكيل الحاشية وآليات الستقطابها، أو فيما يخصّ
تشكّل النظام المَلَكي نفسه.
تنطوي الكلمة، في البدْء، على المعنى نفسه الذي تنطوي عليه كلمة
«الجَناب»، من حيث إنها مثلها تحيل على الضواحي والأماكن المجاورة. لكن
إذا كانتْ هذه الأخيرة قد اختصّتْ بشخص المَلِك، فإنّ «الحاشية» تشير
عموما إلى المحيط. غيْر أنه ليس لهما معا من دلالة ومحتوى إلاّ داخل منظور
ديناميّ، سواء من خلال جدليّة: المركز-المحيط، التي تعتمل داخلهما، أو من
خلال الحمولة التي راكمها عليهما التاريخ. هناك، إذن، ثلاثة عناصر قويّة
تميّز وظيفتهما: توفيرُ السموّ للملك، وضعُ المسافة الضرورية في وجه
العامّة، وأخيرا السّهرُ على استزادة القوّة. تتكوّن الحاشية من طبقات
تنجذب نحوالمركز، والتي تتداخل فيما بينها، رغم ميلها القويّ نحو
الاستغلاق.
البِطانَةُُ أو الدائرة الأولى
البطانةُ هي المحيط المقرّب من المَلك، والحدّ الفاصل الذي يحميه من ضجيج
الخارج. وتعني، في اللغة المتداولة، «بطانة الثّوب»، أي المادّة التي
تخطّي السطح الداخلي من لباس أو غيره لكي يقاوم البرودة. وإذن، فإنّ
الاتّصال المباشر بالملك، وهو هنا اتّصال بشخصه وليس فقط بجسمه السّياسي،
هو الذيّ يميّز هذا الفضاء. وينحدر هذا القُرب من الجذور نفسها لظهور
المَلَكية، فالبطانة هي الفضاء الذي تلتقي فيه هذه الأخيرة بالبنية
القَبَلية التي رأتْ النور داخلها. وبالفعل، فإنّ السلطة الملكية تتغذّى
من هذه البنية ذاتها، وترتكز على أسسها مع العمل على إعادة ترتيبها
وتشغيلها لصالحها، حسب منطقها الخاص. فانطلاقاً من «الفخض»، وهي أصغر وحدة
قَبَلية، تعمل السلطة الملكية على توسيع هذا الجناح ليشمل «البطن»، الذي
هو تقسيم أوسع. لم تعد العلاقات العائلية هي الأسس الوحيدة لهذه النواة
القاعدية. لقد تمّ تحويل كلمة «البطن»، المستعارة من القبيلة، والتي تحيل
على علاقات الدم، لكي تعبّر عن جسم الملك.
«البطانة» هي المكوّن الأوّل للحاشية، بفعل قِدَمها ومركزيّتها. فإلى جانب
الآباء، يتواجد داخلها أعضاء «مندسّون» من الخارج. وهذه الجماعة غير
متجانسة وتتكوّن من حجّاب الحراسة، وأهل الثقة، والندماء، والخدم
المقرّبين، والأقرباء الذين يقتسمون معه كلّ شيء. وقد أضفت الشرعية، في
البداية، على دخول العناصر غير مرتبطة برابط القرابة إلى مجموعة قائمة في
الأصل على روابط الدّم، الاعتماد على القرابة، وخصواصا بواسطة التبنّي أو
«الابتطان». كان الابتطان، في المجتمع ما قبل الإسلامي، يؤدي إلى الحصول
على نََسب شرعيّ. وقد سمحت العبودية، بعد ذلك، في إطار تنامي الأسياد
والزعماء، بالزيادة في حجم المحيط، فضلا عن أنّ الإسلام قد حدّ من المضمون
الشرعي للتبنّي.
وهكذا، ففي قلب المحيط، وفي الصّفّ الأوّل، نجد في وقت مبكّر، الحُلفاء
والخدم. فَحَوْل النبيّ محمد، تمّ وضع أسس الدولة الإسلامية الفتيّة أقيمت
خارج المحيط العائلي، بل وخارج ترابها. وتشكل »العترة«، التي هي العائلة
والبيت، »جوف« المحيط القريب، وقلبه وأحشاءه. هكذا كان سكان اليمن يسمّون
خيام حكّامهم، أي تلك الخيام الكبيرة التي كانت تُتخذ فيها القرارات. صحيح
أنّ هناك التباسا بخصوص المحتوى الذي ينبغي إسناده إلى هذه «العترة». الحس
المشترك يرى فيها معنى سلالة الرجل بحصر المعنى، فيما يسند إليها آخرون
محتوى أوسع ويدخلون ضمنه، في جميع الحالات، المقربين من غير الأبوين.
انطلاقا من هذا المنظور يعلن أبو بكر الصدّيق انتسبابه إلى عترة النبي2.
استنادا إلى هذا، فإنّ العترة هي الخليّة الأساسية لبلوغ السلطة. مثل هذا
المفهوم، المعادل للبطانة، يحرّر هذه الأخيرة من إكراهاتها العضوية، وذلك
بفتْحها على الخارج بفعل التحالفات الضرورية لبلوغ السلطة.
«البَطنُ» القَبَلي هو الذي تولّدت عنه بطانة الملك. لم يعد الأمر يعني
عنصرا مركزيا تضبطه علاقات القرابة، بقدر ما باتَ مكوّنا نابعا من السلطة
الملكية؛ أصبح البطن مجرد محيط للملك، رغم أنّه بمثابة نواة له في الآن
ذاته. فمع إقامة الدولة الجديدة، واتّساع الإمبراطورية، كشفت الأسس
القبلية عنْ عدم كفايتها وملاءمتها لتأسيس الجهاز الجديد. لقد اتّسعت
القاعدة الاجتماعية، وبالتالي اكتسبت المفاهيم مضمونا جديدا، ومن ثمّ لم
يعد المحيط الملكي يستمدّ هيمنته من جذوره القَبَلية، بما أنّ البطن قد
أعطى «البطانة»، بقدر ما باتَ يستمدّها في تطوّره الموالي، ومن نمط
استقدام خدّامه. وهكذا تبوّأت الحاشية مكانتها رغم جذورها الملتبسة.
غدا:
الحاشية، هامش أصبح مركزيّا

1 بالنسبة للإحالات والمراجع، انظر كتابنا العبد والرعية، المكتبة الوطنية، الدار البيضاء، 2009.
2 « نحن عترة رسول الله صلى الله عليه وسلّم وبيضته التي تفقّأت عنهم»، النهاية، الجزء الثالث، ص. 177.



izarine
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1855
العمر : 60
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

القصر والسلطة والسماء...في جذور الخطاب الديني Empty حاشية، هامش أصبح مركزيّا

مُساهمة من طرف izarine في الجمعة 23 يوليو 2010 - 19:13

ال «الحاشية»
تعني الهامش. وعندما تنطبق على الثوب، فإنها تعني أطرافه، سواء أكانت
بالأهداب أو بدونها. «حاشَ»، في اللغة العربية، معناها إبعاد الفرد، وجعله
على هامش الجماعة، في منأى عنها، وبهذا المعنى وردت في الآية 31 من سورة
يوسف: «حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ
كَرِيمٌ». اللفظة مشتقّة من «حاشية» و»حياشة» أو الدرجات. نحن هنا بصورة
متناقضة أمام لفْظ مستعار من الهامش من أجل تحديد البلاط الملكي، أيْ،
بعبارة أخرى، تحديد المركز.
غيْر أنّ هامشية الحاشية ليْست مسألة فضائية فقط، بقدْر ما تمتدّ لتتصل
بالمحتوى كذلك. وهكذا، فإنه بالنسبة لجسم الإنسان، تشير الكلمة إلى
الأعضاء الأقلّ شرفا المرتبطة بالهضم والتغوّط. هي كل ما تحتوي عليه البطن
باستثناء القلب والرئتيْن. وفي التراتبة الاجتماعية، تنطبق على الأفراد
الذين لا قيمة لهم ولا طموح، وهي الدلالة التي ينطوي عليْها اللفظ في
اللسان الشعبي اليوْم. وفي جميع الأحوال، فإنها تحيل دوما على الحـدّ،
وعلى صورة سور وسياج مدينة أو قصْر. وفي الحديث عن القرابة العائلية، فهي
تشمل أعضاء الأسرة، أما في إطار المُلْك، فإن اللفظ يمتد لشمل مجموعة
أوْسع.
ومن هذه الزاوية، إذن، لا يمكن أنْ يؤدّي هذا اللفظ إلا إلى الالتباس.
فبتحليله في ديناميته فقط، يمكن ضبط معناه ومحتواه. «الحاشية» تشير كذلك
إلى النّوق الصغيرة التي تطوف حول قطيع الكبار، وتتسلل بينه. صغار حول
الكبار، لا يتعلق الأمر بالصّغار الذين ينتمون إلى سلالة ترتبط طبيعيا
بالجماعة، بل يتعلق بنوع ذي حجم صغير. هناك إذن تفاوت في الوضعيات،
وبالضبط بفئة ذات مكانة وضيعة، بما أنّ العبيد يعتبرون قاصرين، بصرف
النّظر عن سنّهم. وليس من الغرابة في شيء أن ينحدر هذا النعت بالضّبط من
هذا المثال، بما أنّ تأثير اللغة المرتبطة بالنّاقة كان كبيرا على صعيد
العلاقات الاجتماعية والسياسة في المجتمع العربي. ومن ناحية أخرى، فإنّه
من مميزات الخادِم الجيّد أنْ يحوم حول الملك، ويكون سريع البديهة لخدمته،
بما أنّ المحيط يمكن أنْ يكون له معنى وظيفيّ ينضاف لتعزيز إلى الموقع
الفضائي والمكانة الاجتماعية، وفي هذا السياق يقول النص القرآني: «وترى
الملائكة حافّين من حول العرش يسبّحون بحمد ربّهم» (سورة الزمر، الآية 75)
والحال أنّ العبودية هي ما يميّز البلاط، مثلما هي التي تميّز محيط الملك،
وهي مفتاح فهم العلاقات المتحكمة في هذا المحيط. لفظ «حاشية» له تاريخ
يكشف عن التناقض الواضح بين طبيعته المزدوجة: المركزية والهامشية في الآن
ذاته. ومن غير المستبعد أن يكون اللفظ، في بدايته، يشير إلى التابعين
المرتبطين بالقوافل التي يقودها الأقوياء. جنود مشاة مكوّنون من أفراد
صغار يتدافعون بسبب الحاجة إلى الحصول على فتات الطعام. ويوجد من بينهم من
كان يتبع الجنود في حملاتهم، أو يحومون حول معسكرات الملوك ليقتاتوا مما
يتبقى من طعامهم وصدقاتهم. ومما لا شكّ فيه أنّ مصطلح «حاشية» كان ينطبق
على مثل هذه الجماعات، سواء بسبب مواضعها وإقامتها بجانب القوافل، أو بسبب
فقرها ووضعيتها الاجتماعية الهامشية. غير أن هذا المصطلح يفترض نوْعًا من
الانتماء، هو هامش شيء ينتمي إليه ويمثّل جزْءاً منه. وبالضبط، فإنّ
حضورها الدائم وارتباطها الوثيق بالقافلة للاقتيات، هو ما يجعل منها
عمليّاً أحد مكوناتها الأساسية.
فيما بعد، واعتباراً لمنطق تطوّر نظام المَلَكية نفسه، فقد تطور المصطلح
كذلك، وصارت له دلالة قوية، إلى درجة تخلّصه من الهامشية التي عرفها في
البدايات الأولى. فمع ظهور الملكيات الكبرى، سوف تزداد بصورة كبيرة أعداد
حاشية الملوك وبطاناتهم، متجاوزة بذلك الأعداد القليلة المتمثّلة في بعض
الخدم والأقرباء التي كانت تعرفها البدايات الأولى. وقد استطاع عدد من
الحشم المنتمين إلى الحاشية الاندماج في المحيط الملَكي باعتبارهم خدماً
للملك. هنا مرّة أخرى يمكن لدلالة الكلمة أنْ توضّح الأمور. فهي تشير إلى
القطن الذي يُملأ به الفراش (الحشيّة). وظيفة الملء هذه أساسية بالنسبة
للمحيط، لأنّه تعزّز وترسّخ طبيعته بصفته سُورا واقيا. الحاشية هي المادّة
التي تضمن حصانة الفضاء المَلَكي. إن أشكال وصيغ اشتغال المؤسسة الملكية،
بفرضها «الحجاب» الذي يخفي الملك عن أنظار الناس وأعينهم، قد زادتْ من
أهمّية مثل هذه الوظيفة. وبالتالي، فالمحيطُ الذي أصبحت له أهمية أساسية
واعتبارا كبيرا، آخذا مسافته تُجاه المجتمع، قد ابتعد عن معناه الأوّلي.
لم تعد «الحاشية» تُعتبر هامشاً، أو تعني جماعة تابعة أو ثانوية، بقدر ما
فرضتْ نفسها داخل النظام السياسي وفي قلبه.
يلعب الهامش بالفعل وظيفة إبراز المركزية الملَكية، لكنه تشير كذلك إلى
واقع آخر هو واقع الفضاءات التي يمتح منها المُلْك خدّامه الجدد، معيدا
النظر باستمرار، وبنفس المناسبة، في خُدّامه المُعتمدين. ويعزّز تحليل
مجموعة مثل مجموعة «الخاصة»، وهي مكوّن آخر من مكوّنات الحاشية، مثل هذا
الرؤية. فنحن نجد داخلها إلى جانب عن المقربين بعلاقة القرابة، أشخاصا
آخرين يوصفون من طرف المقرّبين بعلاقة القرابة ب»الحشوة» أو «الدُّخلل»،
وهو بحصر المعنى: الغريب عن الجماعة، والذي لا يفتخر داخلها ولا يتباهى
بأيّة علاقة أخرى سوى بعلاقة الاسترقاق، ويندسّ داخلها بدون شرْعيّة قرابة
ولا شرف. ومن ثمّ، فالحاشية هي مجموعة مركّبة غير خالية من التناقض بسبب
تباين المناطق والجهات التي قدم منها أعضاؤها. كما أنها مصنفة ومكوّنة من
عدد كبير من الدوائر. غير أنّ أهمية «المنتسبين الجدد»، ذوي «المكانة
الوضيعة»، قد عملتْ على تكريس كلمة «الحاشية» داخل لائحة المصطلحات
الخاصّة بالمحيط المَلَكي. إنّ طبيعة العلاقة التي تسود داخله ليست غريبة
عن هذا التّطوّر، بما أنّ المَلك هو أوّلا وقبل كلّ شيء سيّد الجميع، قبل
أنْ يكون أبَ البعض. وهكذا، فإنّ هذا اللفظ قد انتهى بتفوّقه على باقي
الألفاظ كالبِطانة والعِترة. إنّ مقاومة هذا المفهوم، مثل مفهوم
«الخاصّة»، الذي لا يتطابَق تطابُقا تامّا مع مفهوم «الحاشية»، يوضّح
إرادة جماعة الأشراف في إبراز مكانتهم، والتميّز داخل المحيط. ويذهب في
هذا الاتجاه كذلك الغنى الذي تنطوي عليه المفردات التي تستنكر الجذور
الوضيعة للأعضاء النافذين في الحاشية.

izarine
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1855
العمر : 60
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

القصر والسلطة والسماء...في جذور الخطاب الديني Empty الجَنابُ الشّريف

مُساهمة من طرف izarine في الجمعة 23 يوليو 2010 - 19:14

الجَنْبُ،
الجانبُ، الجَنَبَةُ ( جمعها: الجُنُبُ والجوانبُن ونادرا ما يُجمع على
جنائِب) ، هو أوّلا جانب جسم الإنسان، أو هو الجانب بصفة عامّة، والنواحي
والهامش. ويسمّى «الجَنابُ» كذلك (المحيط في اللغة، الجزء السابع، ص.
127.). وبالنسبة للإنسان، فهي كشحه بدءا من الإبطيْن. نحن إذن داخل مسألة
تبدأ بجسم الإنسان، الذي تستمدّ منه الكلمة أصلها، وبالضبط في العضو،
الجارحة. أي أننا داخل أحد الأعضاء المتحرّكة، قبل أن تُستعار للإشارة إلى
محيطها القريب، كما كان الأمر بالنسبة لليد اليُمنى واليد اليُسرى.
«الجارحة» تدل على أعضاء الإنسان، ومنها على وجه الخُصوص اليد والرِّجْل،
وبصفة أخصّ اليد. وقد امتدّ معناها كذلك ليشمل الحيوانات المفترسة والطيور
الكواسر، لتحمل بصمات العنف المرتبط بها ارتباطا قويّا. وفي مستوى آخر،
ففي الاستعمال المتداول لم تَختَفِ العلاقة بجسم الإنسان، ذلك أنّ
«الجَنْب» يشير دائما إلى جزْءا، أو طَرَفا من شيء، وبخاصّة طرف كائن حيّ
وما يمكن أنْ يلحقه من أذى (تاج العَروس، الجزء الأول، ص. 377). هذا
الترابط المعجمي الذي تقدّمه القواميس العربية ينطوي على خصوبة في غاية
الأهمّية.

من الجسم الفيزيائي إلى الجسم السياسي
إنه ترابط خصب من حيث أنه يوضّح طبيعة تطوّر العلاقات ما بين الجسم الملك
البشري وبين جسمه السياسي. وليس جسم الملك هو الظّلّ، الذي لا يكاد الناس
يشيرون إليه اليوم، الذي يرتسم خلف جسمه السياسي. بل بالعكس، إليه يعود
أمْر الخطوات الأولى في تكوّن المَلَكية. لقد كان حضور الملك مرتبطا به.
واللغة هنا تأخذنا إلى ما قبل تاريخ هذه المؤسسة، تأخذنا إلى مؤسسة السيّد
التي سبقتها وأعلنت عن قدومها، حيث القوّة، والمواجهة الجسدية، هما
العنصران المؤسّسان. فالسيّد هو الذي يستحقّ هذه الصفة بفضل ما كان يتميّز
به من شجاعة وإقدام. هو الذي يجازف بحياته ويحمي حياة أتباعه. وهو الذي
يتحكّم فيهم، تتغذّى منها بصورة تدريجيّة سلطته التي ستعمل على إنضاجها
مقوّمات وعناصر أخرى فيما بعد. إنّ السلطة والقرابة التصاعدية الذي تعكسه
المفردات المشتقّة من الجسم ومن أعضائه، تكشف، بصورة رمزية أساسا اليوم،
عن الواقع الجسدي للبدايات الأولى للسلطة. لقد تقدّم الجسم السياسي اليوم
بصفة نهائية، مخفيا ومواريا في باطنه الصّراعات والنزاعات المؤسِّسة. وفي
كلّ الأحوال فإنّ ذاكرة الجسد تظلّ حيّة في ثنايا اللغة.
السلطةُ تتخلّص، في أحسن أحوالها، من الجسد الذي أوصلها إلى قمّتها
وأوْجها. «جَنْبُ الله» هو الجانب الإلهي، أيّ ما يعني بصورة حَرْفية: كشح
الله الذي اعتمد عليه الكثيرون لكي يخلصوا إلى وجود إله يتوّفر على أعضاء:
« أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ،
وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ» (سورة الزمر، الآية 56). يسعى اللفظ
لكي يكون مُفرغا نهائيّا ومجرّدا منْ أيّ مظهر فيزيائي. لقد قام العضوُ،
الذي كان هو البدء، بتوظيف ما يجاوره، وأعطى اسمه إلى ما بات تابعا له،
وذلك من أجل التعبير، في نهاية المطاف، عن السلطة المتولّدة عن هذه
القوّة. نحن إذن عند النهاية القُصوى التي بدأت أوّلا بالجسم الفيزيائي
للمَلِك، وانتهتْ بحجب هذا الأخير أمام الحضور القويّ والكاسح للجسم
السياسي الذي لا يتحقّق بصفة حصريّة إلا في الله العليّ القدير.

من بلاط البيْت الكبير إلى المشور
تنطوي كلمة «جَناب»، التي يتمّ إلصاقها بالملك، على سائر المعاني التي
ترتبط بالجَنْبِ، والتي هي مرادفات شبه تامّة لها، غير أنّ الأمر نادر،
ويبدو بمثابة استثناء وامتياز مخصّص للشخصيات السّامية، كما تشهد بذلك
المراسلات الموجّهة إليها. إنها تشير إلى «جانب» ذي شأن أكبر، أيْ إلى
إشعاع وسلطة أكثر اتّساعا. من الناحية الفضائيّة أوّلا، يعني «الجناب»،
الدّال على مكان للتوقّف، وساحة واسعة متصلة بالبيت الكبير، التي ستصبح
فناء وبلاطا للقصر، حيث يقوم الزّوّار بالانتظار، ويستقبل الملك الناس في
المناسبات الكبيرة. ومن ثمّ، فالصّفة الشريفية «الجَناب الشريف» تضفي
المشروعية، وتسمو باللقب فوق التحوّلات والوقائع المادّية لتكوّنها. وهي
بذلك تؤسّس للمكان السامي. فالكلمة، كما هو الشّأن بالنسبة لكلّ مرادفاتها
ومقابلاتها المشتقّة من «الجنب»، انفصلتْ عن بُعدها الفضائي لكي لا تختصّ
إلاّ بتمييز الشخص المَلَكي، والتعبير عن مدى سلطته وسلطانه. هذا الانتشار
لفضائل الجسد على محيطه، والذي يعود إليه مجموعا في صورة صدى، يصفه الرازي
على الشّكل التالي:» الجَنبُ سُمّي جنبا لأنّه جانب من جوانب ذلك الشيء،
والشيء الذي يكون من لوازم الشئ وتوابعه يكون كأنّه جند من جنوده، وجانب
من جوانبه. فلمّا حصلت هذه المشابهة بين الجنب الذي هو العضو، وبين ما
يكون لازما للشيء وتابعا له، لا جرم حسن إطلاق لفظ الجنب على الحقّ والأمر
والطاعة» (الرازي، التفسير الكبير، المجلد الرابع عشر، الجزء الأوّل، ص.
6). المثير في الأمر، وكما هو الشّأن بالنسبة لمجموع المفردات المرتبطة
بالملوك، هو أنّ الحجاب ليس بعيدا عنّا. فالجناب مفتوح في وجه الجميع،
غيْر أنه لا يعدم أنْ ينطوي على الحجاب. والمِجْنَب هو هذا الحجاب، لأنه
حين نستعمل كلمة «جنب» للحديث عن البيت فإنّ دلالتها تغدو هي «وضع الغطاء
عليه». ومن ثمّ، فإنّ هذا المعجم يكشف عن شساعة كبيرة وهامّة حين يتعلّق
الأمر بالسُّلطة.
فهو يسجّل لحظة من لحظات تشكّل السلطة المَلَكية. لذلك فاللجوء إلى
«الجانب» ينمّ عن الكثير من الدلالات من هذه الزاوية، وبصفة خاصّة من حيث
إنه يفصل تدريجيّا الجسد عن محيطه. لذلك ينبغي النظر إليه بصفته تتويجا
لسيرورة قادت إلى الأخذ بزمام السلطة. «الجانب» أو «الجنْب»، وهو الأمر
الذي يدلّ على واقع واحد، مُعبّران كذلك لكونهما يشيران إلى انتصار أزال
وضعية المواجهة الجسدية، أي وضعية الخصْم أو النّدّ. وبتعبير آخر، أزال
وضعية المُنافس. وبالتالي فإنّهما لمْ تَعُودا تَقْبَلان إلا بوجود
التّابعين والخدم والمحيط. إنّ اللغة مرآة تعكس استيهامات السلطة، وهي
استيهامات ليست غريبة عن الهندسة المتحرّكة للكلمات ولتقاليبها. وهكذا،
فعندما يتقدّم المرء أمام الملك، فإنه يكون «بيْن يديْه»، مما يشير، في
نظر بعض المؤلّفين، إلى جانبَيْ الأمير، الجانب الأيمن والجانب الأيسر.
ومعنى هذا أنه حتّى ونحن أمامه، فإننا نوجد في وضعية دونيّة بالقياس إلى
وضعيته. ومن ثمّ تنعدم وضعية «وجه لوجه». إنّ «الجانب» يعبّر عن الطبيعة
جدّ المعقّدة لعلاقة السلطة. فهو الموطن الطبيعي للخدم والمرؤوسين من جميع
الأصناف. وهو يترجم ويستحضر باستمرار، على سبيل الذكرى، اللّحظة
التّأسيسية، لحظة مجْد الإنسان المِقدام والفاتح.
خل كلمتا «اليمينُ واليسارُ» تمييزا بين الصفوف، وبين الصدارة، وبين
الأدوار داخل الجناب، وداخل المحيط، وداخل القرب. وهما تبعثان إشارات عن
التصنيف، وعن إعطاء الحظوة ونزعها، وتطلعان حاشية المَلك على المنعم عليهم
أو على الذين يكون من المغضوب عليهم. «الجانب» يمنح الوضعية الوحيدة التي
توافق عليها السلطة لخدّامها ورعاياها. فهم تابعون للرئيس، يضاعفون من
قوّته. هم بمثابة امتداد لأعضائه، وإسقاط له. الرئيس يجعل من الحضُور
الضروريّ لأتباعه، في مقدّمة ومؤخّرة موكبه، أو داخل ديوانه، من حيث أنهم
خَدم مقرّبون أو حُرّاس أمنه، حضورا مفَكّرا فيه وهميا داخل الجَناب.
وهكذا، فإنّ الجماعة التي تسبق بالضرورة الملكَ، من أجل تغطيته، يُطلق
عليها اسم «المُجنّبة» كمرادِف للذي يُقاد، للذي يُؤخذ على سجيّته، والتي
يعرّفها المعجم المَلَكي من خلال تسميتها على هذه الشاكلة، إلى جانبه وليس
أمامه، كما هو الأمر في الواقع. في حين أنّ الفريقيْن اللذيْن يحيطان به
من خاصرتيْه، اليمنى واليسرى، هما اللذان يُطلق عليهما اسم «المُجنّبتان»،
كما لو أنهما يأخذان مكانهما من تلقاء أنفسهما في المكان الوحيد الذي يعود
إليهما بصورة طبيعيّة ! (1) إنّ التعيين الفضائي الواقعي لم يكن يستفيد
دائما من اللغة. ومن ثمّ، فالذي ينطوي على معنى في هذا السياق هو علاقة
السّلطة، العلاقة التي تأمرُ الجماعات فعلا بأنْ تقوم أو لا تقوم به. وبما
أنّ «الجانب» يعبّر تعبيرا حقيقيا، من الناحية الفضائية، عن محتوى هذه
العلاقة، فإنه يتمّ توظيفه.
يُشير الخطاب القرآني إلى «الجُنُب» في آية تتحدث عن عبادة الله:
«وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ
إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ
ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ
السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن
كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا» (2) . وهي تنخرط في واحدة من التذكيرات
بالدوائر المتعددة للسلطة وللتبعية. فاالله هنا هو المركز، يليه الوالدان
(باعتبارهما بدائل على صعيد الخلق الإلهي للناس) ، ثمّ اليتامى والمساكين
والجيران والمسافر. إنها حالات ووضعيات تجد فيها التبعية مكانا خصبا تقيم
فيه. ما يهمّنا هنا هي علاقة الجوار المنظور إليها من خلال ثلاثة أصناف.
فالنّص القرآني يتحث أوّلا وقبل كلّ شيء عن «الجار ذي القُربى» (الجار
العائلي). العلاقة الفضائية تبرزها العبارة بواسطة العلاقة الاجتماعية،
لكي تعطي للعلاقة نبرة أكثر قوّة ووقْعا. بعض مفسّري القرآن يجعلون من هذا
«الجار ذي القُربى» الجار المسلم، غير أنّ هذا الوجه من التأويل ليس محطّ
إجماع عموما. والبعض الاخر يقول إنّ الأمر يتعلّق بالزوجة، وهنا سنكون إذن
أمام نموذج لا يلعب فيه التوزيع الجغرافي دورا مركزيّا، لأنّ الزوجة تقيم
مع زوجها في بيته، وبالتالي لا أهمّية للفضاء هنا. يتعلق الأمر بالأحرى
بمحيط السّيّد، وهو ربّ البيت هنا، والنواة المحتملة لأيّة سلطة. نحن إذن
أمام تراتبية لعلاقات الجوار المباشر. وهنا تُعطى الأهمية للعلاقة
الاجتماعية بصورة كبيرة. وهناك من المفسّرين من يذهب إلى أن المقصود هو
المرافق في السفر، الأمْر الذي يبقى في سياق المنطق نفسه (3) .
النوع الثاني هو جار «الجُنُب»، أي الجار القريب. وهنا مرّة أخرى نجد أن
بعضا من المفسرين يقولون إن المسألة تتعلق بالمرأة، وبرفيق السفر، أو
بالرفيق عموما. المهمّ في الأمر هو أن علاقة القُرب هي المقصودة، بما أنّ
الفضاء موجود مسبقا في لفظة «الجنب»، التي تعيد تشكيلها هنا أيضا العلاقة
الاجتماعية. مفسّرون آخرون يؤوّلونه بالجار البعيد الذي لا تربطه علاقة
قرابة، أو الذي ينتمي إلى قبيلة نائية. هذه الفئة، في الحقيقة، هي التي
سوف تهيمن داخل المدن حيث يأتي الناس من كلّ حدب وصوب، للبحث عن وسائل
العيش، على إثر التوسّع الإسلامي والتطوّر الحضري. ذلك أنّ تطوّر التجارة،
والأنشطة الحِرفية، وتزايد أعداد الأقوياء والمجموعات المسلّحة، عملت على
تغيير قواعد شَغل واحتلال الفضاء الذي كان فيه الجوار المباشر يرتبط في
المقام الأول بالعائلة. ينبغي إذنْ تدبير هذا الجوار الجديد المتنوّع
والمتحرّك، والعمل، حين يتعلق الأمر بالسلطة، على أنْ تخترق التّبعية
والعبودية هذا الجوار من البداية إلى النهاية. وهكذا، فإنّ دوائر القرابة،
خارج الأقرباء، المرتبطين بالسلالة أو غير المرتبطين بها، قد أُعيد
تنظيمها تبعا للقرب من الرئيس. فالأجانب وُضعوا في خانة مجموعة الجيران
الذين ينحدرون من أصول أجنبية، وكذلك في خانة الصحبة القريبة، «الصّاحب
الجُنُب»، التي تضمّ أيضا الأشخاص المنتمين إلى الدائرة الأولى والخدم
والصحبة. وقد جرى هذا التصميم ضمن منظور ديناميّ يُدرج ليس فقط أولئك
الذين يحيطون بالمركز أو بالبيت أو بالقصر، بل يدرج كذلك أولئك الذين
يتحركون متنقلين مع الرئيس، والذين يأتون لتكريمهن ويقترحون عليه خدمته
(اللاّزق، أو الغريب المعوز هو الذي يطلب بإلحاح تقديم خدماته) .
تبدو هنا جليّا ظاهرة الجدب-الإبعاد. ذلك أنّ مركزة السلطة تضع الخدم
والتابعين على هامش السيّد، على جواره وفي جانبيْه، مع العمل على تمكينهم
من قُرب متغيّر لكنه فعلي، جاعلا منهم جزءا منه، بل وباسطا عليهم أياديه،
أي قوّته التي هي ثمرة تراكم سابق لقوّة اليد وبطشها. كما يجعلهم في وضعية
الغموض بسبب الهشاشة المرتبطة بوضعيتهم الهامشيّة. وتشير كلمات «مجانبة»
و»جِنابا» و»جانَب»، أي التواجد بالجانب، إلى معنى مضادّ وهو الابتعاد.
«الجُنُب» في اللغة العربية هو المكان النائي، كل ما هو أجنبيّ. فللجانب
إذن معنى الابتعاد واتخاذ الحيطة والحذر.
وكما هو الشان بالنسبة للحاشية والبلاط، فإننا نجد في هذه اللغة المتعلقة
بالهامش، القُربَ والبُعدَ، الثقة والحذرَ، الحبَّ والكراهيةَ في الوقت
ذاته. منزعان اثنان متناقضان يخترقان هذا المعجم ويفسران التعارض الذي
يسكنه. فلكي يترسّخ المُلْكُ، فإنه يحيط نفسه منطقيا، لتعزيز مشروعيته
وسموّه، باللجوء إلى وضعيات تابعة، إلى خدم وحشم وتابعين من مختلف الأصناف
بمن فيهم العديد من الأجانب، لكن خارج أيّ أطماع محتملة إزاء العرش. فمن
جهة، لا يتواجد هؤلاء المنتسبون الجدد من أجل إسعاد القرابة البعيدة أو
القريبة، والتي تضمر لها احتقارا دفينا. ومن جهة ثانية، فإن المنتسبين
القدامى ، من خلال تعزيز مواقعهم، ونسيان أصولهم، يلجأون إلى كلّ أنواع
الدسائس والمكائد من أجل الحيلولة دون دخول منتسبين جدد. هذه الدينامية
التي تجعل الملك منفلتا من رقابة الدائرة الضيّقة، المتمثّلة في علاقة
الأبوّة، هي التي تفسّر، عبْر توسيع دائرة المنتسبين إلى القصر، لماذا
ينطوي المعجم المتّصل بمحيط الملك بالعديد من المتناقضات. وهذه المتناقضات
هي التي تترجم مجمل رالنزوعات والتّوترات التي تجري داخل محيط الأمير.
فالقادمون الجدد، الذين يوصلون الأخبار إلى الملك، ولا يُعرف من أين أتوا،
يحتقرهم أولئط الذين يعتبرون أنفسهم هم أقرباؤه الشرعيّون. ومن ثمّ فإن
فعل «جانب» معناه انتساب المرء إلى جماعة غريبة عنه. و»الجنابة» هي خلاف
القرابة. وهي مرادف للمنيّ وتحيل عادة على الشخص الناقص والمشين، والذي
يتعيّن عليه البقاء في مسافة بعيدة عن الآخرين، ولا يقترب حتى يتطهّر:
«وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا» (سورة المائدة، الآية 6). غير
أنّه يصعب تحقيقه التطهّر، إذا ما أخذنا في الاعتبار العلاقة الاجتماعية،
حين يكون الأصل الذي ينحدر منه الفرد أصلا وضيعا. لكن من الممكن أن يكون
هذا المعجم دالاّ على ظهور وتطور المُلْك، وعلى اتساع حجم الرئاسة
بانفلاتها من الإطار المحدود للقرابة والقبيلة، وإدماج شبكات التابعين له.
غير أنّ الأجنبيّ، الذي يلعب دورا مركزيا في هذا الانسلاخ، يكون محطّ شكّ
وريبة أيضا، مثلما توحي بذلك لفظتيْ «الأجنبيّ» و»الأجْنب» الذي لا يخضع.
كما نجد في هذا المعجم فئة الذين انسلخوا عن قبائلهم، ويوجدون خارج دوائر
التماسُك الكلاسيكية، أي أولئك الذين يُطلق عليهم اسم «المتفرّدون»،
والمستعدّون للاسترقاق. هم الذين يشار إليهم احتقارا بكلمتيْ «الجانب»
و»المُجتنَب».
لعبارة «الجَنَابُ الشريف»، إذن، تاريخ طويل خلفها. فهي توضّح مختلف مظاهر
تنظيم المَكانة المَلَكية، المكانة التي تتعلّق على وجه الخصوص بالعلاقات
بين جسميْ الملك. كما تعرض العبارة أيضا للعلاقة المركّبة التي يربطها هذا
الأخير بمحيطه، في تشكُّله وفي تطوّره.

1 ـ تاج العروس، الجزء الأوّل، ص. 378
2 ـ سورة النساء، اللآية 36
3 ـ ابن كثير، التفسير، الجزء ال,ل، ص، ص. 645، 647

إشارة :
نظرا لما عرفه هذا النّص من تجزيئ في الحلقة الثامنة، مما أثر سلبا على وحدته، فإننا نعيد نشره كاملا.
izarine
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1855
العمر : 60
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

القصر والسلطة والسماء...في جذور الخطاب الديني Empty في جذور مؤَسَّسَة العرْش

مُساهمة من طرف izarine في الجمعة 23 يوليو 2010 - 19:18

ماذا يعني لفظ
«العرش»؟ ماذا تخفي هذه الكلمة، ومعها مؤسسة العرش، بخصوص محتوى العلاقة
ما بيْن المَلِك ورعاياه، عندما نحرص على ملاحظتها في تشكّلها؟ في هذا
الأفق تكشف لنا العودة إلى المصادر، وخصوصا بفضْل الجذْر اللغوي
والاشتقاقات، أفضل من أيّة مقاربة أخرى، عن الأسس الحقيقية لتخليد ذكْراه.
يخلّد الاحتفال بعيد العرش حكم الملك وحكم عهد الأسرة المَلَكية. إلاّ أنّ
محتواه، ودلالته العميقة، تحجبها، في غالب الأحيان، الإدراك العادي
للمفردات المستعملة، وبخاصّة الإدراك العادي للعرش نفسه الذي يُنْظَر إليه
بصفته مكانا لجلوس الملك.
العرش رمز للقوّة التي لا تقبل النقاش، والتي تعززها الانخراط المقتنع
للساكنة. هو الصفة المركزية للجلالة التي لا يجادل فيها أحد. يخبرنا
النّصّ القرآني بأنّ:» الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة
أيام ثمّ استوى على العرش». فلا شيء يعبّر تعبيرا أفضل عن السلطة التي
تميّز السّيّد عن باقي الرؤساء والطامعين من كلّ الأصناف، من الجلوس على
العرش.
لا ينبغي أن ننسى بأنّ توظيف هذه الصورة المَلَكيّة للحديث عن الله، في
بداية الإسلام، يجد تفسيره أوّلا في الرغبة في استهجان وإبعاد الآلهة
العربية القديمة التي رفضتْها بشدّة الجماعات التي آلتْ إلى التوحيد.
فالله إذن هو العزيز القويّ، وهو مالك كلّ السُّلط بخلاف الآلهة الأخرى
التي لم يعد بإمكانها ادّعاءها. فالعرش هو رمز السلطة وعلامتها حيث تكون
لها السيادة. وحتّى يوم القيامة، الذي يكون فيه الله هو المَلِك الأوحد،
يتمّ التعبير عنه بالاعتماد على هذه الصورة، صورة السّيّد محمولا على عرشه
الذي تحملُه الملائكة من كلّ جانب. إنّ الاعتماد على هذا اللفظ للحديث عن
الألوهية يجد مبرّره في البُعد البعد الديداكتيكي في إبراز السّيادة
الإلهية، والكشف عن تشخيص ملموس لها. فالعرش بالفعل هو التّحكّم. ذلك أنّ
الجلوسَ عليه باعتباره سيّدا معناه أنّ سلطته توجد في أوْجها، وأنها بلا
مُنازع فوق كلّ السُّلط وكلّ شيء. ولا شيء آخر يمكنه التعبير بصورة أفضل
عن سلطة المَلِك من هذه الإحالة.
وقد كان مبعوثو الملك سليمان قد انبهروا بعظمة بلاط ملكة سبأ وقوّتها،
وعبّروا عن ذلك بعبارة:» لها عرش عظيم» (1) . تنحدر ملكة سبأ، حسب رواة
الأخبار، من سلالة تتكوّن من أربعين ملكا، سلالة طويلة تدعم وتقوي شرعيتها
الملكية. كما نقرأ في كتب التفسير وصفا لعرشها الذي «يبلغ ثمانين ذراعاً
في ثمانين، وسمكه ثمانين، وقيل ثلاثين مكان ثمانين، وكان من ذهب وفضة
مكللا بأنواع الجواهر، وكانت قوائمه من ياقوت أحمر وأخضر ودُرٍّ وزمرّد...»
العرش، حسب الإمام الرازي، «يعبر به عن الملك، يقال الملك قعد على سرير
المملكة بالبلدة الفلانية وإن لم يدخلها « (2) . العرش إذن ليس مجرّد شيء،
بل هو أساسا رمز المُلْك. وبالتالي فليس الهدف من وراء حجْمه وفخامته سوى
التعبير بشكل ملموس للشعب عن درجة السيادة والقوّة. في هذا السياق ينبغي
فهم الوصف الذي أُعطِي لعرش ملكة سبأ. وتبرز ذلك بشكل قويّ الإحالة على
فخامة العرش الإلهي: «وسع كرسّيه السماوات والأرض» (3) . صورة الكرسيّ
المَلَكيّ لا تُعتبر هنا سوى استعارة للتعبير عن السُّلطان والمُلك.
فالعرب يسمون أصل كل شيء باسم كرسي ؛ ثم إنّ الكلمة قد تشير حتى إلى شخص
الملك ذاته، مادام الأمر يتعلق بمقعده: « العرب يسمون أصل كل شيء
«الكرسي»، وتارة يُسمى الملك بالكرسيّ (4) . في الحقيقة، يفترض إدراك
مفهوم العرش تجاوز تمثّله المادّي المحْض. العرشُ الإلهيّ يرتسم في البعد
اللاّنهائي، وهو في اللغة العربية المرادف المثالي للعرش الدّنيوي. فالبشر
لا يعرفونه إلاّ من خلال الاسم. أما العرش المَلَكيّ، فإنه يجد كلّ هيبته
وفخامته، في هذا المنظور نفسه دائما، داخل هذا المفهوم بعيدا عن أيّ بُعد
مادّي. لأنّ من شأن هذه المادّية أنْ تختزله إلى مجرّد شيء ملموس، أيْ إلى
مجرّد «سرير»، وهو التعبير الأكثر استعمالا للحديث عن العرْش. ومن ثمّ،
فإنّ العَرْشَ المَلَكيّ، الذي يُعتبر أساسا وبصورة مثالية شيْئا
لامادّيا، يعاني بسبب تحوّله ذاته. ولهذا السبب بالضّبط ينبغي الوقوف عند
هذه الصعوبة المُلازمة للتشييء الذي يطمس معنى كلمة «عرْش»، وبالتالي تنقص
كثيرا من دلالة الاحتفال به حين نجهل أسسه.
ويوضّح تشكّل العرش المَلَكيّ هذه الوضعية. العرش عنصر يرتكز على الارتفاع
وليس على اليابسة؛ إنه بلا جدل، وبحكم أصله ذاته، فوق البشر. العرش يشملهم
برعايته، ويحميهم من الحرارة المفرطة للصحاري الموحشة بشبه الجزيرة
العربية. العرش يضمن الإبقاء على قيْد الحياة حيث الشمس القاسية بالنسبة
للفرد المعزول المحتاج إلى الرعاية. إنها سمات تُسند إلى الشخص الملكي،
والتي تأتي إليْه قادمة من بعيد. ويؤكد الاشتقاق اللغوي هذا التصوّر،
فالعرش هو السرير، والعريش «ظلة من شجر أو نحوه» (5)؛ كما يتحدثون عن
العروش، أو بيوت مكّة، مادام الجذر اللغوي يحيل على مدينة مكّة ذاتها (6 )
.
كما يدل العرش على الرأس. فبما أن كلمة «عرش» تسمح بالإشارة إلى الخيمة أو
البيت البدوي، وحتى إلى القصر، فإنه من الوارد جدا أنّ الكلمة انطبقت، في
البدء، على الأشدّاء الذين كانوا يهيْمنون على الواحات، ويمنحون المعوزين
الفقراء الطعام والشراب. هكذا يدخلون، باعتبارهم مموّني الظل، أي العلف
والرّعاية، إلى الرئاسة. إنّ أصل سلطتهم، هذه الوظيفة التوزيعية، أسندت
إليهم صفة «عرش» التي انتهت إلى الدلالة على السلطة لا غير، وبخاصة السلطة
العليا، سلطة الملوك، وبعدها سلطة الله. وهكذا، فإن العرش، بجميع هذه
الدلالات، يجب أن يحتفظ بمظهره الجوي وعظمته اللذيْن يسكنان التمثلات
الشعبية منذ البدء. وليس من باب الصدفة أننا نقول :»نزل الملك عن عرشه»
للتعبير في الوقت ذاته عن المكان السامي الذي يجلس فيه. فلا يتعلّق الأمر
بكرسيّ عادي، وإنما بعرش يغدو، عند تفكيك بِنْيته الجينيالوجية، علاقة
اجتماعية قويّة تعزّزها العلاقة المتبادَلة بين الملك ورعاياه. العرش هو
البيت، وبالتالي يعبّر عن وحدة الجماعة وملاذها. وهو بذلك يعمل على تكثيف
خصوصيتها وطبيعتها وخصائصها الثقافية، بل وحتى منطقتها الترابية. غير أنّ
البيت ليس فقط رمْزا لوجود حدّ ثقافيّ وفضائيّ، بقدر ما هو تعبير عن طبيعة
العلاقة بالمَلَكيّة وبالمَلِك. البيت هو مكان العائلة، وبالتالي فهو فضاء
تسود فيه علاقات القرابة كما يسود فيه قرْب كبير يكرّسه الوَلاء. وما يزال
هذا المعنى موجودا في بعض العبارات من مثل: «الدّار العالية بالله».
فالعرشُ ينطوي، في جذوره، هذا المعنى الذي توارى في التمثّلات الشعبية
أمام البريق المتزايِد للبيوت الَملَكيّة، وتوسّع الجماعات. ذلك لأنّ
العرش كان بكلّ بساطة هو ذلك البيت الكبير الذي يفتح أبوابه في وجه
التابعين له، أيْ منذ البدء في وجه الفقراء والمعوزين، والذي يوزّع دون
احتساب أيام المجاعة القاسية، ولا يترك الفقير محتاجا. فهذا السقف، وهذه
الرعاية، وهذا المَيْل الطبيعي نحو التوزيع، هو الذي كانت تشير إليْه في
البدء كلمة «العرش»، حتى خلال تكوُّن المَلَكية. ومن ثمّ، فإنّ المُلاحِظَ
الذي يختزل العرش في مجرّد كرسيّ، مهما كانتْ فخامته وأبّهته، لا ينتبه
إلى معناه الحقيقيّ الذي هو أساسه الحقيقيّ.

1 ـ سورة المرسلات، الآية 23
2 ـ الرازي، المجلد الثالث عشر، الجزء الأول، ص. 148
3 ـ سورة البقرة، الآية 255
4 ـ الرازي، المجلد الرابع، الجزء الأول، ص. 11
5 ـ جمهرة اللغة، الجزء الثاني، ص. 728
6 ـ كراع، ص. 105
izarine
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1855
العمر : 60
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

القصر والسلطة والسماء...في جذور الخطاب الديني Empty سبحان الله

مُساهمة من طرف izarine في الجمعة 23 يوليو 2010 - 19:20

يتناول
المؤمنون المثابرون والمتّقون، بالمسجد أو داخل بيوتهم، مسبحة في أيديهم
يُكرّونها بين أصابعهم، مردّدين عبارة «سبحان الله». وهي عبارة دعائية
تضبط الإيقاع اليومي للعديد من المسلمين. وهي مُستعملة ومكرّسة في الحياة
اليومية للتعبير عن دهشتنا أمام الأمور المفاجئة غير المتوقّعة، وعن
تعجّبنا من المعجزات التي نسندها كل يوم، إلى الله. إنها عبارة تشكّل
جزْءا لا يتجزّأ من الشعائر الدينية، ومن الثقافة كذلك.
غير أنّ هذه
العبارة اليومية باتتْ بمثابة ردّة فعل طبيعية يفرغها ويجرّدها من سحرها.
فعلى أيّ شيء تحيل عبارة «سبحان الله»؟ وما هو محتواها الحقيقيّ؟ وما
طبيعة العلاقة التي تقيمها مع ما هو ألوهي؟

من الدّنيوي إلى القُدسيّ

«سبحان الله» عبارة سابقة على الإسلام، في الخطاب اليومي وفي
الكتابات العربية. كما نجدها على لسان الشعراء في مدحهم كرم ومزايا
الشخصيات الاستثنائية. ومع مجيء الديانة الجديدة، سوف تحتل العبارة مكانة
هامّة داخل المعجم الذي تدور مفرداته حول العلاقة بما هو ألوهيّ، وتساهم
في بنائه، لكي تختفي تقريبا فيما بعد من اللغة اليومية، لغة الدّنيوي
وتستقرّ داخل القدسيّ. وبما أننا لا نتوفّر على فكرة دقيقة بخصوص كيفيّة
تشكّلها داخل سيرورة تشييد الصّرح السماوي، فإننا سنبحثُ عن ضالّتنا في
المفردات اللغوية، محاولين عدم البقاء سجناء المضامين التي يقدّمها رجال
التفسير.
تختصّ عبارة «سبحان الله» بإبراز السيادة الإلهية ووحدانية الله بصفته
خالقا للكون وسيّدا عليه. وهي تساهم في بناء مكانته الأحدية، مميّزة إياها
عن باقي القوى التي تتوق لبلوغ هذه المكانة. فالله هو الواحد الأحد، الذي
لم يلد ولم يتخذ له زوجة ولا شريكا. بعبارة واحدة، هو الذي لا يمكن أنْ
يشبه في أيّ شيء باقي السُّلط الدينية والسياسية السائدة خلال الفترة التي
جاء فيها الإسلام:»وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ
...» ( سورة الأنبياء، الآية 26). لا ينبغي أنْ ننسى بأنّ هذه المسألة،
التي قد تبدو عبثية بالنسبة لمؤمن اليوم، قد كانت تكتسي في تلك المرحلة
راهنية كبيرة، لأنّ التحوّل الذي الحاصل يومها كان يقوم على التعلّق بالله
تعويضا عن جميع الآلهة المعروفة. وبناء عليه، فإنّ هذا المعنى التأسيسي
الأوّل، الذي يستند على الواحدية والسموّ والاختلاف، سوف يترك مكانه
تدريجيا، داخل التّمثّلات الشعبية، للتسبيح فقط.

سَبَّحَ، سِباحة، حصانُ النّبيّ

ومع ذلك، فقد كان يتعيّن البرهنة هذه الفكرة البديهية لأولئك الذين
اعتنقوا الإسلام في بداياته الأولى، وذلك بوساطة التصوير الذي يرغب فيه
الناس. «سبحان» مشتقة من «السّبح» و»السباحة»، وهما معا كلمتان تشيران في
اللغة العادية إلى عملية «العوم». غير أنّ العوم يكون سطحيا أو عميقا، في
حين تقتصر «السباحة»، في نظر البعض، على السطح. إلاّ أنّ الأمر في الحقيقة
لا يتعلق بالسباحة بصورة مباشرة بقدر ما يتعلّق بالحصان. وهنا نذكر
«سبحة»، وهي اسم حصان النبيّ محمد الذي كان يمتطيه خلال معركة بدر التي
أسستْ لأمجاده، لكونه برهن على سرعة فائقة من خلال الامتداد الهائل
لقوائمه الأمامية (يديه) أثناء العدْو. كما أن جعفر بن أبي طالب كان يملك
بدوره حصانا بالاسم ذاته إلى جانب اسمه «البراق». و»السَّبّاح» كذلك هو
اسم آخر لحصان مشهور، مثل «السّبّوح». وهذا اللّقب هو الذي يُطلق على
مدينة مكّة (السّبّوحة)، مما يحمل على الاعتقاد بأنّ الاسم يشير إلى
دلالات الشَّرَف والصّفاء.
«السّبح» عموما هو حصان السباق، والتذكير بالسرعة هنا أساسي وهامّ، غير
أنّ الصورة تزداد دقّة أكثر من كلمة «السابح»، أي الحصان الذي يمدّ «يديه»
في اطلاقته. ويكاد يجمع رجال التفسير على الرّأي القائل بأن عبارة «سبحان
الله» تعود في الأصل إلى هذه الصورة: صورة السرعة في الحركة، والسرعة في
تنفيذ الأوامر. السرعة في الامتثال والخضوع لله هي التي يتمّ التأكيد
عليها في هذا المقام. فالحضان الذي يمدّ رجليه الأماميتيْن، يفعل ذلك كما
لو أنه يدخل أفقيّا في الماء بصورة أسهل. فهو ينطوي على نفسه، ويسجد
اتجابة وتلبية لأوامر سيّده. الصورة هنا قويّة للتعبير عن الامتثال
المطلق. فداخل مجتمع معجب بالحصان الأصيل، رمز الامتثال الذي لا تردّد فيه
تجاه السّيّد، تكون الرسالة الواجب بعثها واضحة هنا. ثم إن الحصان الذي هو
رمز للسرعة هو أيضا رمز كاف للشرف والانخراط في القضايا المقدّسة. لذلك لا
ينبغي للمؤمن إذن أن يعتبر امتثاله وخضوعه للعليّ القدير بمثابة احتقار له
وحطّ من قيمته، وهو الأمر الذي لم يكن، على أية حال، موجودا من قبل. سبحان
الله!
الأناقة والشرف عنصران أساسيان داخل هذا السّجّل. فالكلمة ترتبط داخله
بصورة غير مباشرة بواسطة لفظة «السُّبُحات» الإلهية، أو الأنوار الباهرة.
لسلطانه وجلاله. وفي هذا السياق يُروى عن المَلَك جبريل أنه قال: «لله دون
العرش سبعون حجابا ، ولو دنوْنا من أحدها لأحرقتنا سبحات وجه ربنا». ثمّة
انسجام في العلاقة المطلقة والتامّة بين المؤمن وبين ربّه، حيث أنّ النور
الإلهي يُلقى على من يسبّح له. وفضلا عن ذلك، تُطلق كلمة «سبحات»، بالجمع،
على تلك المناطق من جسم الإنسان التي لها اتصال مباشر بالأرض عند السجود.
وينبغي التذكير، في النهاية، بأنّ اللجوء إلى معجم لغويّ مرتبط بالوسط
المائي له رمزية كبيرة في التعبير عن السيادة الإلهية، لأن الماء هو
العُنصر الحيويّ الذي وضع عليه الله عرشه، أي مُلْكه. فالتحرُّك داخل
الماء معناه التحرّك داخل الحياة، أي داخل ما خلقه الله، وبالتالي معناه
التسبيح له وحمده على ما أعطى. ولهذه الغاية فإن جميع مخلوقاته تتحركّ من
أجله، مُسبّحة له في صلاتها.


izarine
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1855
العمر : 60
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

القصر والسلطة والسماء...في جذور الخطاب الديني Empty نظام سماويّ

مُساهمة من طرف izarine في الجمعة 23 يوليو 2010 - 19:21

غير أنّ التحرك
مع ذلك ليس متروكا للصدفة بقدر ما ينخرط في هندسة متمرْكزة حول العرش. إنّ
كلمتي:» يُسبّح» و»سَبَحَ»، التي توضّحها، تحيلان على النظام، وعلى مركزية
لا تقبل الفوضى في الامتثال والخضوع. من هنا يمكننا فهم الآية التي تقول:
«وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ» (سورة الأنبياء، الآية 33).
وفي هذا الإطار، فإنّ التبعية والثبات يطبعان المخلوقات المكلفة بإنجاز
مهمّتها، كلّ على حدة. لا يتعلق الأمر بمجرّد عملية ميكانيكية تخضع لها
الشمس والقمر، بل إنهما معا يخضعان لنفس المعاملة التي يتم التعامل بها مع
الكائنات الحيّة. لكنْ، ما أدْرانا إذا كان الاعتماد على هذين النّجمين،
وعلى انتظام حَرَكَتيْهما، مُوجّها بالأساس إلى البشر حتى يبيّن لهم الله
سلطانه المطلق على الكون، وحتى يذكّرهم بما يعنيه الخضوع والامتثال له.
فالسبح معناه هنا التحرك في السّكينة والخفّة بلا مقاومة ولا تردّد.
فداخل الاستقامة ووهب النفس بصفة مطلقة يتم التعبير عن الاعتراف بالإلهي
وتكريمه. فهما معا اللغة المشتركة بين جميع الكائنات الحيّة، واللغة
المشتركة للمادة التي تصلي هي أيضا دون أن نسمعها. ثم إنّ الحوْم هو كذلك
تجسيد للامتثال؛ وللتأكد من ذلك أكثر، يجب الحفر في اللغة الدنيوية.
فالخادم هو من يحوم حول الإنسان الذي يلبّي حاجياته، ويهرع مسرعا لخدمته.
هو الطائف ( وهذا الجانب يذّكرنا بطواف الحجّ)، الذي تجسّده هنا الملائكة
التي تحيط بالعرش الإلهي مسبّحة له: «وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ
مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ» (سورة الزمر،
الآية 75). إنها تنديد بارتداد بعض من المعتنقين الجدد للإسلام،
والمنافقين. فإليهم يتمّ توجيه مثل هذا التشخيص للإيمان الحقيقي. لكنْ،
إذا كانت حركة النجوم تعطي المثال الجيد على الامتثال، فإنّ الأمر لا
يتعلق بآلية تحكّمية صرفة، بقدر ما تتوجّه إلى مجتمع له قيمة الخاصة، وله
منطقه الخاص.

الصلاة والعقلانية التجارية
تحيل صورة النجوم في حركتها المنتظمة حول الأرض على تجاذب متبادل تتضمّنه
لفظتا «سبحان وحسبان»: الأخذ والعطاء، هذا ما يغذّي العلاقة ويرسّخها في
ديمومتها واستمراريتها. فالشمس والقمر اللذان يوجدان في تسبيح دائم حمدا
لله «الشّمس والقمر بحسبان» (سورة الرحمان، الآية 5). الكلمة التي تستعمل
للتعبير عن عملية الحساب هي «الحسبان»، سواء كجمع للحساب أو كمصدر. وإذا
كانت اسم « السّبّوح» في هذا السياق اللغوي هو أحد أسماء الله الحسنى،
الذي يحيل على القدسي، فإنّ «الحسيب» يشير إلى المتعهّد، أيْ المانح. إنها
كلمة مشتقة من الكرم أو «الحسب»، أحد أُسُس الشرف (1 ) فالغنى أو اليسر هو
الذي يؤسّس لمثل هذا النعت. وبالفعل، فإننا نجد « الحسب» في السيرة
النبوية بمعنلى الممتلكات واليسر. فالذي يتحكم في منح مثل هذه الألقاب
دائما هو الحساب الدقيق. فالحَسب هو ما يحسبه الرجل من مفاخر آبائه (2 ) .
يترتب عن قلب الكلمات قلب للأدوار. ومن ثم، فإذا كانت «سبحان» تعني
الاعتراف للسّيّد المطلق، فإنّ عبارة «حسبُك الله» معناها أنّ الله يعطي
ما يكفي بحساب «عطاء حِسابا» (سورة النبأ، الآية 36). ذلك أن القرآن
يتوجّه إلى الشعب في لغته مثلما يعنيه في ممارسته العقائدية. وهو هنا يأخذ
في الاعتبار ميولاته التجارية. «الحِسبة» هي فنّ تدبير الأمور التجارية
بالكثير من التّبصّر(3) . وفي هذا السياق يقال إنّ قبيلة قريش استمدّت
اسمها من طبيعتها كقِرش في تدبير الشؤون التجارية (لنذكّر بأن كلمة «قِرش»
في اللغة العربية تعني عملة مالية). ولم يخطئ النبيّ محمد حين تعاطى
بدوره، في بدايات حياته، للتجارة. ومن ناحية أخرى، فإنّ طقس التسبيح، الذي
يشير في الوقت ذاته، إلى الصّلاة والمِسْبحة، معناه كذلك أنْ يقوم المرء
بكَرِّ سُبُحاتها. يتعلق الأمر في الحقيقة بنوع من مَسْرحة للحساب،
وللعَدِّ، ينجزه المرء بيديْه. ويذهب بعض المفسّرين إلى انعدام وجود هذه
الكلمة في اللغة العربية القديمة، وأنها لم تظهر للوجود إلا في بدايات
الإسلام لتجسيد هذه الممارسة الدينية. المِسبحتان، أو الأُصبعان اللّذان
يكرّان المسبحة هما السبّابة والإبهام. وتوجد في النّصّ القرآني خمس سور
يُطلق عليها اسم «المُسَبّحات» بامتياز، كان يرتّلها الرسول قبل خلوده
للنوم، حسب ما ترويه كتب الحديث والأخبار. وهذه السور هي: ( الحديد،
الحشر، الصفّ، الجمعة، التّغابن). ومع ذلك تبقى الآية الأكثر إشارة إلى
التسبيح هي :»هو الأوّل والآخر، والظاهر والباطن» (سورة الحديد، الآية 3).
صحيح أنّ المجتمع المكّي كان فضاء للنشاط التجاري، غير أنه كان مفيدا على
وجه الخصوص للأرستوقراطية المكيّة. كان المجتمع بصفة عامة يعيش في وسط قاس
يعرف جفاقا دائما. وهكذا فقد كان هذه الترسانة اللغوية تأخذ في الاعتبار
صعوبة الحصول على العيْش. لكن «أحْسَبُ» و»حسب» لا يتمّ النظر إليهما من
هذه الزاوية فقط، على الأقل ليس على المدى القصير. إنهما يعنيان، عند
الحديث عن الفرد، إطعامه وإرواء عطشه. نحن مسؤولون أمام الله عن أفعالنا،
لكنه بالمقابل يعفو على الناس ويعطيهم الحياة والأمل.
وبالنسبة للمرتدّين والمنافقين، فإنّ اللفظ ينطوي على مضمون آخر أكثر
قساوة، ويتلخّص في الغضب الإلهي الذي يصل إلى حدّ الرجم بالنار. وبعبارة
واحدة، فهي عذاب يؤشّر مسبقا هنا على الأرض على عذاب جهنّم. نحن إذن دائما
داخل منطق الظهر والباطن بحكم أنّ نفس الكلمة، أو كلمات أخرى تنتمي إلى
نفس الجذر اللغوي تتضمّن أضدادا دلالية تبرز الوجه المتلألئ من السيف، أو
جانبه القاتل. هذه الحركة المنتظمة، المنخرطة في حساب كونيّ عامّ، هي
الحركة ذاتها التي يلخّصها التسبيح، وهي العبادة المتواصلة التي يُنصح بها
المؤمن. إن النموذج الذي يقدّم إلى المؤمن هو انتظام التسبيح والصورة التي
يعكسها. تتجلى هنا دينامية تعمل على إدماج مظاهر متناقضة في الظاهر، دون
أن تكون متناقضة في الواقع وهي: العطاء، الحساب، الاختيار الحرّ،
السُّلطان.

1 ـ لسان العرب، الجزء الأول، ص. 310
2 ـ لسان العرب، الجزء الأول، ص. 311
3 ـ منجد الأصمعي، ص. 101
izarine
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1855
العمر : 60
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

القصر والسلطة والسماء...في جذور الخطاب الديني Empty التحيّات لله

مُساهمة من طرف izarine في الجمعة 23 يوليو 2010 - 19:22

«التحيات لله الزكيات لله،
والصلوات والطيبات،
السلام عليك أيها النبي ورحمة الله و بركاته،
السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين،
أشهد أنْ لا اله إلا الله وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله».

نجد هذا التّشهّد في الحياة اليومية. فقد اعتاد عليه المسلمون، سواء
أكانوا يؤدّون الشعائر الدينية أم لا يؤدّونها. ومن الواضح الجليّ أنّ
الأمر يتعلّق بتقديم شكر وحمْد علانية للإله تختتمها الشهادة. لا يمكننا،
في حقيقة الأمر، الوصول إلى الإدراك العميق لغنى التحيّة الدينية،
وفائدتها التاريخية، إلاّ إذا عدنا بها إلى لحظة ميلادها، وإلى سياقها
التاريخي الذي ظهر فيه الله داخل فضاء سياسي وقدسيّ خاضع لسُلَط سابقة
عليه. وهذه الشهادة هامّة للغاية ليس فقط على مستوى إعادة تنظيم حقل
السلطة عبر إقفاله بواسطة العامل القدسيّ، بل هي هامّة كذلك بالنّظر إلى
العقليّات السائدة آنذاك، وإلى علاقتها بقضايا جوهريّة كالحياة والموْت،
والتي لا تزال راسخة إلى يومنا هذا.

عالم آخر أليف
عند مجيء الإسلام، في شبه الجزيرة العربية، كانت الموت مألوفة بين صفوف
ساكنة تقيم معها علاقة تابعة بقوّة للأصل وللشرط الاجتماعي. وقد كان
العالم الآخَر أقرب كثيرا مما عليْه الأمْر اليوم، في الزمان وفي المكان،
بل كان يطغى في بعض الأحيان على الواقع المعيش. وقد كان الإسلام يوصي
الناس بألاّ يذهبوا إلى زيارة المقابر بعد مغيب الشمس، خوفا من أنْ يقتات
منهم الموتى عند حلول الليْل. فضلا عن أنّ هناك كائنات حية أخرى غير بشرية
تسكن الأرض، وتدخل في علاقة مع الناس، بل وتتحدّث إلى بعضهم. هي نوع من
الوسائط من بينهم الكُهّان والشعراء المتّهمون بدخولهم في علاقة مع
الشيطان. لذلك كان ينبغي تجنّب أداء الشعائر الدينية في أيّة لحظة.
ولم يكن يبدو أنّ ديكور العالم الآخر يتواجد بعيدا عن الناس. فبعد وفاتهم،
كان الناس يسهرون على إبقاء دوابّهم بالقرب منهم، مربوطة إلى قبورهم.
وهكذا تتوفّر لهم، عند إعلان يوم القيامة، وبدون انتظار، دابّة يمتطونها.
لهذا السّبب كانتْ هذه الدّواب، التي يُحْكَم عليها بأنْ تموت وتبقى تنتظر
في صورة هياكل عظْمية، تُسمّى: «البليّة». معنى ذلك أنّ اليقظة كان
يُستشْعر بها كأنها قريبة جدّا، وأنّ العالم الآخر كان يعطي الانطباع بأنه
يقطُن في الجانب الآخر من القرية. ومن جهة أخرى، فإن الموتى لم يكونوا
يقطعون صلاتهم بوسطهم الأصلي. ومن جماجمهم أومن عظامهم كان يخرج طائر
يُطلق عليه اسم «الهامة» يمثّل ويجسّد، حسب البعض، روحهم. وكانوا يطلقون
عليه كذلك اسم «الصدى». وكانوا يزعمون أيضا أنّ هذا الطائر يخرج من رأس
القتيل إذا لم يُدرَكْ بثأره، فيقول: اسقوني، اسقوني! حتى يؤخذ بثأره.
هكذا كان مفهوما الحياة والموت جدّ متداخليْن ومتشابكيْن بصورة قويّة.
فبيْن انهار واللّْيل، كان يبدو أنّ الحياة والموت تتناوَبان وتتملّكان
الكائنات بشكل تناوبيّ. ومن ثمّ، فالفَجر، الذي يُعلن قُدوم النهار، هو في
الآن ذاته استئناف للنشاط وللحياة، وهو الذي يخرج الناس من الظلمة ومن
السّبات، على اعتبار أنّ هذا الأخير يُعتبر دخولا في عالم الموتى. إنّ
إعلان المساء بنور الشمس الآخذ في الاحمرار، والعلامات الأولى للظلمة
والعَتَمة غالبا ما تُقارَن باحتضار الموتى. إنه عتبة محمّلة بالخَوْف،
ولحظة تحوّل وقلب، بحيث تكون الشمس في مستوى القُبور كما لوْ أنها تستعدّ
لفتح نعوشهم.

اللاّمساواة أمامَ الموْت
لكن، يبدو أنّ الموت كانتْ تضرب في المقام الأوّل الفقراء والمحتاجين، أيْ
أولئك الذين كان المجاعة تتهدّد حياتهم. لقد بلغتْ سوء التغذية المزمنة
حدّا باتتْ معه الحياة والموْت منصهرتيْن عند هؤلاء الأشخاص أنفسهم الذين
أنهكهم الجوع، وصار الموت يتربّص بهم كل يوم. وبعد فقدان كلّ أمل في
الحصول على القوت اليومي، اضْطُرّت عائلات بكاملها الابتعاد عن باقي
العائلات وتغلق عليها خيامها لتترك للموت الوقت الكافي لاستكمال عمل
بُدِئَ من قبْل. غير أنه إذا كانت الموت لا قيمة لها بين المعوزين
والمحتاجين، فإنها كانت تعاش بصورة مجتلفة بين الأغنياء وذوي النفوذ. لقد
كانت تتسبّب في حزن كبير، وتضرب خيالهم كما لو لم تكن منتظرة بما يكفي.
وبدون شكّ، فإن شروط العيش الحسنة، والتغذية الغنية أكثر، والنظافة، كانت
على الأرجح عوامل مميّزة تتحكّم في العلاقة بالموت. فمن المؤكّد أن
الاستفادة من حياة مليئة بالملذات والعلاقات والتميّز تجعل أعدادهم كثيرة.
لذلك كانت الموت تقتصد في المساس بهم، بالقياس إلى باقي المواطنين،
وبالتالي تبعد عنهم شبحها، على الأقلّ في متخيّلهم. كانت العائلات الغنية
تعيش، إذن، مدّة أطول. من هنا تتضح صورة الدّابة المربوطة إلى قبر صاحبها
من أجل أن يواصل فيما بعد إيقاع حياة أفضل، وصورة الارتباط بالحياة الناتج
عنها. أما الحشود الغفيرة، فإنه يستوجب عليها التوجّه حفاة إلى مكان
القضاء والقَدَر.
في جميع الأحوال، كان الشَّرَف وطول العمر مرتبطيْن ببعضهما البعض داخل
عقليات ذلك العصر، واستمرّا مرتبطين ببعضهما مع الإسلام. وقد قيل في هذا
الصدد أنّ « أفضل الناس عند الله يوم القيامة المؤمن المعمّر». وتؤكّد
السيرة النبوية ذلك حين تقول:» خير الناس من طال عمره» (1). لذلك ليس من
الغرابة في شيء التعرّف، في كتب السّير والأخبار، على مدّة الحياة التي
قضاها عدد من الشخصيات البارزة. مثل تبّعان الفيزازي الذي دخل بلاط
الخليفة الأموي، وقال مجيبا على سؤال يتعلق بسنه: « لقد عمّرت أربعمائة
وعشرين حولا في عهد المسيح بن مريم، وستين حولا في الإسلام!». لنسجّل
عَرَضا بأنّ اسمه يوحي بتبوّئه مكانة جد عالية بين ذويه (2) . وقد كان عدد
من رجال التفسير الموثوق بهم يعْزُون إلى الأنبياء والرّسل أعمارا طويلة
جدّا تبدو لنا اليوم مثارا للسخرية. وهكذا فقد عاش آدم ألف سنة، بينما عاش
أبناؤه مآت السنين. وحسب عبد الله بن عباس، أحد دعائم السيرة النبوية، فإن
عمر النبيّ نوح بلغ ألفا وأربعمائة، دون أن يصل مع ذلك إلى عمْر الخدير
الذي يُقَدّر بآلاف السنين.

1 ـ الأبشيهي، المستطرف في كل فن مستظرف، الجزء الثاني، ص. 63
2 ـ تبع : هو لقب يطلق على ملوك اليمن.
izarine
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1855
العمر : 60
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

القصر والسلطة والسماء...في جذور الخطاب الديني Empty من خلود الملوك إلى خلود الله

مُساهمة من طرف izarine في الجمعة 23 يوليو 2010 - 19:24

طولُ العمر،
إذن ، جزْء لا يتجزّأ من الشهرة وذُيوع الصّيت. فهو يعبّر أحسن تعبير عن
الإحساس بأنّ الشرف، باعتباره نَسَبا متميزا ومختلفا، هو الذي يؤدي إلى
السلطة وإلى الخلود. ومن المعروف عن العرب، في مستوى آخر، أنهم لم يكونوا
يأخذون بعين الاعتبار إلا الأعمار التي تصل إلى مائة وعشرين سنة فأكثر. من
هنا يحفل التاريخ، كأخبار خرافية هنا، بقسط وافر من الأسطورة. غير أنه
يرصد علاقة الإنسان بالموت التي تسعى باستمرار إلى إبعاد حلولها. هكذا
تأخذ مُدَدُ الحياة الخارقة معنى بانخراطها في إطار هذا الصّراع الحادّ
ضدّ الموت، ونفيها داخل التمثلات الذهنية. والذي سيحلّ هذا الصراع الذي
طالما مزّق الإنسان، هو تكريس إله سام وخالد. فقبل الدخول في الحداثة، سوف
يعيد العالم الآخر إدماج الإنسان بصورة هادئة في بحثه عن الدوام.

من خلود الملوك إلى خلود الله

وفي التعبير عن هذه العلاقة، تعتبر اللغة جدّ كاشفة وموحية، وتبرز الملامح
المميزة للثقافة العربية في هذا الشأن. فلم يتمّ التعبير عن الخلود بوصفه
نفيا للموت، بالاغتراف من تربتها المعجمية الخاصة. ذلك أنّ لفظة « الموت»
توصف بها وضعيات يكون فيها الفرد مجرّدا من بعض قدراته، وغارقا في النوم،
في انعدام الحركة، أو على صعيد آخر، غارقا في الفقر. هذا الذّهاب والإياب
بين الحياة والموت، لايترك مكانة للفظ آخر كالخلود. هناك كلمات كثيرة
تستعمل للحديث عن هذه الحالة، ومن بينها كلمة « الخلود « التي تظلّ، مع
ذلك، ناقصة بحكم أن لها بداية. وهكذا، فإنّ المؤمنين، الذين كانوا فانين،
سوف يدخلون إلى الجنة لكي يعيشوا فيها خالدين. من هنا وصفها بجنة الخُلد.
تشير هذه الكلمة، في اللغة العربية، إلى الأشخاص الذين يشيخون، غير أنهم
يحافظون على علامات الشباب كالأسنان والشعر، وهي طريقة للخروج منتصرين من
تآكل الزّمن وزحْف الموت.
كلمات أخرى مثل» الدّوام «، التي لا تفترض وجود بداية، تم تخصيصها لله
وحده (1 ) . بيد أنّ الكلمة المخصصة للخلود، مع ذلك، هي « البقاء»، التي
هي ضد « الفناء». تشير الكلمة إلى وضعيتين متمايزتين: الوضعية الأولى هي
التي يكون فيها الخلود من مقتصرا على الواحد، هو الله الذي تعدّ صفة «
الباقي» اسما من أسمائه الحسنى. أما الوضعية الثانية، فهي التي تشير إلى
من يعيش بفضل شخص آخر، غير أنه معرّض للفناء في العمق (2) . إلا أن هذه
الكلمة تحمل في طياتها، بهذا المحتوى الذي يحيل على الباقي، بداية، أي
العدم الأوّليّ الذي يبدو أنه مافتئ متواريا في مكان ما بداخله. لكن، أليس
هو اللفظ الذي يلجأ إليه المسلمون في صلاتهم اليومية من أجل تكريس الخلود
الإلهي. نستعمل أحد مشتقات الحياة، وهو» التحيّة» ونرسّخه ونثبته لأنه كان
العمود الفقري في العبارة التي يُتًوَجّه بها لتحية الملوك لتكريس مُلكهم
وخلودهم.
التحيّة هي السلام اليومي الذي يتبادله العرب فيما بينهم. لكن، هل كان
الأمر دائما كذلك؟ وهل كان التعبير عنه دائما بهذا الشكل؟ التحية هي مرادف
« البقاء»، أي مرادف الخلود، وهي كذلك مرادف للملك. يقال «حياك الله «
للتعبير عن طول العمر أو المُلك. الظاهر أن هذه العبارة كانت توجه إلى
الملوك لتشيد بخلودهم! وبتملكها واستعمالها لنفسه، لم يعمل الله سوى على
تكريس ذاته بصفته ملكا للملوك، وبالخصوص بصفته سيّدا للكون في ديمومته.
لذلك فإنّ عبارة « التحيات لله» تعيد تأكيد السلطة الإلهية بكيفية مزدوجة:
من جهة، من خلال إسناد الدوام له، ومن جهة ثانية، من خلال إسناد الملك له.
فهي تنخرط، إذن، في سياق سيرورة احتكار اللغة التي تتحدث عن العلاقة
بالسلطة، بهدف اصطناع معجم خاص بالله، وإبعاد أيّ طامع آخر عنه، وخصوصا
البلاطات الملكية.
غير أن التعبير عن الخلود، في هذه الحال ليس مسألة سالمة من المخاطر،
وبالخصوص لأنه عوض تحديد الخلود باعتباره نفيا للموت، فإنه يتحدد من خلال
علاقته بالحياة، من خلال إطالتها. ومن الراجح جدا أن تكون مثل هذه
المقاربة ناتجة عن الرغبة الجامحة للملوك في إطالة أعمارهم، والعيش أطول
مدة ممكنة. وهو انتصار مسبق على الموت القاتل الذي يتهدد حياتهم اليومية.
من هنا انشغالهم الكبير والحادّ بالموت. وقد ترك مثل هذا الانشغال آثاره
في اللغة. وهكذا، فكلمة «الحيا»، بالنسبة للإنسان، معناها: طال عمره، لكن
دونما إشارة إلى تفاصيل أكثر بشأن هذا الطول.
و»الحيا» كذلك هو المطر الذي يعطي الحياة للأرض وللناس. «حيا» هو الرجل أو
المرأة التي عمرت طويلا، ويقال « ناقة مُحْي أو مُحْيية التي لا يموت أيّ
من أبنائها» (3) . وفعلُ «استحيى» يعني إعطاء الحياة لشخص مهدد عادة
بالموت. وأخيرا، فإن الله الخالد، يسمى الحي. يعرف القرآن حياة الخلد
قائلا : «وما هذه الحياة الدّنيا إلاّ لهو ولعب، وإنّ الدار الآخرة لهي
الحيوانُ لوْ كانوا يَعلمون « . ( 4)
ثمة مع ذلك سبب عميق من شأنه تفسير عدم تدخل الموت بصورة سلبية في تحديد
الخلود الذي يختص به الله. ففي المنظور الإسلامي للخلق، لاوجود لفراغ يسبق
الخلق، لأن الله هو السابق على كل شيء. لذلك لا يمكن تحديده إلا بحياته
الخاصة، التي هي الحياة الحقيقية التي لا يدركها الموت أبدا، الحياة التي
لا بداية لها ولا نهاية. فلا مجالَ، إذن، لترك الامتياز للملوك للاستفادة
من عبارة تذكر بالخلود الإلهي. لقد باتت « التحيّات» باعتبارها تحية علنية
يرددها المسلم يوميا امتيازا إلهيا صرفا ونهائيا.

1 ـ ابن عساكر، كتاب الفروق، ص. 126 وما بعدها.
2 ـ دون الدخول في تفاصيل تهمّ الفرد والنّوع، انظر: تاج العروس، الجزء التاسع عشر، ص. 209
3 ـ الزمخشري، أساس البلاغة، ص. 179
4 ـ سورة العنكبوت، الآية 64.
izarine
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1855
العمر : 60
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

القصر والسلطة والسماء...في جذور الخطاب الديني Empty آيةُ الحِجَاب

مُساهمة من طرف izarine في الجمعة 23 يوليو 2010 - 19:28

الحجاب وهيبْة السلطة

تتغذّى السلطة بالهالة التي تحقّقها وتمنحها المسافة، ومن ثمّ فإنّ حركة
الرسول هي بمثابة مديح للقرب وللعلاقات القوية والمتينة بين أعضاء ينتمون
لجماعة يوحّدها إيمان مشترك بالله ورسوله. الرسول هو مركز العبادة داخل
وسَطٍ تعمل فيه صحبة الرسول بصورة عائلية على تعضيد وتمتين وحدة الجماعة،
وداخل مجتمع قَبَلي فضلا عن ذلك، حيث القرابةُ والتحالفاتُ تأتي لتقوي
الإحساس بالانتماء إلى نفس العائلة. داخل هذا الوسط يعتبر القرب ضرورة لا
محيد عنها. فكيف يمكنُ إذن إقامة مسافة من أجل تحقيق الهالة إذا لم
يتحقّـق ذلك بواسطة الحجاب؟
إنّ سلطة محمّد لا تقوم أصلا على السّيف الذي يؤسّس علاقة قائمة على
القوّة، وإنّما تستمد مشروعيتها من الرسالة الإلهية. فداخل جماعته
الأوّلية، التي تتشكّل من صحابته والمقرّبين منه، تُعدّ الهالة النبوية،
والإيمان بأقواله وأفعاله، والإعجاب بالوحي، هي دعائم وأسس هذه السلطة.
فخصوصيةُ الدولة، التي تدين في وجودها لمجيء الإسْلام، ترتكز على السّرعة
الهائلة التي جرت بها الأمورُ. وبالفعل، يمكن للمرْء التنصيص على أنّ
البنيات المادّية والاجتماعية كانت هشّة. فلا شيء، في الحقيقة، كان
بمقدوره أنْ يدعم ويسند جهاز الدولة، أو أن يكون منبعها على كل حال، وذلك
في إطار اقتصاد رَعَوي بالأساس، مرتبط بالواحات، ولا تحتلّ فيه التّجارة
سوى مرتبة ثانوية. إنّ المجتمع القَبَلي، ورغم التراتبيات القائمة، لم يكن
بإمكانه كذلك أن يُفضي، من جهته، إلى مثل هذا التطوّر، وبمثل تلك السرعة
شبه المُذهلة. لذلك فإنّ العامل الدّينيّ هو الذي تحكّم في تحديد المجموع.
ولقد فعل ذلك من خلال تنشيط ودعم البنيات القائمة، ومن خلال تكوين مركزٍ
وسلطةٍ. إنّ ضعف البنية المنتجة، التي تطبعها العتاقة والهشاشة، تركت
الطريق مفتوحة لإمكانية محيدة هي إمكانية بروز تراتبية للدولة. ووحدها
السماء استطاعت أنْ تأخذ المبادرة من خلال الرسالة النبويّة. من ثمّ نفهم
بصورة أفضل، مطالبة سلطة الخلافة، فيما بعد، بمشروعية سماوية هي القاعدة
التأسيسية الحقيقة لها.
لقد كانت قوّة العامل القدسي كبيرة إلى درجة أنه سرعان ما ظهرت للوجود
تجليات سلطة الدولة. فالمغازي والفتوحات التي جرتْ لإخضاع القبائل
المجاورة، والفوارق التي برزت في محيط الرسول، والتي أمْلتها لعبة
التحالفات وتقسيم العمل، والإكراهات الضرورية المتصلة بالتنظيم، عملت على
فرض علاقة أخرى بالقائد. لقد خرج رجل الدولة من معطف الرسول. وبالتالي
فإنّ الحجاب يندرج في هذا الإطار. إنّ الزعيم الروحي، الذي سيصبح بفضل
الضرائب وغنائم الحروب والمعجزات، مركزَ إعادة التوزيع، هو كذلك مخطّط
انتشار الإسلام، والمُشرف الرئيسي على وضْع اللبنات الأولى لبناء صرح
الدّولة.
إنّ إدخال الحجاب بهذه الصورة المفاجئة والمباغتة، والحاسمة أيضا في
العلاقات الاجتماعية، لا يمكن أن تستمدّ تبريرها في مجتمع ما فقط من خلال
ضبْط العلاقة بالنساء. فلا يمكن للمجتمع أن يغيّر بهذه السهولة والسرعة
مثل هذه العلاقة بين عشيّة وضحاها، غير أنّ السلطة المنبثقة يمكنها تفسير
ذلك. نفس الآية القرآنية التي تشرّع للحجاب، تمنع على المسلمين كذلك
الزّواج بإحدى زوجات الرسول. مثل هذا الإجراء يتعدّى مسألة الحجاب النسائي
المحض، ليهمّ هِبَة الرسول، ووضعه الاعتباري الاستثنائي. مثل هذه التدابير
تضيف هالة على الإشعاع القدسي من خلال التأكيد على الفرق بين الرسول وبين
باقي جماعة المسلمين. لقد انتصر حجاب السلطة وخلق مسافة بين النبيّ وبين
المسلمين. وبالتالي، حتى الأقوياء، من بين سادة قريش، بات عليهم المكوث في
غرفة الانتظار من أجل الدخول لمقابلة النبيّ، ويقوم أحد خدّامه في الباب
بالإخبار عن الزائر، ممهّدا بذلك لمَقْدَم «الحاجب» في الإمبراطورية
القادمة. إن ظلّ معاوية، والطقوس المحيطة شخْص الخليفة، والذي يعتبره
البعض كانحراف في نمط الحكم الإسلامي، ترتسم ملامحه مسبقا في هذه الدولة
الفتيّة.
الدّيني الذي يلعب دور بنية تحتية
في الواقع، يتعلق الأمر بمنطق شمولي هو الذي يتحكّم في مختلف التدابير
والإجراءات التي تمّ اتخاذها بمناسبة زواج النبيّ بزينب بنت جحش. منطق
يعلن بالفعل الانتقال من القُدْسي إلى الدنيوي، من النبوّة إلى الدولة.
السلطة الكبيرة لمحمد ولرسالته كانت كفيلة بفرض مثل هذه الإجراءات، التي
كانت السلطة الدنيوية ستجد صعوبة كبيرة وعَنَتا، بكل تاكيد، في إدخالها،
وبكل تأكيد ليس في زمن قصير وقياسي. إنها حالة جدّ بليغة للأهمية
الاستراتيجة لما يمكن اعتباره بنية عليا. ذلك أنّ العامل الديني هنا لا
يلعب فقط دورا مركزيا بصفته إيديولوجيا، بل هو الأساس والبنية التحتية،
إذا صحّ القول، لإقامة الدّولة. لقد قامت قوّتها أساسا على تسريع الزمن،
وكذلك على إخفاء عجز البنيات المادية للإنتاج التي عادة ما تشكّل أساس هذا
التطور. إنّ إلغاء القواعد المعمول بها آنذاك المتعلقة بالتبني والنسب
الذي كان ينتج عنه، عبْر حالة زيد بن حارثة، يجد تفسيره في رغبة السلالات
المهيمنة في ألاّ تترك السلطة تسقط عن طريق الإرث بين أيدي الغرباء(1) .
إنّ منع الزواج من جديد بنساء النبيّ من رجال آخرين غيره، يجد تفسيره في
نفس الانشغال، أيْ قطع الطريق على كل مطالبة بالخلافة يمكن أن تستمدّ
مشروعيتها من قرابة مزعومة، بل وغير مباشرة بالرسول.
تدابير وإجراءات أخرى تدعو إليها آيات أخرى تعزّز هذه الفرضية المتعلقة
بالظهور المبكّر جدّا لسلطة دنيوية بواسطة القدسي. مثل هذه الملاحظة تعيد
النظر في النقاشات الدائرة حول «الديمقراطية» في اقتسام السلطة بعد وفاة
الرسول، بحيث أنّ أسسا للسلطة واضحة إلى حدّ ما وُضعَتْ في وقت مبكّر.
وهكذا، فإن سورة «الحجرات» تنطوي على عدد من من الأوامر التي تندرج في هذا
الإطار. فالآية الأولى هي بمثابة توطئة تنزع المشروعية على أيّ قرار يتمّ
اتخاذه بدون إذن من النبيّ، مما يعمل، بعبارة أخرى، على مركزة اتخاذ
القرار:» يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ
اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيم».
وفي الوقت نفسه تمّ تسنين العلاقة بالرسول:» يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا
تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ...» (2). إنّ
الآية، في حقيقة الأمر، تقطع مع الممارسات السابقة التي لم يعد منذ هذه
الوهلة معمولا بها. لم يعد مقبولا، كما يقول الشوكاني، مناداة الرسول
بالاقتصار على عبارة :»يا محمّد»، وإنما مناداته باحترام وتقدير بعبارة
«يا رسول الله»(3). إنه بروتوكول قيْد التأسيس بصورة تدريجية، رغم أنه لم
يكن يخرج عن إطار التقدير الواجب للنبيّ. لكن، في الواقع، كان الأمر يتعلق
بعهد جديد. والنص القرآني يعود بقوّة إلى «الحجاب» الذي أشار إليه في مكان
آخر: « إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ
أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ، وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ
إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ»(4). من
الرمزي هنا أن الكلمة المستعملة في هاتين الآيتين، كما في سورة الآحزاب،
ليست هي «البيت» وإنما «الحجرات»، الذي يدلّ مفرده «حجرة» على :»مساحة
مسيّجة بحائط». مما يعطي للحجاب المشَرَّع أيضا قوّة أكثر بتأسيس، من
الناحية الرّمزية، فضاء للسلطة خاصا به وملائما له. تتناول مختلف هذه
الأحكام والتدابير المحيطة بالرسول، إذن، علاقة بالسلطة لا تتّصل فقط
بالإطار الديني. وهناك آية قرآنية أوْضح في السورة نفسها من حيث تأكيدها
على أنّ الإيمان يتعدّى مجرّد الإسلام والامتثال، وبالتالي لا يكون إيمانا
حقيقيا إلاّ إذا كان بلا حدود: «قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا، قُل لَّمْ
تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي
قُلُوبِكُمْ» (سورة الحجرات، الآية 14). من هنا نفهم أنّ مفهوم العبودية
وحده هو الذي يناسب علاقة المؤمن بالإله.
1 ـ سنقف عند مفهوم التبنّي في الإسلام في إحدى حلقاتنا المقبلة.
2 ـ سورة الحجرات، الآية 2
3 ـ الشوكاني، فتح القدير، الجزء الخامس، ص. 83
4 ـ الحجرات، الآيتان: 4 و 5
izarine
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1855
العمر : 60
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

القصر والسلطة والسماء...في جذور الخطاب الديني Empty القُرْآنُ والمَرْأةُ

مُساهمة من طرف izarine في السبت 24 يوليو 2010 - 19:05

من بين
البراهين التي يقدّمها رجال التفسير، نجد الأطروحة التي تتحدّث عن التقدّم
الذي عرفته مرحلة مجيء الإسلام، مقارنة مع المرحلة السابقة التي لم تكن
تستفيد خلالها الزوجة ولا الأبناء من الميراث بأيّ شكل من الأشكال. فالآية
المشار إليها سابقا، بتركيزها على الانسجام مع العادات والتقاليد موحية في
هذا الشأن. وعلى أيّة حال، فإنّ النّصّ القرآني يشير إلى لا تكافؤ متأصّل
يضاعف منه لا تكافؤ آخر يؤسّسه القانون. وهنا يُعتبر لفظ «القيّوم»، الذي
يُستعمل لوصفه بليغا للغاية. ومن المثير للاستغراب أنّ مفسّري القرآن
ذهبوا يبحثون عن البراهين دون أنْ يتوقّفوا كثيرا عنده.

لا التباس في هامشيّة المرأة
يشير الفعل «قام»، حين يرتبط بالسّيد او الرئيس، إلى معنى «أخذ بزمام
الشيء»(1). إن هذه الآية، وهي تعتمد على كلمة تنتمي إلى نفس العائلة
اللغوية، تكرّس في الوقت ذاته وبصورة شرعية سلطة الرجال وأخذهم بزمام
الأمور. غير أنّ محتوى اللفظ ينطوي على أكثر من هذه الدلالة بكثير. ترتبط
كلمة «قوْم»، التي تولّد عنها اليوم النعت المشهور «قومية»، بالجماعة
والقبيلة والشعب. بعض اللغوييّن العرب يعرّفونه بصفته تجمّعا للرجال. ولا
يكاد يدخلون النساء ضمن هذا التجمّع إلا مواربة وبعد تردّد. أما البعض
الآخر، فإنه يبعدهنّ ولا يجعلهنّ عضوات كاملات العضوية في القبيلة أو
العشيرة!. وفي هذا الصدد يعوّل المفسرون على سورة من سور القرآن، في غاية
الأهمية على كلّ حال فيما يخصّ بروز الدولة: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا
مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا
مِّنْهُنَّ»(2). فالنساء اللواتي يتم ذكرهنّ معزولات، يوجدن في وضعية
خارجة عن مجموعة الرجال التي تحمل اسم «قوم»، أي القبيلة التي تمثّل هويّة
الجماعة. وفي هذه النقطة، يُعبّر الزمخشري، أحد كبار المفسرين الجديرين
بالاحترام، عن هذه الفكرة بوضوح قائلا:»القوم: الرجال خاصة؛ لأنهم القوّام
بأمور النساء»(3).
في الحقيقة، إنّ مؤهلاتهم الكبيرة، بالمقارنة مع الجنس النسوي، هي التي
أسّستْ انتماءهم إلى الجماعة، إلى القوْم. فهم من القوم بصفتهم فاعلين
كاملين مكلّفين بالسهر على استمرار ووجود الجماعة والدفاع عنها وبالتالي
تسييرها. إنّ كلمة «قوّامون»، بتعبير آخر، هي التي تولّت عنها كلمة
«قوْم»(4). نحن إذن أمام انعدام تكافؤ أعمق بكثير من ذلك الذي يتحدث عنه
عادة رجال التفسير، بما أنّ المرأة ليست عضوا كامل العضوية ضمن الجماعة
(القوْم) التي لا ينتمي إليها إلاّ الرجال فقطّ. المرأة رعيّة، ولا ترتبط
بالجماعة إلاّ باعتبارها تابعة ومُهيمَنا عليها. ومن جهة أخرى فإنّ
«الصَّداق»، بمعنى من المعاني، هو الثمن الذي يسمح بشرائها وجعلها مِلكا
للرجل. من هنا نجد أنّ الفعل «أَمْلَكَ» يعني «تزوّج»، بحيث أنّ الزوجة
تغدو مُلكا ومِلكا، أيْ ملكيّة(5). وذلك على الرغم من أنها من نفس المادّة
- «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا
لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ
فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ»(6) . فالظاهر أنها موجودة
من أجل أنْ تضفي السعادة على حياته. فالمَهر يجعل منها مِلكية مُكتسبة
مقابل أداء ثمن، خلافا للعبْد الذي يوصف في النّصّ القرآني بعبارة «ما
ملكتْ أيْمانكم»، أي ما اكتسبتموه بالقوّة، وبالقوّة الجسدية تحديدا.
الكلمة التي تعني «الطّلاق»، وهو ضرب من العِتق المؤقّت والعابر، والتي
تنتمي إلى معجم يُستعمل للحديث عن العبيد والأسرى، تذهب في هذا الاتجاه.
ومن المثير للاستغراب أن إحدى الكلمات التي تُستعمل لتوصيف القطيع من
الدواب، وهي كلمة «سِرْب»، يتم استعمالها كذلك، دونما تمييز لوصف
الحيوانات، وخصوصا الغزال والبقر والحمير والغنم أو النساء(7). وبالنسبة
لرجال ونساء تلك المرحلة، فإنّ هذا اللفظ، الذي كان مألوفا لديهم، لا
يُعبّر عن وجود قطيعة مع الماضي. بلْ إنّ النساء على وجه الخصوص لم يشعرْن
بنقصان السلطة الذّكورية.

رائدات الحركة النسوية في الإسلام
ممّا لا شكّ فيه أنّ التذمّر المعبّر عن انعدام التكافؤ بين الرجال
والنساء يصادف مجيء الإسلام. إن طريقة سرد الأحداث التي اعتمدها
الأخباريون والمفسّرون، في ذِكر أسباب النزول، تعطي الأولوية للحلقات
البارزة المرتبطة مباشرة بنزول الوحي وزمنه، وتتجاهل الأسباب العميقة. ومع
ذلك، يتبيّن من بين سطوره أنّ النساء حاولن إسماع صوتهنّ. ومن بين الأمثلة
على ذلك تلك الاحتجاجات المتكررة الموجّهة إلى الرسول. لا نتوفّر على
معلومات تتعلق بالممارسات السابقة على الإسلام حتى نحكم على حجم التغيّرات
التي طرأت على مكانة المرأة ووضعيتها. وفي هذا الصدد يكشف اللجوء إلى معجم
قديم دون شكّ عن ضآلة الإصلاحات المنتظرة.
يبدو الخطاب الصادر عن المحتجّات خطابا راديكاليا في بعض جوانبه. فهو لا
يندّد بانعدام التكافؤ فقط في اقتسام الميراث، باعتباره أمرا غير عادي، بل
إنه يعيد النظر في أسسه. إن النساء، اللواتي ينحدرن من نفس الإله، وينحدرن
من نفس الأسلاف يطالبن بالمشاركة في الغزوات، كما يطالبن بالاستفادة من
نفس الامتيازات التي يستفيد منها الرجال. مثل هذا الخطاب لا يعني البتة
حصول تقدّم مقارنة مع الوضعية السابقة للمرأة. من الوارد جدا أنه كانت
للمرأة العربية آنذاك انتظارات، وقد زرع الإسلام بالفعل بعضا من الآمال في
صفوف الفئات المقهورة، من بينها فئة العبيد، وفي صفوف النساء كذلك دون
شكّ. لقد كان الخطاب المساواتي قويا جدا خلال المرحلة الأوّلية لنزول
الوحي. ولقد ذهب الرسول إلى حدّ إرساء دعائم وأسس أخوّة تعطي الحق في
الحصول على الميراث بين صحابته مهما كانت وضعيتهم الاجتماعية. وهي الأخوّة
التي سوف يتمّ نسخها بسبب ضغوط الوضع الاجتماعي. وبالنسبة للنساء، وخاصّة
أولئك اللواتي ينتمين إلى عائلات الصحابة ودائرة المقربين من الرسول، فقد
كان من الواضح أنّ وفاءهنّ للدين الجديد، والتضحيات التي بذلْنها خلال
مرحلة الهجرة، والتخلّي عن الكثير من الامتيازات في سبيله، كانت عوامل
كفيلة بتبرير نوع من الاعتراف بالتزامهنّ، واحترام كرامتهنّ. علاوة على
الشعار الروحاني التي طبع الدعوة الإسلامية، كل ما يتصل به من شعائر
دينية. من هنا الكثير من الانتظارات المخفقة، الحاضرة بصورة ضمنية أو
صريحة في الاسئلة التي وجّهنها إلى الرسول. وقد بلغتْ قوّة البراهين
والأدلة المقدمة ضدّ الميراث والمعاملة السيّئة حدّا جعل تردّد الرسول في
تقديم أجوبته باديا للعيان. يتعلق الأمر، إذن، بضغط المجتمع الأبيسي الذي
كانتْ فيه الكلمة الأولى والأخيرة للرجال. من المؤكّد أنه في مثل هذا
المجتمع كان لا بدّ أن تعاني النساء إلى درجة أن يصل تذمّرهنّ واحتجاجهنّ
إلى تعليقات مفسري القرآن، وهم مقتنعون بدونيتهنّ. غير أن هذا لم يحدث عن
طريق الصدفة. فقد سمحت العلاقات بزوجات الرسول بتوفير محرّك فعّال للتعبير
عن هذه الاحتجاجات. فهؤلاء النساء نشأْن في ديانة جديدة، وتحت سلط جديدة
كانت تتطوّر تحت أنظارهنّ. ومن هنا على الأقلّ حصولهنّ على امتياز الإنصات
إليهنّ. ومن الأمثلة البارزة على هذا الإنصات ما صدر عن عائشة، أصغر زوجات
النبيّ، من عبارات صريحة وهي تتحدث عن الزواج واصفة إيّاه بالرّقّ. وقد
قالت في جملة قاسية لأحد المسلمين الذي أراد تزويج ابنته:»النكاح رقّ
فلينظرْ أحدُكم عند من يرقّ كريمته»(8). ثم إنها كانت هي الوسيط الذي أوصل
احتجاج «المجادلة» التي سُمِّيت سورة بكاملها باسمها. إلا أن هناك زوجة
أخرى لا تقلّ أهمية عن عائشة، وهي التي يرد اسمها في سياق أسباب نزول هذه
السورة. يتعلق الامر بأمّ سلمة. وهي هند بنت أبي أمية بن المغيرة، وقد
كانت امراة مشهورة بجمالها إلى درجة غيرة عائشة منها، لكن الأهمّ هو أنه
كان لها امتياز كونها متعلّمة، فضلا عن كونها ذات شخصية قوية بحيث كانت
إحدى المعارضات لعمر بن الخطاب الذي كانت تلومه بحشْر أنفه حتى في العلاقة
الزوجية داخل البيت النبوي. ثم إنها كانت تنحدر من أصل شريف، وكانت من
الأوائل الذين هاجروا إلى الحبشة قبل أن تلتحق بالمدينة. وبعد وفاة زوجها
في إحدى الحملات تزوّجها الرسول(9). ومن ثمّ، فإنّ تكوينها وأصلها
ومسارها، كلها عوامل تفسّر لماذا كانت هي الناطق باسم النساء، والمدافع
على قضيّتهنّ. لقد كانت بدون شكّ تقتسم معهنّ انجلاء الأوهام في العديد من
مظاهر الحياة الزوجية والمكانة التي أُعطيتْ لهنّ تدريجيا. ومن هنا يمكن
اعتبارها بالفعل واحدة من رائدات الحركة النسائية في الإسلام.

1 ـ الزمخشري، أساس البلاغة، ص. 690
2 ـ سورة الحجرات، الآية 11.
3 ـ الزمخشري، الكشاف، الجزء الرابع، ص. 356
4 ـ ابن الأثير، مذكور في: تاج العروس، الجزء السابع عشر، ص. 590
5 ـ لسان العرب، الجزء العاشر، ص. 494
6 ـ سورة الروم، الآية 21.
7 ـ ابن دريد، جمهرة اللغة، الجزء الأول، ص. 309
8 ـ ابن عبد ربه، العقد الفريد، الجزء السادس، ص. 86.
9 ـ عبد المنعم الهاشمي، أزواج النبيّ، ص، ص. 315، 350

izarine
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1855
العمر : 60
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

القصر والسلطة والسماء...في جذور الخطاب الديني Empty آية المجادلة

مُساهمة من طرف izarine في الإثنين 26 يوليو 2010 - 22:09

«قَدْ سَمِعَ
اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى
اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ
بَصِيرٌ»، ( سورة المجادلة، الآية 1).

تتجلّى أهميّة مثل هذه الآية، مرّة أخرى، في رصْد العلاقة بين الرجال
والنساء، وتدبيرها من طرف الدين الإسلامي في بداياته. معظمُ المصادر
القديمة تعود إلى عائشة زوجة الرسول لتحديد أصل هذه الآية. فسببُ ذلك هو
أنّ إحدى النساء، التي تُسمّى خولة بنت ثعلبة، جاءتْ تشتكي زوجها، أوس بن
الصامت، إلى الرسول، على إثر خلاف عائليّ معه. فحتّى اسم الآية القرآنية
يطرح مشكلا: هل يتعلق الأمر بِ «المجادلة» أو بالجدال، كما يقول
المفسّرون؟. مهما يكم من أمر، فإن تدخّل هذه الأخيرة يندرج في إطار
الاسنكار النسوي العام ضدّ الامتيازات الممنوحة للرجال، والإخفاقات التي تم
الإحساس بها في الوقت الذي كان الناس ينتظرون فيه من الديانة الجديدة
الشيء الكثير.

صوتٌ نسائي ناضج وملحاح
لم يكن اختيار اسم الآية من قبيل الصدفة. ذلك أن فعل «جدل» يعني الفتل
القويّ للحبل حتى يستطيع شدّ الدابة المشاكسة الحرون بسهولة. وهو يعني
بالخصوص التوفر على القدرة على مواجهة الصّعاب بعد الضعف الذي يحس به المرء
في البداية. تلك على سبيل المثال هي حالة الدابة الصغيرة التي وصلت إلى
السنّ التي تجعلها قادرة على السير وراء أمها في تنقّلاتها. وهكذا فإن
اللفظة ملائمة للمرأة التي تعبّرعن ارتفاع صوت المرأة مع مجيء الإسلام، وهو
الصوت الذي كان يرمي بشكل صريح إلى الحصول على حقوق تتماشى مع الآمال
المنتظرة. وهو الأمر التي يوحي به استحضار، عبر اللفظ، للحالات المتعاقبة
للاستقواء. ومن هنا فهو يعبّر بصورة ضمنية عن نضج يجعل المرأة قادرة على
مواجهة الرجل، والاحتجاج عليه ولومه. وبالفعل، فإنّ الجدل ترتبط جذوره
بالمواجهة والمقابلة الجسمانية التي تنتهي بإسقاط الخصم أرضا. «الجدالة» هي
الأرض التي تستقبل المنهزم. ومن ثم فالمجادِلة هي المرأة التي كانت عندها
الشجاعة والقدرة على التحكّم في الصراع. ويعكس استعمال هذا اللفظ من طرف
النص القرآني الصراع الشديد الذي لا تُعرف نهايته، وهوو صراع يتجاوز إطار
زيارة خولة للنبيّ لكي يعكس الصراع بين الرجال والنساء في تلك المرحلة.
وهنا تتجلى صعوبة الكشف عما هو صحيح وما هو خاطئ في هذا الجدال، وعن إرادة
الحسْم النهائية التي تفسّر التدخّل الإلهي ونزول الآية القرُآنية.
لكن، ماذا جرى أوّلا وقبل كلّ شيء بين المُجادة وبين الرسول؟ لقد قالتْ،
حسب ما يرويه الواحدي:» يا رسول اللّه أكل مالي، وأفنى شبابي، ونثرت له
بطني، حتى إذا كبرت سني وانقطع ولدي، ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك». وقد
ردّ عليها الرسول بأنها أصبحت محرّمة على زوجها الذي لم يعد من حقّه لمسها،
لكونها تلفّظ بكلة تعني الطلاق. غير أنها قالت بأنّ زوجها لم يتلفّظ بلفظة
«الظهار» التي تعني طلاقها، وبأنها تخاف على أبنائها من الضياع إذا بقوا
معها، ومن الجوع إذا بقوا مع والدهم، الأمر الذي يبدو أنه لم يقنع الرسول.
للوهلة الأولى، يبدو هذا الإلحاح من طرف الزوجة أمام موقف الرسول هو الذي
جعل من الحوار مجادَلَة، ومن ثمّ أنزل المَلَك جبريل هذه الآية(1) . ويبدو
كذلك أنّ عائشة، زوجة محمد، لم تسمع كلّ تفاصيل الحوار بينه وبين خولة. فقد
قالت: « إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى عليّ بعضه، وهي تشتكي
زوجها». وقد سارت الأمور، إذن، طبقا لما توحي شخصية الرسول وهيْبته.
فالحوار كتوم ولا يكاد يُسمع. وخولة تتحدث بنبرة المرأة المشتكية، المغلوب
على أمرها، إلى شخص يبوح له الناس عادة بأسرارهم. ثم إنها دخلت إلى مكان لا
حرج فيه لاستقبال امرأة أجنبية. وفي إحدى الروايات، نقرأ أنه حين وصلت
خولة إلى بيت الرسول وجدتْ فيه امرأة قامت بتسريح شعرها. بينما تقول رواية
أخرى بأنّ عائشة بنفسها هي التي غسلت لها شعرها(2) . وإذن فإنّ استقبال مثل
هذه الشكاوى كان يتمّ بدون إجراءات بروتوكولية، هذا في وقت بدأ فيه تنظيم
الدخول عند الرسول، ولم يعد استقبال المشتكين متروكا للصدفة.

تفسير قرآني يفقر النقاش
إذا كانت افتراضات اسم الآية القرأنية توحي بحدوث مفاوضات «قويّة» بين
المشتكية وبين الرسول، فإنّ الرواية التي تتحدث عن الاستقبال المخصّص
لخوْلة تبعث على التخمين بحدوث العكس. أيْ أنّ الجوّ كان ودّيّا ولا يعكس
أيّة مواجهة. ذلك أنّ سياق اللقاء يشير إلى كونها امرأة ضعيفة ومهانة من
طرف زوجها، وبدون ادعاءات كبيرة. وتتجلّى واحدة من بين التفسيرات المقدَّمة
في هذا الشأن في الطّابع غير المسموع، أو الذي أُريد له أنْ يكون كذلك،
للاحتجاج النسوي الذي عمل المفسّرون على إبعاده، وبالتالي لا نجد في ثنايا
تفسيراتهم سوى على القشور الخالية من أيّ جوهر.
إن خطاب رجال التفسير حول «الظِّهار»، الذي تعالجه الآية، ليست له وظيفة
أخرى سوى إبراز المعطيات الجديدة المتعلقة بتشريع العائلة، والقطع مع
الماضي الذي كان يبدو سيئا ومقززا وغير إنساني! وبالتالي فإن هذا الخطاب
يفرغ المناقشة، التي يشير إليها النص القرآني، من كلّ محتوى يتناسب مع
الآية.
فالحوار، ظاهريا، لا يتعلّق سوى بمسألة إجرائية فقط هي التي يختزلها السؤال
التالي: هل يُعتبر الظِّهار طلاقا أم لا؟ لقد تمّ اختزال الاحتجاج في
مجرّد شكوى واهنة. فرغم هجْرها من طرف زوجها الذي أدار ظهره لها، فإنّ خولة
لم تذهب، مع ذلك، إلى حدّ اعتبار ما تلفّظ به بمثابة تصريح بالطّلاق.
وبالتالي فما جاءت تشتكي منه هو فقط تلك المعاملة الخشنة التي اعتاد الرجال
أن يعملوا بها زوجاتهم في إطار العلاقة الزوجية. ومثل سائر النساء في تلك
المرحلة، كانت تعتبر أنّ الطلاق ليس مسألة بسيطة لها ولأبنائها. لذلك فإن
نزول هذه الآية يدلّ دلالة كبيرة على حجم هذه الممارسات، وبالتالي لا يمكن
جعلها مقتصرة على حالة خولة فقط. فضلا عن أنّ احتجاجها لا يتعلق بالطلاق
فقط، بقدر ما يمتدّ لمناقشة العلاقة الزوجية كلها، كما تشير إلى ذلك بعض
الروايات. تقول خولة إذن:» كُنْت عِنْده، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ
سَاءَ خُلُقه، قَالَتْ فَدَخَلَ عَلَيَّ يَوْمًا فَرَاجَعْته بِشَيْءٍ
فَغَضِبَ، فَقَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي قَالَتْ ثُمَّ خَرَجَ
فَجَلَسَ فِي نَادِي قَوْمه سَاعَة ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ فَإِذَا هُوَ
يُرِيدنِي عَنْ نَفْسِي قَالَتْ قُلْت كَلَّا وَاَلَّذِي نَفْس خُوَيْلَة
بِيَدِهِ لاتَخْلُصُ إِلَيَّ وَقَدْ قُلْت مَا قُلْت حَتَّى يَحْكُم اللَّه
وَرَسُوله فِينَا بِحُكْمِهِ قَالَتْ فَوَاثَبَنِي فَامْتَنَعْت مِنْهُ
فَغَلَبْته بِمَا تَغْلِب بِهِ الْمَرْأَة الشَّيْخ الضَّعِيف فَأَلْقَيْته
عَنِّي قَالَتْ ثُمَّ خَرَجْت إِلَى بَعْض جَارَاتِي فَاسْتَعَرْت مِنْهَا
ثِيَابًا ثُمَّ خَرَجْت حَتَّى جِئْت إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَلَسْت بَيْن يَدَيْهِ فَذَكَرْت لَهُ مَا لَقِيت
مِنْهُ وَجَعَلْت أَشْكُو إِلَيْهِ مَا أَلْقَى مِنْ سُوء خُلُقه قَالَتْ
فَجَعَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول « يَا
خُوَيْلَة اِبْن عَمّك شَيْخ كَبِير فَاتَّقِي اللَّه فِيهِ « قَالَتْ
فَوَاَللَّهِ مَا بَرِحْت حَتَّى نَزَلَ فِيَّ قُرْآن فَتَغَشَّى رَسُول
اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ يَتَغَشَّاهُ ثُمَّ
سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ لِي « يَا خُوَيْلَة قَدْ أَنْزَلَ اللَّه فِيك
وَفِي صَاحِبك قُرْآنًا» (3) . وأضاف الرسول قائلا:» مُرِيهِ فَلْيُعْتِقْ
رَقَبَة « قَالَتْ : فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه مَا عِنْده مَا يُعْتِق
قَالَ « فَلْيَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ « قَالَتْ : فَقُلْت
وَاَللَّه إِنَّهُ لَشَيْخ كَبِير مَا لَهُ مِنْ صِيَام قَالَ «
فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَسْقًا مِنْ تَمْر « قَالَتْ : فَقُلْت
يَا رَسُول اللَّه مَا ذَاكَ عِنْده»، فأجابها الرسول بإمكانية مساعدته في
هذا الشأن.
1 ـ الواحدي، أسباب النزول، ص. 322
2 ـ تفسير ابن كثير، الجزء الرابع، ص. 409
3 ـ نفسه، ص. 407
غدا: آية المجادلة (2)


izarine
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1855
العمر : 60
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

القصر والسلطة والسماء...في جذور الخطاب الديني Empty آية المجادلة

مُساهمة من طرف izarine في الثلاثاء 27 يوليو 2010 - 20:23

إذا تتبّعنا هذا الحوارَ، الذي جرى بين الرّسول وبين خولة المشتكية، يتبيّن لنا أنّ النقاش انصبّ بالخصوص على مستوييْن اثنين: من جهة، على طبيعة الخلاف، بحيث كان من الضروري معرفة هل كان الأمر يتعلق بطلاق أم لا. ومن جهة ثانية، بمسطرة رَأْب الصّدع وإعادة العلاقات الزوجية إلى نصابها. وعلى صعيد آخر، فنحن نعرف من خلال عدّة مصادر بأنّ الاحتجاج النسوي انصبّ على طبيعة العلاقة الزوجية نفسها، وانتقد بشدّة الامتيازات الممنوحة للذكور.

مشجبُ الجاهلية
يستمد التشريع الجديد، الذي كان في طريق بلورة أُسُسِهِ، شرعيتَه من خلال استهجان الممارسات السابقة على الإسلام، وهي الممارسات التي ترويها لنا كتب التفسير والأخبار ذاتها بتفصيل شديد. فآية المجادلة تدعو، عبْر إدراجها للاحتجاج النسوي، إلى إنصات أفضل للمرأة، لكن بدون توجيه الاتهامات للماضي بصفة كلّية. فمن خلال إشارتها إلى بعض الأشخاص، سواء أكانوا أبطالا سلبيين أو إيجابييّن، فقد أرّخت هذه الآية لحدث معيّن، وجعلتْ منه لحظة تأسيسية. فهي إذن طريقة للمطالبة بإحداث قطيعة مع الماضي، مع مرحلة الجهل. وهي القطيعة التي لم تكن نتيجة نضْج في البنيات الاجتماعية بقدر ما كانت نتيجة ثورة تنتمي إلى البنية الفوقية.
وفي هذا السياق يقول مجاهد على لسان ابن عبّاس:» أوّل من ظاهَرَ من امرأته أوس بن الصّامت أخو عبادة بن الصامت, وامرأته خولة بنت ثعلبة بن مالك. فلما ظاهر منها خشيتْ أن يكون ذلك طلاقاً, فأتتْ رسول الله صلى الله عليه وسلم (...)» (1). وهكذا اعتبر الله أنّ الظّهار لم تعد له قيمة الطلاق كما كان الشأن من قبل. ولكيْ يضمن استمرارية معيّنة مع الممارسات الاجتماعية السابقة، فقد فرض على من يتلفّظ به الكفّارة بحسب منطوق الآية(2).
ومع ذلك، فإنّ معظم الروايات التي توردها كتب التفسير تبدو متناقضة. فالزّوجة، في بعض الروايات، هي التي امتنعت لزوجها ولجأت إلى الرسول. بينما تقول روايات أخرى بأنّ الزوج الذي كبحه المنع الذي تسبّب فيه تصرّفه، هو الذس دفعها شخصيا إلى الذهاب لمقابلة الرسول. في الحقيقة، يتعلق الأمر هنا بمجموعة من المسلمين الذين كانوا يبحثون عن أنفسهم، وبصفة خاصة النساء اللواتي يبحثن عن وضع اجتماعي أكثر كرامة، والذي أوحى به الدين الجديد في بداياته.
فعلى أنقاض الصورة التي قدّمها الإسلام نفسه، إذن، عن التشريع اليومي والقَبَلي الذي السابق عليه، بنى جزئيا على الأقل إسهامه الجديد. فهو يقدّم صورة الرجل الحرّ في أفعاله وحركاته داخل البيت، والذي يمكنه في أية لحظة شاء، وبدون أي شكل من أشكال القانون، أن يطرد زوجته. وقد استعمل الإسلام هذا النموذج كتعلّة، لكن دون أن يغيّر بصورة جذرية مثل هذا الامتياز، سوف يتدخّل الإسلام أساسا على مستوى الإجراء بتدخّل للقاضي في تبليغ قرار الطلاق، وفي تخصيص نفقة للأطفال. لكنه لم يُعِد النظر في امتياز الزوج الذي يمكنه أنْ يطلّق زوجته متى شاء.

وراء الطلاق، يتعلق الأمر بالوضعية
في الوقائع، يمكن التشكيك فيما إذا كان «الظِّهار» طلاقا بالفعل. والأمر نفسه يتعلّق بالإلاء المذكور في القرآن: «لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ»(3).»الإيلاء» هو أن يحلف الرجل على امرأته أنْ لا يقربها، ويتطلب التراجع عنه الكفّارة. وقد روتْ بعض زوجات كيف أنّ الرسول نفسه نطق بالإيلاء(4). ومن المرجّح أنّ الطلاق، كما هو معروف كلاسيكيا في الإسلام إلى اليوم، كان موجودا من قبْل. لقد نَجَم عن شكل من أشكال العتْق المؤقّتة، وكان يسمج للزوج بتطليق زوجته مع المحافظة على حق عليها يخوّل له في حالة رغبته هو بإرجاعها إلى البيت. من هنا كانت الكلمة التي تُستعمل للمرأة المطلّقة (الطّليق) هي نفسها التي تُستعمل للعبد المُعتق بصفة مؤقّتة. الظِّهار كان بمثابة توقيف مؤقّت للعلاقة الجنسية مع الزوجة التي تقدّمت بها السّنّ، أو تلك التي فقدت بريقها وحيويتها من كثرة الولادة المتتالية. وفي هذه الحال، يمكن أن يؤدّي الأمر إلى نوع من الطلاق تحتلّ من خلاله الزوجة وضعية جديدة موازية لوضعية «الأمّ».
ومع ذلك، فإنه ينتمي إلى نفس المنطق الذي ينتمي إليه الطلاق بحيث يعرّي الوضعية الحقيقية للزوجة، ووراءها وضعية المرأة بصفة عامّة. صحيح أنّ كتب التفسير لا تشدد على الكلمة في حدّ ذاتها، بل تشدّد على العبارة التي يتلفّظ بها الزوج بهذه المناسبة، وهي عبارة:» أنْتِ عليَّ كظهْر أمّي». ومعنى هذا بصورة صريحة أنه يمنع نفسه، بكيفية مؤقّتة أو دائمة، من كلّ علاقة زوجيّة مع امرأة تكون عنده في البيت بمثابة أمّ له. ثمّ إنّ هذا الالتباس مع الأمّ لا يكتسي أيّة دلالة إلا بقيت الزوجة دائما في بيت الزوجية، وهو الأمْر الذي يعني أنّ «الظِّهار» لا يعني ما يعنيه الطلاق، ولا يمكن أنْ يلتبس به.
وإذا تركنا جانبا هذا المظهر، فإنّ الظِّهار يكشف النقابَ عن دور المرأة في المجتمع العربي في تلك المرحلة التاريخية. فالظّهار مشتق من الظّهر الذي هو عكس البطن. هذا الأخير يشير إلى المركز، مقارنة مع المحيط والهامش، إلى الداخل مقارنة مع الخارج، وإلى القريب مقارنة مع البعيد. من الواضح أنّ المرأة المقصودة بالظهار يتم إبعادها، وإنزالها إلى مرتبة ثانوية داخل البيت، وبالتالي يتمّ إبعادها من فراش السيّد. يتعلّق الأمر إذن بتغيير للوضعيات داخل البيت وليس بعملية إبعاد نهائية. سوف يقتصر دورها من الآن فصاعدا على تربية الأولاد، والمساهمة في تحمّل أعباء البيت. وفي هذا السياق، فإنّ «الظُّهر» مرادف ل»الرِّقاب» أو الدّواب، أو الإبل بكل بساطة. و»الظَّهر» أيضا هي الجرّة القديمة التي نضعها جانبا لأننا لم نعد في حاجة إليها.
غير أنّ هذا اللفظ الذي يحيل على الوَهَن وفقدان الأهمية، لا يحمل أبدا على افتراض الانفصال عند الحديث عن المرأة. إن الكلمة، في الحقيقة، تشير إلى الغِنى والدّعم والعون، والزوجة باعتبارها أمّا للأطفال ومساعدة في البيت، تبقى دعْما كبيرا لربّ البيت، لكنها تكبر مع الأبناء. وبخصوص العلاقة مع الزوج، فقد كان الظَّهر يحيل على العلوّ5، أي يحيل على العلاقة القائمة بين الرئيس ومرؤوسه. فأنْ يركبَ الزوج زوجته كما يركب الدّابة، فذلك يفسّر اللجوء إلى هذه الصورة. إنّ توسّل الأمّ يبعد علاقة الملكية هذه من العلاقة الجنسية. ووراء القضايا والأسئلة المرتبطة بمحتوى هذا اللّفظ، أو بالعبارة التي تتوسل بها، فإنّ المشكل الذي تطرحه آية المجادلة يندرج في إطار النقاش الدائر حول قضايا تتعلق بالنوع، وهي القضايا التي هزّت الإسلام في بداياته. إنّ أهمية مثل هذه الملاحظة تتجلى في التنصيص على أنّ النساء لم ينتظرْن الحداثة للمطالبة بحقوق كانت تبدو لهنّ مشروعة في البداية.

1 ـ تفسير ابن كثير، الجزء الرابع، ص. 408
2 ـ « وكان الظهار عند الجاهلية طلاقاً فأرخص الله لهذه الأمة وجعل فيه كفارة ولم يجعله طلاقاً كما كانوا يعتمدونه في جاهليتهم»، نفسه .
3 ـ سورة البقرة، الآية 226.
4 ـ تفسير ابن كثير، الجزء الأول، ص. 350 .
5 ـ فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا»، سورة الكهف، الآية 97» .
izarine
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1855
العمر : 60
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

القصر والسلطة والسماء...في جذور الخطاب الديني Empty المرأة حرْث(1)

مُساهمة من طرف izarine في الأربعاء 28 يوليو 2010 - 19:06

مسألة نوع أمْ
موقع؟
نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ(...) ،
(سورة البقرة، الآية 223).

يتعلق الأمر هنا بآية قرآنية تتناول موضوع العلاقة الزوجية من زاوية
علاقاتها الحميمية، أي من زاوية العلاقة الجنسية. وهي آية معروفة بين
المفسّرين بكونها من الآيات الأكثر شهرة من بين الآيات التي تتطرّق لمسألة
الإتيان من الدّبر. ففي هذا الأفق على الأقلّ يتجلّى الجدال بين مختلف رجال
التفسير. لكن يبدو لنا، مع اتخاذ المسافة الضرورية ، أنّ القيام بقراءة
متنبّهة أكثر تهتم بصورة المرأة في المجتمع العربي آنذاك، وبالتالي الزاوية
التي من خلالها يتمّ النظر إلى وضعيتها عند مجيء الدين الإسلامي، من شأنها
أن تكون قراءة خصبة إلى حدّ كبير. لكن أوّلا وقبل كلّ شيء ما هي الظروف
والملابسات التي نزلت فيها هذه الآية؟

دحض الخطاب المتشدّد وخطاب النزعةالنسوية
في المؤلفات التي تتحدث عن «أسباب النزول»، كما هو الشان في سائر كتب
التفسير والأخبار، تتعدّد السياقات التي يتمّ عرضها، وإنْ كانتْ أحيانا لا
تختلف إلاّ في بعض التفاصيل الطفيفة. غير أنّ السياق الأكثر موضوعية، في
نظر الكثيرين، هو الذي يرتبط بوصول الأفواج الأولى من المكّيّين الذين
العتنقوا الإسلام إلى المدينة.
بحكم قرب القبائل اليهودية في شبه الجزيرة العربية، ومختلف التأثيرات التي
نجمت عن هذا القرب على القبائل العربية المجاورة، فإنّ عددا من الناس راحوا
يستفسرون عن بعض القضايا التي يبدو أنها نتجت عنه. ومن ثمّ، فإنّ واحدة من
الروايات المشهورة تقول إنّ اليهود كانوا يتذرّعون فيما يخصّ العلاقة
الجنسية مع المرأة المستلقية على بطنها، مع الإيلاج من فرْجها، بأن ذلك
ينتج عنه طفل مصاب بالحَوَلِ. لذلك ذهبوا لكي يطمئنوا عند الرسول ما إذا
كانتْ هذه الوضعية حلالا أم حراما. وحسب رواية أخرى يؤكّد صحّتها البخاري،
يقول مجاهد :» عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته
أوقفه عند كل آية منه فأسأله عنها حتى انتهى إلى هذه الآية (.. نِساؤُكُم
حَرثٌ لَكُم فَأتوا حَرثَكُم أَنّى شِئتُم..)، فقال ابن عباس: إنّ هذا
الحيّ من قريش كانوا يتزوجون النساء ويتلذذون بهن مقبلات ومدبرات فلما
قدموا المدينة تزوجوا من الأنصار، فذهبوا ليفعلوا بهنّ كما كانوا يفعلون
بمكة فأنكرن ذلك وقلن: هذا شيء لم نكن نؤتى عليه فانتشر الحديث حتى انتهى
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى في ذلك (.. نِساؤُكُم
حَرثٌ لَكُم فَأتوا حَرثَكُم أَنّى شِئتُم)» (1). ويضيف ابن عباس موضّحا
أنّ «الحرْث» في هذه الآية يشير إلى العضو الجنسي للمرأة، مهما كانت
وضعيتها «إن شئت مقبلة وإن شئت مدبرة وإن شئت باركة وإنما يعني بذلك موضع
الولد للحرث». وهنا من يربط أسباب نزول هذه الآية كالعادة بالخليفة عمر بن
الخطاب الذي يبوح للرسول بالأمر ومتسائلا عن الوضعية الجنسية الملائمة.
لا بدّ من التذكير بأنّ هذه الآية قد أثارت جدلا كبيرا. فالحرث أوّلا
هو الزرع، الذي تعتبره الكثير من كتب التفسير هو الحقل الذي تمّ زرعه،
وذلك بحُكم أنّ المرأة التي تحمل وتلد فإنها توصف بنفس الكلمة « وإنما عني
بـ « الحرث » المزدَرَع، و« الحرث » هو الزرع، ولكنهنّ لما كن من أسباب
الحرث، جعلن « حرثا » (2 ) . غبر أنّ شهرة هذه الآية لا تأتي من وصف
المرأة، بقدر ما تأتي من عبارة « فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ»
التي تثير مشكلا في الفهم والتأويل. وقد تركّز النقاش حول مسألة الإتيان من
الدُّبر، بحيث أن الصياغة اللغوية تجعل الشكّ يحوم حول منعه أو تحريمه.
لذلك راح المفسّرون يبحثون عن تأويلاتها في العديد من المبررات التي تبدأ
من اللغة لتنتهي إلى الثقافة، أو يعتمدون بكل بساطة على الإيمان لكي يحسموا
في هذا الإشكال. إنّ الفعل «آتُوا»، في السياق الذي يهمّنا» يعني في
الحقيقة «الوطء، والجماع»، غير أنّ الذي يطرح مشكلا ليس هو فعل «آتوا»،
وإنما عبارة «أنّى شئتم»، التي لا ندري هل نؤولها بمعنى «كيف» أو «متى».
لكن مهما كان الوجه البلاغي الذي نستند إليه في الفهم والتأويل، فإنّ ما
يرتسم جليّا هو الإتيان من الدّبر كمسألة مركزية تتناولها هذه الآية.
ومعظم المفسّرين يذهبون هذا المذهب. ومن ثمّ، فعبارة «أنّى شئتم» تهمّ
مسألة الاختيار بين الأوضاع المفضّلة أثناء العملية الجنسية، وليْس قضية
إتيان المرأة من فرجها أو من دبرها. ومع ذلك، فرغم أنّ هذه الخلاصة تقول
بها أغلب كتب التفسير، إلاّ أنها ليست محطّ إجماع. ذلك أنّ تفسيرات أخرى
تقول إنّ الاختيار لا ينصبّ على كيفيّة الجماع، وإنما على وقته وزمنه، أي
أنّ العبارة تعني حرفيا «وقتما شئتم»(3). هذا في الوقت الذي يقبل فيه آخرون
المعنييْن معا في الوقت ذاته! ومهما يكن من أمر، فإنّ الإتيان من الدُّبر
يبدو واحدا من الأسباب الكبرى وراء نزول مثل هذه الآية. كما يبدو أن هذه
الممارسة كانت جدّ منتشرة، الأمر الذي جعل منها موضوعا لكلّ هذا الجدل.
وهناك شخصيات بارزة من بين رجال التفسير تقول بشرعيتها وبالتالي تجد في
الآية نوعا من الرضى والارتياح. بل هناك من يذهب إلى حدّ إسناد هذا الحكم،
لكن بدون تقديم أدلّة وبراهين عليها، إلى الإمام الشافعي والإمام مالك،
وهما من أعمدة الفقه الإسلامي، ويُنسَب إلى الإمام مالك أنه ضمّن ذلك في
مؤَلّف يحمل عنوانا مفردا هو « كتاب الأسرار»(4). وقد كانت الممارسات
الجنسية المعروفة مع السّريات تبدو مألوفة وعادية. لذلك لم يكن من قبيل
الصدفة أنْ يُطلق عليْهنّ اسم « السّرّيّات»، أي اللواتي نقيم معها علاقات
سرية غير رسمية. وثمّة كلمة يستعملونها في هذا الباب للإشارة إلى إتيان
المرأة من دبرها، وهي كلمة «التّحميض». من هنا قولهم «إنا نشتري الجواري
فنحمض لهنّ، قال : وما التحميض ؟ قال : نأتيهن في أدبارهن»(5). إنّ استهجان
الإتيان من الدّبر من طرف النّصّص القرآني هو الذي نجده في ذمّ قوم لوط،
على الرّغم من أنّ هذا الذّمّ يهمّ العلاقة المِثْليّة أكثر في حقيقة
الأمر» وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا
سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ، إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ
الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ
مُّسْرِفُونَ»(6). هذا في الوقت الذي لا تذمّه الآية 222 إلا بصورة غير
مباشرة، وتدعو إلى عدم مجامعة المرأة من فرجها (مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ
اللَّهُ) إلا بعد انقضاء فترة الحيْض(7). فبما أن العلاقة الجنسية ممنوعة
خلال فترة الحيض، فمن الواضح أنّ هذه الطريق هي وحدها المخصّصة لهذه
العلاقة بحسب التشريع الإسلامي.


1ـ الواحدي، أسباب النزول، ص. 64
2 ـ تفسير الطبري، الجزء الثاني، ص. 404
3 ـ نفس المصدر، ص. 406.3
4 ـ الشوكاني، الفتح القدير، الجزء الأول، ص، ص. 284، 287
5 ـ تفسير الطبري، الجزء الثاني، ص. 407
6 ـ سورة الأعراف، الآيتان 80 و81
7 ـ « وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ
النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا
تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ
يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ»، سورة البقرة، الآية
222 .

izarine
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1855
العمر : 60
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

القصر والسلطة والسماء...في جذور الخطاب الديني Empty المرأة حرْث (2)

مُساهمة من طرف izarine في الخميس 29 يوليو 2010 - 18:04

نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ... ، (سورة البقرة، الآية 223).

إن الاستدلال الأساسي ضدّ إتيان النساء من الدّبر، عند المفسرين، يبقى هو
المرجع الأساسي بالنسبة للولادة، ولمسألة أن الرحم هو وحده الذي يمكنه أن
يؤدي إلى الولادة، بعد أن يتلقى السائل المنوي، أيْ البذرة، من الذكر الذي
يزرعها. ومن ثم فإ المرأة يُطلق عليها «الحرْث» التي تنتظر البذرة والزرع،
يغدو رحمها، كنا يشير إلى ذلك النص القرآني صراحة، بمثابة السبيل الوحيد
المخصص للعملية الجنسية. من هنا أهمية محتوى ودلالة هذا اللفظ، لفظ
«الحرْث» بحكم الوزن والثقل الاستدلالي الذي يلعبه في هذا الشأن.
ومع ذلك، فهناك أسباب أخرى ممكنة لنزول هذه الآية، على الرغم من أنها لا
تبرز إلا بكيفية ضمنية من التفاسير القرآنية. السبب الأول مرتبط بحرية
الممارسات الجنسية بين الزوجيْن. ذلك أن بعض أولئك الذين اعتنقوا الإسلام
في بداياته أظهروا عن صرامة في تعاملهم وكانوا ميّالين إلى التشدّد
والطهرانية في سلوكهم، إلى درجة وصولهم في بعض الأحيان إلى التزهد
والتقشف، وهو السلوك الذي بدا، بعد انصرام المرحلة الأولى من الدعوة
الإسلامية، في نظر الرسول، نوعا من المبالغة غير ملائمة لاعتناق أعداد
كبيرة من الناس للإسلام. فضمن هذا الأفق إذن ينبغي النظر إلى الموقف
المتساهل والمتسامح للتشريع الإسلامي إزاء الملذات الجنسية. ومن هنا أيضا،
على سبيل المثال، فإن العلاقات الجنسية التي كانت ممنوعة خلال فترة الصيام
في رمضان، سوف تغدو شرعية فيما بعد خلال الليل مباشرة بعد الفطور إلى مطلع
الفجر. ولا تفعل الآية 223 من سورة البقرة سوى أنها تندرج ضمن هذا الأفق،
معترفة في الوقت ذاته، بحقّ المسلمين الاستمتاع بنسائهم بصفة كلّيّة. وقد
عمل الاتصال بأهل الكتاب خصوصا، أي باليهود، بكل تأكيد بلعب دور كبير في
نزول هذه الآية. لكن مع ذلك لا يمكن استبعاد فرضية أخرى والتي نجد بعضا من
مؤشراتها في كتب التفسير القرآني. وهي تتجلى في نوع من المقاومة النسوية
ضد التساهل في الممارسات الجنسية، وهو تساهل يعطي للرجال حرية كبيرة في
التعبير عن استيهاماتهم الجنسية وممارساتها. ومن المعلوم أنّ ممارسة الجنس
مع المرأة وهي منبطحة على بطنها هي العلاقة التي تعبّر تعبيرا أكبر عن
هيمنة الرجل وسيطرته على المرأة، بحيث تكون هذه الأخيرة سلبية بصفة تامّة
لأنّ ظهرها للرجل. وهذا ما توحي به الأسئلة التي تم توجيهها للرسول من طرف
بعض النساء بطلب من نساء أخريات طلب منهنّ أزواجهنّ الاحتكام إلى الرسول
لكي يعرفوا السلوك الذي ينبغي اتباعه وفقا للتعاليم الإسلامية (1).

المرأة، حقل خصب أو موضوع للمتعة

بعتبر ابن منظور، في لسان العرب، أنّ لفظتيْ «حَرْث» و»حراثَة» تعني تقليب
الأرض من أجل زرعها وبذرها. وهو يقبل إمكانية أن تشير اللفظة كذلك إلى
البذر أو الحرث. غير أن للكلمة معنى عامّا جدا هو الإنفاق من أجل العيش
والبقاء على قيد الحياة، ومن أجل الامتلاك، وهو المعنى الذي أعطى كلمة
«الحارث». ففي مجتمع رعوي بامتياز، حيث الحصول على وسائل العيش مرتبط
أساسا بالرعي وبالتجارة، يكون هذا المعنى الجوهري هو الملائم لتحليل هذه
الآية، والمنسجم مع سياق المرحلة آنذاك. كلمة «الحرث» لوحدها تعني الربح
وتحقيق التراكم. فليس فقط منطق الإنجاب البيولوجي هو المقصود هنا، بل
المقصود كذلك هو منطق التراكم والغنى. ومن ثم فإن المرأة في هذا المنظور
هي بمثابة شيء يمتلكه الزوج كسائر الممتلكات، وبالتالي فإن أهمّيتها تتجلى
ليس فقط في تحقيق وظيفة الإنجاب البيولوجي، بقدر ما تتجلى أيضا وخصوصا في
تحقيق المتعة لزوجها أو لسيّدها. ويذهب الأزهري إلى القول بأن الفعل
«حَرَثَ» يعني في الحديث عن الرجل الجمع بين أربع نساء، وهي علامة كبيرة
ومؤشّر على بحبوحة العيْش. لذلك مرّة أخرى فإن المرأة لا تُسمّى حرثا فقط
لكونها تنجب الأطفال، وإنما كذلك لكونها سلعة تجارية، حين يتعلق الأمر
بالحديث عن الجارية وعن موضوع المتعة الجنسية. ومن ثم فإن الحرث الذي يشير
إلى الحريم، هو إذن مرادف للممارسات الجنسية المتعددة والمطردة. ثمّ إن
كلمة «المحراث» التي نستعملها اليوم كانت تعني آلة من الحديد أو من الخشب
(2)، مثلما يعني «الحرث»، في السياق ذاته، إيقاد النار وتأجيجها. وهذا
معناه، بتعبير آخر، أنّ هذا اللفظ كان يتصل، بصورة غير مباشرة، بكلّ ما له
علاقة بتأجيج الرغبة العاطفية، وبتعلق الأمر هنا بالخصوص بالرغبة الجنسية.
من ثمّ المعنى الذي تحمله في الحديث عن الحروب، بحيث تصير إلى «تأجيج
أُوارها». فنحن إذن داخل معجم أغنى بكثير في ميدان التعبير عن الملكية
والامتلاك وتحقيق التراكم والمتعة الناتجة عنه، وبصفة خاصة المتعة
الجنسية، أكثر مما نحن داخل معجم يدلّ على «حرث الأرض»(3).
يبدو لي أنه داخل إشكالية الاستعمال والمبالغة فيه، بمعنى من المعاني،
ينبغي قراءة هذه الآية القرآنية. وهكذا، فالجَذْر اللغوي «حرث» يحيل على
قضيب الرجل «الحَوْثرَة»، وهو المعنى الذي يعضّد هذه النتيجة. وهو كذلك ما
بعبّر عن مكانة المرأة ووضعها. لذلك، فإن كتب التفسير، التي لا تنشغل
بالخصوص إلاَ بالمعطيات «التقنية»، المرتبطة بوضعيات الممارسات الجنسية،
وبالبُعد الأخلاقي المتصل بالإتيان من الدُّبُر، تركّز كلّ انتباهها على
الميزة المرتبطة بالخصوبة والإنجاب البيولوجي. ولم تكن وضعية المرآة تطرح
مشكلا لها آنذاك، بحيث لم يكن بالإمكان، في هذا السياق، أنْ تكون وضعيتها
ضمن جدول الأعمال يومها.
وعلى صعيد آخر، وحتى عندما يقترب اللفظ من العلاقة بالأرض، فإنّ مؤلفا مثل
الزمخشري يعطي كمرادف لفعل «حرث»، أي هنا بَذَر وزرع، فعل ،»ذَلّلَ» الذي
يستعملونه عادة للحديث عن الدواب بمعنى الإذلال والحطّ من القيمة. يتعلق
الأمر، في حقيقة الأمر، بالتّحكم والهيمنة التي تجعل المرء يتصرّف على
هواه وكما يحلو له. ثمّ إن الكلمة كانت جارية ومعمولا بها عند الحديث عن
الدابة التي يطلقون عليها اسم «الذَّلول»، أي الدابة الخاضعة والمنقادة
رغم أنفها. كما ينطوي اللفظ في الوقت ذاته على العنف من خلال الوطء الشديد
للأرض إلى حدّ أن تصبح مشابهة للأرض المحروثة. وتشير أخيرا إلى الدابة
المنهوكة والضّامرة من شدة امتطائها(4)! هذه الصورة التي تشير إلى الدابة
التي أنهكها الفارس هي التي تعبر أحسن تعبير عن المرأة التي يطلبها زوجها
إلى حدّ إنهاكها. وهذا الفعل هو الذي يشير، في الحديث عن العلاقة الجنسية،
إلى الشخص الذي يتعاطاه بمبالغة وعُنف (5).
فلو كان المقصود من الآية الحديث عن المرأة من زاوية الإنجاب فحسب، لكان
النّصّ القرآني استعمل كلمة أخرى هي «المُزْدَرع». غير أنّ كلمة «الحرْث»،
التي تمّ اختيارها، فإنها تدلّ بالأحرى على أنّ المسألة تتعلق هنا بعلاقة
السلطة بين الرجل والمرأة، من زاوية العلاقات الجنسية. أي تتعلق بحقّ
الرجال في استعمال جسد النساء بصفتهمْ أسياد لهم حقّ امتلاك زوجاتهم. وفي
هذا الاتجاه ذاته تذهب الأوصاف المستعملة في عقد الزواج الذي يحيل على
الملكية. ولا يسع المرء إلاّ أن يقف عند احتمال أن الآية المشار إليها
سابقا تستجيب لاحتجاج نسوي تكلّفت بحمل لوائه زوجات الرسول. غير أنّ كتب
التفسير كانت عاجزة، وهي تركّز نظرها على الرجال باعتبارهم ذواتا رئيسية،
عن وضع مثل هذا الاحتمال الذي لم يكن معيارهم قادرا على إدراجه.


1 ـ يتعلق الأمر بكل من أم سلمة وحفصة، الطبري، الجزء الثاني، ص. 409
2 ـ المحيط في اللغة، الجزء الثالث، ص. 73
3 ـ ابن منظور، لسان العرب، الجزء الثاني، ص. 135
4 ـ الزمخشري، أساس البلاغة، ص. 138
5 ـ تاج العروس، الجزء الثاني، ص. 194

izarine
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1855
العمر : 60
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

القصر والسلطة والسماء...في جذور الخطاب الديني Empty التبنّي في الإسلام

مُساهمة من طرف izarine في الثلاثاء 3 أغسطس 2010 - 21:46

من زيْد بن محمّد إلى زيْد بن حارثة
هذه واحدة من بين القضايا التي لا زالت تثير النقاش في العالم العربي
والإسلامي في حياته اليومية، والتي تنخرط، شأنها في ذلك شأن مظاهر أخرى،
ضمن إشكالية حداثة يحتل الفرد داخلها مكانة مركزيّة، ويتوفّر على حقوق
أساسية لا يمكن أن ترتبط لا بأصله ولا بوضعيته الاجتماعية. فكيْف يمكن
للمرء أنْ يتبنّى، في مثل هذا المنظور، وَلَدا بدون أنْ نعطيه اسمنا، وبدون
أنْ يمكّنه من صفة ابن كامل البُنوّة؟ لكن، كيْف طُرحتْ هذه المسألة مع
مجيء الدعوة الإسلامية؟ وما الذي يُفسّر الطريقة التي تمّ الحسْم فيها
بالشكل الذي نعرفه بها، أيْ عن طريق إلغاء التّبنّي.

إرادة إلهيــة

لقد كان التبنّي، أيْ اتّخاذ طفل واعتباره بمثابة ابْن من طرف شخص معيّن،
عادة معروفة وجار بها العمل بين العرب في «العصر الجاهلي». والتشريع
الإسلامي هو الذي سوف يقرّ ببطلانها. لكن، ما هو التبرير المقذَم لهذا
البُطلان من طرف مفسّري النّصّ القرآني؟ القصّة معروفة، وتتعلق بكلّ من زيد
بن حارثة وبمحمّد نفسه. لقد قام زيد، وهو ابن للرسول بالتبني، بتطليق
زوجته زينب، إحدى بنات عمّ الرسول. هذا الأخير سوف يتزوّجها بعد طلاقها من
زيد، وفي الوقت ذاته سوف يتمّ الإعلان عن إلغاء التبنّي لكي يصبح هذا
الزواج مشروعا. يجمع رجال التفسير على أنّ التشريع الإلهي نهائيّ، وبالتالي
فهو يمكّن هذا الحدث من منطق صلب وغير قابل للنقاش. وفيما يلي عرض لما
تقوله كتب التفسير والأخبار: لم يكن مسموحا أن يتخذ محمد زينب زوجة له،
بالنظر لكونه ابنا له. كما لم يكن بإمكان هذا الأخير أن يتزوّج إحدى بنات
الرسول لأنه بات أخا لهنّ. ولأنّ التبني كان شيئا غير شرعيّ ولا مقبول من
الله، فقد أبطله القرآن كما أبطل عادتيْ الظّهار ووأْد البنات. وكان يتعيّن
على الرسول أن يشرع بنفسه في تطبيق هذا التغيير مع ابنه بالتبني، وذلك
بتزويجه ثمّ بتطليقه من زوجته بعد الاستمتاع بها، وبعد ذلك يتخذها زوجة له.
كلّ هذا من أجل وضع حدّ لعادة مذمومة بصفة نهائية(1).
إن الإرادة الإلهية، إذن، هي التفسير الأوّل والأخير الذي لا يفترض أي
مراجعة ولا مناقشة. وقد كانت الآيات التي تتحدث عن هذه القضية مثار جدالات
وتعليقات من طرف العديد من المفسّرين. غير أنّ التفسير الإسلامي، لم يستطع
طرح المشكل بصورة حقيقية لأنه بقي منغلقا داخل الأنموذج الديني. ومن جهة
أخرى، فمن خلال بقاء المفسّرين أسرى للجانب الشخصي للمسألة، المتّصل مباشرة
بالرغبة الذاتية للرسول في زينب، والتي يطلعنا عليها صراحة، على أيّة حال،
النص القرآني نفسه، فقد دخلوا في نفق مسدود يجرّد الأحداث من بُعدها
التاريخي الحقيقي.
نحن هنا ننطلق من منظور آخر جدّ مختلف، وهو منظور التاريخ الاجتماعي الذي
يأخذ على عاتقه تفاصيل الأحداث دون الانغماس فيها والبقاء أسرى لها.
وبتعبير آخر، فإننا سنسعى إلى تناول المسألة من زاوية البنيات.

سرد الأحداث

لنأخذ مجريات الأمور، إذن، بدءا من نقطة بدايتها المفترضة، متتبّعين في ذلك
خطوات كتب الأخبار والسير. بينما كانت والدة زيد، وهي سعدة بنت ثعلبة بن
عبد عامر، تقوم بزيارة لقبيلتها مصطحبة معها ابنها زيد، إذا بجماعة من
قطّاع الطرق يهجمون عليهما ويأخذون منها زيْدا أسيرا حيث قاموا ببيْعه في
سوق عكاظ. وقد اشتراه حكيم بن حزام لفائدة خديجة بنت خويلد. وبعد زواج هذه
الأخيرو من الرسول سوف تهديه له ليقوم بخدمته. وبعد مرور زمن ليس باليسرن
انتهى إلى مسامع والديْ زيد بأنه لا يوال حيّا وأنه عند خديجة، فقدموا إلى
بيتها (رواية أخرى تقول إن اللقاء كان في المسجد) بهدف دفع الفدية وأخذ
ابنهما بحسب ما هو معمول به. فدعاه الرسول زيدا فقال: «هَلْ تَعِرْفُ
هَؤُلَاءِ؟ قال: نعم. هذا أبي وهذا عمي. قال: أَنَا مَنْ قَدْ عَرَفْتَ،
وَرَأَيْتَ صُحْبَتِي لَكَ، فَاخْتَرْنِي أَوِ اخْتَرْهُمَا. قال: ما
أريدهما، وما أنا بالذي أختار عليك أحدًا، أنت مني مكان الأب والعم. فقالا:
ويحك يا زيد، أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وأهل بيتك؟! قال: نعم،
قد رأيت من هذا الرجل شيئًا، ما أنا بالذي أختار عليه أحدًا أبدًا. فلما
رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أخرجه إلى الحجر، فقال: يَا مَنْ
حَضَرَ، اشْهَدُوا أَنَّ زَيْدًا ابْنِي، يَرِثُنِي وَأَرِثُهُ»(2).
ومن ثمة إذن أُطلق عليه لقب «زيد بن محمّد». هذا الجزء من القصة جرى، بحسب
ما ترويه كتب الأخبار، قبل مجيء الدعوة الإسلامية، وقبل النبوّة. أما
الجانب المشهور منها فهو الذي جرى بعدها، وهو الذي يرويه النص القرآني.كان
زيد يعيش إذن عند خديجة بنت خويلد ومحمد إلى أن بلغ سنّ الزواج. وقد تزوّج
من إحدى بنات عمّ الرسول، وهي زينب بنت جحش بن الرياب الأسدي، حفيدة عبد
المطلب، سيّد قبيلة بني هاشم. غير أن هذا الزواج لم يتم بدون مقاومة وتردد
من طرف زينب التي لم تقبل أن تتزوج بعبد، غير أنها رضخت في النهاية وقبلت
الزواج من عبد على مضض. إلا أن الخلافات ازدادت وتفاقمت بعد مرور سنة على
زواجهما إلى درجة أنّ زيْدا جاء إلى الرسول مشتكيا إليه بما قامت به زوجته
تُجاهه. ثمّ إن النّصّ القرآني سيتكفّل بسرد بقية الأحداث ويحسم في
النهاية:
«وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ
أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا
اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ
فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا
مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا. مَّا كَانَ عَلَى
النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي
الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا.
الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ
أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا. مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ
أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ
النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا.» (سورة الأحزاب،
الآيات 37، 40).
وهكذا سوف يطلّق زيد زوجته التي سوف يتخذها الرسول بدوره زوجة له. وتورد
النصوص القديمة الكثير من التفاصيل في هذا الشأن. يروي أنس بن مالك أنّ
النبي قال لزيد بن حارثة «اذكرها عليّ، قال زيد فانطلقت فقلت لها يا زينب
ابشري فإن النبيّ يذكرك (يخطبك) فقالت ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي
(أستخير) فقامت إلى مسجدها»، ثم نزل الوحي بتزويجها له.
ثم جاء الرسول ودخل عليها بدون استئذان... وكانت تلك هي ليلة زواجهما. وقد
حضره عدد من المدعوين الذين قُدِّم إليهم اللحم والخبز. وبعد الانتهاء من
الأكل خرج المدعوّون، وبقي البعض منهم جالسين يتحدثون بينما الرسول خرج
ليسلّم على زوجاته. ويضيف أنس بن مالك بأن الحجاب تمّ التشريع له في هذا
اليوم(3).


1 ـ النابلسي، زيد بن حارثة، دار الهادي، ص. 58
2 ـ ابن الأثير، أسد الغابة، الجزء الثاني، ص. 239
3 ـ تفسير ابن كثير، الجزء الثالث، ص، ص. 608، 609



izarine
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1855
العمر : 60
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 1 من اصل 2 1, 2  الصفحة التالية

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى