صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

القصر والسلطة والسماء...في جذور الخطاب الديني

صفحة 2 من اصل 2 الصفحة السابقة  1, 2

اذهب الى الأسفل

القصر والسلطة والسماء...في جذور الخطاب الديني - صفحة 2 Empty التبنّي في الإسلام

مُساهمة من طرف izarine في الثلاثاء 3 أغسطس 2010 - 21:56

الحدث أو الشجرة التي تُخفي الغابة
يعطي تشريع الحجاب للقضية التي نحن بصددها هنا بُعدا أكثر أهمّية. وبالتالي
فهو لا يتصل البتّة بإشكالية فردية وحَدَثِيّة، بقدر ما ينخرط ضمن
الاتجاهات الوازنة لتلك المرحلة، والتي ترتبط بمجيء الدعوة الإسلامية،
وبالمجتمع الجديد التي كان تلوح ملامحه في الأفق. وهو يعكس انشغال
المجموعات الاجتماعيّة المهيْمِنة بالحرص على خطوط الفصل والتمايُز التي
تفصلهم عن الفئات الاجتماعية التي تسيْطر عليها بالفعل، أو التي ستكون
أعدادها أكثر في المستقبل حيث يتسنّى لهم الهيمنة عليها.
غير أنّ القيام بتحليل دقيق للمشكل يعاني من غياب معطيات دقيقة ذات مصداقية
تتعلق بسيْر الأحداث في حدّ ذاتها. لا ينبغي أنْ ننسى بأنّ هذه المرويات،
على الصورة التي وصلتنا بها، هي شهادات على إسلام منتصر ومسيطر، وبأنها لم
يتمّ تدوينها، من منظور إيديولوجي مُحدّد سلفا، إلاّ في وقت متأخّر عن
حدوثها.
غير أنه من الواضح الجليّ أنّ التبنّي، وبصرف النّظر عن التفاصيل، كان
منتشرا ومعمولا به في تلك المرحلة. إنّ المجتمع العربي القَبَلي، المتعرِّض
للتقلّبات المناخية وندرة في الحصول على وسائل العيش، كما تقول كلّ
النصوص، كان يُعاني من ندرة الأفراد الناتجة عن الوفيات المبكّرة
والمتواصلة. في هذا السياق، المطبوع كذلك بالصراعات القَبَلية، لم يكن من
شأن الاندماج داخل جماعة الأفراد الجدد الوافدين، الذين تعرّضوا للسبْي أو
الذين جاؤوا من تلقاء أنفسهم، إلاّ تعميقه لمواجهة المنافسين. ومن ثمّ فقد
كان التبنّي، في هذا الإطار، وسيلة فعّالة ومضمونة للحصول على قِوى بشرية
جديدة، وذلك من خلال منحهم وضعية الأفراد الأحرار المندمجين بصورة كلّيّة
داخل المجموعة المستقبِلة. وهكذا كانت المجموعة تزداد من حيث الشباب
والفعّالية.
إنّ ما قام به محمّد، إذن، الذي كان زوْجا لخديجة، ليْس نشازا ولا يثير أيّ
استغراب. ففي تنقّلاته الخاصة، باعتباره رجل أعمال لفائدة زوجته، كان في
حاجة إلى مساعدة ودعم، وبالتالي فإنّ وجود شخص قريب ومخلص من شأنه أنْ
يؤدّي المهمة على الوجه الأكمل. لذلك فقد جاء زيْد في الوقت المناسب وعند
الشخص المناسب. لكن حين ظهر أبواه الحقيقيّان وطالَبَا باسترجاعه، تعرّض
زيْد لاختبار عسير. وبدون شكّ أيضا، وكما توحي بذلك القصّة، فإنّ شخصية
محمد، الاستثنائية على أكثر من صعيد، قد استهوته إلى درجة تغيير قراره
لفائدته، ضدّا على والده الحقيقي. غير أنّ اتخاذه وَلَدا له، كما كان سائدا
يومها، ربّما كان الوسيلة المُثلى للمحافظة عليه وعدم فقدانه. ومن هنا
اختيار محمد للتبنّي. ولقد قام بهذا الاختيار باعتبارها كائنا بَشريا وليس
بصفته نبيّا. ثمّ إنّ هناك عوامل ذات طابع شخصي تحكّمت في هذا الاختيار:
لمْ يكن لمحمّد أبناء ذكور، فالأطفال الذين أنجبهم من زوجته خديجة ماتوا في
وقت مبكّر. لذلك فهو محتاج، من الناحية العاطفية، إلى ابن ذَكَر، ومن
الناحية الاجتماعية إلى مساعد، وربّما إلى وريث. إن التمثّلات السائدة
بخصوص محمد بصفته يتيما وفقيرا وراعيا للغنم في وقت من الأوقات، تجعله
قريبا من الأفراد الذين يعيشون في وضعيات صعبة. ونحن نعرف كيف أحاط نفسه،
في بداية الدعوة الإسلامية، بالعبيد والناس المتواضعين. بل لقد بلغ به
الأمر إلى حدّ إبرام اتفاقية أخوّة بين أنصاره من البسطاء، ومن بينهم زيد
الذي آخاه مه عمّه حمزة. ومهما يكن من أمر، فإن الارتباط القوي بين محمد
وبين زيد الملقّب بالحبيب كان ارتباطا لا غبار عليه.
إنها علامات ومؤشرات تحمل على الظّنّ بأنّ شخصيته وحساسيته القويّتيْن قد
دفعاه دفْعا إلى القيام بتغيير جذريّ في وضعية زيد، وإلى جعله ابنا شرعيا
له. غير أن التغيير لم يخْلُ من تبعات. ولعلّ زواج زيد من زينب، حفيدة عبد
المطلب، أي إقامة علاقة مصاهرة مع إحدى السلالات القريْشية المهيمنة، هو
واحد من أبرز مثال عنها. ولا ينبغي أن ننسى في الوقت ذاته، حتى يكون المرء
أكثر حذرا، بأن الأمر يتعلق بعربيّ تعرّض للأسر والسبي وليس بعبد أسود.
لكن، وحتى لو أخذنا هذا العامل في الاعتبار، فإن تغيير الوضعية كان جذريا،
حيث أنّ عبدا دخل إلى صف الرجل الحرّ بجذور وثراء محددّيْن بجلاء، وخصوصا
عن طريق الحقّ المشروع في الإرث. وهو الأمر الذي يفسّر على الأرجح، بأنه لم
يكن معنيا، كما كان باقي العبيد، بالمعاملة السيئة التي تعرّضوا لها من
طرف القريشيين في مكة عند مجيء الدعوة الإسلامية(1).

ثغرات القصّة

لكن قد تكون هناك أسباب أخرى لهذا. وبعض التفاصيل الصغرى، التي تتكلم عنها
النصوص القديمة إلاّ بشكل محتشم، تطرح العديد من الأسئلة. فنحن لا نعرف
طبيعة العلاقات الحقيقية بين زيد وبين زينب. وكلّ ما ينقله الخطاب الرسمي
عن هذه العلاقات هو أنّ الرسول قام بتزويجهما لبعضهما البعض قسْرا. غير
أنهما كانا يَرَيانِ بعضهما داخل العائلة الهاشمية الكبرى بين الفيْنة
والأخرى. ويبدو أن زينب قد رفضت هذا الزواج من شخص كان عبْدا سابقا تصفه
بعض الكتابات، التي نجهل درجة مصداقيتها، بكوْنه «كان قصير القامة، شديد
السُّمْرة، في أنفِهِ فطَس»(2). وقد كان زيد يكبرها سنّا، ذلك أنه حين تمّ
أسره كان شابا بالغا في حوالي العشرين من عمره، ولا يكاد يكبره الرسول إلا
بحوالي عشر سنوات، كما تورد كتب الأخبار والسير. فضْلا عن أنه سبق أن تزوّج
من امرأتيْن قبلها. فقد سبق أن زوّجه محمّد من أَمَة كانت بمثابة جدّة له،
والتي كان يعتبرها أمّا ثانية له. يتعلق الأمر بأمّ أيمن، أَمَة سوداء
تنحدر من الحبشة، والتي أنجب معها زيد ابنه أسامة الذي سيلمع اسمه في
الغزوات والحروب، شأنه في ذلك شأن والده. ولقد كان هذا الزواج مناسبا جدا
لوضعية العبد.
غير أن الأغرب من هذا، والذي يطرح مشكلا حقيقيا هو زواجه من أمّ كلثوم بنت
عقبة بن أبي معيط، التي أنجبت له ابْنا توفي بعد ولادته وبنتا أطلق عليها
اسم رقيّة(3). وقد كانت أم كلثوم بنتا لأحد سادة بني أمية يوصف بكونه من
ألذّ أعداء محمدن ووالد أحد كبار عمّال الخليفة عثمان بن عفان. غير أنه لا
يسعنا إلا الحدس والتخمين في هذا الخصوص. لكن يتعلق الأمر، في جميع
الحالات، بترقية اجتماعية اجتماعية حقيقية خوّلت لزيد أن يقيم علاقات قويّة
مع الأرستوقراطية المكّيّة. هذا الزواج، الذي لا يعود على الأرجح إلى
وضعيته الاجتماعية الجديدة فحسب، بقدر ما يعود كذلك إلى لباقته التجارية،
هو الذي يمكنه أن يفسّر تفسيرا أفضل ذلك الزواج الذي سيأتي بعد الدعوة
الإسلامية بزينب ابنة عمّ الرسول. لقد كان هدف محمّد من هذا الزواج هو جعل
زيْد في منأى عن حسّاده والمنتقصين منه. وعلى صعيد آخر، يلاحظ بعض
المفسّرين غياب البيانات التي تهم زيدا، سواء خلال المرحلة المكّيّة أو
أثناء الهجرة، بينما يعتبره البعض الآخر بأنه أوّل من اعتنق الإسلام،
ويضعونه قبل خديجة وعليّ (الأزهري). إنّ تغيير وضعية زيد، مع فقدان انتسابه
للرسول، سوف يحدث رجّة في مكانته.

1 ـ عفيف النابلسي، زيد بن حارثة، دار الهادي، ص. 27
2 ـ ابن الجوزي، صفة الصفوة، الجزء الأول، ص. 144
3 ـ المصدر نفسه، ص، ص. 143، 144


izarine
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1855
العمر : 60
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

القصر والسلطة والسماء...في جذور الخطاب الديني - صفحة 2 Empty من زيد بن محمد إلى زيْد بن حارثة

مُساهمة من طرف izarine في الخميس 5 أغسطس 2010 - 21:43


الأبناء والأدعياء

في هذا السياق، يرسم النّصّ القرآني بكل جلاء ووضوح الخطّ الفاصل ما بين
النسب والتبنّي:» ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِى
جَوْفِهِ، وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِى تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ
أُمَّهَاتِكُمْ، وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ، ذَلِكُمْ
قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى
السَّبِيلَ»(1). وإذن، فلا وجود للنسب إلا إذا كان بيولوجيّا.
وهكذا تمّ إلغاء التبنّي بصفته تعبيرا عن الاعتراف بنسب شرعيّ. لكن، من
أيْن أتى هذا المصطلح؟ وما هو محتواه؟ البِناء هو تشييد الصّرح. وهو البيت
الذي يقطنه العرب في الصحراء(2). وحسب ابن الأعرابي، فهي البنايات
المشيَّدة من الطين والصوف، أي من المواد التي تُعتبر صلبة وتدوم. غير أن
الكلمة انطوت فيما بعد على حمولة اجتماعية تجاوزت بكثير معناها التّقني.
ومن ثمّ باتتْ تحيل على السلطة والغنى والبأس والكرم. يقال عن
الشخص:»أبْنيْتُه»، أيْ أعطيتُه بيتا أو ما يمكن أنْ يبني به بيتا، الأمر
الذي يعني حماية الفرد من قساوة المناخ، وتمكينه من ملاذ. وبما أنّ
«البناء» يستدعي أسسا، ويستدعي بالتالي ترسيخا يجعله قادرا على تحمّل
تقلّبات الدهر، فإنّ الكلمة تعبّر من الناحية الرّمزية عن الأصْل الشريف.
«البَنيّة هي الكعبة التي اكتسبت شرفها من تشييدها من طرف إبراهيم، غير أن
الكلمة انتهت للدلالة لوحدها عليها بدون إحالة على إبراهيم.
البناء يرتبط بالعلاقات الاجتماعية بصورة أكثر جلاء ووضوحا. وهكذا، فالباني
هو الزوج، و»بنى على أهله أو بأهله» معناه أخذ الزوجة إلى بيتها. إنّ عادة
البدو الرّحل باستمرار، التي شاءت، في البداية، أن يشيّد الزّوج «قُبَّة»
(خيمة) لزوجتة الشابّة ليلة زفافهما، هي التي أفرزت هذا التعبير، على الرغم
من أنّ الحدث انتهى بأن انفصل بصفة نهائية عن محتواه المادّي الأوّلي.
كما أنّ هذه اللفظة تحيل على الأب التي يحرص على إيصال الخطيبة إلى بيت
زوجها، وعلى إعداد ليلة الزفاف، لذلك يقال «أبْناهُ». وهكذا، فانطلاقا من
الزواج، الذي له علاقة مباشرة بالإنجاب، امتدّت الكلمة لتشمل النتيجة. وعند
الحديث عن الإنسان، يقال «بنى» (أو «ابتنى») أيْ خلّف ذرّيّة، ومعناها
حرْفِيّا «بناها». من هنا تشير لفظة «ابْن» إلى الولد3، لأنّ الأب بناه
(أصله : بَنايْ أو بَناوْ)، والمصدر هو البنوّة، لذلك يقولون :»ابن بيّن
البنوة»، أي ابن حقيقيّ. ويقول الزّجّاج لأن كلمة «ابن»، في البداية، كانت
هي «بني» أو «بُنُو (ثم إنّ «بنون» هي جمع «بني»). وفي مستوى آخر، فإنّ
«الأبْناء»، جمع «ابن» هم شعب جاء من الفُرس واستقرّ باليمن لنصرة ملكها
ضدّ الحبشيّين، ثم قام أفراده بالزواج من نساء عربيّات، ومن ثمّ سُمِّي
أطفالهنّ: «الأبناء». فضْلا عن أنّ جمع التأنيث «البنات» يعني العرائس
والدّمى، وهذا ما يتّضح من كلام عائشة زوجة الرسول التي كانت تقول:» كُنْتُ
أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ لِي
صَوَاحِبُ يَلْعَبْنَ مَعِي». البناء كذلك يرتبط بالخليّة الأُسَرية
وامتدادها. والمبناة هي قطعة جلد تفرش، أي القبّة داخل البيت، والتي تختلي
فيها المرأة لتحتمي من المطر، وهي الحجاب أيضا. يتعلق الأمر باحتماء تامّ
من العالم الخارجي، حيث تجد العائلة عزلتها ووحدتها، وحيث تقوّي أواصرها.
هذه العلاقة القوية كالإسمنت نجدها في المعنى الذي أُسنِد إلى «البانية»،
التي تعني القوس المشدود إلى أوتاره. فالوحدة هي التي تخلق قوة العائلة،
والمبناة هي كذلك «العَيْبة» التي تحيل على الثقة. «العيبة» هي الجراب الذي
يضع فيه الإنسان أنفس وأغلى ما بحوزته، وهي هنا مرادف للقلب الذي نخفي فيه
أسرارنا(4).
تنطوي كلمة «البناء» إذن على دينامية مُبَنْيِنة. إن دعامات الجسم، وما
يؤسس حمايته، هما «البواني» و»البنيان»، أيْ دعامتا البيت. إن اختيار كلمة
للتعبير عن التّبنّي في المجتمع العربي ما قبل الإسلامي، والمستمَدّ من هذا
المعجم المتعلق بِ «البناء»، يبرز قوّة هذه العلاقة، وهي علاقة جدّ
عضويّة. فالتّبني، بناء على هذا التحليل، فعل إراديّ يترجم تلك الرغبة
العاطفية في الحصول على ابْن، والسعي إلى الحصول عليه، مثلما يوحي بذلك
الفعل «بناه»، الذي لا يعني فقط الوصول إلى الابن، ولكن يعني أيضا تربيته
وتمكينه من كلّ صفات البُنُوَّة.
يوظّف النّصّ القرآني، في حديثه عن الابن بالتبنّي، كلمة «الأَدْعِياء»،
ولا يستعمل كلمة «التبنّي» مطلقا. لذلك فإنّ الترجمة التي تُقترح عادة لهذه
الكلمة، وهي «الابن بالتبنّي»، ترجمة تُفْقرها من محتواها الحقيقي. إن هذا
الاسم يشير إلى هؤلاء الأبناء المتبنّين أنفسهم، وبالتالي يحمل في طيّاته
دعوة وادّعاء يمكن أن يكون كاذبا. ومن ثمّ فالاسم يقيم حدّا فاصِلا ما بين
الأبناء البيولوجيّين والأبناء المتبنّين. فهؤلاء يزعمون أنهم أبناء، بينما
هم ليسوا كذلك في واقع الأمر، لأنّه» ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن
قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ». هناك إذن تحويل لغوي يمنع التبني من الاغتراف من
المعجم الخاص بالنسب الشرعي، الذي يغترف منه الابن. إنّ الإغلاق الذي أشير
إليه عند الحديث عن الميراث، يجد هنا مشروعية لا غبار عليها. وزَيْد بن
حارثة هو الرمز التاريخي لهذا التحويل الذي عاشه بصفة شخصيّة. فلا أصله
الحرّ، ولا كفاءاته المشهود بها، ليس فقط في الحروب بل في الاحترام الذي
تكنّه له جميع العشائر المكّية، لم يمنعا من تجنّب اندحاره وتقهقره. فمن
الصّعوبة بمكان تحمّل الحصول على الإرث من نبيّ ورئيس دولة قيْد التشكّل.
ومن الإشارات القويّة على ذلك أيضا إقامة الحجاب بمناسبة زواج الرسول من
زينب.
إنّ إلغاء عادة التبنّي القديمة، التي كانت سائدة في شبه الجزيرة العربية
قبل الإسلام، مع إبعاد زيد من أبوّة الرسول، ليسا سوى الجزء البارز من جبل
الثلج. ذلك أن تلك الإجراءات كانت تهمّ، في حقيقة الأمر، الطبقات
المتواضعة، أوالمستعبدة بصورة غير شرعية، والتابعين. وهي الطبقات المرتبطة
بالجماعات المهيْمِنة التي تبيّن لها بأن مكانتها بدأت تفقد قوّتها بالقياس
إلى الماضي. لقد كانت للتبني مكانته داخل مجتمع قَبَلي حيث العائلات
والمجموعات، في صراعها المتواصل من أجل العيْش والسيادة، كانت في أمسّ
الحاجة لإدماج أعضاء جدد داخلها. إنّ السياق الجديد، المختلف بصورة
بنيويّة، ستكون له علاقة أخرى بالأجانب داخل الجماعة. ويدل على هذا تغيير
المفردات نفسها. فالقرآن لا يتحدث عن التبنّي البتّة، بل لقد تمّ نسيانه
تماما. وهكذا تمّ إبعاده من المعجم الخاصّ بالعائلة في بنائها كما في
القواعد التي تنظّمها. النّص يتحدث عن الأشخاص الذين يدّعون صفة الابن. فلم
تعد العائلة هي التي «تبْني» أبناء حين تحتاج إليهم، بل إنّ هؤلاء، الذين
تحرّكهم الحاجة أو يدفعهم الطموح، هم الذين يأتون إليها، لكنهم سوف يكونون
مجرّد تابعين غرباء دائما، مثلما تبيّن ذلك شرعية زواج الأب من امرأة
مطلّقة ب»ابنه» بالتبنّي.
1 ـ سورة الأحزاب، الآية 5
2 ـ (الطِّراف هي البيوت المصنوعة من الجلد، والخِباء من الصوف أو شعر الإبل، والبِناء هو القبّة أو المِضرب)
3ـ الزبيدي، تاج العروس، الجزء التاسع عشر، ص، ص. 220، 229
4 ـ ابن منظور، لسان العرب، الجزء الأول، ص. 634
izarine
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1855
العمر : 60
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

القصر والسلطة والسماء...في جذور الخطاب الديني - صفحة 2 Empty العِشْقُ .. الفَقيهُ والعاشق ُ (1)

مُساهمة من طرف izarine في الخميس 5 أغسطس 2010 - 21:52

العشق في نظر
الفقهاء ورجال الدين، خلال القرون الأولى للهجرة، كان يشير إلى الرغبة
المشينة والمذمومة. وقد ذمّه ابن قيّم الجوزية، أحد تلامذة ابن تيمية، في
كتابه «روضة المحبين» قائلا: «وأما العشق فهو أمرّ هذه الأسماء (أسماء
الحبّ) وأخبثها(1) «.

كلمة تلامس الإباحية

يعتبر جمال الدين بن الشيخ أنّ هذه الكلمة مبتورة من ثلاث مرجعيّات عضوية
ومتكاملة هي التي تؤسس معنى الكلمة وتضفي عليه شرعية. هذه المرجعيات: الشعر
القديم والقرآن والحديث النّبوي. وهي أقلّ استعمالا بكثير من كلمة «الحبّ»
في الشعر العرب لما قبل الإسلام، ولا يذكرها النّصّ القرآني في أيّ آية من
آياته، بينما ترد الكلمة بالكاد في حديث نبويّ كان موضوع كثير من الجدال.
وبما أنّ لفظة «العشق» كانت تُعتبر شيئا مثيرا للاشمئزاز، فإنّ العرب لم
يكونوا يلجؤون إليها إلاّ لِمَاما. ومن المحتمل أنهم هجروها للتعبير عن
محتواها عن طريق الكناية. لكن لماذا؟
تحمل كلمة «عشق»، حسب جمال الدين بن الشيخ، «آثار الذاكرة المزدوجة للمجتمع
الوَثَنيّ، وعقلية الكتابة الخفية المانوية التي لاحقها رجال الدين حتى
داخل أعماق اللغة. لكن إذا كانت هذه الكلمة، كما يقول ابن قيّم الجوزية،
تنطوي على شيء لا ينبغي أنْ يقال ولا أن يوصف، فما هو هذا الشّيء بالضبْط؟
وأيْن ينبغي البحث عنه؟»(2).
وقد كشف المؤلف، في نظره، عن السبب الحقيقي الذي سكت عنه الفقهاء مع ذلك،
الذين أنْحوا باللاّئمة على الكلمة. فالكلمة لا تنطوي على صفة اللفظ الجذير
بالاحترام، والتي أتتها من استشهاد قرآني، بل أكثر من ذلك تنمّ عن علاقة
جنسية حيوانية، وخلاعة مرتبطة بالزندقة والوثنية التي ما زالت تسكنها. وهي
العلاقات التي سيبرزها جيّدا استعمالها في شعر الغزل الذي بلغ أوْجه مع
الشاعر أبي نواس.
في الاشتقاق اللغوي المقترح، نقف عند اقتراح الزّجاج، وهو الذي ستردّده
معظم المصادر: وفي نظره، فإن «العشق» مشتقّ من نبتة تُسمّى «العَشَقَة»،
وهي نبتة معروفة باسم «اللبلاب»، وهو من الفصيلة القَرْعية، ذات ورود بيضاء
وثمرات عنبية حمراء تشبه حبّات الفلفل. وبفضل عروشها الطويلة، فإنها تلتوي
على جميع النباتات المجاورة لها. ما يثير في هذا الوصف مسبقا هي صورة جسد
يلتفّ على جسد آخر، ويعلو عليه كأنه مدفوع برغبة جامحة. وفضلا عن ذلك، فإنّ
حالاتها المتعاقبة تستحضر حالة العاشق الولهان، لأنها «شجرة تخضر ثم تُدقّ
وتصْفرّ»(3). غيْر أنّ مثل هذه الصورة لا تكفي لكي تجعل من «العشق» كلمة
لا يليق النطق بها. إنّ الاشتقاق الذي يقدّمه «لسان العرب» هو الذي اعتمد
عليه ابن الشيخ بصفة كلّية، باعتباره عنصرا محددا في محتوى الكلمة.
فـَ»العُشُق»، حسب ابن منظور، هي الجمال التي تتعلق بنوقها ولا تعبّر عن
رغبة جنسية إلا لها. بل أكثر من ذلك، يقال عن الناقة التي فيها حرارة:
«عشقتْ». والصورة التي تُعطى عنها وعن فحْلها تذهب أبعد من ذلك لكي تحيل
على الجسديْن الملتصقيْن ببعضهما البعض(4).
صحيح أن القواميس العربية لا تكاد تذكر كلمة «العشق» كثيرا. فابن دريد
يخصّص بضعة أسطر للحديث عن «الشّغف»، الذي يشير إلى علاقته بالقلب (5) ،
لكن لا شيء عن «العشق»! أما «المحيط في اللغة»، فإنه يمرّ عليها مرور
الكْرام، شأنه في ذلك شأن الكثير من المعاجم العربية. ويخلص ابن الشيخ إلى
أنّ الأمر يتعلق هنا بما لا يوصف الذي أثار غضب ابن القيّم الجوزية. فالعشق
يستدعي العري الجسدي لرغبتيْن اثنتيْن، بل يستدعي الإفصاح عن رغبة الأنثى
أكثر من الذَّكَر. ومن ثمّ، فإنّ كلمة «العشق» هي «تعبير عن دافع جنسيّ
يفضي بالإنسان على أيّة حال إلى ضياعه: فإمّا أن يرميه في الدعارة والفجور،
أو يقذف به في مرض وسواسي؛ أو يقاوم فيه أخيرا إرادة العفاف التي تؤدّي
إلى الموت»(6). من هنا نفهم العبرة التي يستخلصها الفقهاء ورجال الدّين،
ويعبّر عنها الجاحظ بوضوح. الحبّ العفيف هو ذلك الارتباط الإنساني الذي
يتحكّم فيه العقل والفضيلة وضبط النّفس عن الشهوات. ينتمي العشق إلى مجال
«القَيْنَة»، الجارية التي تمتهن الموسيقى والشّعر. لذلك فالعشق متَّهم
بالانزلاق المَرَضي الذي يؤدّي بالمرْء إلى هلاكه وموته.
يستدعي نصّ جمال الدين بن الشيخ، الذي ظلّ مشدودا إلى بلاغة لغوية صرف،
تقديم بعض الملاحظات. ودون الرّجوع إلى الصورة المتكلِّفة إلى حدّ ما
للمناطق الجنْسية المنتفخة والظّاهرة، بهدف إبراز السّمة الحيوانية بصورة
أحسن، لا تغيب على المؤلِّف الإشارة عَرَضا، في نهاية تحليله، إلى ملمح
أساسيّ في نظري وهو أنّ « ما يحاربه ابن قيّم الجوزية هو استبدال قوة الله
بقوّة طاغية وقاتلة»(7). تتجلّى هنا وسيلة أخرى لتفسير الأشياء، وسبب أعمق
من مجرّد المسّ بفضيلة ما مبالغ فيها ومنافقة في أغلب الأحيان.

1 ـ ابن قيم الجوزية، روضة المحبين، ذكره جمال الدين بن الشيخ في: Le mot imprononçable, Intersignes, p. 17
2 ـ نفسه، ص. 19
3 ـ ابن منظور، لسان العرب، ص. 252
4 ـ يحيل ابن الشيخ على دوزي الذي يتحدث عن العشق مستعملا الفعل «عَشَق» الذي لم أعثر عليه في القواميس العربية، ص. 21
5 ـ ابن دريد، كتاب جمهرة اللغة، الجزء الثاني، ص. 869
6 ـ ابن الشيخ، ص. 21
7ـ نفسه، ص. 25

izarine
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1855
العمر : 60
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

القصر والسلطة والسماء...في جذور الخطاب الديني - صفحة 2 Empty العِشْقُ .. الفَقيهُ والعاشق (2)

مُساهمة من طرف izarine في الأحد 8 أغسطس 2010 - 15:26

كلمات أخرى ذات صلة

هناك أوّلا وقبل كلّ شيء ألفاظ أخرى لا يتمّ اللجوء إليها إلا في القليل
النادر، على الرغم من أنها لم تتعرّض صراحة للذّم من طرف الفقهاء ورجال
الدّين. وهنا، مثلا، يكفي الاطلاع على ديوان قيس العامري لكي يتبيّن لنا
أنّ «الهيام» و»اللوع» هما من هذا القبيل. وبالفعل، يمكننا التمييز ما بين
نوعين من الانجذاب العاطفي في السياق الذي يهمّنا هنا. النوع الأوّل هو
الذي تكون فيه الرغبة الجسدية بارزة بجلاء، أما النوع الثاني فهو الذي
يكون فيه الانجذاب العاطفي أكثر من الرغبة الجنسية، بحيث يكون محطّما،
ويمكن أن يؤدّي بصاحبه إلى الجنون.
ومن ثم، فإنّ «اللّوع» هو الدالّ على الحبّ الذي يتولّد عنه ألم كبير؛ إنه
مؤشر على الرّغبة الحارقة، على الشّوق. الإحالةُ على الدّابة هنا كذلك
واضحة وجليّة، على الرغم من أنّ حرارة الأنثى لا تتجلّى هنا إلاّ بصورة
ضمنيّة. إنها تشير إذن إلى الأَتان (أنثى الحمار) المتعلّقة بالحمار بشكل
جنوني. غير أنّ الحرارة المتوارية والمختفية داخل التعلق الكبير بالحيوان
الفحْل، سرعان ما تبرُز بالإحالة على المرأة المثيرة التي تسعى بكلّ ما
أوتيتْ لكي تثير الرغبة الذّكورية. ومن هنا فإنّ لعبة تبادل النظرات تفترض
بالفعل أنّ الجسد يعتبر جزْءا لا يتجزّأ من هذا العرض. والاسم هنا ينطوي
عليه، بدون مواربة، بصفته اسما للثدي، وبالنسبة للبعض الآخر اسما للسواد
المحيط به، والذي هو موضوع للعديد من الاستيهامات. صحيح أنّ فائدة الثدي
لا تتجلّى فقط في الرغبة الجنسية، بقدر ما تتجلّى كذلك في تعلّق الرضيع
بمُرْضعته. هذه الثنائية، المضافة إلى كوْن اللّوع ينطبق أيضا على علاقة
النسب، وعلى ألم الفراق الذي يؤدي إليه، من شأنها التخفيف على الأرجح من
قوّة ولا أخلاقية العلاقة العاطفية المشار إليها سابقا، ومن الألم الذي
تفضي إليه. ومن ثمّ، فالكلمة لا يقتصر استعمالها على الحبّ، ومع ذلك فإنّ
استعمالها ليس منتشرا كثيرا، ربّما بسبب صفة العُرْي التي تنمّ عنها،
وخصوصا الدور المنوط بالمرأة التي توظّف جميع مزاياها في مجال الإغْراء.
ومن أجل توصيف هذه الأهواء العاطفية التي يطغى فيها الألم، هناك كلمات
أخرى تستعمل في اللغة. منها «المذلّة» وهي تقود بدورها إلى فقدان العقل،
إلى الجنون، غير أنه بالإمكان مع ذلك ألاّ يكون الحبّ هو المسؤول الوحيد.
أما لفظة «اللاّعج»من جهتها، فتعني الحب الحارق، غير أن اللفظة تعني أيضا
المعاناة الناتجة عن سوء المعاملة. و»المتلعّجة» هي المرأة المرغوب فيها،
هي المرأة المشتهاة والحارّة. وبالنظر لمصير هذه الحالات العاطفية، فقد
تكون ثمّة إذن قاعدة تدين وتذمّ، بصورة صريحة أو ضمنية، العلاقات العاطفية
التي لا تثار فيها الرغبة الجنسية بكلام مبطّن. وهناك أهواء أخرى تطرح
مشاكل أخرى في مستويات أخرى. تلك هي الحال مثلا مع كلمة «الهيام»، القريبة
جدّا من كلمة «العشق». فهي مثلها تؤدّي بالمحبّ الولهان إلى حالة من
الجنون. مثلما تشير اللّفظة إلى النّوق العطشى، أو التي أصابها مرض
لكوْنها شربتْ من ماء فاسد، والتي تهيم على وجهها في الفيافي والقفار.
إنها تشير إلى عالم الانتشاء العاطفي الذي يؤدي بالمحبّ إلى الحيرة
والتّيه. وعليه، فإنّ الحيوان والبشر الذين أصيبوا به معرّضون إلى الضياع،
ويبدو أنّ الصحراء هي وحدها الفضاء الملائم لاستقبال جنونهم وخبلهم.
فالألم الكامن فيهم يستدعي فيافي بدون ماء يمكنها أن تؤدّي إلى الموت.
الكلمة نجدها مستعملة بطريقة غير مباشرة في النّصّ القرآني من خلال كلمة
«الهيم» المرادفة للنُّوق العطشى:»فشاربون عليه من الحميم، فشاربون شرُْب
الهيم»(1). إنّ الظل المذموم لنزعة جنسية مفسدة للأخلاق لا يقع على هذه
الكلمة القرآنية كما يقع على «العشق»، إلى درجة إبعاده من المراجع الكبرى
للذاكرة. لكن يبقى مع ذلك هامشيا بفعل العالم الشّبحي الذي يسبح فيه،
وبفعل الفاعلين الذين يبدون تقريبا مثل كائنات فارغة وبدون كثافة جسمانية.
«الهامة»، التي تنتمي إلى نفس الجَذْر اللغوي، هي ذلك الطائر الذي يهيم
فوق أجداث الموتى، ويكون مألوفا في عالمهم الذي تطوف فيه كائنات خرافية.
يتم التركيز هنا على الجانب المحطّم من الحبّ، وعلى هامشية يحميها
الاستشهاد القرآني من هجمات حرّاس الفضيلة.
وهناك كلمة أخرى تسلط الضوء على قوّة العلاقة العاطفية، وهي كلمة
«المتيّم». والتّيْم هو الشخص الولهان والمفتون إلى حدّ الجنون، هو عبْد
للحبّ يعيش بعيدا عن الآخرين، وفي منأى عنهم. نجد هنا، كما هي الحال مع
كلمة «الهيام»، العاشق المفتون الذي يؤكّده ترادف كلمة «تيماء» مع الصحراء
التي لا ماء فيها. ويعتبره ابن العربي مرادفا لفعل «عَشَقَ». و»التَّيْمة»
هي الشاة التي تُذبح في المجاعة، أو تلك التي تنتظر أن تُذبح، أي هي
الدّابة المهيّأة للتضحية (والإتئام ذبحها). نحن أمام كلمة لم يتمّ
إبعادها وملاحقتها بسبب محتواها العبوديّ على وجه الخصوص، والذي يمكن
للألوهية أن تستعملها لحسابها بدون مجازفة ولا خوف. وهكذا، ف»تيم الله»
تعني: عبده، كما تقول: عبد الله، التي هي مرادف لها. ليست هناك علاقة
تبادليّة في مثل هذه العلاقة التي تصل إلى حدّ التضحية، والتي تنسجم مع
وهْب النفس الذي يفترضه حبّ الله.
مشكلة كلمة «العشق» هو أنها تتضمّن العنصرين معا، الجنس المُطلق العنان،
حسب تعبير حرّاس الأخلاق، كما يتضمّن الجنون. لكن ماذا عن الإبعاد الذي
طاله؟


1 ـ سورة الواقعة، الآيتان: 54، 55
izarine
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1855
العمر : 60
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

القصر والسلطة والسماء...في جذور الخطاب الديني - صفحة 2 Empty العِشْقُ .. الفَقيهُ والعاشق (3)

مُساهمة من طرف izarine في الأحد 8 أغسطس 2010 - 15:29


مبالغة رجال الدين في الحشمة

أوّلا، ليس «العشق» وحده إذن هو المسؤول عن الطابع الاستعرائي، وإذا تبيّن
أنه بالفعل كذلك، في حدود أنّ هناك ألفاظا أخرى تحيل بدورها مثله بشكل
صريح على الجسد، بل وحتّى على بعض المناطق الحسّاسة، مع جعل المرأة فعليّا
كفاعل كامل في العلاقة الجنسية، وليس فقط محبوبة خاضعة. لقد احتفل الأدب
العربي بالجسد النّسوي في جميع محاسنه، بدءا من المسعى في الحصول عليها
وانتهاء بالممارسة الجنسية نفسها. ومن بين الوعود التي تنتظر الناس في
الجنّة، هناك الوعد الخاص بالحوريات الأبكار الكواعب، وهي مزايا. وهكذا،
إذن، فإنّ جاذبية وإغراء الجسد ليس دليلا كافيا وحده لتبرير إبعاد لفظة
ما. وحتى في النّصّ القرأني نفسه، فإن جسد المرأة حاضر بدون مواربة
:»نساؤكم حرث لكم فآتوا حرثكم أنّى شئتم»(1). وفي هذا نفس السياق تعتبر
الآية 187 من السّورة نفسها واضحة: « أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ
الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ
لَّهُنَّ». والملاحظ أنّ المترجمين لا ينتبهون إلى المعنى الدقيق لكلمة
«الرّفث» في الآية. فهي تعني الوطء والجماع، لكنها تشمل كلّ العمليات
الجنسية، بدءا من الإغراء إلى الجماع وما يترتّب عليه. غير أنّ الأهمّ من
ذلك، هو أنّ الرّفث «في الأصل» يعني الكلام الفاحش، بل إنه يعني كذلك ذلك
الكلام الذي يصدر عن النساء خلال العملية الجنسية(2). وهذا بعيد كلّ البعد
عن المبالغة في الحشْمة التي تصدر عن رجل الدين! فليس الجسد ولا اللّذّة
هما اللذان يطرحان مشكلا، وإنما السياق الذي امتُدحا واحْتُفلا بهما فيه،
حين لا يكون مسموحا به. صحيح أنّ الحجاب الذي فُرِض على النساء الحرائر
يعتبر رمزا لإبعاد وإخفاء الجسد عن النظر غير المسموح به، وهذا على الرغم
من أنّ الشعراء سوف يقومون، فيما بعد، بملاحقته وإبراز جاذبيته الجنسية
بصورة جمالية للغاية. لكن، ورغم الحجاب، فقد تمّ الاحتفاظ بفضاءات لحرّيّة
الجسد، ومن ثمّ تَرَكَ التشريع العربي الإسلامي الباب مُشرعا في وجْه
علاقات جنسية أكثر حرّيّة من خلال العبودية (اتخاذ الجواري). إنّ العرض
العلني في الأسواق للجواري، اللواتي يمكن للمرء فحصهنّ كما يحلو له، لم
يصدم بأيّ حال من الأحوال مفسّري القرآن الذين لم يحرموا هم أنفسهم منهنّ
حتى في حميميّة فراشهم الأسري. فالجارية منذورة بطريقة مشروعة لمتعة
الجسد. إنها «سُريّة»، وهذه الكلمة تحيل على «السّرّة»، أي بعبارة أخرى،
وكما تشير إلى ذلك الكلمة ذاتها، تحيل على أجمل منطقة في الجسد، التي هي
مكان للمتعة واللذة، للسّرور الذي يعبّر عنه الفعل «يتسارُّ». وما دام
الشيء بالشيء يُذكر، لا ينغي أن ننسى بأنّ لفظة «السرير»، التي تشير عادة
إلى فراش النوم، كما تشير غالبا إلى أريكة الملك، تُستعمل هنا بكلّ بساطة
متعة الملك. لكن، ففي الوقت الذي يعرضون فيه الجارية، ويبرزون مزاياها
الإيروسية، يطلقون على الزوجة الحرّة اسم «السِّرِّية». ومعنى هذا أنّ
العلاقة الجنسية معها، وحتى على فرض أن الغرض منها هو الإنجاب، لا تكون
إلاّ في السّرّ. بناء على هذا الحضور للجسد، الظّاهر أو الخفيّ، وعلى أيّة
حال المعلن جهارا في فضاءات النّخاسة، يبدو من المُستبعد كثيرا أن تكون
كلمة «عشق» قد تمّ ذمّها واستبشاعها بسبب جانبها الإيروسي. إنّ الهجوم
الذي تعرّضت له، وهو يتظاهر بمؤاخذة هذا الجانب، يسعى إلى تجنّب وتحاشي
موضوعه الحقيقيّ. ذلك أنّ الأمر، في حقيقة الأمر، يتعلّق بشيء آخر.

1 ـ سورة البقرة، الآية 223
2 ـ لسان العرب، الجزء الثاني، ص. 153
izarine
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1855
العمر : 60
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 2 من اصل 2 الصفحة السابقة  1, 2

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى