صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

«الرحلة الأخروية العلائية».. انتقام النص لصاحبه

اذهب الى الأسفل

«الرحلة الأخروية العلائية».. انتقام النص لصاحبه Empty «الرحلة الأخروية العلائية».. انتقام النص لصاحبه

مُساهمة من طرف السعدية الجبلية في الإثنين 17 يناير 2011 - 21:37

شاعر المعرة، أو «رهين المحبسين» أبو العلاء المعري هو نسيج وحده في تراث
الشعرية العربية، مرة لخصوصية التجربة الشعرية التي حملت الكثير من الآراء
والمواقف الفكرية التي تتقاطع في سجال دائم مع فضاء عصره والعصور السابقة
عليه، ومرة لفرادة الموقف الشخصي الذي حرص على أن يطابق موقفه العام من
الحياة كنوع من الالتزام الوجودي، من هذا المنطلق فهو يطرح علينا سؤالا
مبدئيا: أي إنسان نريد أن نكون؟ أذلك الذي يطرح نفسه للآخرين دون شك في
ذاته ودون أن تمثل له سؤالا، أم ذاك الذي تستغرق حياته محاولة اكتشافه
لنفسه، ولو أدى به ذلك إلى العزلة؛ العزلة بمعناها الإيجابي كإعادة تقويم
للتجربة الإنسانية، ومن ثم فهي لا تخلو من الجدل والحوار الدائم؟
من
هذا المدخل يعيد د. مرسل العجمي اكتشاف أبي العلاء في كتابه «الرحلة
الأخروية العلائية.. أطراف رسالة الغفران» الصادر عن دار «مسعى». الجديد
في هذا الكتاب أنه لا يتكئ على المعطيات التاريخية المباشرة في تأويل
شخصية المعري، فيدخل في سجال مع مؤرخي حياته ومترجميه، كذلك لا يعمد إلى
شرح نصوصه شرحا موضوعيا، بحثا عن مقولات تؤيد رؤيته. بل يستخدم منهجا
مركبا من عدة وجوه.
مغامرة بحثية
أولا يعد اختيار العجمي لرسالة
الغفران مغامرة في حد ذاتها، فهي أولا «رسالة»، أي أنها تفترض الآخر وليست
تعبيرا صافيا عن الذات يمكننا من استخلاص آرائها المباشرة، لكن العجمي
يعيد اكتشاف الرسالة من خلال آليتها المزدوجة التي تكشف عن هدفين، أحدهما
الرد على ابن القارح ـ الذي كان السبب وراء كتابتها ـ والثاني استخدام هذه
الرسالة بلعبة قلب وتخييل لتصبح معبرة في الوقت نفسه عن آراء المعري
ومواقفه. ومن ثم يختار العجمي الطريق الأصعب لإبراز شخصية المعري، أي
كيفية استثماره للحدث الشخصي، وهو وصول رسالة ابن القارح إليه حاملة
اتهاما له في عقيدته وتعاليا وإدلالا مواربا عليه. فالمعري لم ينزلق في
هذا السجال الذي دفعه خارج محبسه لينتقم لذاته مستسلما للعبة التظاهر
الكاذب، بل إنه في القسم الأهم من الرسالة ـ وهو الرحلة الأخروية ـ قام في
لعبة مزدوجة بالكشف عن حقيقة ابن القارح المدعية من جهة، واستثمر شخصيته
ذاتها ـ حيث جعل من ابن القارح بطلا للرحلة ـ لكي تعبر عن أفكار المعري
ونظراته النقدية لكثير من معارفه، فجاءت أسماء شعراء وعلماء عاشوا في
الذاكرة العلائية التي لم تكن قط معتزلة عن ضعف.
اكتشاف القصد
يستخدم
العجمي أدوات النقد الحديث التي ترتكز على النص من جهة، والتي تفرق بين
المؤلف الحقيقي الذي «يعيش حياة متدفقة من حيث الجريان، وغامضة ومجهولة
للآخرين من حيث القصد»، ومن ثم «لن نستطيع بيقين أن نحدد قصده»، والمؤلف
الضمني المقيد بالنص، والذي من خلاله يمكننا اكتشاف قصدية النص.
وإذا
كانت «رسالة الغفران» موجهة للرد على ابن القارح، فإن العجمي بالمثل يفرق
بين القارئ الفعلي المستهدف بالنص وهو ابن القارح نفسه، وبين القارئ
الضمني الذي قد يكون كل الناس، أو قد يكون المعري نفسه وكأنه في حوار مع
ذاته. غير أن العجمي، وهو يستخدم هذه الاستراتيجية لا يعزل تماما الوجود
التاريخي للرجلين، ولكنه يضاهي بين موقفي كل منهما في الحياة وما يقوله نص
كل منهما كاشفا عن حقيقته، ومن ثم يقابل العجمي بين اتساق موقف شاعر
المعرة، وبين انكشاف موقف ابن القارح الذي يكشف نصه عن ادعائه، ويفضح
نواياه الحقيقية، ويضعه في مكانه المتواضع تاريخيا وأدبيا. وكأن النص «أو
المؤلف الضمني فيه»، وهو حصيلة الثقافة والتجربة الفريدة، هو القاضي
العادل الذي يمكننا من وضع الأمور في نصابها. وهو ما لم نتمكن منه إذا
اكتفينا بقراءة التراجم التاريخية، أو صدقنا ظواهر النصوص.
إضاءات
من
هنا يعمد العجمي إلى تقسيم كتابه إلى مقدمة قصيرة بعوان «إضاءات»، يضع
فيها سؤاله المركزي، وثلاثة فصول هي: المؤلف، البطل، الرحلة.
في
الفصل الأول يرتكز العجمي على رسالتين لأبي العلاء المعري تتصلان بالرحلة
البغدادية التي قرر بعدها اعتزال الناس، الأولى أرسلها لأهل المعرة قبيل
وصوله إليهم من بغداد، والأخرى أرسلها إلى خاله في حلب بعيد وصوله إلى
معرة النعمان، وهما تكشفان عن «مرحلة وسطى تمزقت في أثنائها حياة المعري
العقلية والنفسية بين قطبين متناقضين: نزعة إنسية تغريه باقتحام العالم،
وغريزة وحشية تدفعه إلى النفور من الدنيا والناس».
وبعد أن يقدم
الرؤية القديمة لمترجمي أبي العلاء بين المحايد و«المؤلدج»، والمضاد
والمؤيد، يشرع العجمي في قراءته الجديدة. ويرى العجمي أن الرحلة البغدادية
كانت الحد الفاصل الذي كشف للمعري عدم قدرته على التأقلم. وتترجح غريزة
التوحش منتصرة للعزلة. ويرى العجمي أن حياة أبي العلاء وموقفه العملي كانا
متسقين في وحدة أقرب إلى المذهب الأبيقوري، ومن ثم طلق السياسة والمرأة
معا.
البطل العكسي
يأتي الفصل الثاني مقابلا للأول بعنوان «البطل»،
متناولا شخصية ابن القارح. وبالمنهج ذاته يقدم أولا «الشخص» خارج النص كما
ورد في المصادر القديمة. ويعود اهتمام العجمي بابن القارح لاعتباره أن
الخطأ الذي وقع فيه مفسرو رسالة الغفران يعود إلى تجاهلهم لدافعها
الأساسي، وهو رسالة ابن القارح نفسه إلى المعري. ومن خلال الرسالة
القارحية يبرز العجمي تبجح صاحبها وغمزه للمعري في عقيدته.
وبالمقابل،
فقد كشف المعري، من خلال التهكم، عن نفسية ابن القارح وادعاءاته. فهو
يتلاعب من خلال رفضه لآلية المديح المفرط الذي يكيله له ابن القارح، فاضحا
منطق العداوة المستبطن في هذا المديح، ومصححا للعديد من أخطاء الأخير.
ويفرق العجمي بين القارئ الحقيق للرسالة وبين القارئ المحتمل (وهو كل
قارئ)، موضحا تلاعب المعري بمنطقي القراءة كليهما «إن التمييز بين المخاطب
السردي: القارئ المحتمل هنا، وبين موضوع الرسالة: ابن القارح، يضعنا أمام
السمة الأساسية لـ«رسالة الغفران»، أقصد الكتابة التهكمية». لكن هذه
الآلية تبرز أمرا آخر وهو عدم اكتفاء أبي العلاء بالرد الشخصي، فهو إنما
يتخذ منه تكأة لينطلق إلى رؤاه الإنسانية، متجاوزا الغرور الشخصي، إلى أفق
أديب يهمه بالأساس التعبير عن رأيه، وهو ما يفسر السمة الإبداعية في
الرسالة مقارنة برسالة ابن القارح.
نهاية الرحلة
في الفصل الثالث
«الرحلة» يتحول ابن القارح من خلال آلية سردية إلى بطل للرحلة، مرة من
خلال الوصف، وأخرى من خلال تحوله إلى «سارد». ولكن المعري في الحقيقة
يستخدمه كقناع وشخصية سردية «يتحدث بها ومن خلالها، عن موضوعات ومسائل
وشعراء وأدباء لا يرتقي ابن القارح معرفيا إلى مستوى الحديث عنها»، وهي
موضوعات تغطي جوانب واسعة من الثقافة الإسلامية.
وهكذا يبرز الفارق
بين الشخصية التي ابتدعها المعري وتحدث من خلالها مبرزا ثقافته، وبين ابن
القارح الحقيقي خارج الرحلة، حيث يكفي تناقض الصورتين في الكشف عن حقيقة
صاحبيهما، في لعبة «تهكم المؤلف الضمني بالبطل». والخلاصة أن تحول رسالة
إخوانية لها حافز زمني مباشر، إلى عمل أدبي رفيع جاء اتساقا مع شخصية
المعري، ليضعنا أمام الصورة أو القضية التي بدأ بها الكتاب، وهي المقارنة
بين الأنا الاستعراضية الخاوية، وبين الأنا الباحثة القلقة التي تسعى بغض
النظر عن رضا الآخرين إلى الاتساق والمكاشفة.

مهاب نصر

«الرحلة الأخروية العلائية».. انتقام النص لصاحبه 128795Pictures20110118fe6b781b8a334aa68c94bd67906dbd1a
السعدية الجبلية
السعدية الجبلية

انثى عدد الرسائل : 524
العمر : 55
تاريخ التسجيل : 31/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى